إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

6 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي ) معارك الشام



6


مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

  معارك الشام 

قال الواقدي رحمه الله تعالى‏:‏ فلما سمع جرجيس كلام خالد تأخر إلى ورائه وقد تغير لونه فقال له كلوس‏:‏ يا ويلك رأيتك في بدايتك تهيم كالسبع فما لك قد تأخرت فقال‏:‏ وحق المسيح ما أعلم أنه الفارس الجحجاح وبطلهم الفصاح هذا صاحب القوم الذي ملأ الشام شرًا‏.‏
فقال كلوس‏:‏ يا جرجيس اسأله أن يؤخر الحرب بيننا إلى غد فالتفت إلى خالد وقال له‏:‏ يا سيد قومك هذا صاحبي يريد أن يرجع إلى قومه ليشاورهم‏.‏
فقال خالد‏:‏ ويحك أتريد أن تخدعني بالكلام وأقبل برمحه في وجه جرجيس‏.‏
فلما نظر جرجيس ذلك انعقد لسانه وولى هاربًا‏.‏
فلما رأى خالد ذلك طلب كلوس وحمل عليه وتطاعنا واحترز البطريق من طعنات خالد فلما نظر خالد احتراز البطريق حط يده في أطواقه وجذبه فقلعه من سرجه‏.‏
فلما نظر المسلمون فعل خالد كبروا بأجمعهم وتسابق الفرسان إلى خالد فلما قربوا منه رمى لهم البطريق وقال أوثقوه كتافًا فصار يبربر بلسانه فأتى المسلمون بروماس صاحب بصرى وقالوا له‏:‏ اسمع ماذا يقول فقال لهم‏:‏ يقول لكم لا تقتلوني فأني أجبت صاحبكم في المال والجزية‏.‏
فقال خالد‏:‏ استوثقوا منه ثم نزل عن جواده وركب جوادًا أهداه له صاحب تدمر وعزم أن يهجم على الروم‏.‏
فقال ضرار بن الأزور‏:‏ أيها الأمير دعني أنا أحمل على القوم حتى تستريح أنت‏.‏
فقال‏:‏ يا ضرار‏:‏ الراحة في الجنة غدًا ثم عول خالد على الحملة فصاح به البطريق كلوس وقال‏:‏ وحق دينك ونبيك إلا ما رجعت إلي حتى أخاطبك فرجع خالد إليه وقال لروماس‏:‏ اسأله ما يريد‏.‏
فقال‏:‏ أعلمه أني صاحب الملك وقد بعثني إليكم في خمسة آلاف فارس لأردكم عن بلده وأهله ورعيته وقد تحاججت أنا وعزازير متولي دمشق وقدم إلي معه كذا وكذا وأنا أسألك بحق دينك إذا خرج إليك فاقتله وإن لم يخرج إليك فاستدعه واقتله فإنه رأس القوم‏.‏
فإن قتلته فقد ملكت دمشق‏.‏
فقال خالد لروماس‏:‏ قل له إنا لا نبقي عليك ولا عليه ولا على من أشرك بالله تعالى‏.‏
ثم إنه بعد ذلك الكلام حمل وهو ينشد ويقول‏:‏ لك الحمد مولانا على كل نعمة وشكرًا لما أوليت من سابغ النعم مننت علينا بعد كفر وظلمة وأنقذتنا من حندس الظلم والظلم وأكرمتنا بالهاشمي محمد وكشفت عنا ما نلاقي من الغمم فتمم إله العرش ما قد ترومه وعجل لأهل الشرك بالبؤس والنقم وألقهم ربي سريعًا ببغيهم بحق نبي سيد العرب والعجم قال الواقدي‏:‏ نقد بلغني ممن أثق به أنه لما ولى جرجيس هاربًا من بين يدي خالد إلى أصحابه رأوه يرتعد من الفزع‏.‏
فقالوا له‏:‏ ما وراءك‏.‏
فقال‏:‏ يا قوم ورائي الموت الذي لا يقاتل والليث الذي لا ينازل وهو أمير القوم وقد آلى على نفسه أن يطلبنا أينما كنا وما خلصت روحي إلا بالجهد فصالحوا الرجل قبل أن يحمل عليكم بأصحابه فلا يبقي منكم أحدًا فقالوا له‏:‏ ما يكفيك أنك انهزمت وقد هموا بقتله فبينما هم كذلك إذ أقبل أصحاب كلوس على عزازير وهم خمسة آلاف وصاحوا به وقالوا له‏:‏ ما أنت عند الملك أعز من صاحبنا وقد كان بيننا وبينك شرك فاخرج أنت إلى خالد واقتله أو أسره وخلص لنا صاحبنا وإلا وحق المسيح والمذبح والذبيح شننا عليك الحرب فقال عزازير وقد رجع به مكره ودهاؤه‏:‏ يا ويلكم أتظنون أني جزعت من الخروج إلى هذا البدوي من أول مرة ولكني ما تأخرت عن الخروج إليه وتقاعدت عن قتاله حتى يتبين عجز صاحبكم وسوف ينظر الفريقان أينا أفرس وأشجع وأثبت في مقام القتال إذا نحن تشابكنا بالنصال‏.‏
ثم إنه في الحال ترجل عن جواده ولبس لامته وركب جوادًا يصلح للجولان وخرج إلى قتال سيدنا خالد بن الوليد الفارس الصنديد رضي الله عنه فلما قرب منه قال‏:‏ يا أخا العرب ادن مني حتى أسألك وكان الملعون يعرف العربية فلما سمع خالد ذلك قال‏:‏ يا عدو الله ادن أنت على أم رأسك ثم هم أن يحمل عليه‏.‏
فقال‏:‏ على رسلك يا أخا العرب أنا أدنو منك فعلم خالد أن الخوف داخله فأمسك عنه حتى قرب منه‏.‏
فقال‏:‏ يا أخا العرب ما حملك أن تحمل أنت بنفسك‏.‏
‏.‏
أما تخشى الهلاك فلو قتلت بقيت أصحابك بلا مقدم‏.‏
فقال خالد‏:‏ يا عدو الله قد رأيت ما فعل الرجلان من أصحابي لو تركتهم لهزموا أصحابك بعون الله تعالى وإنما معي رجال وأي رجال يرون الموت مغنمًا والحياة مغرمًا ثم قال له خالد‏:‏ من أنت‏.‏
فقال‏:‏ أو ما سمعت باسمي أنا فارس الشام أنا قاتل الروم والفرس أنا كاسر عساكر الترك‏.‏
فقال خالد‏:‏ ما اسمك فقال‏:‏ أنا الذي تسميت باسم ملك الموت اسمي عزرائيل‏.‏
قال الواقدي‏:‏ فضحك خالد من كلامه وقال‏:‏ يا عدو الله تخوفني أن الذي تسميت باسمه هو طالبك ومشتاق إليك ليرديك إلى الهاوية‏.‏
فقال له البطريق‏:‏ ما فعلت بأسيرك كلوس‏.‏
فقال‏:‏ هو موثق بالقيود والأغلال‏.‏
فقال له عزازير‏:‏ وما منعك من قتله وهو داهية من دواهي الروم‏.‏
فقال خالد‏:‏ منعني من ذلك أني أريد قتلكم جميعًا فقال عزازير‏:‏ هل لك أن تأخذ ألف مثقال من الذهب وعشرة أثواب من الديباج وخمسة رؤوس من الخيل وتقتله وتأتيني برأسه‏.‏
فقال له خالد‏:‏ هذه ديته فما الذي تعطيني أنت عن نفسك‏.‏
قال‏:‏ فغضب عدو الله من ذلك وقال‏:‏ ما الذي تأخذ مني‏.‏
قال‏:‏ الجزية وأنت صاغر ذليل‏.‏
فقال عزازير‏:‏ كلما زدنا في كرامتكم زدتم في إهانتنا فخذ الآن لنفسك الحذر فإني قاتلك ولا أبالي فلما سمع خالد كلام عزرائيل حمل عليه حملة عظيمة كأنه شعلة نار فاستقبله البطريق وقد أخذ حذره وكان عزازير ممن يعرف بالشجاعة في بلاد الشام فلما نظر خالد إلى عدو الله أظهر شجاعته وبراعته تبسم‏.‏
فقال عزازير‏:‏ وحق المسيح لو أردت الوصول إليك لقدرت على ذلك ولكنني أبقيت عليك لأني أريد أن أستأسرك ليعلم الناس أنك أسيري وبعد ذلك أطلق سبيلك على شرط أنك ترحل من بلادنا وتسلم لنا ما أخذت من بلاد الشام فلما سمع خالد كلام عزازير قال له‏:‏ يا عدو الله قد داخلك الطمع فينا وهذه العصابة قد ملكوا تدمر وحوران وبصرى وهم ممن باعوا أنفسهم بالجنة واختاروا دار البقاء على دار الفناء وستعلم أينا من يملك صاحبه ويذل جانبه ثم إن خالدًا أرى البطريق أبواب الحرب‏.‏
قال‏:‏ فندم عزازير على ما كان منه من الكلام وقال‏:‏ يا أخا العرب أما تعرف الملاعبة‏.‏
فقال خالد‏:‏ ملاعبتي الضرب في طاعة الرب ثم إن الملعون هاجم خالدًا ولوح إليه بسيفه وضربه به فلم يقطع شيئًا فذهل عدو الله من جولان خالد وثباته وعلم أنه لا يقدر عليه ولا على ملاقاته فولى هاربًا وكان جواده أسبق من جواد خالد‏.‏
قال عامر بن الطفيل رضي الله عنه‏:‏ وكنت يوم حرب دمشق في القلب وشاهدنا ما جرى بين خالد وعزازير لما ولى هاربًا وقصر جواد خالد عن طلبه فوقع في قلبي الطع وقال‏:‏ كأن البدوي خاف مني وما لي إلا أن أقف حتى يمحقني وآخذه أسيرًا ولعل المسيح ينصرني عليه فلما وقع ذلك في نفسه وقف حتى لحق به خالد وقد جلل فرسه العرق فلما قرب منه صاح عزازير وقال‏:‏ يا عربي لا تظن أني هارب خوفًا منك وإنما أبقيت عليك خوفًا على شبابك فارحم نفسك وإن أردت الموت أسوقه إليك أنا قابض الأرواح أنا ملك الموت فعدما ذلك ترتجل عن جواده وسحب السيف وسار إليه كأنه الأسد الضاري‏.‏
فلما نظر عزازير إلى ذلك وإلى ترجل خالد زاد طمعه فيه وحام حوله وهم إليه يريد أن يعلو رأسه بالسيف فزاغ خالد عنها وصاح فيه وضرب قوائم فرسه بضربة عظيمة فقطعها فسقط عدو الله على الأرض ثم ولى هاربًا يريد أصحابه فسبقه خالد‏.‏
وقال‏:‏ يا عدو الله إن الذي تسميت باسمه قد غضب عليك واشتاق إليك وها هو قد أقبل عليك يقبض روحك ليؤديك إلى جهنم ثم هجم عليه وهم أن يجلد به الأرض ونظرت الروم إلى صاحبها وهو في يد خالد فهموا أن يحملوا على خالد ويخلصوه من يده إذ قد أقبلت جيوش المسلمين وأبطال الموحدين مع الأمير أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه كان قد سار من بصرى فوجده وقد أخذ عزازير في تلك الساعة فلما نظرت عساكر دمشق إلى جيوش المسلمين قد أقبلت داخلهم الجزع والفزع فوقفوا عن الحملة‏.‏
قال‏:‏ حدثني عمر بن قيس عن شعيب عن عبد الله عن هلال القشعمي قال‏:‏ لما قدم الأمير أبو عبيدة سأل عن خالد فقالوا‏:‏ إنه في ميدان الحرب وقد أسر بطريق الروم فدنا أبو عبيدة إليه وهم أن يترجل فأقسم عليه خالد أن لا يفعل وأقبل عليه وصافحه وكان أبو عبيدة يحب خالدًا لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
فقال أبو عبيدة لخالد‏:‏ يا أبا سليمان لقد شرحت بكتاب أبي بكر الصديق حين قدمك علي وأمرك علي وما حقدت في قلبي عليك لأني أعلم مواقفك في الحرب‏.‏
فقال خالد‏:‏ والله لا فعلت أمرًا إلا بمشورتك ووالله لولأ أمر الإمام طاعة ما فعلت ذلك أبدًا لأنك أقدم مني في دين الإسلام وأنا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت قال فيك‏:‏ أبو عبيدة أمين هذه الأمة فشكره أبو عبيدة وقدم لخالد جواده فركبه وقال خالد لأبي عبيدة‏:‏ اعلم أيها الأمير أن القوم قد خذلوا ووقع الرعب في قلوبهم وأهينوا بأخذ كلوس وعزازير قال‏:‏ وسار مع أبي عبيدة يحدثه بما صار من البطريقين وكيف نصره الله عليهما إلى أن أتيا الدير فنزلا هناك وأقبل المسلمون يسلم بعضهم على بعض‏.‏
فلما كان الغد ركب الناس وتزينت المواكب وزحف أهل دمشق للقتال وقد أمروا عليهم صهر الملك هرقل ولما أقبلوا قال خالد لأبي عبيدة‏:‏ إن القوم قد انخذلوا ووقع الرعب في قلوبهم فاحمل بنا على القوم‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ افعل قال‏:‏ فحمل خالد وحمل أبو عبيدة وحمل المسلمون على عساكر الروم حملة عظيمة وكبروا بأجمعهم فارتجت الأرض من تكبيرهم ووقع القتل في الروم وجاهد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جهادًا عظيمًا وذهلت منهم الكفار‏.‏
قال عامر بن الطفيل‏:‏ لقد كان الواحد منا يهزم من الروم العشرة والمائة‏.‏
قال‏:‏ فما لبثوا معنا ساعة واحدة حتى ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وأقبلنا نقتل فيهم من الدير إلى الباب الشرقي‏.‏
فلما نظر أهل دمشق إلى انهزام جيشهم أغلقوا الأبواب في وجه من بقي منهم‏.‏
قال قيس بن هبيرة رضي الله عنه‏:‏ فمنهم من قتلناه ومنهم من أسرناه فلما رجع خالد عنهم قال لأبي عبيدة‏:‏ إن من الرأي أن أنزل أنا على الباب الشرقي وتنزل أنت على باب الجابية‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ هنا هو الرأي السديد‏.‏
قال‏:‏ حدثنا سهل بن عبد الله عن أويس بن الخطاب أن الذي قدم مع الأمير أبي عبيدة من المسلمين من أهل الحجاز واليمن وحضرموت وساحل عمان والطائف وما حول مكة كان سبعة وثلاثين ألف فارس من الشجعان وكان مع عمرو بن العاص تسعة آلاف فارس والذين قدم بهم خالد بن الوليد رضي الله عنه من العراق ألف فارس وخمسمائة فارس فكان جملة ذلك سبعة وأربعين ألفًا وخمسمائة غير ما جهز عمر بن الخطاب في خلافته وسنذكر ذلك إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى هذا وإن خالدًا نزل بنصف المسلمين على الباب الشرقي ونزل أبو عبيدة بالنصف الثاني على باب الجابية‏.‏
فلما نظر أهل دمشق إلى ذلك نزل الرعب في قلوبهم ثم إن خالدًا أحضر البطريقين بين يديه وهما كلوس وعزازير فعرض عليهما الإسلام فأبيا فأمر ضرار بن الأزور أن يضرب عنقيهما ففعل‏.‏
قال‏:‏ فلما نظر أهل دمشق ما فعلوا بالبطريقين كتبوا إلى الملك كتابًا يخبرونه بما جرى على كلوس وعزازير وقد نزلت العرب على الباب الشرقي وباب الجابية وقد نزلوا بشبانهم وأولادهم وقد قطعوا أرض البلقاء وأرض السواد ووصفوا له ما ملك العرب من البلاد فأدركنا وإلا سلمنا إليهم البلد ثم سلموا الكتاب إلى رجل منهم وأعطوه أوفى أجرة وأدلوه بالحبل من أعلى الأسوار في ظلمة الاعتكار‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وإن الرجل وصل إلى الملك هرقل وهو بأرض أنطاكية فاستأذن عليه فأمر له بالدخول فلما دخل سلم الكتاب إليه‏.‏
فلما قرأه الملك رماه من يده وبكى ثم إنه جمع البطارقة‏.‏
وقال لهم‏:‏ يا بني الأصفر لقد حذرتكم من هؤلاء العرب وأخبرتكم أنهم سوف يملكون ما تحت سريري هذا فاتخذتم كلامي هزوا وأردتم قتلي وهؤلاء العرب خرجوا من بلاد الجدب والقحط وأكل الذرة والشعير إلى بلاد خصبة كثيرة الأشجار والثمار والفواكه فاستحسنوا ما نظروه من بلادنا وخصبنا وليس يزجرهم شيء لما هم فيه من العزم والقوة وشدة الحرب ولولا أنه عار علي لتركت الشام ورحلت إلى القسطنطينية العظمى ولكن ها أنا أخرج إليهم وأقاتلهم عن أهلي وديني‏.‏
فقالوا‏:‏ أيها الملك ما بلغ من شأن العرب أن تخرج إليهم بنفسك وقعودك أهيب قال الملك هرقل‏:‏ نبعث إليهم قالوا‏:‏ عليك أيها الملك بوردان صاحب حمص لأنه ليس فينا مثله في القوة وملاقاة الرجال ولقد بين لنا شجاعته في عساكر الفرس لما قصدونا‏.‏
قال‏:‏ فأمر الملك بإحضماره فلما حضر وردان قال له الملك‏:‏ إنما قدمتك لأنك سيفي القاطع وسندي المانع فاخرج من وقتك وساعتك ولا تتأخر فقد قدمتك على اثني عشر ألفًا فإذا وصلت إلى بعلبك فانفذ إلى من بأجنادين بأن يتفرقوا في أرض البلقاء وجبال السواد فيكونوا هناك ولا تتركوا أحدا من العرب يلحق بأصحابه يعني عمرو بن العاص رضي الله عنه فقال وردان‏:‏ السمع والطاعة لك أيها الملك وسوف يبلغك الخبر أني لا أعود إلا برأس خالد بن الوليد ومن معه اهزمهم جميعًا وبعد ذلك أدخل الحجاز ولا أخرج حتى أهدم الكعبة ومكة والمدينة‏.‏
قال‏:‏ فلما سمع الملك هرقل قوله قال‏:‏ وحق الإنجيل لن فعلت ذلك ووفيت بقولك لأعطينك ما فتحوه حرثًا وخراجًا وكتبت كتاب العهد أنك الملك من بعدي ثم سوره وتوجه وأعطاه صليبًا من الذهب وفي جوانبه أربع يواقيت لا قيمة لها وقال‏:‏ إذا لاقيت العرب فقدمه أمامك فهو ينصرك قال‏:‏ فلما تسلم وردان الصليب من وقته دخل الكنيسة وانغمر في ماء المعمودية وبخروه ببخور الكنائس وصلى عليه الرهبان وخرج من وقته فضرب خيامه خارج المدينة‏.‏
قال‏:‏ وأخذت الروم على أنفسهم بالرحيل فلما تكاملوا ركب الملك هرقل وسار لوداعهم وصحبته أرباب دولته فوصل معهم إلى جسر الحديد بها فودعه الملك وسار إلى أن وصل إلى حماة فنزل بها وأنفذ من وقته كتابًا إلى من بأجنادين من جيوش الروم يأمرهم ليتفرقوا في سائر الطرقات ليمنحوا عمرو بن العاص ومن معه أن يصلوا إلى خالد فلما سار الرسول بالكتاب جمع وردان إليه البطارقة وقال لهم‏:‏ إني أريد أن أسير على حين غفلة على طريق مارس حتى أكبس على القوم ولا ينجو منهم أحد فلما كان الليل رحل على طريق وادي الحياة‏.‏
قال‏:‏ حدثني شداد بن أوس قال‏:‏ لما دخل خالد بن الوليد رضي الله عنه بعد قتل البطريقين أمر المسلمين أن يزحفوا إلى دمشق‏.‏
قال‏:‏ فزحف منا الرجال من العرب وبأيديهم الحجف يتلقون بها الحجارة والسهام فلما نظر أهل دمشق إلينا ونحن قد زحفنا إليهم رمونا بالسهام والحجارة من أعلى الأسوار وضيقنا عليهم في الحصار وأيقن القوم بالدمار‏.‏
قال شداد بن أوس‏:‏ فأقمنا على حصارهم عشرين يومًا فلما كان بعد ذلك جاءنا ناوي بن مرة وأخبرنا عن جموع الروم بأجنادين وكثرة عددهم فركب خالد نحو باب المدينة الجابية إلى أبي عبيدة يخبره بذلك ويستشيره وقال‏:‏ يا أمين الأمة إني رأيت أن ترحل من دمشق إلى أجنادين ونلقى من هناك من الروم فإذا نصرنا الله عليهم عدنا إلى قتال هؤلاء القوم‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ ليس هذا برأي قال خالد‏:‏ ولم ذلك قال أبو عبيدة‏:‏ إذا رحلنا يخرج أهل المدينة فيملكون مواضعنا فلما سمع خالد ذلك من أبي عبيدة‏.‏
قال‏:‏ يا أمين الأمة إني أعرف رجلًا لا يخاف الموت خبيرًا بلقاء الرجال قد مات أبوه وجده في القتال‏.‏
قال‏:‏ ومن هنا الرجل يا أبا سليمان‏.‏
قال‏:‏ هو ضرار بن الأزور بن طارق‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ والله لقد صدقت ووصفت رجلًا باذلًا معروفًا فافعل‏.‏
قال‏:‏ فرجع خالد إلى بابه واستدعى بضرار بن الأزور فجاء إليه وسلم عليه‏.‏
فقال‏:‏ يا ابن الأزور إني أريد أن أقدمك على خمسة آلاف قد باعوا أنفسهم لله عز وجل واختاروا دار البقاء والآخرة على الأولى وتسيروا إلى لقاء هؤلاء القوم الذين وردوا علينا فإن رأيت لك فيهم طمعًا فقاتلهم وإن رأيت أنك لا تقدر عليهم فابعث إلينا رسولك‏.‏
فقال ضرار بن الأزور‏:‏ وافرحتاه والله يا ابن الوليد ما دخل قلبي مسرة أعظم من هذه فاتركني أسير وحدي‏.‏
قال خالد‏:‏ لعمري إنك ضرار ولكن لا تلق نفسك إلى الهلاك وسر بما ندب معك من المسلمين‏.‏
قال فقام ضرار رضي الله عنه مسرعًا فقال خالد‏:‏ ارفق بنفسك حتى يجتمع عليك الجيش فقال‏:‏ والله لا وقفت ومن علم الله فيه خيرًا أدركني ثم ركب ضرار وأسرع إلى أن وصل إلى بيت لهيا وهو الموضع الذي كان يصنع فيه الأصنام فوقف هناك حتى لحق به أصحابه‏.‏
فلما تكاملوا نظر ضرار وإذا بجيش الروم ينحدر كأنه الجراد المنتشر وهم غائصون في الدروع وقد أشرقت الشمس على لاماتهم وطوارقهم‏.‏
فلما نظر إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لضرار‏:‏ أما والله إن هذا الجيش عرمرم والصواب أننا نرجع‏.‏
فقال ضرار‏:‏ والله لا زلت أضرب بسيفي في سبيل الله وأتبع من أناب إلى الله ولا يراني الله مهزومًا ولا أولي الدبر لأن الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة فقد باء بغضب من الله‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وتكلم رافع بن عميرة الطائي وقال‏:‏ يا قوم وما الخيفة من هؤلاء العلوج أما نصركم الله في مواطن كثيرة والنصر مقرون مع الصبر ولم تزل طائفتنا تلقى الجموع الكثيرة والجموع اليسيرة فاتبعوا سبيل المؤمنين وتضرعوا إلى رب العالمين وقولوا كما قال قوم طالوت عند لقائهم جالوت ‏{‏ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 250‏]‏‏.‏
فلما سمع ضرار كلامهم وأنهم اشتروا الآخرة على الأولى كمن بهم عند بيت لهيا وأخفى أمره وجلس عاري الجسد بسراويله على فرس له عربي بغير سلاح وبيده قناة كاملة الطول وهو يوصي القوم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ هكذا حدثني تميم بن أوس عن جده عمرو بن دارم‏.‏
قال‏:‏ كنت لوم بيت لهيا ممن صحب ضرار بن الأزور رضي الله عنه وهو بهذه الصفة رغبة منه في الشهادة‏.‏
فلما قارب العدو كان أول من برز وكبر ضرار بن الأوزر قبل فأجابه المسلمون بتكبيرة واحدة رعبت منها قلوب المشركين وفاجؤهم بالجملة ونظروا إلى ضرار بن الأوزر وهو في أول القوم وهو في حالته التي وصفناها فهالهم أمره وكان وردان في المقدمة والأعلام والصلبان مشتبكة على رأسه‏.‏
قال‏:‏ فما طلب ضرار غيره لأنه علم أنه صاحبهم فحمل عليه غير مكترث به وطعن فارسًا كان في يده العلم فتجندل من على فرسه قتيلًا ثم إنه طعن آخر في الميمنة فأرداه وحمل يريد القلب وكان قد عاين وردان والصليب على رأسه يحمله فارس من الروم والجواهر تلمع من أربع جوانبه فعارضه ضرار وطعن حامله طعنة عظيمة فخرج السنان يلمع من خاصرته‏.‏
قال فسقط الصليب منكسًا إلى الأرض‏.‏
فلما نظر وردان إلى الصليب أيقن بالهلاك وهم أن يترجل لأخذه أو يميل في ركابه ليأخذه فما وجد لذلك سبيلًا لما قد أحدق به وترتجل عليه قوم من المسلمين ليأخذوه وقد اشتغل كل عن نفسه ونظر ضرار إلى من ترجل لأخذ الصليب‏.‏
فقال‏:‏ معاشر المسلمين إن الصليب لي دونكم وأنا صاحبه فلا تطمعوا فإني إليه راجع إذا فرغت من كلب الروم‏.‏
قال فسمع ذلك وردان وكان يعرف العربية فعطف من القلب يريد الهرب‏.‏
فقالت البطارقة‏:‏ إلى أين أيها السيد أتفر من الشيطان فما رأينا أدنى من منظره ولا أهول من مخبره ونظر إليه ضرار وقد عطف راجعًا فعلم أنه قد عزم على الهرب فصاح بقومه ثم اقتحم في أثره ومد رمحه وهمز جواده فتصارخت به الروم وعطفت عليه المواكب من كل الموت حق أين لي منه المفر وجنة الفردوس خير المستقر هذا قتالي فاشهدوا يا من حضر وكل هذا في رضا رب البشر ثم اخترق القوم وحمل عليهم وحمل المسلمون في أثره فأحدقوا بهم من كل مكان ونظروا إلى ضرار وقد قصده وردان صاحب حمص عندما علم أنه اخترق القوم فمد إليه رمحه وقد أحدقت به بطارقته وضرار يمانع عن نفسه يمينًا وشمالًا فما طعن أحدًا إلا أباده إلى أن قتل من القوم خلقًا كثيرًا وهو يصرخ بقومه‏:‏ ويقول‏:‏ ‏{‏إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 4‏]‏‏.‏ قال‏:‏ وأكبت عليه جيوش الروم من كل جانب ومكان واشتعل الحرب بينهم ووصل همدان بن وردان إلى ضرار بن الأزور ورماه بسهم‏.‏
فأصاب عضده الأيمن فوصل السهم إليه فأوهنه وأحس ضرار بالألم فحمل على همدان وصمصم عليه برمحه وطعنه‏.‏
فأصاب بالطعنة فؤاده فوصل السنان إلى ظهره فجذب الرمح منه فلم يخرج وإذا به قد اشتبك في عظم ظهره فخرج الرمح من غير سنان فطمعوا فيه وحملوا عليه وأخذوه أسيرًا فنظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضرار وهو أسير فعظم الأمر عليهم وقاتلوا قتالًا شديدًا ليخلصوه فما وجدوا إلى ذلك سبيلًا وأرادوا الهرب‏.‏
فقال رافع بن عميرة الطائي‏:‏ يا أهل القران إلى أين تريدون أما علمتم أن من ولى ظهره لعدوه فقد باء بغضب من الله وإن الجنة لها أبواب لا تفتح إلا للمجاهدين الصبر الصبر الجنة الجنة يا أهل الكتاب كروا على الكفار عناد الصلبان وها أنا معكم في أوائلكم فإن كان صاحبكم أسر أو قتل فإن الله حي لا يموت وهو يراكم بعينه التي لا تنام فرجعوا وحملوا معه‏.‏
قال‏:‏ ووصل الخبر إلى خالد أن ضرار قد أسر بيد الروم وأنه قتل من الروم خلقًا كثيرًا فعظم ذلك على خالد وقال‏:‏ في كم العدو قالوا‏:‏ في اثني عشر ألف فارس‏.‏
فقال‏:‏ والله ما ظننت إلا أنهم في عدد يسير ولقد غررت بقومي ثم سأل عن مقدمهم من يكون فقيل وردان صاحب حمص وقد قتل ضرار ولده همدان فقال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم أرسل إلى أبي عبيدة يستشيره فبعث إليه أبو عبيدة يقول له‏:‏ اترك على الباب الشرقي من تثق به وسر إليهم فإنك تطحنهم بإذن الله تعالى‏.‏
فلما وصل الجواب إلى خالد قال‏:‏ والله ما أنا ممن يبخل بنفسه في سبيل الله ثم أوقف بالمكان ميسرة بن مسروق العبسي رضي الله عنه ومعه ألف فارس وقال له‏:‏ أحذر أن تنفذ من مكانك‏.‏
فقال ميسرة‏:‏ حبًا وكرامة وعطف خالد بالناس وقال لهم‏:‏ أطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة فإذا أشرفتم على العدو فاحملوا حملة واحدة ليخلص فيها ضرار إن شاء الله تعالى إن كانوا أبقوا عليه والله إن كانوا عجلوا عليه لنأخذن بثأره إن شاء تعالى وأرجو أن لا يفجعنا به ثم تقدم أمام القوم وجعل يقول‏:‏ لأروين الرمح من ذوي الحدق ** لأهتكن البيض هتكًا والدرق
عسى أرى غدًا مقام من صدق ** في جنة الخلد وألقى من سبق
  خولة بنت الأزور
فبينما خالد يترنم بهذه الأبيات إذ نظر إلى فارس على فرس طويل وبيده رمح طويل وهو لا يبين منه إلا الحدق والفروسية تلوح من شمائله وعليه ثياب سود وقد تظاهر بها من فوق لامته وقد خرم وسطه بعمامة خضراء وسحبها على صدره ومن ورائه وقد سبق أمام الناس كأنه نار فلما نظره خالد قال‏:‏ ليت شعري من هذا الفارس وايم الله إنه لفارس شجاع ثم اتبعه خالد والناس وكان هذا الفارس أسبق الناس إلى المشركين‏.‏
قال وكان رافع بن عمير الطائي رضي الله عنه في قتال المشركين وقد صبر لهم هو ومن معه إذ نظر خالدًا ولد أنجده هو ومن معه من المسلمين ونظر إلى الفارس الذي وصفناه وقد حمل على عساكر الروم كأنه النار المحرقة فزعزع كتائبهم وحطم مواكبهم ثم غاب في وسطهم فما كانت إلا جولة الجائل حتى خرج وسنانه ملطخ بالدماء جمن الروم وقد قتل رجالًا وجندل أبطالًا وقد عرض نفسه للهلاك ثم اخترق القوم غير مكترث بهم ولا خائف وعطف على كراديس الروم في الناس وكثر قلقهم عليه فأما رافع بن عميرة ومن معه فما ظنوا إلا أنه خالد وقالوا‏:‏ ما هذه الحملات إلا لخالد فهم على ذلك إذ أشرف عليهم رضي الله عنه وهو في كبكبة من الخيل فقال رافع بن عميرة‏:‏ من الفارس الذي تقدم أمامك فلقد بذل نفسه ومهجته‏.‏
فقال خالد‏:‏ والله إنني أشد إنكارًا منكم له ولقد أعجبني ما‏.‏
ظهر منه ومن شمائله‏.‏
فقال رافع‏:‏ أيها الأمير إنه منغمس في عسكر الروم يطعن يمينًا وشمالًا‏.‏
فقال خالد‏:‏ معاشر المسلمين احملوا بأجمعكم وساعدوا المحامي عن دين الله‏.‏
قال فأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة والتصق بعضهم ببعض وخالد أمامهم إذ نظر إلى الفارس وقد خرج من القلب كأنه شعلة نار والخيل في أثره وكلما لحقت به الروم لوى عليهم وجندل فعند ذلك حمل خالد ومن معه ووصل الفارس المذكور إلى جيش المسلمين‏.‏
قال فتأملوه فرأوه قد تخضب بالدماء فصاح خالد والمسلمون‏:‏ لله درك من فارس بذل مهجته في سبيل الله وأظهر شجاعته على الأعداء اكشف لنا عن لثامك‏.‏
قال فمال عنهم ولم يخاطبهم وانغمس في الروم فتصايحت به الروم من كل جانب وكذلك المسلمون وقالوا‏:‏ أيها الرجل الكريم أميرك يخاطبك وأنت تعوض عنه اكشف عن اسمك وحسبك لتزداد تعظيمًا فلم يرد عليهم جوابًا فلما بعد عن خالد سار إليه بنفسه وقال له‏:‏ ويحك لقد شغلت قلوب الناس وقلبي بفعلك من أنت‏.‏
قال فلما لج عليه خالد خاطبه الفارس من تحت لثامه بلسان التأنيث وقال‏:‏ إنني يا أمير لم أعرض عنك إلا حياء منك لأنك أمير جليل وأنا من ذوات الخدور وبنات الستور وإنما حملني على ذلك أني محرقة الكبد زائدة الكمد‏.‏
فقال لها‏:‏ من أنت‏.‏
قالت‏:‏ أنا خولة بنت الأزور المأسور بيد المشركين أخي وهو ضرار وإني كنت مع بنات العرب وقد أتاني الساعي بأن ضرار أسير فركبت وفعلت ما فعلت‏.‏
قال خالد‏:‏ نحمل بأجمعنا ونرجو من الله أن نصل إلى أخيك فنفكه‏.‏
قال عامر بن الطفيل‏:‏ كنت عن يمين خالد بن الوليد حين حملوا وحملت خولة أمامه وحمل المسلمون وعظم على الروم ما نزل بهم من خولة بنت الأزور وقالوا‏:‏ إن كان القوم كلهم مثل هذا الفارس فما لنا بهم من طاقة‏.‏
ولما حمل خالد ومن معه إذا بالروم قد اضطربت جيوشهم ونظر وردان إليهم‏.‏
فقال لهم‏:‏ اثبتوا للقوم فإذا رأوا ثباتكم ولوا عنكم ويخرج أهل دمشق يعينونكم على قتالهم‏.‏
قال فثبت المسلمون لقتال الروم وحمل خالد بالناس حملة منكرة وفرق القوم يمينًا وشمالًا وقصد خالد مكان صاحبهم وردان عند اشتباك الأعلام والصلبان وإذا حوله أصحاب الحديد والزرد النضيد وهم محدقون به فحمل خالد عليهم حملة منكرة واشتبك المسلمون بقتال الروم وكل فرقة مشغولة بقتال صاحبها‏.‏
وأما خولة بنت الأزور فإنها جعلت تجول يمينًا وشمالًا وهي لا تطلب إلا أخاها وهي لا ترى له أثرًا ولا وقفت له على خبر إلى وقت الظهر وافترق القوم بعضهم عن بعض وقد أظهر الله المسلمين على الكافرين وقتلوا منهم مقتلة عظيمة‏.‏
قال وتراجعت كل فرقة إلى مكانها وقد كمدت أفئدة الروم ما ظهر لهم من المسلمين وقد هموا بالهزيمة وما يمسكهم إلا الخوف من صاحبهم وردان فلما رجع القوم إلى مكانهم أقبلت خولة بنت الأزور على المسلمين وجعلت تسألهم رجلًا رجلًا عن أخيها فلم تر من المسلمين من يخبرهما أنه نظره أو رآه أسيرًا أو قتيلًا فلما يئست منه بكت بكاءًا شديدًا وجعلت تقول‏:‏ يا ابن أمي ليت شعري في أي البيداء طرحوك أم بأي سنان طعنوك أم بالحسام قتلوك يا أخي أختك لك الفداء لو أني أراك أنقذتك من أيدي الأعداء ليت شعري أترى أني أراك بعدها أبدًا فقد تركت يا ابن أمي في قلب أختك جمرة لا يخمد لهيبها ولا يطفأ ليت شعري لحقت بأبيك المقتول بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فعليك مني السلام إلى يوم اللقاء‏.‏
قال فبكى الناس من قولها وبكى خالد وهم أن يعاود بالحملة إذ نظر إلى كردوس من الروم قد خرج من ميمنة العقبان فتأهب الناس لحربهم وتقدم خالد وحوله أبطال المسلمين‏.‏
فلما قربوا من القوم رموا رماحهم من أيديهم والسيوف وترجلوا ونادوا بالأمان‏.‏
فقال خالد‏:‏ اقبلوا أمانهم وائتوني بهم فأتوا إليه‏.‏
فقال خالد‏:‏ من أنتم‏.‏
فقالوا‏:‏ نحن من جند هذا الرجل وردان ومقامنا بحمص وقد تحقق عندنا أنه ما يطيقكم ولا يستطيع حربكم فأعطونا الأمان واجعلونا من جملة من صالحتم من سائر المدن حتى نؤدي لكم المال الذي أردتم في كل سنة فكل من في حمص يرضى بقولنا‏.‏
فقال خالد‏:‏ إذا وصلت إلى بلادكم يكون الصلح إن شاء الله تعالى إن كان لكم فيه أرب ولكن نحن ههنا لا نصالحكم ولكن كونوا معنا إلى أن يقضي الله ما هو قاض ثم إن خالدًا قال لهم‏:‏ هل عندكم علم عن صاحبنا الذي قتل ابن صاحبكم قالوا‏:‏ لعله عاري الجسد الذي قتل منا مقتلة عظيمة وفجع صاحبنا في ولده‏.‏
قال خالد‏:‏ عنه سألتكم‏.‏
قالوا‏:‏ بعثه وردان عندنا أسيرًا على بغل‏.‏
ووكل به مائة فارس وأنفذه إلى حمص ليرسله إلى الملك ويخبره بما فعل‏.‏
قال ففرح خالد بقولهم ثم دعا برافع بن عميرة الطائي وقال‏:‏ يا رافع ما أعلم أحدًا أخبر منكم بالمسالك وأنت الذي قطعت بنا المفازة من أرض السماوة وأعطشت الإبل وأوردتها الماء وأوردتنا أركة وما وطئها جيش قبلنا لمفازتها وأنت أوحد أهل الأرض في الحيل والتدبير فخذ معك من أحببت واقبع أثر القوم فلعلك أن تلحق بهم وتخلص صاحبنا من أيديهم فلئن فعلت ذلك لتكونن الفرحة الكبرى‏.‏
فقال رافع بن عميرة‏:‏ حبًا وكرامة ثم إنه في الحال انتخب مائة فارس شدادًا من المسلمين وعزم على المسير فأتت البشارة إلى خولة بمسير رافع بن عميرة ومن معه في طلب أخيها ضرار فتهلل وجهها فرحًا وأسرعت إلى لبس سلاحها وركبت جوادها وأتت إلى خالد بن الوليد ثم قالت له‏:‏ أيها الأمير سألتك بالطاهر المطهر محمد سيد البشر إلا ما سرحتني مع من سرحت فلعلي أن أكون مشاهدة لهم‏.‏
فقال خالد لرافع‏:‏ أنت تعلم شجاعتها فخذها معك‏.‏
فقال له رافع‏:‏ السمع والطاعة وارتحل رافع ومن معه وسارت خولة في أثر القوم ولم تختلط بهم وسار إلى أن قرب من سليمة‏.‏
قال فنظر رافع فلم يجد للقوم أثرًا‏.‏
فقال لأصحابه‏:‏ أبشروا فإن القوم لم يصلوا إلى ههنا ثم إنه كمن بهم في وادي الحياة فبينما هم كامنون إذا بغبرة قد لاحت‏.‏
فقال رافع لأصحابه‏:‏ أيقظوا خواطركم وانتبهوا فأيقظ القوم هممهم وبقوا في انتظار العدو وإذا بهم قد أتوا وهم محدقون بضرار فلما رأى رافع ذلك كبر وكبر المسلمون معه وحملوا عليهم فلم يكن غير ساعة حتى خلص الله ضرارًا وقتلوهم جميعًا وأخذوا سلبهم‏.‏
قال وإذا بعساكر الروم قد أقبلت منهزمة وأولهم لا يلتفت إلى آخرهم فعلم رافع أن القوم انهزموا فأقبل يلتقطهم بمن معه‏.‏
قال وكان خالد لما أرسل رافع بن عميرة في طلب ضرار ليخلصه ومعه المائة فارس صدم وردان صدمة من يحب الشهادة ويبتغي دار السعادة وصدم المسلمون الروم فما لبثوا أن ولوا الأدبار وركنوا إلى الفرار وكان أولهم وردان واتبعهم المسلمون وأخذوا أسلابهم وأموالهم ولم يزالوا في طلبهم إلى وادي الحياة فاجتمع المسلمون برافع بن عميرة الطائي وضرار بن الأزور وسلموا عليهم وفرحوا بضرار رضي الله عنه وهنأوه بالسلامة‏.‏
قال وأثنى خالد على رافع خيرًا ورجعوا إلى دمشق وفرح المسلمون بالنصر واتصل الخبر إلى الملك هرقل وأن وردان قد انهزم وقتل ولده همدان‏.‏
قال فأيقن بزوال ملكه من الشام فكتب إلى وردان كتابًا يقول فيه‏:‏ أما بعد فإني قد بلغني جياع الأكباد عراة الأجساد قد هزموك وقتلوا ولدك رحمه المسيح ورحمك ولولا أني أعلم أنك فارس الحرب ومجيد الطعن والضرب وليس النصر آتيك لحل عليك سخطي والآن مضى ما مضى وقد بعثت إلى أجنادين تسعين ألفًا وقد أمرتك عليهم فسر نحوهم وانجد أهل دمشق وأنفذ بعضهم ليمنعوا من في فلسطين من العرب وحل بينهم وبين أصحابهم وانصر دينك وصاحبك‏.‏
قال وأنفذ إليه الكتاب مع خيل البريد فلما ورد عليه الكتاب وقرأه سرى عنه بعض ما كان يجده وأخذ الأهبة إلى أجنادين فسار فوجد الروم قد تجمعوا وأظهروا العدد والزرد وخرجوا إلى لقائه وسلموا عليه وتقدموا بين يديه وعزوه في ولده فلما استقر قراره قرأ عليهم منشور الملك فأجابوا بالسمع والطاعة وأخفوا على أنفسهم‏.‏
قال‏:‏ حدثني روح بن طريف قال‏:‏ كنت مع خالد بن الوليد على باب شرقي حين رجعنا من هزيمة وردان وإذ قد ورد علينا عباد بن سعد الحضرمي وكان قد بعثه شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم من بصرى يعلم خالدًا بمسير الروم إليه من أجنادين في تسعين ألف فارس فخذ أهبتك للقائهم‏.‏
قال‏:‏ فلما سمع خالد ذلك ركب إلى أبي عبيدة وقال له‏:‏ يا أمين الأمة هذا عباد بن سعد الحضرمي قد بعث به شرحبيل بن حسنة يخبر أن طاغية الروم هرقل قد ولى وردان على من تجمع بأجنادين من الروم وهم تسعون ألفًا فما ترى من الرأي يا رسول الله‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ اعلم يا أبا سليمان أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متفرقون مثل شرحبيل بأرض حسنة بأرض بصرى ومعاذ بن جبل بحوران وبزيد بن أبي سفيان بالبلقاء والنعمان بن المغيرة بأرض تدمر وأركة وعمرو بن العاص بأرض فلسطين والصواب أن تكتب إليهم ليقصدونا حتى نقصد العدو ومن الله نطلب المعونة والنصر‏.‏




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق