إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

27 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


27

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

قال الواقدي‏:‏ وكان نزول المسلمين على بيت المقدس في أيام الشتاء والبرد وظنت الروم أن المسلمين لا يقدرون عليهم في ذلك الوقت‏.‏
قال‏:‏ وزحف المسلمون إليهم وبرزت النبالة من أهل اليمن وصمم أصحاب القسي ورشقوهم بالنبل وكانوا غير محترزين من النبل لقلة اكتراثهم به حتى رأوا النبل ينكسهم على رؤوسهم من وراء ظهورهم وهم لا يشعرون‏.‏
قال مهلهل‏:‏ لله در عرب اليمن فلقد رأيتهم يرمون بالنبل الروم فيتهافتون من سورهم كالغنم فلما رأوا ما صنع بهم النبل احترزوا منه وستروا السور بالحجف والجلود وبما يرد النبل‏.‏
عال ونظرت الروم إلى ضرار بن الأزور وقد اقبل نحو الباب الأعظم وعليه بطريق كبير وعلى رأسه صليب من الجوهر وحوله غلمان وعليهم الطوارق وبأيديهم القسي الموترة والعمد وهو يحرض القوم على القتال‏.‏
قال عوف بن مهلهل فنظرت إلى ضرار وقد قصد نحوه وهو يختفي ويستتر إلى أن قرب من البرج الذي عليه البطريق ثم أطلق إليه نبلة قال عوف‏:‏ فنظرت إلى النبلة مع علو هذا الجدار وقد خرجت من قوس ضرار والبرج عال رفيع‏.‏
فقلت‏:‏ وما تكون هذه النبلة مع علو هذا الجدار وما الذي تصنع في هذا العلج وعليه هذه اللامة اللامعة فأقسم بالله لقف وقعت هذه النبلة في فيه فتردى إلى أسفل برجه فسمعت للقوم ضجت عقيمة وجولة هائلة فعلمت أنه قتل قال ولم يزل أبو عبيدة ينازل بيت المقدس أربعة أشهر كاملة وما من يوم إلا ويقاتلهم قتالًا شديدًا والمسلمون صابرون على البرد والثلج والمطر فلما نظر أهل بيت المقدس إلى شدة الحصار وما نزل بهم من المسلمين قصدوا القمامة ووقفوا بين يدي بتركهم وسجدوا بين يديه وعظموه وقالوا له‏:‏ يا أبانا قف دار علينا حصار هؤلاء العرب ورجونا أن يأتينا مدد من قبل الملك ولا شك أنه اشتغل عنا بنفسه من أجل هزيمة جيشه وأنهم أشهى منا للقتال وأنهم من يوم نزلوا علينا لم نخاطبهم بكلمة واحدة ولم نجبهم احتقارًا منا لهم والآن قد عظم علينا الأمر وإنا نريد منك أن تشرف على هؤلاء العرب وتنظر ما الذي يريدون منا فإن كان أمرهم قريبًا أجبنا إلى ما يريدون ويطلبون وإن كان صعبًا فتحنا الأبواب وخرجنا إليهم فإما أن نقتل عن آخرنا وإما أن نهزمهم عنا فأجابهم البترك إلى ذلك واشتمل بلباسه وصعد معهم على السور وحمل الصليب بين يديه واجتمع القسوس والرهبان حوله وبأيديهم الأناجيل مفتحة والمباخر حتى أشرف على المكان الذي فيه أبو عبيدة فنادى منهم رجل بلسان فصيح العربية‏:‏ يا معاشر العرب إن عمدة دين النصرانية وصاحب شريعتها قد أقبل يخاطبهم فليدن منا أميركم فأخبروا أبا عبيدة بمقالهم فقال‏:‏ والله إني لأجيبه حيث دعاني ثم قام أبو عبيدة وجماعة من الأمراء والصحابة ومعه ترجمان فلما وقف بإزائه قال لهم الترجمان‏:‏ ما الذي تريدون منا في هذه البلدة المقدسة‏.‏
ومن قصدها يوشك أن الله يغضب عليه ويهلكه فأخبره الترجمان بذلك‏.‏
فقال‏:‏ قل لهم نعم إنها شريفة ومنها أسري بنبينا إلى السماء ودنا من ربه كقاب قوسين أو أدنى وأنها معدن الأنبياء وقبورهم فيها ونحن أحق منكم بها ولا نزال عليها أو يملكنا الله إياها كما ملكنا غيرها‏.‏
قال البترك‏:‏ فما الذي تريدون منا‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ خصلة من ثلاث‏:‏ أولها أن تقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله فإن أجبتم إلى هذه الكلمة كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا‏.‏
قال البترك‏:‏ إنها كلمة عظيمة ونحن قائلوها إلا أن نبيكم محمدًا ما نقول إنه رسول‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ كذبت يا عدو الله إنك لم توحد قط وقد أخبرنا الله في كتابه أنكم تقولون المسيح ابن الله‏:‏ لا إله إلا الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا‏.‏
قال البترك‏:‏ هذه خصلة لا نجيبكم إليها فما الخصلة الثانية‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ تصالحوننا عن بلدكم أو تؤدون الجزية إلينا عن يد وأنتم صاغرون كما أداها غيركم من أهل الشام‏.‏
قال البترك‏:‏ هذه الخصلة أعظم علينا من الأولى وما كنا بالذي يدخل تحت الذل والصغار أبدًا‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ ما نزال نقاتلكم حتى يظفرنا الله بكم ونستعبد أولادكم ونساءكم ونقتل منكم من خالف كلمة التوحيد وعكف على كلمة الكفر‏.‏
فقال البترك‏:‏ فإنا لا نسلم مدينتنا أو نهلك عن آخرنا وكيف نسلمها وقد استعددنا بآلة الحرب والحصار وفيها العدة الحسنة والرجال الشداد ولسنا كمن لاقيتم من أهل المدن الذين أذعنوا لكم بالجزية فإنهم قوم غضب عليهم المسيح فأدخلهم تحت طاعتكم ونحن في بلد من إذا سأل المسيح ودعاه أجاب دعوته فقال أبو عبيدة‏:‏ كذبت والله يا عدو الله ‏{‏ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 75‏]‏ فقال‏:‏ أنا أقسم بالمسيح أنكم لو أقمتم علينا عشرين سنة ما فتحتموها أبدًا وإنما تفتح لرجل صفته ونعته في كتبنا ولسنا نجد صفته ونعته معك أبدًا فقال أبو عبيدة‏:‏ وما صفة من يفتح مدينتكم‏.‏
قال البترك‏:‏ لا نخبركم بصفته لكن نجد في كتبنا وما قرأناه من كلمنا أنه يفتح هذه البلدة صاحب محمد اسمه عمر يعرف بالفاروق وهو رجل شديد لا تأخذه في الله لومة لائم ولسنا نرى صفته فيكم قال‏:‏ فلما سمع أبو عبيدة ذلك من كلام البترك تبسم ضاحكًا وقال‏:‏ فتحنا البلد ورب الكعبة‏.‏
ثم أقبل عليه وقال له‏:‏ إذا رأيت الرجل تعرفه‏.‏
قال‏:‏ نعم وكيف لا أعرفه وصفته عندي وعدد سنينه وأيامه‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ هو والله خليفتنا وصاحب نبينا‏.‏
فقال البترك‏:‏ إن كان الأمر كما ذكرت فقد علمت صدق قولنا فاحقن الدماء وابعث إلى صاحبك يأتي فإذا رأيناه وتبيناه وعرفنا صافته ونعته فتحنا له البلد من غير هم ولا نكد وأعطنا الجزية‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ فإني أبعث إليه بأن يقوم علينا أفتحبونا القتال أم نكف عنكم‏.‏
فقال البترك‏:‏ معاشر العرب ألا تدعون بغيكم‏.‏
‏.‏
أنخبركم بأننا قد صدقناكم في الكلام طلبًا لحقن الدماء وأنتم تأبون إلا القتال‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ نعم لأن ذلك أشهى إلينا من الحياة نرجو به العفو والغفران من ربنا‏.‏
قال فأمر أبو عبيدة بالكف عنهم وانصرف البترك‏.




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق