إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

26 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )



26


مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

فقال الزبير‏:‏ أيها الأمير هذا غلامي وصل إلي من غنيمة عمان وهرب مني وقد رأيته الآن فلا بد لي منه فقال أبو عبيدة‏:‏ صدق ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو له وأنا سلمته له من غنيمة عمان فسلمه إليه فأخذه الزبير قال زيد المرادي‏:‏ هربت منا جارية إلى العدو وظفرنا بها يوم اليرموك في قسم الغنائم فكلمنا أبا عبيدة فيها فكتب إلى عمر فرد إليه الجواب إن كانت جارية حربية ففيها السهام وإلا فلا سبيل إليها وإن كان لم تجر فيها السهام فردوها فكأن القوم لا يرضون بهذا من أبي عبيدة‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو هذا كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يحكم بما أمرتكم فقبل قوله ودفع الجارية إلى القسم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ حدثني لؤي بن عبد ربه عن سالم مولى حذيفة بن اليمان عن القاسط ابن سلمة بن علي بن عاصم عمن حدثه عن فتوح الشام‏.‏
قال‏:‏ لما هزم الله الروم باليرموك على يد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغ الخبر إلى هرقل بهزيمة جيشه وقد قتل ماهان وجرجير وغيرهما قال‏:‏ علمت أن الأمر يصل إلى هنا ثم أقام ينتظر ما يجري من المسلمين‏.‏
ذكر فتح مدينة بيت المقدس قال الواقدي‏:‏ وأما ما كان من المسلمين فإنهم أقاموا على دمشق شهرًا فجمع أبو عبيدة أمراء المسلمين وقال لهم‏:‏ أشيروا علي بما أصنع وأين أتوجه فاتفق رأي المسلمين إما إلى قيسارية وإما إلى بيت المقدس‏.‏
فقال‏:‏ فما الذي ترون منهما‏.‏
فقالوا‏:‏ أنت الرجل الأمين وما تسير إلى موضع إلا ونحن معك‏.‏
فقال معاذ بن جبل‏:‏ اكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فحيث أمرك فسر واستعن بالله‏.‏
فقال‏:‏ أصبت الرأي يا معاذ فكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يعلمه أنه قد عزم على قيسارية أو إلى بيت المقدس وأنه منتظر ما يأمره به والسلام وأرسل الكتاب مع عفرجة بن ناصح النخعي وأمره بالمسير فسار حتى وصل المدينة فأرسل الكتاب لعمر رضي الله عنه فقرأه على المسلمين واستشارهم في الأمر‏.‏
فقال علي رضي الله عنه‏:‏ يا أمير المؤمنين مر صاحبك أن يصير إلى بيت المقدس فيحدقوا بها ويقاتلوا أهلها فهو خير الرأي وأكبره وإذا فتحت بيت المقدس فاصرف جيشه إلى قيسارية فإنها تفتح بعدها إن شاء الله تعالى كذا أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
قال‏:‏ صدقت يا أبا الحسن فكتب إليه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب إلى عامله بالشام أبي عبيدة‏.‏
أما بعد فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه وقد ورد علي كتابك وفيه تستشيرني في أي ناحية تتوجه إليها وقد أشار ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسير إلى بيت المقدس فإن الله سبحانه وتعالى يفتحها على يديك والسلام عليك ثم طوى الكتاب ودفعه إلى عرفجة وأمره أن يعجل بالمسير فسار حتى قدم على أبي عبيدة فوجده على الجابية فدفع الكتاب إليه فقرأه على المسلمين ففرحوا بمسيرهم إلى بيت المقدس فعندها دعا أبو عبيدة بخالد بن الوليد وعقد له راية وضم إليه خمسة آلاف فارس من خيل الزحف وسرحه إلى بيت المقدس ثم دعا بيزيد بن أبي سفيان وعقد له راية على خمسة آلاف وأمره أن يلحق بخالد إلى بيت المقدس وقال له‏:‏ يا ابن أبي سفيان ما علمتك إلا ناصحًا فإذا أشرفت على بلد إيلياء فارفعوا أصواتكم بالتهليل والتكبير واسألوا الله بجاه نبيه ومن سكنها من الأنبياء والصالحين أن يسهل فتحها على أيدي المسلمين فأخذ يزيد الراية وسار يريد بيت المقدس فسار ثم دعا شرحبيل بن حسنة كاتب وحي النبي صلى الله عليه وسلم وعقد له راية وضم إليه خمسة آلاف فارس من أهل اليمن وقال له‏:‏ سر بمن معك حتى تقدم بيت المقدس وانزل بعسكرك عليها ولا تختلط بعسكر من تقدم قبلك ثم دعا بالمرقال بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص وضم إليه خمسة آلاف فارس مع جمع من المسلمين وسرحه على أثر شرحبيل بن حسنة وقال له‏:‏ انزل على حصنها وأنت منعزل عن أصحابك ثم عقد راية خامسة فسلمها للمسيب بن نجية الفزاري وأمره أن يلحق بأصحابه وضم إليه خمسة آلاف فارس من النخع وغيرهم من القبائل وعقد راية سادسة وسلمها إلى قيس بن هبيرة المرادي وضم إليه خمسة آلاف فارس وسيره وراءهم ثم عقد راية سابعة وسلمها إلى عروة بن مهلهل بن زيد الخيل وضم إليه خمسة آلاف فارس وسيره وراءهم فكان جملة من سرحه أبو عبيدة إلى بيت المقدس خمسة وثلاثين ألفًا وسارت السبعة أمراء في سبعة أيام في كل يوم أمير وذلك كله يرهب به أعداء الله فبقي كل يوم ينزل عليهم أمير بجيشه‏.‏
فكان أول من طلع عليهم بالراية خالد بن الوليد فلما أشرف عليهم كبر وكبر أصحابه فلما سمع أهل بيت المقدس ضجيج أصواتهم انزعجوا وتزعزعت قلوبهم وصعدوا على أسوار بلدهم فلما نظروا إلى قلة المسلمين استحقروهم وظنوا أن ذلك جميع المسلمين فنزل خالد ومن معه مما يلي باب أريحاء وأقبل في اليوم الثاني يزيد بن أبي سفيان وفي اليوم الثالث شرحبيل بن حسنة وأقبل في اليوم الرابع المرقال وأقبل في اليوم الخامس المسيب بن نجية وأقبل في اليوم السادس قيس بن هبيرة فنزل وأقبل في اليوم السابع عروة بن مهلهل بن زيد الخيل فنزل مما يلي طرف الرملة‏.‏
قال عبد الله بن عامر بن ربيعة الغطفاني‏:‏ ما نزل أحد من المسلمين على بيت المقدس إلا وكبر وصلى ما قدره الله عليه ودعا بالنصر والظفر على الأعداء ويقال إن خالدًا كان هو وأبو عبيدة‏.‏
قال‏:‏ فلما مضى العسكر أقام أبو عبيدة وخالد وبقية المسلمين والذراري والسواد والغنم وما أفاء الله على المسلمين من المواشي والأموال فلم يبرحوا من مكانهم‏.‏
قال‏:‏ وأقام العسكر على بيت المقدس ثلاثة أيام لا يبارزهم حرب ولا ينظرون رسولًا يأتي إليهم ولا يكلمهم أحد من أهلها إلا أنهم قد حصنوا أسوارهم بالمجانيق والطوارق والسيوف والدرق والجواشن والزرد الفاخرة قال المسيب بن نجية الفزاري‏:‏ ما نزلنا ببلد من بلاد الشام فرأينا أكثر زينة ولا أحسن عدة من بيت المقدس وما نزلنا بقوم إلا وتضعضعوا لنا وداخلهم الهلع وأخذتهم الهيبة إلا أهل بيت المقدس نزلنا بإزائهم ثلاثة أيام فلم يكلمنا منهم أحد ولا ينطقون غير أن حارسهم شديد وعدتهم كاملة فلما كان في اليوم الرابع قال رجل من البادية لشرحبيل بن حسنة‏:‏ أيها الأمير كأن هؤلاء القوم صم فلا يسمعون أو بكم فلا ينطقون أو عمي فلا يبصرون ازحفوا بنا إليهم فلما كان في اليوم الخامس وقد صلى المسلمون صلاة الفجر كان أول من ركب من المسلمين من الأمراء لسؤال أهل بيت المقدس يزيد بن أبي سفيان فشهر سلاحه وجعل يدنو من سورهم وقد أخذ معه ترجمانًا يبلغه عنهم ما يقولون فوقف بازاءسورهم بحيث يسمعون خطابه وهم صامتون‏.‏
فقال لترجمانه‏:‏ قل لهم أمير العرب يقول لكم‏:‏ ماذا تقولون في إجابة الدعوة إلى الإسلام والحق وكلمة الإخلاص وهي كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله حتى يغفر لكم ربنا ما سلف من ذنوبكم وتحقنون بها دماءكم وإن أبيتم ولم تجيبونا فصالحوا عن بلدكم كما صالح غيركم ممن هو أعظم منكم عدة وأشد منكم وإن أبيتم هاتين الحالتين حل بكم البوار وكان مصيركم إلى النار‏.‏
قال‏:‏ فتقدم الترجمان إليهم وقال لهم‏:‏ من المخاطب عنكم‏.‏
فكلمه قس من القساوسة عليه مدارع الشعر وقال‏:‏ أنا المخاطب عنهم ماذا تريد‏.‏
فمال الترجمان‏:‏ إن هذا الأمير يقول كذا وكذا ويدعوكم إلى إحدى هذه الخصال الثلاث‏:‏ إما الدخول في الإسلام أو أداء الجزية وإما السيف‏.‏
قال‏:‏ فبلغ القس من وراءه ما قال الترجمان‏.‏
قال فضجوا بكلمة كفرهم وقالوا‏:‏ لا نرجع عن دين العز‏.‏
‏.‏
‏.‏
والقبول وأن قتلنا أهون علينا من ذلك فبلغ الترجمان ذلك ليزيد‏.‏
قال‏:‏ فمشى إلى الأمراء وأخبرهم بجواب القوم‏.‏
قال لهم‏:‏ ما انتظاركم بهم‏.‏
فقالوا‏:‏ إن الأمير أبا عبيدة ما أمرنا بالقتال ولا بحرب القوم في بالنزول عليهم ولكن نكتب إلى أمين الأمة فإن أمرنا بالزحف زحفنًا فكتب يزيد بن أبي سفيان إلى أبي عبيدة يعلمه بما كان من جواب القوم فما الذي تأمر‏.‏
فكتب إليهم أبو عبيدة يأمرهم بالزحف وأنه واصل في أثر الكتاب فلما وقف المسلمون على كتاب أبي عبيدة فرحوا واستبشروا وباتوا ينتظرون الصباح‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ولقد بلغمي أن المسلمين باتوا تلك الليلة كأنهم ينتظرون قادمًا يقدم عليهم من شدة فرحهم بقتال أهل بيت المقدس وكل أمير يريد أن يفتح على يديه فيتمتع بالصلاة فيه والنظر إلى آثار الأنبياء قال‏:‏ فلما أضاء الفجر أذن وصلت الناس صلاة الفجر قال فقرأ يزيد لأصحابه ‏{‏يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 12‏]‏‏.‏ الآية فيقال إن الأمراء أجرى الله على ألسنتهم في تلك الصلاة أن قرأوا هذه الآية كأنهم على ميعاد واحد فلما فرغوا من الصلاة نادوا‏:‏ النفير النفير يا خيل الله اركبي‏.‏
قال‏:‏ فأول من برز للقتال حمير ورجال اليمن وبرز المسلمون للحرب كأنهم أسود ضارية ونظر إليهم أهل بيت المقدس وقد انشرحوا لقتالهم فنشطهم ورشقوا المسلمين بالنشاب فكانت كالجراد فجعل المسلمون يتلقونها بدرقهم فلم تراى الحرب بينهم من الغد إلى الغروب يقاتلون قتالًا شديدًا ولم يظهروا فزعًا ولا رعبًا ولم يطمعوهم في بلدهم فلما غربت الشمس رجع الناس وصلى المسلمون ما فرض الله عليهم وأخذوا في إصلاح شأنهم وعشائهم فلما فرغوا من ذلك أوقدوا النيران واستكثروا منها لأن الحطب عندهم كثير فبقي قوم يصفون وقوم يقرأون وقوم يتضرعون وقوم نائمون مما لحقهم من التعب والقتل فلما كان الغد بادر المسلمون إليهم وذكروا الله كثيرًا وأثنوا عليه وصلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدمت رماة النبل وأقبلوا يرمون ويذكرون الله وهم يضجون إلى الله قال الواقدي‏:‏ ولم يزل المسلمون على القتال عدة أيام وأهل بيت المقدس يظهرون الفرح وأنه ليس على قلوبهم من هم ولا جزع فلما كان اليوم الحادي عشر أشرفت عليهم راية أبي عبيدة يحملها غلامه سالم ومن ورائها فرسان المسلمين وأبطال الموحدين وقد أحدقوا بأبي عبيدة وخالد عن يمينه وعبد الرحمن بن أبي بكر عن يساره وجاءت النسوان والأموال وضج الناص ضجة واحدة بالتهليل والتكبير فأجابتهم القبائل ووقع الرعب في قلوب أهل بيت المقدس فانقلب كبارهم وعظماؤهم وبطارقتهم إلى البيعة العظمى عندهم وهي القمامة فلما وقفوا بين يدي جاثليقهم وكانوا يعظمونه ويبجلونه فلما سمعوا تلك الضجة دخلوا عليه ووقفوا بين يديه وخضعوا له وقالوا‏:‏ يا أبانا قد قدم أمير القوم إلينا ومعه بقية المسلمين وهذه الضجة بسببه فلما سمع بتركهم وجاثليقهم تغير لونه وتغير وجهه وقال‏:‏ هي هي‏.‏
قالوا‏:‏ ما ذلك أيها البترك والأب الكبير‏.‏
قال‏:‏ وحق الإنجيل إن كان قدم أميرهم فقد دنا هلاككم والسلام‏.‏
قالوا‏:‏ وكيف ذلك قال‏:‏ لأنا نجد في العلم الذي ورثناه عن المتقدمين أن الذي يفتح الأرض في الطول والعرض هو الرجل الأسمر الأحور المسمى بعمر صاحب نبيهم محمد فإن كان قد قدم فلا سبيل لقتاله ولا طاقة لكم بنواله ولا بد لي أن أشرف عليه وأنظر إليه وإلى صورته فإن كان إياه عمدت إلى مصالحته وأجبته إلى ما يريد وإن كان غيره فلا نسلم إليه قط لأن مدينتنا لا تفتح إلا على يد من ذكرته لكم والسلام ثم إنه وثب قائمًا والقسوس والرهبان والشمامسة من حوله وقد رفعوا الصلبان على رأسه وفتحوا الإنجيل بين يديه ودارت البطارقة من حوله وصعد على السور من الجهة التي فيها أبو عبيدة فنظر إلى المسلمين وهم يسلمون عليه ويعظمونه ثم يرجعون إلى القتال كأنهم الأسد الضارية فناداهم رجل ممن كان يمشي بين يدي البترك‏.‏
فقال‏:‏ يا معاشر المسلمين كفوا عن القتال حتى نستخبركم ونسألكم‏.‏
قال فأمسك الناس عن القتال فنادهم رجل من الروم بلسان عربي فصيح‏:‏ اعلموا أن صفة الرجل الذي يفتح بلدنا هذا وجميع الأرض عندنا فإن كان هو أميركم فلا نقاتلكم بل نسلم إليكم وإن لم يكن إياه فلا نسلم إليكم أبدًا‏.‏
قال الواقدي‏:‏ فلما سمع المسلمون ذلك أقبل نفر منهم إلى أبي عبيدة وحدثه بما سمعوه‏.‏
قال فخرج أبو عبيدة إليهم إلى أن حاذاهم فنظر البترك إليه وقال‏:‏ ليس هو هذا الرجل فأبشروا وقاتلوا عن بلدكم ودينكم وحريمكم فلما سمعوا قوله رفعوا أصواتهم وأعلنوا بكلمة كفرهم وأقبلوا يقاتلون القتال الشديد وعاد البترك إلى القمامة ولم يخاطب أبا عبيدة بكلمة واحدة بل أمر قومه بالحرب والقتال وعاد أبو عبيدة إلى أصحابه‏.‏
فقال خالد‏:‏ ما كان منك أيها الأمير‏.‏
فقال‏:‏ لا علم لي غير أني خرجت إليهم كما رأيت وأشرف علي شيطان من شياطينهم الذي يضلهم فما هو غير أن نظر لي وتأملني حتى ضخوا ضجة واحدة وولى عني ولم يكلمني‏.‏
فقال خالد‏:‏ يوشك أن يكون لهم في ذلك تأويل ورأي فنقف عليه ونعلم نبأه ثم قال‏:‏ شدوا عليهم الحرب والقتال فشد عليهم المسلمون‏.‏




يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق