إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

21 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


21

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

قال الواقدي‏:‏ وكان من أحسن صنع الله تعالى بالمسلمين أن جرجير وقناطير اختلفا وتنازعا وكان جرجير في الميمنة مع الأرمن وقناطير في الميسرة تحته فقال جرجير لقناطير‏:‏ احمل على العرب فما هذا وقت الوقوف فقال قناطير‏:‏ تأمرني أن أحمل وكيف لا تحمل أنت فقال جرجير لقناطير‏:‏ وكيف لا آمرك وأنا أمير عليك‏.‏
فقال قناطير‏:‏ كذبت أنت أمير وأنا أمير عليك وفوقك وأنت مأمور لي بالطاعة فاختلفا وغضب جرجير من قول قناطير فحمل على المسلمين حملة شديدة وكانت حملته على كنانة وقيس وخثعم وجذام وقضاعة وعاملة وغسان وهم يومئذ فيما بين الميسرة والقلب فكشف الروم المسلمين حتى زالت عن مصافهم ولم يبق منهم إلا أصحاب الرايات فقاتلوا من يليهم قتالًا شديدًا وركب الروم أكتاف المسلمين المنهزمين إلى أن دخلوا معهم إلى معسكرهم فاستقبلهم النساء بالعمد يضربن وجوه الخيل ويرمين وجوهها بالحجارة وينادين بهم إلى أين تنهزمون يا أهل الإسلام عن الأمهات والأخوات والبنين والبنات أتريدون أن تسلمونا للأعلاج‏.‏
قال منهال الدوسي‏:‏ فلقد كانت النساء أشد علينا غلظة من الروم فرجع المسلمون عن الهزيمة ونادى بعضهم بعضًا ‏{‏وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر‏}‏ ‏[‏العصر‏:‏ 3‏]‏ وعطفوا على الروم عطفة عظيمة‏.‏
قال وكان قتامة بن أيشم الكناني أمام المسلمين يضرب في عراض المشركين تارة بالسيف وتارة بالرمح حتى كسر ثلاثة رماح وهو يقول‏:‏ سأحمل في الروم الكلاب النوابح وأضربهم ضربًا بحد الصفائح وأرضي رسول الله خير مؤمل نبي الهدى للدين أشرف ناصح قال الواقدي‏:‏ ثم حمل حتى كسر سيفين وجعل كلما كسر رمحًا أو سيفًا يقول‏:‏ من يعيرني سيفًا أو رمحًا في سبيل الله وأجره على الله ثم نادى‏:‏ يا معاشر قيس خذوا نصيبكم من الأجر والصبر فإن الصبر في الدنيا عز ومكرمة وفي الآخرة رحمة وفضيلة ‏{‏اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 200‏]‏‏.‏
قال‏:‏ فأجابه قومه ونشطوا للقتال‏.‏
قال قتامة بن أيشم الكناني‏:‏ فما رأيت مثل حملة قناطير وقومه ولقد ختلطوا بنا واختلطنا بهم‏.‏
قال‏:‏ ورجع خالد من دهمته ومعه ألفان من أصحابه وقد وضعوا السيوف في الروم وقتلوهم قتلًا ذريعًا والقتل لا يبين فيهم لكثرتهم وأقبل خالد على الناس من كرته فرأى الناس يقولون جزى الله قتامة بن الأيشم خيرًا عن الإسلام شكره وجزاه خيرًا‏.‏
قال‏:‏ وأقبلت ذرعة ابنة الحارث منحدرة عن التل وهي تقول‏:‏ ما فعل خالد حتى وقفت بين يديه وقالت‏:‏ يا ابن الوليد أنت من العرب الكرام وإنما الرجال بأمرائها فإن ثبتوا ثبتت الرجال معهم وإن انهزموا انهزمت الرجال معهم فقال لها خالد‏:‏ ما كنت من المنهزمين وما كنا إلا نقاتل في الأعلاج‏.‏
فقالت‏:‏ قبح الله وجه عبد ينظر إلى أميره ثابتًا وهو منهزم عنه‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ونظر ماهان لعنه الله إلى الميمنة من عسكره وقد عركت عراك الأديم بعث إليهم يحرضهم على القتال‏.‏
فعندها خرج علج من الروم وعليه درع سابغ السلاح كأنه قطعة جبل وهو على شهباء عظيمة الخلقة فبرز بين الصفين وجال على شهبائه وسأل القتال فخرج إليه غلام من الأزد فما جال معه جولة حتى قتله العلج ثم دعا بالبراز فهم أن يخرج إليه معاذ بن جبل فقال أبو عبيدة‏:‏ يا معاذ سألتك بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما ثبت مكانك ولزمت رايتك ولزومك الراية أحب إلي من برازك إلى هذا العلج فوقف معاذ بالراية ونادى‏:‏ يا معاشر المسلمين من أراد فرسًا يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي وسلاحي فجاءه ولده عبد الرحمن فقال‏:‏ أنا يا أبت وكان غلامًا لم يحتلم‏.‏
قال‏:‏ فلبس السلاح وركب الجواد وقال‏:‏ يا أبت أنا خارج إلى هذا العلج فإن صبرت فالمنة لله علي وإن قتلت فالسلام عليك وإن كان لك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجة فأوصني بها‏.‏
فقال له معاذ‏:‏ يا بني أقرئه مني السلام وقل له‏:‏ جزاك الله عن أمتك خيرًا ثم قال‏:‏ يا بني اخرج وفقك الله لما يحب ويرضى فخرج عبد الرحمن بن معاذ إلى العلج كأنه شعلة نار وحمل على العلج وضربه بالسيف فمال عنه العلج ومال إليه وضربه على رأسه فقطع العمامة وشجه شجة فاضحة أسالت دمه فلما رأى العلج ذلك الدم ظن أنه قتل فتأخر إلى ورائه لينظر كيف يسقط عن جواده فلما نظر عبد الرحمن إلى العلج وقد تأخر عنه انثنى راجعًا إلى المسلمين فقال له معاذ‏:‏ ما بك يا بني‏.‏
قال‏:‏ قتلني العلج قال له‏:‏ ما الذي تريد من الدنيا يا بني ثم إنه شد جرحه قال‏:‏ فعندها صال لعلج وحمل فردته الأزد‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ فمن له منكم فخرج إليه عامر بن الطفيل الدوسي وكان من أصحاب الرايات ممن شهد اليمامة مع خالد بن الوليد وكان قد رأى يوم اليمامة في منامه في قتال مسيلمة الكذاب كأن امرأة لقيته ففتحت له فرجها فدخل فيها ونظر إليه أبنه فأسرع ليدخل مكانه ثم استيقظ وقص ذلك على المسلمين فلم يدر أحد ما تأويله فقال ابن الطفل‏:‏ أما أنا فأعرف تأويلها قالوا‏:‏ وها تأويلها يا ابن الطفيل قال‏:‏ تأويله أني أقتل لأن المرأة التي أدخلتني فرجها هي الأرض وابني سيصيبه جراح ويوشك أن يلتقي بي‏.‏
قال فقاتل يوم اليمامة وأبلى بلاء حسنًا وسلم ولم يلحقه أذى فلما كان يوم اليرموك شهد فيه الحرب وخرج إلى قتال العلج وهو كأنه شعلة حريق أو صاعقة وطعن البطريق وكانت قناته قد شهدت معه المشاهد فاندقت بين يديه وانتضى سيفه وهزه وضرب به العلج على عاتقه فخالط أمعاءه فتنكس العلج صريعًا عن جواده وأسرع عامر بن الطفيل فرمى به إلى المسلمين وسلمه إلى ولده وانثنى راجعًا نحو الروم وحمل على الميمنة وعلى الميسرة وعلى القلب‏.‏
ثم قصد المتنصرة فقتل منهم فارسًا ودعا للبراز وخرج إليه جبلة بن الأيهم وعليه درع من الديباج المثقل بالذهب وتحتها درع من دروع التبابعة وعليه بيضة تلمع كشعاع الشمس وتحته فرس من نسل خيول عاد فلما خرج جبلة إلى عامر بن الطفيل قال له‏:‏ من أي الناس أنت قال‏:‏ أنا من دوس‏.‏
قال جبلة‏:‏ إنك من القرابة فأبق على نفسك وارجع إلى قومك ودع عنك الطمع فقال له عامر‏:‏ قد أخبرتك من أنا ومن قبيلتي فأنت من أي العرب‏.‏
قال‏:‏ أنا من غسان وأنا سيدها جميعها أنا جبلة بن الأيهم الغساني وإنما خرجت إليك حين نظرت إليك وقد قتلت هذا البطريق الشديد وهو نظير ماهان وجرجير في الشجاعة فعلمت أنك كفؤ فخرجت لأقتلك وأحظى عند ماهان وهرقل بقتلك فقال عامر بن الطفيل‏:‏ أما ما ذكرت من شدة القوم وعظم خلقهم فالله أشد منعة وهو مهلك الجبابرة وأما قولك إنك تحظى بقتلي عند مخلوق مثلك فإني أريد أن أحظى بجهادي عند رب العالمين بقتلك وحمل عامر على جبلة بن الأيهم والتقيا بضربتين فخرجت ضربة عامر بن الطفيل غير ممكنة وخرجت ضربة جبلة ممكنة فقطعت من قرنه إلى كتفه فسقط عامر قتيلًا فجال جبلة على مصرعه ووقف يعجب بنفسه وبما صنع وطلب البراز فخرج إليه ولد المقتول وهو جندب بن عامر بن الطفيل وكانت معه راية أبيه فأقبل إلى أبي عبيدة وقال‏:‏ أيها الأمير إن أبي قد قتل وأريد أن آخذ بثأره أو أقتل فادفع رايتك لمن شئت من دوس فأخذ أبو عبيدة الراية ودفعها لرجل من دوس فحملها وخرج جندب إلى قتال جبلة بن الأيهم وهو ينشد ويقول‏:‏ سأبذل مهجتي أبدًا لأني أريد العفو من رب كريم وأضرب في العدا جهدي بسيفي وأقتل كل جبار لئيم قال‏:‏ ودنا من جبلة وقال له‏:‏ اثبت يا قاتل أبي لأقتلك به فقال جبلة‏:‏ ومن أنت من المقتول قال‏:‏ وله‏.‏
قال جبلة‏:‏ ما الذي حملكم على قتل نفوسكم وأولادكم وقتل النفوس محرم قال جندب‏:‏ إن قتل النفس في سبيل الله محمود عند الله وننال به الدرجة العالية فقال له جبلة‏:‏ إني لا أريد قتلك فقال جندب‏:‏ وكيف أرجع وأنا المفجوع بأبي والله لا رجعت أو آخذ بثأر أبي أو ألحق به ثم حمل على جبلة وجعلا يقتتلان وقد شخصت نحوهما الأبصار ونظر جبلة إلى الغلام وما أبدى من شجاعته فعلم أنه شديد البأس صعب المراس فأخذ منه حفره وغسان ترمق صاحبها فرأت الغلام جندبًا وقد ظهر على صاحبهم وقارنه في الحرب فصاح بعضهم على بعض وقالوا‏:‏ إن هذا الغلام الذي برز إلى سيدكم غلام نجيب وإن تركتموه ظهر عليه فانجدوه ولا تدعوه فتأهب غسان للحملة ليستنقوه ونظر المسلمون إلى جندب وما قد ظهر منه ومن شجاعته وشدته ففرحوا بذلك ونظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك وما فعل‏.‏
فبكى وقال‏:‏ هكذا يكون من يبذل مهجته في سبيل الله اللهم تقبل له فعله‏.‏
قال جابر بن عبد الله‏:‏ شهدت قتال اليرموك فما رأيت غلامًا كان أنجب من جندب بن عامر بن الطفيل حين قاتله جبلة وبعد ذلك حمل على جبلة وضربه ضربة أوهنه بها وضربه جبلة فقتله وعجل الله بروحه إلى الجنة ولحقق منام أبيه عامر بن الطفيل وجال جبلة على مصرعه وطلب البراز فصاح به قومه ارجع إلينا فقل قضيت ما يجب عليك فرجع وهو معجب بنفسه حتى وقف تحت صليبه‏.‏
قال وبعث إليه ماهان يشكره وأصيب المسلمون بعامر بن الطفيل وولده جندب‏.‏
قال فعندها صاحت دوس‏:‏ الجنة الجنة خذوا بثأر سيدكم عامر وساعدتها الأزد وكانوا أحلافهم وحملوا على غسان ولخم وجذام وتناشدوا الأشعار فصاح أبو عبيدة بالمسلمين وقال‏:‏ أيها الناس ‏{‏سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 133‏]‏ الآية‏.‏ ومعانقة الحور العين في جنات النعيم فما من موطن أحب إلى الله من هنا الموطن ألا وإن الصابرين فضلهم الله على غيرهم ممن لم يشهد مشهدهم هذا ولما سمعت الأزد ذلك حملت مع دوس وكان شعارهم يومئذ الجنة الجنة‏.‏
قال الواقدي‏:‏ حدثني موسى بن محمد عن عطاء بن مراد قال‏:‏ سألت رجالًا عدة ما كان شعار المسلمين يوم اليرموك فأخبرت أن شعار أبي عبيدة أمت أمت وشعار عبس‏:‏ يا لعبس وشعار اليمن من أخلاط الناس‏:‏ يا أنصار الله وشعار خالد ومن معه‏:‏ يا حزب الله وشعار حمير‏:‏ الفتح الفتح وشعار دارم والسكاسك‏:‏ الصبر الصبر وشعار بني مراد‏:‏ يا نصر الله أنزل فهذه كانت شعار المسلمين يوم اليرموك‏.‏
قال فلما حملت دوس تبعها الأزد وقصدت العرب المتنصرة وطلبت صليبهم وفرقتهم تفريقًا صعبًا حتى وصلوا إلى الصليب فطلب رجل منهم حامل العلم الذي لغسان فأرداه عن فرسه ووقع الصليب من يده منكوسًا وقتل من الأزد ودوس رجال إلا أنهم كانوا مثل الشامة البيضاء في جلد البعير الأسود‏.‏
ثم كرت غسان تريد أخذ صليبهم فاقتتلوا عنده قتالًا شديدًا حتى قتلوا خلقًا كثيرًا‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق