إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

5 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


5

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


وإنه بعث بهذا البطريق طليعة وقد قتل وكأنكم به‏.‏
فقال عمرو‏:‏ إن الله يقتله كما قتل صاحبكم ثم عرض عليهم الإسلام فما أحد منهم أسلم‏.‏
فقال عمرو للمسلمين‏:‏ كأنكم بصاحبهم وقد أتى يأخذ ثأرهم وهؤلاء تركهم علينا بلاء ثم أمر بضرب أعناقهم وصاح بالمسلمين استعدوا فإني أظن أن القوم سائرون فإن أتوا إلينا فهم في شدة وقوة وسنلقي منهم تعبًا في القتال وإن سرنا إليهم نرجو من الله النصر والظفر بهم كما ظفرنا بغيرهم وما عودنا الله إلا خيرًا‏.‏
قال أبو الدرداء‏:‏ وبتنا مكاننا‏.‏
فلما جاء الله بالصباح رحلنا فما بعدنا غير قليل حتى أشرقت علينا عشرة صلبان تحت كل صليب عشرة آلاف فارس‏.‏
فلما أشرف الجيش على الجيش أقبل عمرو ورتب أصحابه وجعل في الميمنة الضحاك وفي الميسرة سعيدًا وأقام على الساقة أبا الدرداء وثبت عمرو في القلب ومعه أهل مكة وأمر الناس يقرأون القرآن‏.‏
وقال لهم‏:‏ اصبروا على قضاء الله وارغبوا في ثواب الله وجنته ثم إنه جعل يصفهم ويعبيهم تعبية الحرب ونظر روبيس بطريق الروم إلى عسكر المسلمين وقد صفهم عمرو بن العاص لا يخرج سنان عن سنان ولا عنان عن عنان ولا ركاب عن ركاب وهم كأنهم بنيان مرصوص وهم يقرأون القرآن‏.‏
والنور يلمع من نواصي خيولهم فشم منهم رائحة النصر وتبين عن نفسه الجزع وعلم أن كل من معه كذلك فوقف ينظر ما يكون من المسلمين وانكسرت حميته‏.‏
قال‏:‏ وكان أول من برز من جيش المسلمين سعيد بن خالد رضي الله عنه وهو أخو عمرو بن العاص من أمه‏.‏
فلما برز نادى برفيع صوته‏:‏ ابرزوا يا أهل الشرك ثم حمل على الميمنة فألجأها إلى الميسرة وحمل على الميسرة فألجأها إلى الميمنة وقتل رجالًا وجندل أبطالًا ثم اقتحم فيهم فشوشهم وزعزع جيشهم‏.‏
قال‏:‏ فاجتمعوا عليه فقتلوه رحمة الله عليه‏.‏
قال‏:‏ فحزن المسلمون على قتله حزنًا عظيمًا وأكثرهم عمرو بن العاص‏.‏
وقال‏:‏ واسعيداه لقد اشترى نفسه من الله عز وجل‏.‏
ثم قال‏:‏ يا فتيان من يحمل معي هذه الحملة حتى ننظر ما يكون من أمرها وأنظر حال سعيد‏.‏
قال‏:‏ فأسرع بالإجابة ذو الكلاع الحميري وعكرمة بن أبي جهل والضحاك والحارث بن هشام ومعاذ بن جبل وأبو الدرداء وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين‏.‏
قال عبد الله‏:‏ وكنا سبعين رجلًا وحملنا حتى دنونا من القوم وهم لا يفكرون من حملتنا لأنهم جبال من حديد‏.‏
قال الواقدي رحمه الله عليه‏:‏ فلما رأى المسلمون ثبات الروم صاح بعضنا لبعض‏:‏ ابعجوا دوابهم فما هلاكهم غير ذلك قال‏:‏ فبعجنا دوابهم بالأسنة فتنكسوا فبعد انتكاسهم تفرق بعضهم عن بعض وحملوا علينا وحملنا عليهم وكنا فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وكان شعارنا يوم فلسطين‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله يا رب انصر أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو الدرداء‏:‏ فلقد شغلني الحرب عن مناشدة الأشعار ولقد كان أحدنا لا يدري أهو يضرب أخاه أو عدوه من كثرة القتام قال‏:‏ فثبت المسلمون مع قلتهم وفوضوا أمرهم إلى الله عز وجل وما كان أحد من المسلمين يضرب إلا وظهره ناطق بالدعاء يقول‏:‏ اللهم انصرنا على من يتخذ معك شريكًا‏.‏
قال عبد الله بن عمر بن الخطاب‏:‏ فلم يزل الحرب بيننا إلى وقت الزوال وهبت الرياح والناس في القتام إذ نظرت إلى السماء وقد انفرج فيها فرج وخرجت عنها خيول شهب تحمل رايات خضرًا أسنتها تلمع وعناد ينادي بالنصر ابشروا يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد أتاكم الله بالنصر‏.‏
قال‏:‏ فما كان غير قليل إذ نظرت إلى الروم منهزمين والمسلمون في أعقابهم لأن خيل العرب أسبق من خيل الروم‏.‏
قال ابن عمر‏:‏ فقتلنا في هذه الواقعة قريبًا من خمسة عشر ألف فارس وأكثر ولم نزل في آثارهم إلى الليل وعمرو بن العاص قد فرح بالنصر وقلبه متعلق بالمسلمين لإسراعهم وراء العدو وقال عمرو بن غياث‏:‏ فنظرت إلى عمرو بن العاص والراية في يده وقد أوفى القناة على عاتقه وهو يعركها بيده ويقول‏:‏ من يرد الناس علي رد الله عليه ضالته إذ نظرت العرب قد عطفت راجعة كعطفة الأم على ولدها فاستقبلهم عمرو وهو يقول‏:‏ هنيئًا لهذه الوجوه التي تعبت في رضا الله تعالى أما كان لكم كفاية في أن خولكم الله حتى اتبعتم العدو فقالوا‏:‏ ما أردنا الغنيمة بل القتال والجهاد قال‏:‏ ولما رجع المسلمون لم يكن لهم همة إلا افتقاد بعضهم بعضًا ففقد من المسلمون مائة وثلاثون رجلًا ختم الله لهم بالسعادة منهم سيف بن عبادة ونوفل بن دارم والأهب بن شداد والباقي من اليمن ووادي المدينة‏.‏
قال‏:‏ فاغتم عمرو لفقدهم ثم راجع نفسه وقال‏:‏ قد نزل بهم خير وأنت يا عمرو تأبى ذلك‏.‏
ثم ندب الناس إلى الصلاة كما أمره أبو بكر الصديق رضي الله عنه فصلى ما فاته كل صلاة بأذان وإقامة قال ابن عمر‏:‏ ما صلى خلفه إلا قليل بل صلى الناس في رحالهم من تعبهم ولم يجمعوا من الغنائم إلا القليل وبات الناس فلما أصبح عمرو أذن وصلى بهم وأمر الناس بجمع الغنائم وأن يخرجوا إخوانهم المؤمنين من الروم فجعلوا يلتقطونهم‏.‏
قال‏:‏ فأخرجوا مائة وثلاثين رجلًا ووجدوا سعيد بن خالد فلما نظر عمرو إلى ما نزل به بكى وقال‏:‏ رحمك الله فقد نصحت لدين الله وأديت النصيحة ثم جعله في جملة المسلمين وصلى عليهم وأمر بدفنهم وذلك قبل أن يخمس شيئًا من الغنائم ثم بعد ذلك جمعها إليه وكتب إلى أبي عبيدة كتابًا يقول فيه‏:‏ كتاب عمرو بن العاص إلى أبي عبيدة بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن العاص إلى أمين الأمة أما بعد‏:‏ فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإني قد وصلت إلى أرض فلسطين ولقينا عساكر الروم مع بطريق يقال له روبيس في مائة ألف فارس فمن الله بالنصر وقتل من الروم خمسة عشر ألف فارس وفتح الله على يدي فلسطين بعد أن قتل من المسلمين مائة وثلاثون رجلًا فإن احتجت إلي سرت إليك والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏
ودفع الكتاب إلى أبي عامر الدوسي وأمره أن يسير إلى أبي عبيدة‏.‏
قال‏:‏ فأسرع أبو عامر بالكتاب فوجد أبا عبيدة وهو نازل بأرض الشام وجاهر بالدخول إليها غير أنه أمره كما أمره أبو بكر‏.‏
قال‏:‏ فلما وصل أبو عامر قال له أبو عبيدة‏:‏ ما وراءك‏.‏
قال‏:‏ خير هذا كتاب من عمرو بن العاص يخبرك بما فتح الله على يديه ثم سلم إليه الكتاب فلما قرأه خر ساجدًا فرحًا بنصر الله ثم قال‏:‏ والله قتل من المسلمين رجال أخيار منهم سعيد بن خالد‏.‏
قال أبو عامر‏:‏ فكان خالد والده جالسًا فلما سمع بأن ولده قد قتل قال‏:‏ وا ابناه وجعل يبكيه حتى بكى المسلمون لبكائه ثم إن خالدا أسرع إلى فرسه فركبها وعزم إلى أرض فلسطين لينظر إلى قبر ولده‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ كيف تسير وتدعنا‏.‏
فقال‏:‏ إنما أنظر قبر ولدي وأرجو الله أن يلحقني به قال‏:‏ وكتب أبو عبيدة كتابًا لعمرو بن العاص يقول فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم إنما أنت مأمور فإن كان أبو بكر أمرك أن تكون معنا فسر إلينا وإن كان أمرك بالثبات في موضعك فاثبت والسلام عليك ورحمة الله وبركاته‏.‏
وطوى الكتاب وسلمه إلى خالد بن سعيد وسار مع أبي عامر إلى أن أتيا إلى جيش عمرو بن العاص فدفع له الكتاب وهو يبكي فوثب عمرو وصافح خالدًا ورفع منزلته وعزاه في ولده سعيد وعزاه المسلمون‏.‏
فقال خالد‏:‏ يا أيها الناس هل أروى سعيد رمحه وسيفه في الكفار قالوا‏:‏ نعم‏.‏
فلقد قاتل وما قصر ولقد جاهد في الدين ونصر‏.‏
فقال‏:‏ أروني قبره قال‏:‏ فأروه إياه فأقام على القبر وقال‏:‏ يا ولدي رزقني الله الصبر عليك وألحقني بك وإنا لله وإنا إليه راجعون والله إن مكنني الله لآخذن بثأرك يا ولدي عند الله احتسبتك ثم قال لعمرو بن العاص‏:‏ إني أريد أن أسري بسرية في طلب القوم فلعل أن أجد فيهم فرصة أو غنيمة وأكون قد أخذت بثأر ولدي فقال عمرو‏:‏ إن الحرب أمامك يا ابن الأم‏.‏
فإذا رأيت الروم فلا تبق عليهم‏.‏
فقال خالد‏:‏ والله لأسيرن إليهم ثم أخذ خالد أهبته للمسير وعزم أن يسير وحده فركب معه ثلاثمائة فارس من فتيان حمير فساروا يومهم ذلك أجمع وأرادوا النزول في الأودية ليعلفوا دوابهم ويسيروا ليلتهم إذ نظر خالد بن سعيد إلى أشباح على ذروة جبل هناك عال منيع‏.‏
فقال لأصحابه‏:‏ إني أرى أشباحًا على ذروة هذا الجبل ونحن في هذا الوادي ثم قال‏:‏ كونوا في أماكنكم ثم نزل عن فرسه وتقلد سيفه والتحف بإزاره وقال‏:‏ اعلموا أن القوم ما علموا بنا ولو نظروا إلينا ما ثبتوا في أماكنهم فمن منكم يبذل نفسه ويصنع كما أصنع قالوا‏:‏ كلنا لك قال‏:‏ فطافوا في الجبل حتى أشرفوا على القوم وهم في أماكنهم فعند ذلك قال‏:‏ خذوهم بارك الله فيكم فأسرع إليهم المسلمون فقتلوا منهم ثلاثين وأسروا أربعة فسألهم خالد بن سعيد عن حالهم فإذا هم من أنباط الشام فقالوا‏:‏ نحن من أهل هذا البقيع والجامعة وكفار القرية وقد عظم علينا دخول العرب إلى بلادنا وقد فزعنا منهم فزعًا عظيمًا وقد هرب أكثرنا إلى الحصون والقلاع وقد اعتصمنا نحن بهذا الجبل لأنه ليس في الرستاق أحصن منه فعلونا عليه وأنتم كبستمونا‏.‏
قال خالد‏:‏ فما بلغكم عن جيش الروم‏.‏
قالوا‏:‏ بأجنادين وهذا البطريق أقبل إلينا ليأخذ الميرة والعلوفة وقد جمعوا له الدواب والبغال والحمير تحمل الميرة وهم مع ذلك خائفون أن تلحقهم خيل العرب وهذا خبر قومنا ولا شك أنهم رحلوا من يومهم قال‏:‏ فلما سمع خالد بن سعيد مقالتهم قال‏:‏ غنيمة للمسلمين ورب الكعبة ثم قال‏:‏ اللهم انصرنا عليهم‏.‏
ثم سأل على أي طريق سار القوم قالوا‏:‏ على هذه الطريق التي أنتم عليها لأنها أوسع الطرق كلها وأما الميرة فإنها مجموعة من حول البلاد فلما سمع خالد كلامهم قال لهم‏:‏ أسلموا فقالوا له‏:‏ ما نعرف إلا دين الصليب ونحن فلاحون قال‏:‏ فهم خالد بقتلهم‏.‏
فقال رجل من أصحابه‏:‏ دعهم يدلونا على الطريق إلى ميرة القوم فأجابوهم إلى ذلك وساروا وهم يدلونهم إلى تل عظيم‏.‏
قال‏:‏ فتوافق القوم وهم يحملون دوابهم حول التل ومعهم ستمائة لابس من القوم فلما نظر خالد إلى ذلك قال لأصحابه‏:‏ أعلموا أن الله تعالى قد وعدكم بالنصر على عدوكم وفرض عليكم الجهاد وهذا جيش العدو أمامكم فارغبوا في ثواب الله تعالى واسمعوا ما قال الله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 4‏]‏‏.‏ وها أنا أحمل فاحملوا ولا يخرج أحد عن صاحبه‏.‏
ثم إن خالدًا حمل وحمل أصحابه قال‏:‏ فلما رأونا استقبلونا وانهزم من كان مع الدواب من الفلاحين وصبرت الخيل لقتالنا ساعة من النهار قال‏:‏ فبينما ذو الكلاع الحميري يشجع أصحابه ويقول‏:‏ يا أهل حمير أبواب الجنة فتحت والحور العين قد تزخرفت وإذا بصاحب القوم قد لقيه خاد فعرفه بلامته وحسن زيه‏.‏
قال‏:‏ فاستقبله وصرخ فيه فأرعبه ثم قال‏:‏ يا لثأر ولدي سعيد وطعنه طعنة صادقة فجندله صريعًا كأنه برج من حديد وما بقي أحد إلا قتل من الروم‏.‏
قال‏:‏ فلما رأى الروم ذلك ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وقتل منهم ثلاثمائة وعشرون فارسًا وولى الباقون منهزمين وتركوا الأثقال والبغال والميرة وأخذ المسلمون الجميع بعون الله تعالى‏.‏
قال‏:‏ وأطلق سراح الفلاحين وعاد خالد ومن معه بالغنائم والميرة إلى عمرو بن العاص ففرح بسلامتهم وشكر فعلهم وكتب كتابًا إلى أبي بكر الصديق وذكر له ما جرى مع الروم وبعث الكتاب مع أبي عامر الدوسي رضي الله عنه وأخذه وقدم به المدينة وأعطاه أبا بكر الصديق رضي الله عنه‏.‏
فلما قرأه على المسلين فرحوا وضجوا بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير ثم إن أبا بكر استخبر عن أبي عبيدة‏.‏
فقال له عامر‏:‏ إنه قد أشرف على أوائل الشام ولم يجسر على الدخول إليها وإنه سمع أن جيوش الملك قد اجتمعت من حول أجنادين وهم أمم لا تحصى وقد خاف على المسلمين أن يتوسط بهم عدوهم‏.
  خالد بن الوليد في الشام
فلما سمع أبو بكر ذلك علم أن أبا عبيدة لين العريكة لا يصلح لقتال الروم وعول أن يكتب إلى خالد بن الوليد ليوليه على جيوش المسلمين وقتال الروم قال‏:‏ واستشار المسلمين في ذلك فقالوا‏:‏ الرأي ما تراه وكتب كتابًا يقول فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عتيق بن أبي قحافة إلى خالد بن الوليد سلام عليك‏:‏ أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وإني قد وليتك على جيوش المسلمين وأمرتك بقتال الروم وأن تسارع إلى مرضاة الله عز وجل وقتال أعداء الله وكن ممن يجاهد في الله حق جهاده ثم كتب ‏{‏يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم‏}‏‏.‏ ‏[‏الصف‏:‏ 10‏]‏ الآية‏.‏ وقد جعلتك الأمير على أبي عبيدة ومن معه‏.‏
وبعث الكتاب مع نجم بن مقدم الكناني فركب على مطيته وتوجه إلى العراق فرأى خالدًا رضي الله عنه قد أشرف على فتح القادسية فدفع إليه الكتاب فلما قرأه قال‏:‏ السمع والطاعة لله ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ارتحل ليلًا وأخذ طريقة عن اليمين وكتب كتابًا إلى أبي عبيدة يخبره بعزله وبسيره إلى الشام وقد ولاني أبو بكر على جيوش المسلمين فلا تبرح من مكانك حتى أقدم عليك والسلام‏.‏
وبعث الكتاب مع وأما خالد فلما وصل إلى أرض السماوة قال‏:‏ أيها الناس إن هذه الأرض لا تدخلونها إلا بالماء الكثير لأنها قليلة الماء ونحن في جيش عظيم والماء معكم قليل فكيف يكون الأمر فقال له رافع بن عميرة الطائي رضي الله عنه‏:‏ أيها الأمير إني أشير عليك بما تصنع فقال‏:‏ يا رافع أرشدك الله بما نصنع ووفقك الله مولانا جل وعلا للخير قال‏:‏ فأخذ رافع ثلاثين جملًا وعطشها سبعة أيام ثم أوردها الماء فلما رويت حزم أفواهها ثم ركبوا المطايا وجنبوا الخيول وساروا فكانوا كلما نزلوا منزلًا اخذوا عشرة من الإبل يشقون بطونها ويأخذون ما يجدون من الماء في بطونها فيجعلونه في حياض الادم فإذا برد سقوه للخيل وأكلوا اللحم ولم يزالوا كذلك حتى تمت الإبل وفرغ الماء وقطعوا مرحلتين بلا ماء وأشرف خالد ومن معه على الهلاك‏.‏
فقال خالد لرافع بن عميرة‏:‏ يا رافع قد أشرفنا على الهلاك والتلف أتعرف لنا ماء ننزل فيه‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وكان رافع رمدت عيناه‏.‏
فقال‏:‏ أيها الأمير أتاني رمد كما ترى ولكن إذا أشرفتم على أرض سهلة فأعلموني‏.‏
قال‏:‏ فلما أشرفوا عليها أعلموا رافعًا بذلك‏.‏
قال‏:‏ فرفع طرف عمامته عن عينيه وسار على راحلته يضرب يمينًا وشمالًا والناس من ورائه إلى أن أقبل على شجرة من الأراك فكبر وكبر المسلمون ثم قال‏:‏ احفروا هنا‏.‏
قال‏:‏ فحفرت العرب وإذ الماء قد طلع كالبحر فنزل الناس عليه وشكروا الله تعالى وأثنوا عليه وعلى رافع خيرًا ثم وردوا الماء وسقوا خيلهم وإبلهم ثم جذوا في طلب من انقطع من المسلمين ومعهم القرب بالماء‏.‏
قال‏:‏ فسقوهم فارتجعت قوتهم‏.‏
ثم لحقوا بالجيش وأراحوا أنفسهم ثم في ثاني يوم جدوا في المسير إلى أن بقي بينهم وبين أركة مرحلة واحدة فبينما هم كذلك إذ أشرفوا على حلة عامرة وأغنام وإبل قد سدت الفضاء والمستوي فأسرع المسلمون إلى الحلة وإذا براع يشرب الخمر وإلى جانبه رجل من العرب مشدود‏.‏
قال‏:‏ فتبينه المسلمون وإذا هو عامر بن الطفيل الذي أرسله خالد‏.‏
قال‏:‏ فأقبل خالد بن الوليد مسرعًا حتى وقف عليه فلما رآه تبسم وقال‏:‏ يا ابن الطفيل كيف كان سبب أسرك‏.‏
قال عامر‏:‏ أيها الأمير إني أشرفت على هؤلاء القوم في هذه الحلة وقد أصابني الحر والعطش فملت إلى هذا الوادي ليسقيني من اللبن فوجدته يشرب خمرًا‏.‏
فقلت له‏:‏ يا عدو الله أتشرب الخمر وهي محرمة‏.‏
فقال لي‏:‏ يا مولاي إنها ليست بخمر وإنما هي ماء زلال فأنزل كي تراه واستنشق ما في الجفنة فإن كان خمرًا فافعل ما بدا لك فلما سمعت كلامه أنخت المطية ونزلت عن كورها وجلست على ركبتي في الجفنة وإذا أنا بالعبد قد طلبني بعصا كانت إلى جانبه وضربني على رأسي فشجني شجة موضحة فانقلبت على جانبي فأسرع العبد إلي وشدني كتافًا وأوثقني رباط وقال لي‏:‏ أظنك من أصحاب محمد بن عبد الله ولست أدعك من بين يدي أو يقدم سيدي من عند الملك‏.‏
فقلت له‏:‏ ومن سيدك من العرب فقال‏:‏ القداح بن وائلة وإني عند هذا العبد كلما شرب الخمر أحضرني كما ترى وألقى علي فضلة من كأسه‏.‏
قال‏:‏ فلما سمع خالد بن الوليد كلام عامر بن الطفيل اشتد به الغضب ومال على العبد وضرب ضربة هائلة فجندله صريعًا ونهب المسلمون المال والأغنام والإبل وقلعوا الحلة بما فيها وأطلق عامرًا وقال له‏:‏ أين رسالتي يا عامر فقال‏:‏ يا مولاي هي في طرف عمامتي لم يعلم بها العبد‏.‏
فقال خالد‏:‏ انطلق بها يا عامر على بركة الله تعالى‏.‏
قال‏:‏ فركب عامر وسار يطلب الشام وارتحل خالد من موضعه ذلك فنزل بأركة وهي رأس الأمانة لمن يخرج من العراق وكانت الروم تمسك بها القوافل وكان عليها بطريق من قبل الملك فأغار خالد عليها وأخذ ما كان فيها وتحصن أهلها بحصنها وكان يسكن فيها حكيم من حكماء الروم وقد طالع الكتب القديمة والملاحم فلما رأى المسلمين وجيشهم انتقع لونه وقال‏:‏ اقترب الوقت وحق ديني‏.‏
فقال أهل أركة‏:‏ وكيف ذلك‏.‏
قال‏:‏ إن عندي ملحمة فيها ذكر هؤلاء القوم وإن أول راية تشرف من خيلهم هي الراية المنصورة وقد دنا هلاك الروم فانظروا إن كانت رايتهم سوداء وأميرهم عريض اللحية طويل ضخم بعيد ما بين المنكبين واسع الهيكل في وجهه أثر جدري لهو صاحب جيشهم في الشام وعلى يديه يكون الفتح‏.‏
قال‏:‏ فنظر القوم وإذا الراية على رأس خالد وهي كما قال حكيمهم‏.‏
قال‏:‏ واجتمعوا على بطريقهم وقالوا له‏:‏ أنت تعلم أن الحكيم سمعان لا ينطق إلا بالحق والحكمة وقد قال كذا وكذا‏.‏
والذي وصفه لنا رأيناه عيانًا ونرى من الرأي أن نعقد بيننا وبين العرب صلحًا ونأمن على حريمنا وأنفسنا‏.‏
فلما سمع ذلك بطريقهم قال‏:‏ أخروني إلى غد لأرى من الرأي‏.‏
قال‏:‏ فانصرفوا من عنده وبات البطريق يحدث نفسه ويدبر أمره وكان عارفًا عاقلًا خبيرًا بالأمور وقال‏:‏ إن أنا خالفتهم خفت أن يسلموني للعرب وقد تحقق أن روبيس سار بجيش عظيم فهزمهم العرب ولم يزل يراود نفسه إلى أن أصبح الصباح فدعا قومه‏.‏
وقال‏:‏ على ماذا عولتم قالوا‏:‏ عولنا على أننا نقيم الصلح بيننا وبين العرب‏.‏
فقال البطريق‏:‏ أنا واحد منكم مهما فعلتم لا أخالفكم‏.‏
قال‏:‏ فخرج مشايخ أركة إلى خالد وكلموه في الصلح فأجابهم إلى الصلح وألان الكلام لهم وتلقاهم بالرحب والسعة ليسمع بذلك أهل السخنة ويبلغ الخبر لأهل قدمة وكان الوالي عليهم بطريق اسمه كوكب فجمع رعيته وقال لهم‏:‏ بلغني عن هؤلاء العرب أنهم فتحوا أركة والسخنة وأن قومنا يتحدثون بعدلهم وحسن سيرتهم وأنهم لا يطلبون الفساد وهذا حصن مانع لا سبيل لأحد علينا ولكن نخاف على نخلنا وزرعنا وما يضرنا أن نصالح العرب فإن كان قومنا هم الغالبين فسخنا صلحهم وإن كان العرب ظافرين كنا آمنين‏.‏
قال‏:‏ ففرح قومه بذلك وهيئوا العلوفة والضيافة حتى خرج خالد‏.‏
رضي الله عنه من أركة ونزل عليهم فخرجوا إليه بالخدمة وصالحهم على ثلثمائة أوقية من الذهب وكتب لهم كتابًا بالصلح ثم ارتحل عنها إلى حوران وبلغ عامر بن الطفيل كتاب خالد إلى أبي عبيدة فلما قرأه تبسم وقال‏:‏ السمع والطاعة لله تعالى ولخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعلم المسلمين بعزله وولاية خالد بن الوليد وكان أبو عبيدة وجه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بصرى في أربعة آلاف فارس‏.‏
قال‏:‏ فسار على فنائها وكان على بصرى بطريق عظيم الشأن والقدر عند الملك وعند الروم اسمه روماس وكان قرأ الكتب السالفة والأخبار الماضية وكان يجتمع إليه الروم من أقصى بلادها ينظرون إلى عظيم خلقته ويسمعون ألفاظ حكمته وكانت آهلة بالخلق عامرة بالناس وكان فيها ألف فارس وكان العرب يقصدونها ببضائعهم وتجارتهم من أقصى اليمين وبلاد الحجاز فإذا كان في أيام الموسم ينصب لبطريقهم كرسي ليجلس عليه ويجتمع الناس إليه ويستفيدون من علمه وحكمته فبينما هم قد اجتمعوا إليه وقعت الضجة بقدوم شرحبيل بن حسنة وعسكره فبادر إلى جواده فركبه وصاح في قومه فأجابوه وقال‏:‏ لا تتحدثوا حتى نسمع كلام القوم وما عندهم ثم سار حتى قرب من شرحبيل بن حسنة وجيشه ونادى‏:‏ معشر المسلمين أنا روماس وإني أريد صاحبكم‏.‏
قال‏:‏ فخرج إليه شرحبيل فلما قرب منه قال البطريق‏:‏ من أنتم‏.‏
قال شرحبيل‏:‏ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي فقال شرحبيل‏:‏ قبضه الله إليه‏.‏
فقال البطريق‏:‏ فمن ولي الأمر بعده‏.‏
قال‏:‏ عتيق بن أبي قحافة بن بكر بن تيم بن مرة‏.‏
فقال روماس‏:‏ وحق ديني لقد أعلم بأنكم على الحق ولا بد لكم أن تملكوا الشام والعراق وأنا أشفق عليكم إذ أنتم في جمع يسير ونحن في جمع كثير ولكن ارجعوا إلى بلادكم فإنا لا نتعرض لكم‏.‏
واعلم يا أخا العرب أن بكر هو صاحبي ورفيقي ولو كان حاضرًا ما قاتلني‏.‏
فقال شرحبيل‏:‏ لو كنت ولده أو ابن عمه لما عفا عنه إلا أن يكون من أهل ملته وليس له من الأمر شيء لأنه مكلف وقد أمره الله أن يجاهدكم ولسنا نبرح عنكم إلا بإحدى ثلاث‏:‏ إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية أو السيف‏.‏
فقال روماس‏:‏ وحق ما أعتقده من ديني‏:‏ لو كان الأمر إلي أقاتلكم لأني أعلم أنكم على حق وهؤلاء طواغية الروم وقوم مجتمعون وإني أريد أن أرجع إليهم وأنظر ما عندهم‏.‏
فقال شرحبيل‏:‏ ارجع إليهم فلا بد لكم بما ذكرت‏.‏
قال‏:‏ فعاد روماس إلى قومه وجمعهم وقال‏:‏ يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية الذي كنتم تعتقدونه في كتبكم من الخروج من بلادكم ودياركم ونهب أموالكم قد قرب وهذا وقته وزمانه ولستم بأعظم جيشًا من روبيس سار إلى شرذمة من العرب بأرض فلسطين‏.‏
فقتل وقتل من معه وانهزم الباقون ولقد بلغني أن رجلًا منهم قد خرج أرض السماوة صوب العراق اسمه خالد بن الوليد وقد فتح أركة والسخنة وتدمر وحوران وهو عن قريب يحضر إليكم والصواب أن تؤدوا الجزية عن يد إلى هؤلاء العرب وينصرفون عنكم‏.‏
قال‏:‏ فلما سمع قومه ذلك غضبوا وشوشوا وهموا بقتله‏.‏
فقال روماس‏:‏ يا قوم إنما أردت أن أختبركم وأرى حمية دينكم والآن دونكم والقوم وأنا أولكم‏.‏
قال‏:‏ فرجعت الروم إلى عددها وعديدها وتظاهروا بالدروع البيض وقادوا الجنائب وتهيئوا للحملة‏.‏
فلما رأى شرحبيل بن حسنة ذلك وعظ أصحابه‏.‏
وقال‏:‏ اعلموا رحمكم الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏الجنة تحت ظلال السيوف‏)‏‏.‏ وأحب ما قرب إلى الله قطرة دم في سبيل الله أو دمعة جرت في جوف الليل من خشية الله‏.‏
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 102‏]‏‏.‏ ثم حمل وحمل المسلمون على جيش بصرى‏.‏
قال عبد الله بن عدي‏:‏ واجتمع علينا العدو وطمعوا فينا وحملوا علينا في اثني عشر ألف فارس من الروم ونحن فيهم كالشامة البيضاء في جلد البعير الأسود وصبرنا لهم صبر الكرام ولم يزل القتال بيننا وبينهم إلى أن توسطت الشمس في قبة الفلك وقد طمع العدو فينا فرأيت شرحبيل بن حسنة قد رفع يده إلى السماء وهو يقول‏:‏ يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام اللهم انصرنا على القوم الكافرين‏.‏
قال‏:‏ فوالله ما استتم شرحبيل كلامه ودعاءه حتى جاء النصر من عند الله العزيز الحكيم وذلك أن القوم داروا بنا فرأينا غبرة قد أشرفت علينا من صوب حوران‏.‏
فلما قربت لنا رأينا تحتها سوابق الخيل فلاحت لنا الأعلام الإسلامية والرايات المحمدية وقد سبق إلينا فارسان‏:‏ أحدهما ينادي ويزعق‏:‏ يا شرحبيل يا ابن حسنة أبشر بالنصر لدين الله أنا الفارس الصنديد والبطل المجيد أنا خالد بن الوليد والآخر يزعق ويقول‏:‏ أنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وأشرفت العساكر من كل جانب‏.‏
قال‏:‏ وأشرفت راية العقاب يحملها رافع بن عميرة الطائي‏.‏
قال‏:‏ حدثنا سالم بن عدي عن ورقاء بن حسان العامري عن مسيرة بن مسروق العبسي‏.‏
قال‏:‏ والله لقد خمدت أصوات الروم عند زعقة خالد رضي الله عنه وأقبل المسلمون يسلم بعضهم على بعض وأقبل شرحبيل بن حسنة إلى خالد بن الوليد وسلم عليه‏.‏
فقال خالد‏:‏ يا شرحبيل أما علمت أن هذه مينا الشام والعراق وفيها عساكر الروم وبطارقتهم‏.‏
فكيف غررت بنفسك وبمن معك من المسلمين‏.‏
قال‏:‏ كله بأمر أبي عبيدة‏.‏
فقال خالد‏:‏ أما أبو عبيدة فإنه رجل خالص النية وليس عنده غائلة الحرب ولا يعلم بمواقعها ثم أمر الناس بالراحة فنزلوا وارتاحوا من أوزارهم‏.‏
فلما كان في اليوم الثاني زحفت جيوش بصرى على المسلمين فقال خالد‏:‏ إن الروم زحفوا لعلمهم بتعبنا وتعب خيولنا فاركبوا بارك الله فيكم واحملوا على بركة الله تعالى‏.‏
قال‏:‏ فركب المسلمون وأخذوا أهبتهم للحرب فجعل في الميمنة رافع بن عمير الطائي وجعل في الميسرة ضرار بن الأزور وكان غلافًا فاتكًا في الحرب وجعل على الدرك عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم قسم جيش الزحف فجعل على شطره المسيب بن نجيبة الفزاري وعلى الشطر الآخر مذعور بن غانم الأشعري وأمرهم أن يزفوا الخيل إذا حملت‏.‏
قال‏:‏ وبقي خالد في الوسط وهو يعظ الناس ويوصيهم وقد عزموا على الحملة وإذا بصفوف الروم قد انشقت وخرج من وسطها فارس عظيم الخلقة كثير الزينة يلمع ما عليه من الذهب الأحمر والياقوت‏.‏
فلما توسط الجمعين نادى بلسان عربي كأنه بدوي‏:‏ يا معشر العرب لا يبرز لي إلا أميركم فأنا صاحب بصرى‏.‏
قال‏:‏ فخرج إليه خالد رضي الله عنه كالأسد الضرغام وقرب منه‏.‏
فقال له البطريق‏:‏ أنت أمير القوم‏.‏
قال‏:‏ كذلك يزعمون أني أميرهم ما دمت على طاعة الله ورسوله فإن عصيته فلا إمارة لي عليهم‏.‏
قال البطريق‏:‏ إني رجل عاقل من عقلاء الروم وملوكهم وإن الحق لا يخفى عن ذي بصيرة واعلم أني قرأت الكتب السابقة والأخبار الماضية فوجدت أن الله تعالى يبعث قرشيًا واسمه محمد بن عبد الله‏.‏
قال خالد‏:‏ والله نبينا‏.‏
قال‏:‏ أنزل عليه الكتاب قال‏:‏ نعم القرآن‏.‏
قال روماس البطريق‏:‏ أحرم عليكم فيه الخمر‏.‏
قال خالد‏:‏ نعم من شربها حددناه ومن زنى جلدناه وإن كان محصنًا رجمناه‏.‏
قال‏:‏ أفرضت عليكم الصلوات‏.‏
قال‏:‏ نعم خمس صلوات في اليوم والليلة‏.‏
قال‏:‏ أفرض عليكم الجهاد قال خالد‏:‏ ولولا ذلك ما جئناكم نبغي قتالكم‏.‏
قال روماس‏:‏ والله إني لأعلم أنكم على الحق وإني أحبكم وحذرت قومي منكم وإني خائف منكم فأبوا‏.‏
فقال خالد‏:‏ فقل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله يكون لك ما لنا وعليك ما علينا‏.‏
فقال‏:‏ إني أسلمت وأخاف أن يعجل هؤلاء بقتلي‏:‏ وسبي حريمي ولكن أنا أسير إلى قومي وأرغبهم فلعل الله أن يهديهم‏.‏
فقال خالد‏:‏ وإن رجعت إلى قومك بغير قتال يكون بيني وبينك خفت عليك ولكن احمل علي حتى لا يتهموك وبعد ذلك أطلب قومك‏.‏
فحمل بعضهم على بعض وأرى خالد الفريقين أبوابًا من الحرب حتى أبهر روماس‏.‏
فقال لخالد‏:‏ شدد علي الحملة حتى يرى الديرجان فإني خائف عليك من بطريق بعث به الملك يقال له الديرجان‏.‏
فقال خالد‏:‏ ينصرنا الله عليه ثم شدد على روماس الحملة حتى إنه انهزم من بين يديه إلى قومه‏.‏
فلما وصل إلى قومه قال‏:‏ ما الذي رأيت من العرب قال‏:‏ إن العرب أجلاد ما لكم بقتالهم طاقة ولا بد لهم أن يملكوا الشام وما تحت سريري هذا فادخلوا تحت طاعتهم وكونوا مثل أركة والسخنة قال‏:‏ فلما سمعوا كلامه زجروه وأرادوا قتله وقالوا له‏:‏ ادخل المدينة والزم قصرك ودعنا لقتال العرب فانصرف روماس وقال‏:‏ لعل الله ينصر خالدًا‏.‏
ثم إن أهل بصرى ولوا عليهم الديرجان وقالوا‏:‏ إذا فرغنا من المسلمين سرنا معك إلى الملك ونسأله أن ينزع روماس ويوليك علينا‏.‏
قال الديرجان‏:‏ وما الذي تريدون‏.‏
فقال عبد الرحمن لخالد‏:‏ يا أمير أنا أخرج إليه‏.‏
فقال‏:‏ دونك يا ابن الصديق فخرج عبد الرحمن وحمل على الديرجان فما لبثوا غير ساعة وقد أحس الديرجان من نفسه بالتقصير فولى منهزمًا وراح إلى قومه‏.‏
فلما رأوا ذلك منه نزل الرعب في قلوبهم وعلم خالد ما عند القوم من الفزع فحمل وحمل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وحمل المسلمون‏.‏
فلما نظر أهل بصرى إلى حملة المسلمين حملوا وتلاقى الفريقيان وضجت الرهبان بكلمة كفرهم‏.‏
فقال شرحبيل بن حسنة‏:‏ اللهم إن هؤلاء الأنجاس يبتهلون بكلمة كفرهم ويدعون معك إلها آخر لا إله إلا أنت ونحن نبتهل إليك بلا إله إلا أنت وأن محمدًا عبدك ورسولك إلا ما نصرت هذا الدين على أعدائك المشركين ثم حملوا حملة واحدة فلم يكن للروم ثبات مع العرب فولى المشركون الأدبار وركنوا إلى الفرار‏.‏
فلما حطوا داخل المدينة أغلقوا الأبواب وتحصنوا بالأسوار ورفعوا الصلبان وعولوا أن يكتبوا للملك ليمدهم بالخيل والرجال‏.‏
قال عبد الله بن رافع‏:‏ فلما تحصنوا رجعنا عنهم وافتقدنا أصحابنا فوجدنا قد قتل منا مائة وثلاثون فارسًا وقتل من الأعيان بدريان‏.‏
قال‏:‏ وغنم المسلمون الأموال وصلى خالد على الشهداء وأمر بدفنهم‏.‏
فلما كان الليل تولى الحرس عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ومعمر بن راشد ومائة من جيش الزحف‏.‏
فبينما هم يدورون حول العسكر وإذا بروماس صاحب بصرى قد أقبل عليهم‏.‏
وقال لهم‏:‏ أين خالد بن الوليد فأخذوه وأتوا به إلى خالد‏.‏
فلما رآه رحب به‏.‏
فقال‏:‏ أيها الأمير بعد أن فارقتك طردني قومي وقالوا‏:‏ الزم قصرك وإلا قتلناك فلزمت قصري وهو ملاصق للسور ولما وقع لهم ما وقع وانهزموا تحصنوا‏.‏
فلما جن الليل أمرت غلماني بحفر السور وفتحوا فيه بابًا فأتيتك فأرسل معي من تعتمد عليه من أصحابك تستلمون المدينة‏.‏
فلما سمع خالد هذا الكلام أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يأخذ مائة من المسلمين ويسيروا مع روماس‏.‏
قال ضرار بن الأزور‏:‏ وكنت ممن دخل المدينة‏.‏
فلما صرنا في قصر روماس فتح لنا خزانة السلاح فلبسنا من سلاحهم وقسمنا أربعة أقسام كل جانب خمسة وعشرون رجلًا‏.‏
وقال لنا عبد الرحمن‏:‏ إذا سمعتم التكبير فكبروا‏.‏
فلما سرنا حيث أمرنا أخذنا أنفسنا بالحملة على القوم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ بلغني ممن أثق به من الرواة أن عبد الرحمن لما فارق أصحابه لبس سلاحه وسار هو وروماس يطلبون الدرج الذي عليه الديرجان وسار معهم ضرار ورافع وشرحبيل بن حسنة‏.‏
فلما قرب عبد الرحمن من الدرج الذي فيه الديرجان قال الديرجان‏:‏ من أنتم فقال‏:‏ أنا روماس‏.‏
فقال‏:‏ لا أهلًا ولا مرحبًا بك ومن الذي معك قال‏:‏ معي صديق لك ومشتاق إلى رؤياك قال‏:‏ ويحك ومن هو يا روماس‏.‏
قال‏:‏ هذا ابن أبي بكر الصديق‏.‏
فلما سمع الديرجان ذلك هم أن يقتله فلم تطاوعه نفسه فحمل عليه عبد الرحمن وهز سيفه في وجهه وضربه على عاتقه فتجندل صريعًا يخور في دمه وعجل الله بروحه إلى النار‏.‏
قال‏:‏ وكثر عبد الرحمن فأجابه روماس وسمع أصحابه التكبير فكبروا من جوانب بصرى‏.‏
قال‏:‏ وأجابتهم الأحجار والأشجار‏.‏
قال‏:‏ وكبر المسلمون من جوانب بصرى ووضعوا السيف في الروم وسمع خالد التكبير فصرخوا وإذا بغلمان روماس وأولاده قد فتحوا لهم الأبواب فعبر خالد ومن معه من المسلمين‏.‏
فلما نظر أهل بصرى إلى الأبواب وقد فتحت بالسيف قهرًا ضجوا بأجمعهم يقولون‏:‏ الأمان الأمان‏.‏
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ ارفعوا السيف عنهم وأقام خالد إلى الصباح واجتمع إليه أهلها‏.‏
وقالوا‏:‏ يا أيها الأمير لو صالحناك ما جرى شيء من ذلك ولكن نسألك بالذي أيدك ونصرك ما الذي فتح لك أبواب مدينتنا‏.‏
فاستحى خالد رضي الله عنه أن يقول فوثب روماس وقال‏:‏ أنا فعلت ذلك يا أعداء الله وأعداء رسوله وما فعلته إلا ابتغاء مرضاة الله وجهادًا فيكم‏.‏
فقالوا‏:‏ أولست منا فقال‏:‏ اللهم لا تجعلني منهم رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبالكعبة قبلة وبالقرآن إمامًا وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله‏.‏
قال‏:‏ ففرح خالد بذلك‏.‏
وأما أهل بصرى فغضبوا وأضمروا له شرًا وعلم بذلك روماس‏.‏
فقال لخالد‏:‏ أنا لا أريد المقام عندهم وإني أسير معك حيث سرت‏.‏
فإذا فتح الله على يديك قال الواقدي‏:‏ حدثني معمر بن سالم عن جده قال‏:‏ كان روماس يجاهد معنا جهادًا حسنًا حتى فتح الله على أيدينا الشام فكان أبو عبيدة يكاتب به عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أيامه فولاه على بصرى فلم يلبث إلا يسيرًا حتى توفي رحمه الله وخلف عقبًا يذكر به قال‏:‏ وأمر خالد رجالًا يعينونه على إخراج رحله وماله من المدينة ففعلوا ذلك وإذا بزوجته تخاصمه وتطلب فراقه‏.‏
فقال لها المسلمون‏:‏ ما الذي تريدين قالت‏:‏ أريد أمير جيشكم يحكم بيننا فجاءوا بها إلى خالد فقالت له‏:‏ أنا أستغيث بك من روماس‏.‏
فقال لها خالد‏:‏ وكيف ذلك فقالت‏:‏ إني كنت البارحة نائمة إذ رأيت شخصًا ما رأيت منه أحسن منه وجهًا كأن البدر يطلع من بين عينيه وكأنه يقول‏:‏ إن المدينة فتحت على يد هؤلاء القوم والشام والعراق‏.‏
فقلت له‏:‏ ومن أنت يا سيدي‏.‏
قال‏:‏ محمد رسول الله ثم دعاني إلى الإسلام فأسلمت ثم علمني سورتين من القرآن‏.‏
قال‏:‏ فحدث الترجمان خالد بما كان منها‏.‏
فقال‏:‏ إن هذا لعجيب ثم قال خالد للترجمان‏:‏ قل لها أن تقرأ السورتين فقرأت الفاتحة وقل هو الله أحد ثم جددت إسلامها على يد خالد بن الوليد وقالت‏:‏ يا أيها الأمير إما أن يسلم روماس وإلا يتركني أعيش بين المسلمين‏.‏
قال‏:‏ فضحك خالد من قولها وقال‏:‏ سبحان الله الذي وفقهما جميعًا‏.‏
ثم قال للترجمان‏:‏ قل لها إن روماس أسلم قبلها ففرحت بذلك‏.‏
ثم إن خالدًا أحضر أهل بصرى وقررهم على أداء الجزية وولى عليهم من اتفق رأيه عليه‏.‏
ثم كتب إلى أبي عبيدة كتابًا يبشره بالفتح ويقول له‏:‏ يا صاحب رسول الله قد ارتحلنا إلى دمشق فألحقنا إليها‏.‏
ثم كتب كتابًا آخر إلى أبي بكر الصديق يخبره برحيله ويقول له‏:‏ يوم كتبت إليك هذا الكتاب ارتحلت إلى دمشق فادع لنا بالنصر والسلام عليك ومن معك ورحمة الله وبركاته‏.‏
ثم بعث الكتابين كلاهما ثم ارتحل خالد إلى نحو دمشق حتى أشرف على موضع يقال له الثنية فوقف هناك وركز راية العقاب فسميت بذلك ثنية العقاب‏.‏
ثم ارتحل منها إلى الدير المعروف الآن بدير خالد وكان أهل السواد قد التجئوا إلى دمشق وقد اجتمعت خلائق وأمم لا تحصى من الرجال‏.‏
وأما أصحاب الخيل فكانوا اثني عشر ألفًا وقد زينوا أسوارهم بالطوارق والبيارق والصلبان وأقام خالد على الدير ينتظر قدوم المسلمين‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ووصلت الأخبار إلى الملك هرقل وما فتح خالد من الشام وكيف قدم على دمشق فغضب وجمع البطارقة وقال‏:‏ يا بني الأصفر لقد قلت لكم وحذرتكم فأبيتم وهؤلاء العرب قد فتحوا أركة وتدمر والسخنة وبصرى وقد توجهوا إلى الربوة ففتحوها فواكرباه لأن دمشق جنة الشام وقد سارت إليها الجيوش وهم أضعاف العرب ثم قال‏:‏ أيكم يتوجه إلى قتال العرب ويكفيني أمرهم فإن هزمهم أعطيته ما فتحوه ملكًا‏.‏
فقال بطريق من البطارقة اسمه كلوس بن حنا وكان من فرسانهم وقد عرفت شجاعته في عساكر الروم والفرس‏:‏ أيها الملك أنا أكفيك وأردهم على أعقابهم منهزمين‏.‏
قال‏:‏ فلما سمع الملك قوله سلم إليه صليبا من الذهب وقدمه على خمسة آلاف فارس وقال له‏:‏ قدم صليبك أمامك فإنه ينصرك‏.‏
قال‏:‏ فأخذه كلوس وسار من يومه من أنطاكية إلى أن وصل حمص فوجدها مزينة بالسلاح فلما بلغ أهلها قدومه خرجوا إلى لقائه وقد خرجت القسس والرهبان واستقبلوه ودعوا له بالنصر وأقام بحمص يومًا وليلة ثم أرتحل إلى مدينة بعلبك فخرج إليه النساء لاطمات الخدود وقلن‏:‏ أيها السيد إن العرب فتحوا أركة وحوران وبصرى فقال لهن‏:‏ كيف قدرت العرب على حوران وبصرى‏.‏
فقلن‏:‏ أيها السيد إن الذين ذكرتهم لم يبرحوا من أماكنهم وإن هذا الرجل قد أقبل من العراق وهو الذي فتح أركة‏.‏
فقال‏:‏ وما اسمه‏.‏
قلن‏:‏ خالد بن الوليد‏.‏
قال‏:‏ في كم يكون من العساكر‏.‏
قلن‏:‏ في ألف وخمسمائة فارس‏.‏
فقال‏:‏ وحق المسيح لأجعلن رأسه على رأس سناني‏.‏
ثم رحل فلم ينزل إلا بدمشق وكان واليها بطريقًا من قبل الملك هرقل اسمه عزازير فلما قدم كلوس اجتمع عليه عزازير وأصحابه وقرأوا عليهم منشور الملك ثم قال لهم‏:‏ أتريدون أن أقاتل عدوكم وأصده عن بلادكم‏.‏
قالوا‏:‏ نعم فقال‏:‏ أخرجوا عزازير عنكم حتى أكون وحدي في هذا الأمر‏.‏
فقالوا‏:‏ أيها السيد وكيف ينبغي أن يخرج صاحبنا من بلدنا وهذا العدو قاصد إلينا‏.‏
قال‏:‏ فغضب عزازير في وجه كلوس من كلامه وقد اتفق رأيهم على أن كل واحد يقاتل العرب يومًا فثبتت عداوة عزازير في قلب كلوس‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ولقد بلغني أنهم كانوا يخرجون كل يوم من باب الجابية مقدار فرسخ ينظرون قدوم أبي عبيدة بن الجراح فلم يشعروا حتى قدم إليهم خالد بن الوليد من نحو الثنية قال‏:‏ حدثنا يسار بن محمد‏.‏
قال‏:‏ أخبرنا رفاعة بن مسلم‏.‏
قال‏:‏ كنت في جيش خالد بن الوليد لما نزل على الدير المعروف به وإذا بجيش الروم قد زحف علينا وهو كالجراد المنتشر فلما نظر خالد ذلك تدرع بدرع مسلمة ثم صرخ في وجه المسلمين‏.‏
وقال‏:‏ هذا يوم ما بعده يوم وهذا العدو قد زحف بخيله فدونكم والجهاد فانصروا الله ينصركم وكونوا ممن باع نفسه لله عز وجل وكأنكم بإخوانكم المسلمين قدموا عليكم مع أبي عبيدة بن الجراح ثم بعد ذلك استقبل الجيش وصرخ بملء رأسه فأرعب المشركين من صرخته وحمل شرحبيل بن حسنة وعبد الرحمن بن أبي بكر وضرار بن الأزور ومذ حمل ضرار لم يول عنهم بل قتل من الميمنة خمسة فرسان ومن الميسرة كذلك‏.‏
ثم حمل ثاني مرة فقتل منهم ستة فرسان ولولا سهام القوم لما رد عن قتالهم فشكره خالد بن الوليد وقال لعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه‏:‏ احمل بارك الله فيك‏.‏
قال‏:‏ فحمل عبد الرحمن وفعل كما فعل ضرار بن الأزور وقاتل قتالًا شديدًا‏.‏
ثم حمل من بعده خالد بن الوليد ورفع رمحه ورأى العسكر من أمور الحرب حتى جزع الروم من شجاعته‏.‏
فلما نظر إليه البطريق كلوس علم أنه أمير الجيش وعلم أنه يقصده فتأخر كلوس إلى ورائه من مخافته‏.‏
فلما نظر خالد إلى قهقرة كلوس إلى ورائه حمل عليه ليرده فوقعت عليه البطارقة ورموه بالسهام فلم يلتفت إليهم خالد ولم يعبأ بهم ولم يرجع حتى قتل عشرين‏.‏
ثم انثنى بجواده بين الصفين وجال بجواده بين الفريقين وطلب البراز فلم يجبه أحد وقالوا‏:‏ أخرجوا غيره منكم‏.‏
فقال‏:‏ ويلكم ها أنا رجل واحد من العرب وكلنا في الحرب سواء فما منهم من فهم كلامه فأقبل عزازير على كلوس وقال‏:‏ أليس الملك قد قدمك على جيشه وبعثك إلى قتال العرب فدونك حام عن بلدك ورعيتك‏.‏
فقال كلوس‏:‏ أنت أحق مني بذلك لأنك أقدم مني وقد عزمت أنك لا تخرج إلا بإذن الملك هرقل فما بالك لا تخرج إلى قتال أمير العرب‏.‏
فقال لهما العساكر‏:‏ تقارعا فمن وقعت عليه القرعة فلينزل إلى قتال أمير العرب‏.‏
فقال كلوس‏:‏ لا بل نحمل جميعًا فهو أهيب لنا قال‏:‏ وخاف كلوس أن يبلغ الملك ذلك فيطرده من عنده أو يقتله‏.‏
قال‏:‏ فتقارعا فوقعت القرعة على كلوس‏.‏
فقال عزازير‏:‏ اخرج وبين شجاعتك فقال كلوس لأصحابه‏:‏ أريد أن تكون همتكم عندي فإن رأيتم مني تقصيرًا فاحملوا وخلصوني‏.‏
فقال أصحابه‏:‏ هذا كلام عاجز لا يفلح أبدًا فقال‏:‏ يا قوم إن الرجل بدوي ولغته غير لغتي فخرج معه رجل اسمه جرجيس وقال له‏:‏ أنا أترجم لك فسار معه‏.‏
فقال كلوس‏:‏ اعلم يا جرجيس أن هذا رجل ذو شجاعة فإن رأيته غلبني فاحمل أنت عليه حتى نقضي يومنا معه ويخرج له غدا عزازير فيقتله ونستريح منه وأتخذك أنا صديقي‏.‏
فقال له‏:‏ ما أنا أهل حرب وإنما أخوفه بالكلام‏.‏
قال‏:‏ فسكت وسارا حتى قربا من خالد فنظر إليهما‏.‏
قال‏:‏ فهم أن يخرج إليهما رافع بن عميرة فصاح فيه خالد وقال‏:‏ مكانك لا تبرح فإني كفء لهما فلما دنوا من خالد‏.‏
قال كلوس لصاحبه‏:‏ قل له من أنت وما تريد وخوفه من سطواتنا فقرب جرجيس من خالد وقال له‏:‏ يا أخا العرب أنا أضرب لك مثلًا إن مثلكم ومثلنا كمثل رجل له غنم فسلمها إلى راع وكان الراعي قليل الجرأة على الوحوش فأقبل عليه سبع عظيم فجعل يلتقط منه كل ليلة رأسًا إلى أن انقضت الأغنام والسبع ضار عليها ولم يجد له مانعًا عنها‏.‏
فلما نظر صاحب الغنم ما حل بغنمه علم أنه لم يؤت إلا من الراعي فانتدب لغنمه غلامًا نجيبًا فسقمه الغنم فكان كل ليلة يكثر الطوفان حول الغنم‏.‏
فبينما الغلام كذلك إذ أقبل عليه السبع على عادته الأصلية واخترق الغنم فهجم الغلام على السبع وبيده منجل فضربه فقتله ولم يقرب الغنم وحش بعدها وكذلك أنتم نتهاون بأمركم لأنه ما كان أضعف منكم لأنكم جياع مساكين ضعفاء وتعودتم أكل الذرة والشعير ومص النوى‏.‏
فلما خرجتم إلى بلادنا وأكلتم طعامنا وفعلتم ما فعلتم وقد بعث لكم الملك رجالًا لا تقاس بالرجال ولا تكترث بالأبطال ولا سيما هذا الرجل الذي بجانبي فاحذر منه أن ينزل بك ما أنزل الغلام بالأسد وقد سألني أن أخرج إليك وأتلطف بك في الكلام فأخبرني ما الذي تريد قبل أن يهجم عليك هذا الفارس‏.‏
فلما سمع خالد منه ذلك قال‏:‏ يا عدو الله والله لا نحسبكم عندنا في الحرب إلا كقابض الطير بشبكة وقد قبضها يمينًا وشمالًا فلم يخرج إلا ما انفلت منه‏.‏
وأما ما ذكرت من بلادنا وأنها بلاد قحط وجوع فالأمر كذلك إلا أن الله تعالى أبدلنا ما هو خير منه فأبدلنا بدل الذرة الحنطة والفواكه والسمن والعسل‏.‏
وهنا كله قد رضيه لنا ربنا ووعدنا به على لسان نبيه وأما قولك‏:‏ ما الذي تريدونه منا‏.‏
فنريد منكم إحدى ثلاث خصال إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية أو القتال‏.‏
وأما قولك‏:‏ إن هذا الرجل الذليل الذي هو عندكم مسكين فهو عندنا أقل القليل وإن يكن هو ركن الملك فأنا ركن الإسلام‏.‏
أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد‏.‏
أنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.




يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق