إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

24 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )



24


مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )
 

ففعلوا ذلك وصاحوا فيهم وحملوا ثم انهزموا قدامهم نحو المخاضة فعند ذلك صاح أبو الجعيد برفيع صوته‏:‏ يا معاشر الروم دونكم ومن انهزم فهؤلاء المسلمون قد أوقدوا نيرانهم وعولوا على الحرب‏.‏
قال فأقبلت الروم على حال عجلة يظنون أن ذلك حق فبعضهم ركب جواده عريانًا وبعضهم راجل وساروا في طلب المنهزمين وأبو الجعيد يعدو بين أيديهم إلى أن أوقفهم على الناقوصة وقال لهم‏:‏ هذه المخاضة دونكم وإياهم فأقبلوا يتساقطون في الماء كتساقط الجراد حتى هالك في الماء ما لا يعد ولا يحصى عددًا ولا يدركه جنان فسمتها العرب الناقوصة لنقص الروم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ هذا ما جرى للروم ولا يعلم الأول بما جرى للآخر حتى أصبحوا فنظروا المسلمين في أماكنهم فعلموا أنهم قد دهموا في الليل وقل عددهم وتبدد شملهم فقال بعضهم لبعض‏:‏ من كان الصائح في ليلتنا‏.‏
قال الرجل الذي عبثتم بزوجته وقتلتم ولده وقد أخذ بثأره منكم قال فلما أصبح ماهان وعلم الحقيقة وعلم ما نزل بأصحابه كلم أنه هالك لا محالة وأن العرب ظافرون عليه فبعث إلى قورين فقال‏:‏ ما ترى أن أصنع وقد ظهرت العرب علينا وإن حملوا علينا حملة لم ينفلت منا أحد فهل لك أن تسألهم أن يأخروا القتال حتى نفعل الحيلة في خلاص أنفسنا قال قورين‏:‏ أفعل ذلك‏.‏
قال فدعا ماهان برجل من لخم وبعثه إلى المسلمين يقول لهم‏:‏ اعلموا أن الحرب سجال والدنيا زوال وقد مكرتم بنا فلا تبغوا فالبغي له مصرع وأخروا الحرب عنا يومنا هذا فإذا كان غد يكون الانفصال بيننا وبينكم‏.‏
قال‏:‏ فأقبل اللخمي إلى أبي عبيدة وبلغه الرسالة فهم أبو عبيدة أن يجيبهم إلى ذلك فمنعه خالد من ذلك وقال له‏:‏ لا تفعل أيها الأمير فما عند القوم خير بعد ذلك‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ ارجع إلى صاحبك وقل له لا نؤخر عنك القتال وإنا على عجل من أمرنا فرجع الرسول إلى ماهان فأعلمه بجواب أبي عبيدة فعظم عليه وكبر لديه وكفر وتجبر وقال‏:‏ لقد كنت أتربص بنفسي عن العرب أرجو بذلك الصلح فوحق الصليب لا يبرز لهم غيري ثم صرخ بالروم وأصحاب سرير الملك ومن كان يتكل عليه في الشدائد وأمرهم أن يأخذوا الأهبة فاستعدوا وخرج ماهان في مقدمة الجيش والصليب أمامه وإذا بالمسلمين أخذوا مصافهم للقتل وذلك أن أبا عبيدة صلى بالمسلمين صلاة الفجر وأمرهم بالسرعة للقتال وأخذوا مواضعهم للرحب ففعلوا وقد أيقنوا أنهم منصورون على عدوهم وصف أبو عبيدة أصحاب الرايات ووقف هو وخالد في الخيل المعروفة بخيل الزحف وطلعت الشمس وخرج جرجير هو وبعض ملوك الروم ودعا بالبراز وقال‏:‏ لا يبرز لي إلا أمير العرب فسمعه أبو عبيدة فسلم الراية إلى خالد وقال‏:‏ أنت للراية يا أبا سليمان فإن عدت من قتاله فالراية لي وإن هو قتلني فأمسك رايتك حتى يرى عمر رأيه‏.‏
فقال خالد‏:‏ أنا لقتاله دونك فقال أبو عبيدة‏:‏ لا هو طلبني ولا بد لي من الخروج إليه وأنت شريكي في الأجر فخرج أبو عبيدة وما أحد من المسلمين إلا وهو كاره لذلك فأقبلوا يسألونه فلبى في الخروج فتركوه ورأيه فلما قرب أبو عبيدة من جرجير وعاينه قال له‏:‏ أنت أمير هذا الجيش‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ أنا ذلك وقد أجبتك إلى ما طلبت من أمر البراز فدونك وعرض الميدان فإما هزمتكم أو قتلتك وأقتل ماهان بعدك‏.‏
فقال جرجير‏:‏ أمة الصليب تغلبكم وحمل جرجير على أبي عبيدة وحمل أبو عبيدة على جرجير وطال بينهما القتال وبقي خالد ينظر إلى أبي عبيدة ويدعو له بالسلامة والنصر وجميع المسلمين يدعون له‏.‏
قال‏:‏ وفر جرجير أمام أبي عبيدة وأخذ في عرض الجيش وطلب في فراره جيش المشركين في الميمنة وتبعه أبو عبيدة على أثره فعندما عطف عليه جرجير وخرج كأنه البرق والتقيا بضربتين فكان أبو عبيدة أسبق فوقعت الضربة على عاتق جرجير فخرجت من علائقه فكبر عند ذلك أبو عبيدة وكبر المسلمون ووقف أبو عبيدة على مصرع جرجير وجعل يتعجب من عظم جثته ولم يأخذ من سلبه شيئًا فنادى به خالد‏:‏ لله درك أيها الأمير ارجع إلى رايتك فقد قضيت ما يجب عليك فلم يرجع أبو عبيدة فأقسم عليه المسلمون أن يرجع فرجع وأخذ الراية من يد خالد ونظر ماهان إلى جرجير فعظم ذلك عليه وكبر لديه لأنه كان ركنًا من أركانهم فهم بالهزيمة ثم قال في نفسه‏:‏ ماذا يكون عذري عند هرقل ولا بد أن أبرز إلى الحرب فإن قتلت فقد استرحت من العار وإن سلمت كان لي عند الملك عذر أحسن من أن أولي الأدبار ثم إنه أعلم رجاله أنه يريد المبارزة بنفسه وأخذ عدته ولبس زينته وخرج كأنه جبل ذهب يلمع ثم جمع إليه البطارقة والقسوس والرهبان وقال لهم‏:‏ إن الملك هرقل كان أعلم منكم بهذا الأمر وأنه أراد الصلح فخالفتموه فها أنا أبرز إليهم بنفسي فتقدم إليه بطريق عن بطارقة السرير وكان فيه نسك ودين وكان يعظم الكنائس والرهبان ويتبع ما فرض عليه في الإنجيل وكان يقرب من جرجير في النسب فلما علم بقتله عظم عليه وقال‏:‏ وحق الصليب لأبرزن إلى المسلمين وآخذ بالثأر فإما أن ألحق به وإما أن أقتل قاتله‏.‏
‏.‏
‏.‏
ثم قال لماهان‏:‏ قد تعين علي الجهاد وأنا أولي فرض المسيح ولا بد لي من المبارزة قال‏:‏ فتركه ماهان فخرج وكان اسمه جرجيس وكان عليه درع وعلى الدرع ثوب حديد متقلد بسيفه ومعه قنطارية وعوذته القسوس وبخروه ببخور الكنائس وأقبل إليه راهب عمورية وأعطاه صليبًا كان في عنقه وقال‏:‏ هذا الصليب من أيام المسيح يتوارثه الرهبان ويتمسحون به فهو ينصرك فأخذه جرجيس ونادى‏:‏ البراز بكلام عربي فصيح حتى ظن الناس أنه عربي من المتنصرة فخرج إليه ضرار بن الأزور كأنه شعلة نار فلما قاربه ونظر إليه وإلى عظم جثته ندم على خروجه بالعداة التي أثقلته‏.‏
فقال في نفسه‏:‏ وما عسى يغني هذا اللباس إذا حضر الأجل ثم رجع موليًا فظن الناس أنه ولى فزعًا فقال قائل منهم‏:‏ إن ضرارًا قد انهزم من العلج وما ضبط عنه قط أنه انهزم وهو لا يكلم أحدًا حتى صار إلى خيمته ونزع ثيابه وبقي بالسراويل وأخذ قوسه وتقلد بسيفه وحجفته وعاد إلى الميدان كأنه الظبية الخمصاء فوجد مالكًا النخعي قد سبقه إلى البطريق وكان مالك من الخطاط إذا ركب الجواد تسحب رجلاه على الأرض فنظر ضرار فإذا بمالك ينادي العلج تقدم يا عدو الله يا عابد الصليب إلى الرجل النجيب ناصر محمد الحبيب فلم يجبه العلج لما داخله من الخوف منه قال فجال عليه وهم أن يطعنه فلم يجد للطعنة مكانًا لما عليه من الحديد فقصد جواده وطعنه في خاصرته فأطلع السنان يلمع من الجانب الآخر فنفر الجواد من حرارة الطعنة وهم مالك أن يخرج الرمح فلم يقدر لأنه قد اشتبك في ضلوع الجواد وهو على ظهره لم يقدر أن يتحرك لأنه مزرر في ظهر الجواد بزنانير إلى سرجه فنظر المسلمون إلى ضرار وقد أسرع إليه مثل الظبية حتى وصل إليه وضربه بسيفه على هامته فشطرها نصفين وأخذ سلبه فأتاه مالك وقال‏:‏ ما هذا يا ضرار تشاركني في صيدي فقال‏:‏ ما أنا بشريكك وإنما أنا صاحب السلب وهو لي‏.‏
فقال مالك‏:‏ أنا قتلت جواده‏.‏
فقال ضرار‏:‏ رب ساع لقاعد آكل غير حامل فتبسم مالك وقال‏:‏ خذ صيدك هناك الله به قال ضرار‏:‏ إنما أنا مازح في كلامي خذه إليك فوالله ما أخذ منه شيئًا وهو لك وأنت أحق به مني ثم انتزع سلب العلج وحمله على عاتقه وما كاد أن يمشي به وهو يتصبب عرقًا قال زهير بن عابد‏:‏ ولقد رأيته وهو يسير به وهو راجل ومالك فارس حتى طرحه في رحل مالك‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ بأبي وأمي والله قوم وهبوا أنفسهم لله وما يريدون الدنيا قال فلما قتل البطريق قص جناح ماهان فصاح بقومه وجمعهم إليه وقال لهم‏:‏ اسمعوا يا أصحاب الملك وبلغوه عني أني ما تركت جهدي في نصرة هذا الدين وحاميت عن الملك وقاتلت عن نعمته وما أقدر أن أغالب رب السماء لأنه قد نصر العرب علينا وملكهم بلدنا والآن مما لي وجه أرجع به إلى الملك حتى أخرج إلى الحرب وأبرز إلى مقام الطعن والضرب وعزمت أن أسلم الصليب إلى أحدكم وأبرز إلى قتال المسلمين فإن قتلت فقد استرحت من العار ومن توبيخ الملك لي وإن رزقت النصر وأثرت في المسلمين أثرًا ورجعت سالمًا علم الملك أني لم أقصر عن نصرته فقالوا‏:‏ أيها الملك لا تخرج إلى الحرب حتى نخرج نحن إلى القتال قبلك فإذا قتلنا فافعل بعدنا ما شئت قال‏:‏ فحلف ماهان بالكنائس الأربع لا يبرز أحد قبله قال فلما حلف أمسكوا عنه وعن مراجعته ثم إنه دعا بابن له فدفع إليه الصليب وقال‏:‏ قف مكاني وقدم لماهان عدة فأفرغت عليه‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق