إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

4 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )



4


مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


  وصية الصديق لعمرو بن العاص
وتقدم عمرو بن العاص وسار‏.‏
قال أبو الدرداء‏:‏ كنت مع عمرو بن العاص في جيشه فسمعت أبا بكر يقول وهو يوصيه‏:‏ اتق الله في سرك وعلانيتك واستحيه في صلواتك فإنه يراك في عملك وقد رأيت تقدمتي لك على من هو أقدم منك سابقة وأقدم حرمة فكن من عمال الآخرة وأرد بعملك وجه الله وكن والدًا لمن معك وارفق بهم في السير فإن فيهم أهل ضعف والله ناصر دينه ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون وإذا سرت بجيشك فلا تسر في الطريق التي سار فيها يزيد وربيعة وشرحبيل بل اسلك طريق إيليا حتى تنتهي إلى أرض فلسطين وابعث عيونك يأتونك بأخبار أبي عبيدة فإن كان ظافرًا بعدوه فكن أنت لقتال من في فلسطين وإن كان يريد عسكرًا فأنفذ إليه جيشًا في أثر جيش وقدم سهل بن وعمرو وعكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وسعيد بن خالد وإياك أن تكون وانيًا عما ندبتك إليه وإياك والوهن أن تقول‏:‏ جعلني ابن أبي قحافة في نحر العدو ولا قوة لي به وقد رأيت يا عمرو ونحن في مواطن كثيرة ونحن نلاقي ما نلاقي من جموع المشركين ونحن في قلة من عدونا ثم رأيت يوم حنين ما نصر الله عليهم‏.‏
واعلم يا عمرو أن معك المهاجرين والأنصار من أهل بحر فأكرمهم واعرف حقهم ولا تتطاول عليهم بسلطانك ولا تداخلك نجدة الشيطان فتقول‏:‏ إنما ولأني أبو بكر لأني خيرهم وإياك وخداع النفس وكن كأحدهم وشاورهم فيما تريد من أمرك والصلاة ثم الصلاة أذن بها إذا دخل وقتها ولا تصل صلاة إلا بأذان يسمعه أهل العسكر ثم ابرز وصل بمن رغب في الصلاة معك فذلك أفضل له ومن صلاها وحده أجزأته صلاته واحذر من عدوك وأمر أصحابك بالحرس ولتكن أنت بعد ذلك مطلعًا عليهم وأطل الجلوس بالليل على أصحابك وأقم بينهم واجلس معهم ولا تكشف أستار الناس واتق الله إذا لاقيت العدو وإذا وعظت أصحابك فأوجز وأصلح نفسك تصلح لك رعيتك فالإمام ينفرد إلى الله تعالى فيما يعلمه وما يفعله في رعيته وإني قد وليتك على من قد مررت من العرب فاجعل كل قبيلة على حميتها وكن عليهم كالوالد الشفيق الرفيق وتعاهد عسكرك في سيرك وقدم قبلك طلائعك فيكونوا أمامك وخلف على الناس من ترضاه وإذا رأيت عدوك فاصبر ولا تتأخر فيكون ذلك منك فخرًا والزم أصحابك قراءة القرآن وانههم عن ذكر الجاهلية وما كان منها فإن ذلك يورث العداوة بينهم وأعرض عن زهرة المني حتى تلتقي بمن مضى من سلفك وكن من الأئمة الممدوحين في القرآن إذ يقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 73‏]‏‏.‏ قال‏:‏ فكان أبو بكر رضي الله عنه يوصي عمرو بن العاص وأبو عبيدة حاضر ثم قال‏:‏ سيروا على بركة الله تعالى وقاتلوا أعداء الله وأوصيكم بتقوى الله فإن الله ناصر من ينصره‏.‏
قال‏:‏ فسلم المسلمون عليه وودعوا وساروا في تسعة آلاف مع من ذكرنا يريدون أخذ فلسطين فلما كان بعدهم بيوم واحد عقد العقود والرايات إلى أبي عبيدة بن الجراح وأمره بأن يقصد بمن معه أرض الجابية وقال‏:‏ يا أمين الأمة قد سمعت ما وصيت به عمرو بن العاص وودعه المسلمون فلما عاد أبو بكر والمسلمون دعا بخالد بن الوليد وعقد له راية وكانت له راية النبي صلى الله عليه وسلم وأمره على لخم وجذام وضم له جيش الزحف وكانوا شجعانًا ما منهم إلا من شهد الوقائع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له‏:‏ يا أبا سليمان قد وليتك على هذا الجيش فاقصد به أرض العراق وفارس وأرجو الله أن ينصركم‏.‏
ثم إنه ودعه وسار خالد بمن معه يطلب العراق‏.‏
قال‏:‏ حدثني ربيعة بن قيس‏.‏
قال‏:‏ كنت في الجيش الذي وجهه أبو بكر الصديق مع عمرو بن العاص إلى فلسطين وإيليا‏.‏
وكان صاحب رايته سعيد بن خالد‏.‏
قال‏:‏ وبعث أبو بكر مع كل جيش أميرًا وهو يدعو لهم بالنصر وأخذه القلق على المسلمين حتى عرف ذلك في وجهه‏.‏
فقال له عثمان بن عفان رضي الله عنه‏:‏ ما هذا الغم الذي نزل بك‏.‏
فقال‏:‏ اغتممت على جيوش المسلمين وأرجو الله أن ينصرهم على عدوهم‏.‏
فقال عثمان‏:‏ والله ما خرج جيش سررت به إلا هذا الجيش الذي سار إلى الشام وهذا الذي أوصى الله نبيه به وليس في قوله خلف‏.‏
وإنا سنظهر على الروم وفارس ولكن ما ندري متى يكون أفي هذا البعث أو غيره ولكن أحسن الظن بالله‏.‏
قال‏:‏ وبات الصديق فرأى في منامه كأن عمرو بن العاص في وجهه طرمة هو وأصحابه ثم قصد عمرو أرضًا خضرة سهلة وفرجة فحمل على فرسه ثم أتبعه أصحابه فإذا هم في أرض واسعة فنزلوا واستراحوا قال‏:‏ وانتبه أبو بكر من منامه فرحًا بما رأى‏.‏
فقال عثمان‏:‏ يدل على فتح إلا أنه يوشك أن يلقى عمرو في قتال المشركين مشقة عظيمة ثم يخلص منها‏.‏
قال الواقدي‏:‏ كانت الساقطة تنزل المدينة في الجاهلية والإسلام يقدمون بالبر والشعير والزيت والتين والقماش وما يكون في الشام فقدم بعض الساقطة إلى المدينة وأبو بكر ينفذ الجيوش وسمعوا كلام أبي بكر لعمرو بن العاص وهو يقول‏:‏ عليك بفلسطين وإيليا‏.‏
قال‏:‏ فساروا بالخبر إلى الملك هرقل‏.‏
فلما سمع ذلك جمع أرباب دولته وبطارقته وأعلمهم بالحديث الذي جرى وقال‏:‏ يا بني الأصفر هذا الذي كنت حذرتكم منه قديمًا وإن أصحاب هذا النبي لا بد أن تملك ما تحت سريري هذا وقد قرب الوعد وإن خليفة محمد قد أنفذ لكم الجيوش وكأنكم بهم وقد أتوكم وقصدوا نحوكم فحذروا أنفسكم وقاتلوا عن دينكم وعن حريمكم فإن تهاونتهم ملكت العرب بلادكم وأموالكم‏.‏
قال‏:‏ فبكى القوم فقال لهم‏:‏ دعوا عنكم البكاء ثم قال له وزيره‏:‏ أيها الملك قد اشتهينا أن تدعو بعض من قدم بهذا الخبر عليك فأمر هرقل بعض حجابه أن يأتي برجل من المتنصرة ممن قدم عليه بالأخبار فأتى برجل منهم فقال له الملك‏:‏ كم عهدك قال‏:‏ منذ خمسة وعشرين يومًا‏.‏
قال‏:‏ فمن المتولي عليهم قال له‏:‏ رجل يقال له أبو بكر الصديق وجه جيوشه إلى بلدك قال‏:‏ هل رأيت أبا بكر قال‏:‏ نعم وإنه أخذ مني شملة بأربعة دراهم وجعلها على كتفه وهو كواحد منهم وهو يمشي في ثوبين ويطوف بالأسواق ويدور على الناس يأخذ الحق من القوي للضعيف‏.‏
قال هرقل‏:‏ صفه لي‏.‏
قال‏:‏ هو رجل آدم اللون خفيف العارضين‏.‏
فقال هرقل‏:‏ وحق ديني هو صاحب أحمد الذي كنا نجد في كتبنا أنه يقوم بالأمر من بعده ونجد في كتبنا أيضًا أن بعد هذا الرجل رجلًا آخر طويلًا كالأسد الوثاب يكون على يديه الدمدمة والجلاء‏.‏
قال‏:‏ فشهق المتنصر من قول هرقل‏.‏
وقال‏:‏ إن هذا الذي وصفته لي رأيته معه لا يفارقه‏.‏
قال هرقل‏:‏ هذا الأمر والله قد صح وقد دعوت الروم إلى الرشد والصلاح فأبوا أن يطيعوني وأن ملكي سوف ينهدم ثم عقد صليبًا من الجوهر وأعطاه قائد جيوشه روبيس‏.‏
وقال له‏:‏ قد وليتك على الجيوش فسيروا لمنع العرب من فلسطين فإنها بلد خصب كثيرة الخير وهي عزنا وجاهنا وتاجنا فتسلم روبيس الصليب وسار من يومه إلى عمرو بن العاص في فلسطين قال الواقدي‏:‏ لقد بلغني أن عمرو بن العاص توجه إلى إيليا حتى وصل إلى أرض فلسطين هو ومن معه قال‏:‏ فلما نزل المسلمون بفلسطين جمع عمرو المسلمين المهاجرين والأنصار وشاورهم في أمرهم فبينما هم في المشورة إذ أقبل عليهم عدي بن عامر وكان من خيار المسلمين وكان كثيرًا ما يتوجه إلى بلاد الشام وداس أرضهم وعرف مساكنها ومسالكها‏.‏
فلما أشرف على المؤمنين داروا به وأوقفوه بين يدي عمرو بن العاص‏.‏
فقال عمرو بن العاص‏:‏ ما الذي وراءك يا ابن عامر‏.‏
قال‏:‏ ورائي المتنصرة وجنودهم مثل النمل‏.‏
فقال له عمرو‏:‏ يا هذا لقد ملأت قلوب المسلمين رعبًا وإنا نستعين بالله عليهم‏.‏
فقال له‏:‏ فكم جزرت القوم فقال‏:‏ أيها الأمير إني قد علوت على شرف من الجبال عال فرأيت من الصلبان والرماح والأعلام ما قد ملأ الأجم وهو أعظم جبل بأرض فلسطين وهم زيادة عن مائة ألف فارس وهذا ما عندي من الخبر قال‏:‏ فلما سمع عمرو ذلك قال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أقبل على من حضر من كبار المسلمين‏.‏
وقال‏:‏ أيها الناس أنا وإياكم في هذا الأمر بالسواء فاستعينوا بالله على الأعداء وقاتلوا عن دينكم وشرعكم فمن قتل كان شهيدًا ومن عاش كان سعيدًا فماذا أنتم قائلون‏.‏
قال‏:‏ فتكلم كل رجل بما حضر عنده من الرأي‏.‏
فقالت طائفة منهم‏:‏ أيها الأمير ارجع بنا إلى البرية حتى نكون في بطن البيداء فإنهم لا يقدرون على فراق القرى والحصون‏.‏
فإذا جاءهم الخبر إننا توسطنا البرية يتفرق جمعهم وبعد ذلك نعطف عليهم وهم على غفلة فنهزمهم إن شاء الله تعالى‏.‏
فقال سهل بن عمرو‏:‏ إن هذه مشورة رجل عاجز‏.‏
فقال رجل من المهاجرين‏:‏ لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نهزم الجمع الكثير بالجمع القليل وقد وعدكم الله النصر وما وعد الصابرين إلا خيرًا وقد قال الله تعالى‏:‏‏{‏يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 123‏]‏‏.‏ قال سهل بن عمرو‏:‏ أما أنا فلا رجعت عن قتال الكفرة ولا رعدت سيفي عنهم فمن شاء فلينهض ومن شاء فليرجع ومن نكص على عقبيه فأنا وراءه بالمرصاد قال‏:‏ فلما سمع المسلمون أن وافقه على ذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ قالوا أحسنت يا أبا الفاروق قال‏:‏ ثم إن عمرو بن العاص عقد راية وأعطاها عبد الله بن عمر بن الخطاب وضم إليه ألف فارس فيهم رجال من الطائف ومن ثقيف وأمرهم بالمسير فسار عبد الله وجعل يجد السير بقية يومه إلى الصباح وإذا بغبرة القوم قد لاحت‏.‏
فقال عبد الله بن عمر‏:‏ هذه غبرة عسكر وأظنها طليعة القوم ثم وقف ووقف أمامه أصحابه‏.‏
فقال قوم من البادية‏:‏ اتركنا نرى ما هذه الغبرة‏.‏
فقال‏:‏ لا تتفرقوا من بعضكم حتى نرى ما هي‏.‏
فوقف الناس وإذا بالغبرة قد قربت وانكشفت عن عشرة آلاف من الروم وقد بعث معهم روييس بطريقًا من أصحابه وكانوا قد ساروا يكشفون خبر المسلمين‏.‏
فلما نظرهم عبد الله بن عمر قال لأصحابه‏:‏ لا تمهلوهم لأنهم لا بد لها منكم والله ينصركم عليهم‏.‏
واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف قال‏:‏ فأعلن القوم بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله‏.‏
فلما جهروا بها أجابهم الشجر والمدر والدواب والحجر وكان أول من حمل عكرمة بن أبي جهل وتبعه سهل بن عمرو والضحاك أيضًا بالجملة وصاح في رجاله وحمل المهاجرون والأنصار معهم والتقى الجمعان وعمل السيف في الفريقين‏.‏
قال عبد الله بن عمر‏:‏ وبينما أنا في الوقعة إذ نظرت من القوم بطريقًا عظيم الخلقة وهو كالحائر البليد وهو يركض يمينًا وشمالًا فقلت‏:‏ إن يكن لهذا الجيش عين فهذا عين الجيش وصاحب الطلائع وهو مرعوب من الحرب‏.‏
فلما حملت عليه ومددت قناتي إليه نفر فرسه من الرمح فقربت منه وأوهمته أني أريد الانهزام ثم عطفت عليه وطعنته فوالله لقد خيل لي أني ضربت بسيفي حجرًا وسمعت طنين السيف حتى حسبت أن سيفي انفصل وإذا هو صريع ثم عطفت عليه وأخذت لامته‏.‏
فلما رأى المشركون صاحبهم مجندلًا داخلهم الفزع والهلع وصدمهم المسلمون في الضرب والقتال فلله در الضحاك والحارث بن هشام لقد قاتلًا قتالًا شديدًا ما عليه من مزيد فما كان غير قليل حتى انهزم الكفار من بين أيديهم هاربين‏.‏
قال‏:‏ فرجع المسلمون واجتمع بعضهم على بعض وجمعوا الغنائم والأموال‏.‏
وقال بعضهم لبعض‏:‏ ما فعل الله بعبد الله بن عمر قال قائل منهم‏:‏ الله خبير بحسن زهده وعبادته‏.‏
وقال آخرون‏:‏ لقد أصبنا بابن عمر فما كان يساوي هذا الفتح شعرة من رأسه‏.‏
قال عبد الله بن عمر‏:‏ وأنا مع ذلك أسمع كلامهم خلف الراية‏.‏
فأعلنت بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير وهززت الراية‏.‏
فلما نظر المسلمون الراية سارعوا إلي وقالوا‏:‏ أين كنت‏.‏
فقلت‏:‏ اشتغلت بقتال صاحبهم فقالوا‏:‏ أفلح والله وجهك فهذا والله فتح قد رزقنا الله إياه ببركتك‏.‏
قال عبد الله‏:‏ وبوجوهكم ثم حازوا الأموال والغنائم والخيل وستمائة أسير وقتل من المسلمين سبعة نفر فواروهم وصلى عليهم ابن عمر وانعطف الجيش إلى عمرو بن العاص وحدثوه بما جرى ففرح وحمد الله تعالى ثم دعا بالأسرى واستنطق منهم بالعربية فما كان فيهم غير ثلاثة نفر من أنباط الشام فسألهم عن خبرهم وخبر أصحابهم فقالوا‏:‏ يا معشر العرب إن هذا روبيس قد أقبل في مائة ألف فارس وقد أمره الملك أن لا يدع أحدًا من العرب يصل إيليا‏.‏
‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق