28 +
مقدمة
فتوح الشام
أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )
قال الواقدي: كنا يومًا نقرأ فتوح الشام وفتوح بيت المقدس عند قبر أبي حنيفة وكان الفتوح يقرأ على عبادة بن عوف الدينوري وكان من أهل الفضل وكان يسجع كلامه.
فلما وصل إلى ما ذكرناه من لبس عمر لمرقعته.
قال: قد سمح خاطري بما أنا قائله.
قال الواقدي: قلت: قل ولا تخف الصدق فتهوى في النار وإن الصدق أمانة والكذب خيانة.
قال: لما لبس عمر مرقعته وجعل يتميز في شمائل فقره والكائنات تتعجب من زهده وصبره عندما تزينت له الدنيا بملابسها وتراءت له في حلل أمنيتها بواسطة حدثان مشيئتها وقد جعلت أشباح شهواتها على قمة رأس مرآتها وأقبلت رافلة في حلة مراودته مطلقة عند الطمع في طلب زوال مجاهدته معرضة بملابس جمالها على سوق معارضته في سناء قبلة مرآة تبهرجها في عين مشاهدته واقفة على قدم الاستدراج إلى ترك خدمته جاعلة ودادها ذريعة إلى وصلته وعمر قد أمسك عرى طاعته بيد عصمته فلما نصبت له حبائل بلاها ولم تره وقع في أشراك هواها أسمعت في معناها قد شغفها حبًا إنا لنراها وقالت: يا عمر قد وليت أرضي فلا بد من القيام بفرضي فالولاية لا تقوم إلا بالملابس الهنية والمآكل الشهية والظلم في الرعية فقال عمر: اذهبي فلست من رجالك ولا ممن يقع في حبالك ولا في أوحالك.
أما علمت أني قد تجردت لمعاندتك ولا حاجة لي في مشاهدتك وها أنا على قدم تجردت لإقامة دعوة سيد الأمم حتى أفتح بلاد الروم والعجم ثم أظهر في وجهها صارم اجتهاده من معنى قوله {وجاهدوا في الله حق جهاده} التوبة: 86.
قال الواقدي: فاستحسنت هذا الكلام وألحقت ما قاله في هذا الموضع بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرًا) قال: وإن عمر سار يريد العقبة ليصعد منها إلى بيت المقدس فلقيه قوم من المسلمين وعليهم ثياب الديباج مما أخذوه من اليرموك فأمر عمر أن يحثوا التراب في وجوههم وأن تمزق عليهم ولم يزل على ذلك حتى أشرف على بيت المقدس فلما نظر إليها قال: الله أكبر اللهم افتح لنا فتحًا يسيرًا واجعل لنا من لدنك سلطانًا نصيرًا ثم سار واستقبلته العشائر والقبائل وأصحاب العقود وسار عمر حتى نزل بالموضع الذي كان فيه أبو عبيدة وضربت له خيمة من شعر وجلس فيها هناك على التراب.
ثم قام يصلي أربع ركعات.
قال الواقدي: وعلت للمسلمين ضجة عظيمة وصياح مزعج بالتهليل والتكبير فسمع أهل بيت المقدس الضجة والجلبة فقال لهم البترك: يا ويلكم ما شأن العرب قد ارتفعت لهم جلبة من غير شيء فأشرفوا عليهم وانظروا ما شأنهم.
قال الواقدي: فأشرف عليهم رجل ممن يعرف العربية فقال: يا معاشر العرب أخبرونا ما قصتكم قالوا: إن أمير المؤمنين عمر قد قدم علينا من مدينة نبينا وهذه الضجة من فرح المسلمين به.
قال: فرجع وأعلم البترك فأطرق إلى الأرض ولم يتكلم فلما كان الغد وصلى عمر بالناس صلاة الفجر.
قال لأبي عبيدة: يا عامر تقدم إلى القوم وأعلمهم أني قد أتيت.
قال: فخرج أبو عبيدة وصاح بهم وقال: يا أهل هذه البلدة إن صاحبنا أمير المؤمنين قد ورد فما تصنعون فيما قلتم.
قال: فأعلموا البترك فخرج من كنيسته وعليه المسوح وترجل الرهبان والقسوس والأساقفة معه وقد حمل بين يديه صليب لا يخرجونه إلا في عيدهم وسار معه الباطليق الوالي عليهم وهو يقول للبترك: يا أبانا إن كنت تعرفه معرفة حقيقية وإلا فلا تفتح له ودعنا وهؤلاء العرب فإما أن نبيدهم وإما أن يبدونا قال البترك: أنا أفعل ذلك ثم صعدا على السور ووقف الباطليق إلى جانبه والصليب أمامهم وأشرف على أبي عبيدة وقال: ما تشاء أيها الشيخ الباهي.
قال أبو عبيدة: هذا أمير المؤمنين عمر وليس عليه أمير قد أتى فاخرجوا إليه واعقدوا معه الأمان والذمة وأداء الجزية.
فقال البترك: يا ذا الرجل إن كان صاحبك الذي ليس عليه أمير قد أتى فدعة يدن منا فإنا نعرفه بنعته وصفته وأفردوه من بينكم وليقف بإزائنا حتى نراه فإن كان صاحبنا الذي نعته في الإنجيل نزلنا إليه وعقدنا معه الأمان وأقررنا له بالجزية وإن كان غير الذي نجد نعته في الإنجيل وصفته فما لكم عندنا غير القتال قال فرجع أبو عبيدة إلى عمر وأخبره بما قاله البترك فهم عمر بالقيام.
فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين تخرج إليهم منفردًا وليس عليك آلة حرب غير هذه المرقعة وإنا نخشى عليك منهم غدرًا أو مكرًا فينالون منك.
فقال عمر {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [التوبة: 1]. ثم أمر ببعيره فقدم إليه فاستوى في ركوبه عليه وعليه مرقعة ليس عليه غيرها وعلى رأسه قطعة عباءة قطوانية وقد عصب بها رأسه وليس معه غير أبي عبيدة رضي الله عنه وهو سائر بين يديه حتى قرب من السور ووقف بإزاء السور والبترك والباطليق عليه فتكلم أبو عبيدة وقال: يا هؤلاء هذا أمير المؤمنين قد أتى فمسح البترك عينه ونظر إليه وزعق بأعلى صوته: هذا والله الذي نجد صفته ونعته في كتبنا ومن يكون فتح بلادنا على يديه بلا محالة ثم إنه قال لأهل بيت المقدس: يا ويحكم انزلوا إليه واعقدوا معه الأمان والذمة هذا والله صاحب محمد بن عبد الله.
قال الواقدي: فلما سمعت الروم كلام البترك نزلوا مسرعين وكانوا قد ضاقت أنفسهم من الحصار ففتحوا الباب وخرجوا إلى عمر بن الخطاب يسألونه العهد والميثاق والذمة ويقرون له بالجزية فلما نظر إليهم عمر على تلك الحالة تواضع لله وخر ساجدًا على قتب بعيره ثم نزل إليهم وقال: ارجعوا إلى بلادكم ولكم الذمة والعهد إذ سألتمونا وأقررتم بالجزية.
قال فرجع القوم إلى بلدهم ولم يغلقوا الأبواب ورجع عمر إلى عسكره فبات فيه ليلة فما كان الغد قام فدخل إليها وكان دخوله يوم الاثنين وأقام بها إلى يوم الجمعة وخط بها محرابًا من جهة الشرق وهو موضع مسجده فتقدم وصلى هو وأصحابه صلاة الجمعة فهمت الروم بغدرهم وكان أبو الجعيد الذي احتال على الروم باليرموك ببيت المقدس هو وأهله وماله فقالوا: ما ترى في غدر هؤلاء العرب إذا هم اشتغلوا بصلاتهم وليس معهم آلة حرب ولا ما يحترزون به من الضرب والقتل.
فقال لهم أبو الجعيد: يا قوم لا تفعلوا ولا تغدروا بهم فإن فعلتم ذلك أخبرتهم بما تريدون أن تفعلوا بهم فقالوا: وما الذي نصنع فقال أبو الجعيد: أظهروا للعرب ما لكم من الزينة ومتاع الدنيا فإن متاع الدنيا وما فيها لا يصبر صاحبهما عنهما فإن طلبوهما بغدر فشأنكم وما تريدون قال: فأقبل القوم على ما كانوا يقدرون عليه من المال والمتاع الحسن فأظهروه وصفوه في طريق المسلمين وشوارعهم فجعل المسلمون ينظرون إلى ذلك في دخولهم وخروجهم وهم يعجبون منهم ولم يمل أحد منهم إليه ولم يلمسه وهم يقولون: الحمد لله الذي أورثنا ديار قوم مثل هذا ولو ساوت الدنيا عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء قال عوف بن سالم: فوالله ما من المسلمين من جعل يده على شيء من متاعهم ولا لمسه.
فقال لهم أبو الجعيد: هؤلاء القوم الذين وصفهم الله في التوراة والإنجيل وأنهم لا يزالون على الحق ولا يقربهم أحد ما داموا على ما هم عليه.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق