إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

28 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


28

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

  قال الواقدي
‏:‏ فجمع أبو عبيدة الأمراء والمسلمين إليه وأخبرهم بما قال البترك فرفع المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير وقالوا‏:‏ افعل أيها الأمير واكتب إلى أمير المؤمنين بذلك فلعله يسير إلينا وبفتح هذا البلد علينا فقال شرحبيل بن حسنة‏:‏ اصبر حتى نقول لهم إن الخليفة معنا ويتقدم خالد إليهم‏.‏
فإذا نظروا إليه فتحوا الباب وكفينا التعب وكان خالد أشبه الناس بعمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما أصبح الصباح‏.‏
قال له الترجمان‏:‏ قد جاء الخليفة وكان قد قال أبو عبيدة لخالد فركبوا جميعًا وقالوا‏:‏ قد جاء الرجل الذي تطلبونه فعرفوا البترك فأقبل إلى أن وقف على السور وقال له‏:‏ قل له يتقدم بحيث نراه عيانًا فتقدم خالد فتبينه وقال‏:‏ وحق المسيح كأنه هو ولكن باقي العلامات ما هي فيه فبحق دينك من أنت‏.‏
فقال‏:‏ أنا من بعض أصحابه فقال البترك‏:‏ يا فتيان العرب كم يكون هذا الخداع فيكم وحق المسيح لئن لم نر الرجل الموصوف ما نفتح لكم ولا يرجع أحد منا يكلمكم ولو أقمتم علينا عشرين سنة ثم ولى ولم يتكلم فقال المسلمون عند ذلك‏:‏ اكتبوا إلى أمير المؤمنين وعرفوه بذلك فعسى أن يأتي ويتشوف بهذه البقعة فكتب أبو عبيدة كتابًا يقول فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من عامله أبي عبيدة عامر بن الجراح‏.‏
أما بعد السلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم واعلم يا أمير المؤمنين أنا منازلون لأهل مدينة إيلياء نقاتلهم أربعة أشهر كل يوم نقاتلهم ويقاتلوننا ولقد لقي المسلمون مشقة عظيمة من الثلج والبرد والأمطار إلا أنهم صابرون على ذلك ويرجون الله ربهم فلما كان اليوم الذي كتبت إليك الكتاب فيه أشرف علينا بتركهم الذي يعظمونه وقال‏:‏ إنهم يجدون في كتبهم أنه لا يفتح بلدهم إلا صاحب نبينا واسمه عمر وأنه يعرف صفته ونعته وهو عندهم في كتبهم وقد سألنا حقن الدماء فسر إلينا بنفسك وانجدنا لعل الله أن يفتح هذه البلدة علينا على يديك ثم إنه طوى الكتاب وختمه وقال‏:‏ يا معاشر المسلمين من ينطلق بكتابي هذا وأجره على الله فأسرع بالإجابة ميسرة بن مسروق العبسي وقال‏:‏ أنا أكون الرسول وأرجع مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن شاء الله تعالى‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ فخذ الكتاب بارك الله فيك فأخذه ميسرة واستوى على ناقة له كوماء ولم يزل سائرًا إلى أن دخل المدينة فدخلها ليلًا وقال‏:‏ والله لا نزلت عند أحد من الناس فأناخ ناقته على باب المسجد وعقلها ودخل المسجد وسلم على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم أتى مكانًا في المسجد فنام وكان له ليال عدة لم ينم فأخذته عيناه فما استيقظ إلا على أذان عمر وكان يغلس في الأذان فلما أذن دخل المسجد وهو يقول‏:‏ الصلاة رحمكم الله‏.‏
قال ميسرة‏:‏ فقمت وتوضأت وصليت خلف عمر صلاة الفجر فلما انحرف عن محرابه قمت إليه وسلمت عليه فلما نظر إلي صافحني واستبشر وقال‏:‏ ميسرة ورب الكعبة‏.‏
ثم قال‏:‏ ما وراءك يا ابن مسروق‏.‏
قلت‏:‏ الخير والسلامة يا أمير المؤمنين ثم ناولته الكتاب فقرأه على المسلمين فاستبشروا به فقال‏:‏ ما ترون رحمكم الله فيما كتب به أبو عبيدة‏.‏
فكان أول من تكلم عثمان بن عفان رضي الله عنه فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن الله قد أذل الروم وأخرجهم من الشام ونصر المسلمين عليهم وقد حاصر أصحابنا مدينة إيلياء وضيقوا عليهم وهم في كل يوم يزدادون ذلًا وضعفًا ورعبًا فإن أنت أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستحقر فلا يلبثون إلا اليسير حتى ينزلوا على الصغار ويعطون الجزية فلما سمع عمر ذلك من مقال عثمان جزاه خيرًا وقال‏:‏ هل عند أحد منكم رأي غير هذا‏.‏
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ نعم عندي غير هذا الرأي وأنا أبديه لك رحمك الله فقال عمر‏:‏ وما هو يا أبا الحسن‏.‏
قال‏:‏ إن القوم قد سألوك وفي سؤالهم ذلك فتح للمسلمين وقد أصاب المسلمين جهد عظيم من البرد والقتال وطول المقام وإني أرى أنك إن سرت إليهم فتح الله هذه المدينة على يديك وكان في مسيرك الأجر العظيم في كل ظمأ ومخمصة وفي قطع كل واد وصعود جبل حتى تقدم إليهم‏.‏
فإذا أنت قدمت عليهم كان لك وللمسلمين الأمن والعافية والصلاح والفتح ولست آمن أن ييأسوا منك ومن الصلح ويمسكوا حصنهم ويأتيهم المدد من بلادهم وطاغيتهم فيدخل فلا يتخلفون عنه والصواب أن تسير إليهم إن شاء الله تعالى‏.‏
قال ففرح عمر بن الخطاب بمشورة على رضي الله عنه وقال‏:‏ لقد أحسن عثمان النظر في المكيدة للعدو وأحسن علي المشورة للمسلمين فجزاهما الله خيرًا ولست آخذ إلا بمشورة علي فما عرفناه إلا محمود المشورة ميمون الغرة ثم إن عمر رضي الله عنه أمر الناس بأخذ الأهبة للمسير معه والاستعداد فأسرع المسلمون إلى ذلك واستعدوا وتأهبوا وأمر عمر أن يكونوا خارج المدينة ففعلوا ذلك وأتى عمر المسجد فصلى فيه أربع ركعات ثم قام إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم عليه وعلى أبي بكر رضي الله عنه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وخرج من المدينة وأهلها يشيعونه ويودعونه‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وخرج عمر من المدينة وهو على بعير له أحمر وعليه غرارتان في إحداهما سويق وفي الأخرى تمر وبين يديه قربة مملوءة ماء وخلفه جفنة للزاد وخرج ومعه جماعة من الصحابة قد شهدوا اليرموك وعادوا إلى المدينة منهم الزبير وعبادة بن الصامت وسار عمر نحو بيت المقدس فكان إذ نزل منزلًا لا يبرح منه حتى يصلي الصبح فإذا انفتل من الصلاة أقبل على المسلمين وقال‏:‏ الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام وأكرمنا بالإيمان وخصنا بنبته عليه الصلاة والسلام وهدانا من الضلالة وجمعنا بعد الشتات على كلمة التقوى وألف بين قلوبنا ونصرنا على عدونا ومكن لنا في بلاده وجعلنا إخوانا متحابين فاحمدوا الله عباد الله على هذه النعمة السابغة والمنن الظاهرة‏.‏
فإن الله يزيد المستزيدين الراغبين فيما لديه وبتم نعمته على الشاكرين‏.‏
ثم يأخذ الجفنة فيملؤها سويقًا ويصف التمر حولها ويقرب للمسلمين ويقول‏:‏ كلوا هنيئًا مريئًا فيأكل ويأكل المسلمون معه ثم يرحل فلم يزل كذلك في مسيره‏.‏
قال عمرو بن مالك العبسي‏:‏ كنت مع عمر بن الخطاب حين سار إلى الشام فمر على ماء لجذام وعليه طائفة منهم نزول والماء يدعى ذات المنار فنزل بالمسلمين عليه فبينما هو كذلك وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حوله إذ أقبل إليه قوم من جذام فقالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين إن عندنا رجلًا له امرأتان وهما أختان لأب وأم‏.‏
قال‏:‏ فغضب عمر وقال علي به فأتي بالرجل إليه فقال له عمر‏:‏ ما هاتان المرأتان‏.‏
قال الرجل‏:‏ زوجتاي قال‏:‏ فهل بينهما قرابة‏.‏
قال‏:‏ نعم هما أختان قال عمر‏:‏ فما دينك ألست مسلمًا‏.‏
قال‏:‏ بلى قال عمر‏:‏ وما علمت أن هذا حرام عليك والله يقول في كتابه‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 23‏]‏ فقال الرجل ما علمت وما هما علي حرام فغضب عمر وقال‏:‏ كذبت والله إنه لحرام عليك ولتخلين سبيل إحداهما وإلا ضربت عنقك‏.‏
قال الرجل‏:‏ أفتحكم علي قال‏:‏ أي والله الذي لا إله إلا هو فقال الرجل‏:‏ إن هذا دين ما أصبنا فيه خيرًا ولقد كنت غنيًا عن أن أدخل فيه قال عمر‏:‏ ادن مني فدنا منه فخفق رأسه بالدرة خفقتين وقال له‏:‏ أتتشاءم بالإسلام يا عدو الله وعدو نفسه وهو الدين الذي ارتضاه الله لملائكته ورسله وخيرته من خلقه خل يا ويلك سبيل إحداهما وإلا جلدتك جلدة المفتري فقال الرجل‏:‏ كيف أصنع بهما وإني أحبهما ولكن أقرع بينهما فمن خرجت القرعة عليها كنت لها وهي لي وإن كنت لهما جميعًا محبًا فأمر عمر فاقترع فوقعت القرعة على إحداهما فأمسكها وأطلق سبيل الثانية ثم أقبل عليه عمر وقال له‏:‏ اسمع يا ذا الرجل وع ما أقول لك إنه من دخل في ديننا ثم رجع عنه قتلناه فإياك أن تفارق الإسلام وإياك يبلغني أنك قد أصبت أخت امرأتك التي فارقتها فإنك إن فعلت ذلك رجمتك‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وسار عمر حتى مر على حي من بني مرة‏.‏
فإذا بقوم منهم قد أقاموا في الشمس يعذبون فقال لهم عمر‏:‏ ما بال هؤلاء يعذبون‏.‏
فقيل‏:‏ عليهم خراج فهم يعذبون قال‏:‏ فما يقولون‏.‏
قال‏:‏ يقولون‏:‏ ما نجد ما نؤدي فقال عمر‏:‏ دعوهم ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإني سمعت رسولالله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لا تعذبوا الناس في الدنيا يعذبهم الله يوم القيامة‏)‏ فخلى سبيلهم‏.‏
ثم سار حتى إذا كان بوادي القرى أخبروه أن شيخًا على الماء وله صديق يوده فقال له صديقه هل لك أن تجعل لي في زوجتك نصيبًا أكفيك رعي إبلك والقيام عليها ولي فيها يوم وليلة ولك فيها يوم وليلة‏.‏
قال له الشيخ‏:‏ قد فعلت ذلك ورضي‏.‏
فلما أخبر عمر بذلك أمر بهما فأحضرا‏.‏
فقال‏:‏ ويلكما ما دينكما‏.‏
قالا‏:‏ الإسلام‏.‏
قال عمر‏:‏ فما الذي بلغني عنكما قالا‏:‏ وما هو‏.‏
فأخبرهما عمر بما سمعه من العرب فقال الشيخ‏:‏ قد كان ذلك يا أمير المؤمنين‏.‏
فقال عمر‏:‏ أما علمتما أن ذلك حرام في دين الإسلام‏.‏
قالا‏:‏ لا والله ما علمنا ذلك‏.‏
فقال عمر للشيخ‏:‏ وما دعاك أن صنعت هذا القبيح‏.‏
قال‏:‏ أنا شيخ كبير ولم يكن لي أحد أثق به ولا أتكل عليه فقلت‏:‏ يا هذا أتكفيني الرعي والسقي وتعينني على دوابي وأنا أجعل لك نصيبًا في امرأتي والآن علمت أنه حرام فلا أفعله فقال عمر‏:‏ خذ بيد امرأتك فلا سبيل لي عليها ثم قال للشاب‏:‏ إياك أن تقرب منها فإنه إن بلغني ذلك ضربت عنقك ثم ارتحل عمر يريد بيت المقدس حتى دنا من أول الشام وأشرف عليه‏.‏
قال أسلم بن برقان مولى عمر فلما أشرفنا على الشام وأشرف عليه المسلمون نظرنا إلى طائفة من خيل المسلمين‏.‏
فقال عمر للزبير‏:‏ أسرع وانظر ما هذه الخيل فأسرع الزبير إليها فلما قرب منها وإذا هي خيل من اليمن قد بعث بها أبو عبيدة يأخذون له خبر عمر رضي الله عنه قال الزبير‏:‏ فسلموا علي وقالوا‏:‏ يا فتى من أين أقبلت فقلت‏:‏ من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا‏:‏ كيف خلفت أهلها‏.‏
قلت‏:‏ بخير قالوا‏:‏ فما فعل عمر هل قدم علينا أم لا‏.‏
قال الزبير‏:‏ من أنتم‏.‏
قالوا‏:‏ نحن من عرب اليمن قد وجهنا أبو عبيدة لنأخذ له خبر عمر قال‏:‏ فرجع الزبير إلى عمر وحدثه قال‏:‏ أصبت يا أبا عبد الله فأقبل علينا جمع آخر فسلموا علينا وسألونا عن عمر‏.‏
فقال لهم‏:‏ ها أنا عمر فما تريدون‏.‏
قالوا‏:‏ يا أمير المؤمنين قد ذرفت العيون وطالت الأعناق بطول قدومك فلعل الله أن يفتح بيت المقدس على يدك‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ثم رجعوا على أعقابهم حتى أشرفوا على عسكر المسلمين وأبي عبيدة ونادوا بأصواتهم‏:‏ أبشروا يا مسلمون بقدوم عمر قال فارتج الناس وهموا أن يركبوا لاستقباله بأجمعهم‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ عزيمة على كل رجل أن لا يخرج من مركزه ثم سار أبو عبيدة في أناس من المهاجرين والأنصار حتى أشرف بمن معه على عمر قال‏:‏ ونظر عمر إلى أبي عبيدة وهو لابس سلاحه متنكب قوسه وهو راكب على قلوصه مغطى بعباءة قطوانية وخطام قلوصه من شعر فلما نظر أبو عبيدة إلى عمر رضي الله عنه أناخ قلوصه وأناخ عمر بعيره وترجل كلاهما ومد أبو عبيدة يده فصافح عمر وتعانقا جميعًا وسلم بعضهما على بعض وأقبل المسلمون يسلمون على عمر ثم ركبا جميعًا وجعلا يسيران أمام الناس وهما يتحادثان ولم يزالا كذلك حتى نزلا ببيت المقدس فلما نزل صلى عمر رضي الله عنه بالمسلمين صلاة الفجر ثم خطبهم خطبة حسنة فقال في خطبته‏:‏ الحمد لله الحميد المجيد القوي الشديد الفعال لما يريد ثم قال‏:‏ إن الله تعالى قد أكرمنا بالإسلام وهدانا بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام وأزاح عنا الضلالة وجمعنا بعد الفرقة وألف بين قلوبنا من بعد البغضاء فاحمدوه على هذه النعمة تستوجبوا منه المزيد فقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 7‏]‏ ثم قرأ‏:‏ ‏{‏من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 97‏]‏ قال فلما تلا عمر ذلك قام قس من النصارى كان حاضرًا بين يديه‏.‏
فقال‏:‏ إن الله لا يضل أحدًا فلما كررها قال عمر‏:‏ انظروا إن عاد إلى قوله فاضربوا عنقه فعرف القس ما قال عمر فأمسك ومضى عمر في خطبته‏.‏
فقال‏:‏ أما بعد‏:‏ فإني أوصيكم بتقوى الله عز وجل الذي يبقى ويفنى كل شيء سواه الذي بطاعته ينفع أولياءه وبمعصيته يفني أعداءه أيها الناس أدوا زكاة أموالكم طيبة بها قلوبكم وأنفسكم لا تريدون بها جزاء من مخلوق ولا شكورًا افهموا ما توعظون به فإن الكيس من أحرز دينه وإن السعيد من اتعظ بغيره ألا إن شر الأمور مبتدعاتها وعليكم بالسنة سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم فألزموها فإن الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة وألزموا القرآن فإن فيه الشفاء والثواب أيها الناس إنه قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم كقيامي فيكم وقال‏:‏ ألزموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى يشهد من لم يستشهد ويحلف من لم يحلف فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة وتعوذوا من الشيطان ولا يخلون أحد منكم بامرأة فإنهن من حبائل الشيطان ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن والصلاة الصلاة فلما فرغ من خطبته جلس فجعل أبو عبيدة يحدثه بما لقي من الروم وعمر باهت فتارة يبكي وتارة يهدأ فلم يزل كذلك إلى أن حضرت صلاة الظهر‏.‏
فقال الناس‏:‏ يا أمير المؤمنين اسأل بلالًا أن يؤذن لنا وكان بلال مقيمًا ببلد فلما بلغه أن عمر قد وصل سار مع أبي عبيدة حتى سلم على عمر فعظم قدره فلما حضرت صلاة الظهر وسأل المسلمون عمر أن يسأل بلالًا‏.‏
فقال له‏:‏ يا بلال إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون أن تؤذن لهم وتذكرهم أوقات نبيهم صلى الله عليه وسلم فقال بلال‏:‏ نعم فلما قال‏:‏ الله كبر خشعت جلودهم واقشعرت أبدانهم قال‏:‏ فلما قال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله بكى الناس بكاء شديدًا حتى كادت قلوبهم أن تتصدع عند ذكر الله ورسوله فلما فرغ بلال من آذانه وجلس قال بلال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن أمراء المسلمين وأجناد الشام يأكلون لحوم الطيور والخبز النقي وما لا يلحق ضعفاء الناس وما لا تناله أيديهم وإن الكل يفنى وماله إلى التراب ومصيرنا إليه‏.‏
فقال له يزيد بن أبي سفيان‏:‏ إن سعر بلادنا هذه رخيص وإنا لنصيب ما قاله بلال ههنا مثل ما كنا نقوت به أنفسنا مدة من الزمان في الحجاز‏.‏
فقال عمر‏:‏ إن الأمر كما ذكرت فكلوا هنيئًا مريئًا ولست أبرح من مكاني حتى تجمعوا إلي من في المنازل وأن تكتبوا إلى فقراء المسلمين ممن في المدن والقرى فأفرض لكل أهل بيت ما يجزيهم من البر والشعير والعسل والزيت وما يحتاجون إليه ولا بد لهم منه ثم قال عمر‏:‏ هذا لكم من أمرائكم غير ما يأتيكم مني من بيت مال المسلمين فإن قطعت عنكم أمراؤكم فأمروني حتى أعزلهم عنكم ثم أمرهم بالرحيل فلما هم بالركوب على بعيره وعليه مرقعة من صوف وفيها أربع عشرة رقعة بعضها من أدم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ بلغني ممن أثق به أنها كانت مرقعة من صوف‏.‏
فقال له المسلمون‏:‏ يا أمير المؤمنين لو ركبت بدل بعيرك جوادًا ولبست ثيابًا بيضًا‏.‏
قال ففعل‏.‏
قال الزبير‏:‏ أحسب أنها كانت من ثياب مصر تساوي خمسة عشر درهمًا وطرح على عاتقه منديلًا من كتان ليس جديدًا ولا بالخلق دفعه إليه أبو عبيدة وقدم إليه برذون أشهب من براذين الروم فلما صار عمر على ظهره جعل البرذون يهملج به فلما نظر عمر إلى البرذون وفعاله نزل عنه مسرعًا وقال‏:‏ أقيلوا عثرتي أقال الله عثرتكم يوم القيامة فقد كاد أميركم أن يهلك بما دخل قلبي من العجب والكبر وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من الكبر‏)‏‏.‏ ولقد كاد أن يهلكني ثوبكم الأبيض وبروذنكم المهملج ثم إن عمر رضي الله عنه نزع ما كان عليه ثم عاد إلى لبس مرقعته‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق