إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

19 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )



19


مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

  قال الواقدي
‏:‏ وكان ماهان لما سمع كلام البطريق الذي رآه في المنام أمره أن يكتمه وأما قيس بن هبيرة وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق فأخذا سلاحهم وأسلابهم ورجعًا إلى المسلمين فدفعا السلب إلى أبي عبيدة فقال هو لكما ومن قتل فارسًا فله سلبه فكذا عهد إلينا عمر بن الخطاب فأخذا السلب ووقف قيس في موضعه الذي أقامه خالد فيه ورجع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق إلى ميدان الحرب فجال بين الصفين وكان قد ركب أشهب البطريق الذي قتله فرآه لا ينبعث تحته كما عهد من خيل العرب فرجع وغيره من تحته بفرس غيره وحمل على ميمنة الروم فشوش صفوفهم وقتل منهم فارسين ورجع فحمل على القلب ثم انثنى على الميسرة فرشق بالسهام فخرج إليه علج من علوج الروم فما جال غير ساعة حتى قتله فخرج إليه آخر فقتله‏.‏
فقال خالد‏:‏ اللهم ارعه بعينك واحفظه فإن عبد الرحمن قد اصطلى اليوم الحرب بنفسه ثم إن خالدًا صاح به‏:‏ يا عبد الرحمن بحق شيبة أبيك وبيعته إلا رجعت إلى مكانك فرجع حين أقسم عليه قال حزام بن غنم‏:‏ قلت لرجل ممن شهد اليرموك‏:‏ أكانت النساء معكم مشاهدات القتال‏.‏
قال‏:‏ نعم إحداهن أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام وخولة بنت الأزور ونسيبة بنت كعب وأم أبان زوجة عكرمة بن أبي جهل وعزة بنت عامر بن عاصم الضمري مع زوجها مسلمة بن عوف الضمري ورملة بنت طليحة الزبيري ورعلة وأمامة وزينب وهند ويعمر ولبنى وأمثالهن رضي الله عنهن فلقد كن يقاتلن قتالًا يرضين به الله ورسوله‏.‏
نساء المسلمين في المعركة قال الواقدي‏:‏ حدثني عبد الملك بن عبد الحميد وكان قد شهد وقعة اليرموك وقال‏:‏ أولها شرر نار وآخرها ضرام الحرب وإن كل يوم يأتي من القتال أصعب من اليوم الآخر قال عمرو بن جرير‏:‏ فشهدنا في اليوم الأول حربًا يسيرًا وذلك أن ماهان أمر عشرة من الصفوف أن تحمل على المسلمين بعد أن قتل عبد الرحمن من قتل وحمل المسلمون عليهم فالتقت الرجال بالرجال فنظر أبو عبيدة وكان واقفًا إلى ماهان ولم يحمل على المسلمين فعلم أن الأمر يصعب فقال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وجعل يتلون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 173‏]‏‏.‏ قال‏:‏ ولم يزل الحرب بين الفريقين من قيام الشمس في قبة السماء إلى أن همت بالغروب ولم ينفصل الجمعان حتى فرق الليل بينهم فحينئذ افترق الجمعان وهم ما يعرفون إلا بالشعار وخرج كل قوم من العرب يهتفون بشعارهم وينادون بأنسابهم ورجعت كل فئة إلى مكانها واستقبل المسلمين نساؤهم فصارت تجعل المرأة مربطها تمسح به عن وجه زوجها وتقول له‏:‏ أبشر بالجنة يا ولي الله وبات المسلمون في خير وسرور وأوقدوا النيران وذلك أن القتل في أول يوم لم يتبين في الفريقين بل قتلى من الروم يسير ومن المسلمين عشرة رجلان من حضرموت أحدهما يقال له مازن والثاني يقال له صارم وثلاثة من عسفان رافع ومجلي وعلي وواحد من الأنصار وهو عبد الله بن الأخرم وثلاثة من بجيلة وواحد من مراد وهو سويد ابن أخي قيس بن هبيرة فحزن عليه قيس لما فقده فعلم أنه في القتلى فخرج قيس وخرج معه رجال من قومه حتى أتوا موضع المعركة وفتشوا عليه فلم يروه فلما هم بالرجوع نظر إلى نار قد أقبلت من جهة الروم يطلبون مكان الوقعة وهم يطلبون بطريقًا كان معظمًا عندهم‏.‏
فقال قيس لجماعته‏:‏ أخمدوا ناركم فوالله لآخذن بثار ابن أخي من هؤلاء القوم فال‏:‏ فأخمدوا نارهم ورقدوا بين القتلى وتأهبوا للقتال وإذا بالروم قد أتوا وهم نحو مائة وهم في زينة عظيمة وآلة وعدة وكان مع قيس سبعة من قومه فقالوا له‏:‏ إن القوم مائة ونحن سبعة وقد تولانا التعب‏.‏
فقال قيس‏:‏ ارجعوا أنتم وإني والله أطنب الموت لا أريد غيره وأجاهد في الله حق جهاده فعجبوا من قوله ووقفوا معه وقفة الكرام وأقبلت الأعلاج يريدون المعركة ويدورون بين القتلى وقد وقفوا بالعلج وهو الذي برز أولًا وقتله ابن أبي بكر الصديق فلما احتملوه وولوا يريدون عسكرهم صاح فيهم قيس من ورائهم وتابعه أصحابه بالصياح فذهلوا ورموا البطريق ووضع المسلمون السيف فيهم وجعلوا يقتلون ما قتلا ذريعًا وكان قيس إذا ضرب فيهم يقول‏:‏ هذا عن ابن أخي قال‏:‏ فقتل منهم ستة عشر رجلًا وقتل أصحابه أكثر القوم وانفلت الباقون فلما فرغ قيس من القوم عاد يطلب ابن أخيه نحو عسكر الروم فسمع أنينا فأقبل نحوه فإذا هو أبن أخيه سويد بن بهرام المرادي فلما عرفه بكى فقال‏:‏ ما أبكاك يا ابن أخي فقال‏:‏ يا عماه إني تبعت القوم فرجع إلي واحد منهم وطعنني في صدري وإني لأعالج منها أمرًا عظيمًا وهؤلاء الحور العين في حذائي ينتظرون خروج روحي قال‏:‏ فبكى قيس وقال‏:‏ يا ابن أخي لكل أجل كتاب ولعل أن يكون في أجلك طول فقال‏:‏ هيهات والله يا عم أفتقدر أن تحملني إلى عسكر المسلمين فأموت هناك قال أجل قال‏:‏ ثم احتملته على ظهري وأقبلت به إلى عسكر المسلمين وقصدت به إلى رحله وسجيته وسمع أبو عبيدة بمجيء قيس فأتى إليه ورأى الغلام يجود بنفسه فجلس عند رأسه وبكى وبكت المسلمون فقال له أبو عبيدة‏:‏ كيف تجدك يا ابن أخي‏.‏
فقال‏:‏ بخير والله وغفران وجزى الله محمدًا عنا خيرًا ولقد صدقنا في قوله وهذه الحور تنادي وتشخص فمات قال‏:‏ فما برحنا حتى واريناه بالتراب قال‏:‏ وخبره قيس بمن قتل في تلك الليلة من المشركين ففرح فرحًا شديدًا وعلم أن ذلك علامة النصر قال‏:‏ وبات الناس في ليلتهم يقرأون القرآن ويصفون ويسألون المعونة والنصر‏.‏
قال‏:‏ وأما ماهان فإنه لما رجع إلى عسكره اجتمع إليه البطارقة والرهبان والقسوس فقدموا له طعامًا ومدوا له سماطًا فلم يأكل منه شيئًا مما وقع في نفسه من الرؤيا التي رآها البطريق وكان ماهان يود لو ترك الأمر وصالح على أداء الجزية ولكنه كان مغلوبًا على أمره وأقبلت الملوك والقسوس البطارقة والرهبان على ماهان وقالوا‏:‏ ما بال الملك امتنع من الطعام فإن كان ذلك من غضه على من مات وعلى ما جرى عليه من الحرب فإن الحرب سجال فيوم لك ويوم عليك واعلم أيها الملك أن القوم بنا ظافرون وما نملكهم إلا أن نحمل عليهم فلا يبقى منهم أحد قال ماهان‏:‏ ما أظنكم غير منصورين إلا من تغير أديانكم والجور في سلطانكم فبهذا نصرت العرب عليكم فقام إليه رجل وقال‏:‏ أيها الملك عشت الدهر وأنا رجل من أهل دينكم وكان لي بمائة رأس الغنم وكان فيها ولدي يرعاها فضرب عظيم من عظماء أصحابك الفسطاط إلى جانبها ثم إنه عدا عليها فأخذ منها حاجته وأخذ بقيتها أصحابه فجاءته زوجتي تشكو إليه انتهاب غنمي فلما رآها أمر بها فأدخلت إليه فطال مكثها عنده فلما رأى ولدها ذلك دنا من الفسطاط فإذا هو يجامع أمه فصاح الغلام فأمر البطريق بقتل الغلام فقتل فأتيت أريد خلاص ولدي وزوجتي فأمر بي فضربت بالسيف فتلقيت الضربة بيدي فقطعها ثم إنه أخرج يده فإذا هي مقطوعة قال‏:‏ فغضب ماهان عند ذلك غضبًا شديدًا وقال للمعاهد‏:‏ أتعرف هذا البطريق الذي فعل بك ذلك‏.‏
قال‏:‏ نعم هو هذا وأومأ بيده إلى بطريق من البطارقة فنظر إليه ماهان مغضبًا قال‏:‏ فغضب البطريق وغضب البطارقة لغضبه ومالوا على المعاهد فضربوه بأسيافهم حتى قطعوه وماهان ينظر إليهم فزاد غضبه وقال‏:‏ خذلتم وهلكتم وحق المسيح يا ويلكم ترجون النصر وأنتم تفعلون هذه الفعال أما تخافون القصاص غدًا وأن الله ينتقم منكم وينزع منكم صالح ما أعطاكم ويعطيه غيركم ممن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فوالله أنتم الآن عندي كالكلاب وسوف ترون عاقبة هذا كله وإلى أي مصير مصيركم يكون قال ثم إنه قام وتركهم فلما انصرف القوم ولم يبق عنده إلا بطريق واحد قال له‏:‏ أيها الملك والله إن القوم لكما تقول وما أظن إلا أننا مغلوبون واعلم أني رأيت في منامي كأن رجالًا نزلوا من السماء على خيل شهب فأحدقوا بهؤلاء العرب وعليهم كامل السلاح ونحن وقوف بإزائهم فنظرت إليهم ولا يخرج منا أحد إلا قتلوه حتى أتوا على أكثرنا وذكر له كما قال ذاك الأول فأقبل ماهان يفكر طول ليلته فيما يصنع في أمر المسلمين فلما أصبح الصباح عبى المسلمون صفوفهم ونظروا إلى عسكر الروم وإذا فيه ارتعاد وانزعاج فعلموا أن لهم أمرًا‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ دعوهم ولا تبقوا عليهم فإن الباغي مخذول قال واجتمعت البطارقة والملوك الأربعة إلا ماهان وهم قناطير وجرجير والديرجان وقورين وهم أصحاب الجيش يستأذنونه في الحرب فقال ماهان‏:‏ وكيف لي أن أقاتل بقوم يظلمون إن كنتم أحرارًا فقاتلوا عن سلطانكم وامنعوا عن حريمكم فقالوا‏:‏ الآن أحببنا الحرب فوحق المسيح لا نفارقهم حتى ننفيهم من الشام إلى بلادهم أو يقتلونا أو نقتلهم فثق بقولنا وانهض بنا إليهم فإذا عزمت على القتال فدع كل واحد منا يقاتل يومًا حتى تعرف منا من هو أفرس وأشد ويضجر المسلمون من المطاولة ونجمع عيالنا وأطفالنا وأموالنا فإن كانت على العرب رددنا كل شيء إلى مكانه وإن كانت للعرب علينا ألحقوا ببلادهم وقومهم ويكون الأمر بيننا وبينهم في يوم واحد أو يومين فقال له ماهان لعنه الله‏:‏ هذا هو الرأي أمهلوا إلي أن أكتب إلى الملك بمثل ذلك ثم إنه كتب إلى هرقل‏:‏ أما بعد فأسال الله لك أيها الملك ولجيشك النصر ولأهل سلطانك العز والنصر وإنك بعثتني فيما لا يحصى من العدد وإني قدمت على هؤلاء العرب فنزلت بساحتهم وأطمعتهم فلم يطمعوا وسألتهم الصلح فلم يقبلوا وجعلت لهم جعلا على أن ينصرفوا فلم يفعلوا وقد فزع جند الملك منهم فزعًا شديدًا وإني خشيت أن يكون الفشل قد عقهم والرعب قد دخل في قلوبهم وذلك لكثرة الظلم فيهم وقد جمعت ذوي الرأي من أصحابي وذوي النصيحة للملك وقد أجمع رأينا على النهوض إليهم جميعًا في يوم واحد ولا نزايلهم حتى يحكم الله بيننا فإن أظهر الله عدونا علينا فارض بقضاء الله واعلم أن الدنيا زائلة عنك فلا تأسف على ما فات منها ولا تغتبط منها بشيء في يدك والحق بمعاقلك وبدار ملكك بالقسطنطينية وأحسن إلى رعيتك يحسن الله إليك وارحم ترحم وتواضع لله يرفعك الله فإنه لا يحب المتكبرين ولقد علمت حيلة في إحضار أميرهم خالد ومنيته ورغبته فما أجاب ورأيته على الحق مقيمًا فأردت أن أفتك به وأمكر فخفت عاقبة المكر والغدر وما نصر هؤلاء إلا بالعدل واتباع الحق بينهم والسلام ثمطوى الكتاب وبعث به مع أصحابه من العلوج‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وبقي ماهان سبعة أيام أخر بعد الوقعة الأولى لم يقاتل المسلمين ولم يقاتلوه وبعث أبو عبيدة برجل من عيونه ينظر ما الذي أخر الروم عن القتال فغاب الرجل يومًا وليلة ثم عاد وأخبر أبا عبيدة أن ماهان قد كاتب الملك وهو منتظر الجواب فقال خالد بن الوليد‏:‏ ما تأخر ماهان عن قتالنا إلا وقد وقع الفزع في قلبه فازحف بنا إليهم‏.‏
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه‏:‏ لا تعجل فإن العجلة من الشيطان‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وكان أبو عبيدة رجلًا لين العريكة يحب الرفق فلما كان في اليوم الثامن نظر ماهان إلى تلهف أصحابه على الحرب والقتال فعزم أن يلقى بهم المسلمون وقد فرح بنشاطهم فدعا برجل من المتنصرة من لخم وقال له‏:‏ اذهب فادخل هؤلاء العرب وتجسس لي أخبارهم وانظر ما عندهم قال‏:‏ فمضى اللخمي حتى دخل عسكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام فيهم يومًا وليلة يطوف في عسكرهم وليس أحد من المسلمين ينكره وهم آمنون وليس لهم همة إلا إصلاح شأنهم والصلاة والقرآن والتسبيح وليس فيهم عدوان ولا ظلم ولا أحد يتعدى على أحد وقصد الموضع الذي فيه أبو عبيدة رضي الله عنه فنظر إليه كأنه أضعفًا ضعيف في العرب ساعة يجلس على الأرض وساعة ينام عليها فإذا كان وقت الصلاة قام وأسبغ الوضوء وأذن المؤذنون وصلى بالناس ونظر المتنصر إلى المسلمين‏.‏
وهم يصنعون كصنعه‏.‏
فقال المتنصر‏:‏ إن هذه طاعة حسنة ويوشك أنهم ينصرون قال فرجع إلى ماهان وحدثه بما رأى من القوم وما عاينه وقال‏:‏ أيها الملك إني جئتك من توكل يصومون النهار ويقومون الليل ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر رهبان في الليل ليوث بالنهار ولو سرق واحد منهم ولو كان كبيرهم قطعوه ولو زنى رجموه لا يغلب هواهم على الحق بل الحق عندهم غالب وأميرهم كأضعف من فيهم إلا أنه مطاع عندهم إلى قام قاموا وإن قعد قعدوا مناهم القتال وشهوتهم النزال ومرادهم أن يموتوا شهداء في قتالكم ما تأخروا عن قتالكم إلا ليكون البغي منكم إذا بدأتموهم فقال ماهان‏:‏ هؤلاء القوم منصورون غير أني قد وجدت حيلة أعملها عليهم فقال المتنصر‏:‏ ما الحيلة أيها الملك فقال ماهان‏:‏ ألست زعمت أنهم لا يبدأون بالقتال حتى نقاتلهم فنكون نحن الباغين قال‏:‏ نعم‏.‏
قال‏:‏ فإنا لا نطلب الحرب بل نطول بيننا وبينهم وندهمهم على حين غفلة دون عدة منهم ولا أخذ حذرهم فعسى أن نظفر بهم‏.‏
قال‏:‏ ثم إن هامان جمع الملوك وجعل يعقد لهم الرايات والصلبان حتى عقد ستين ومائة صليب تحت كل صليب عشرة آلاف وكان أول صليب عقد لقناطير وكان نظيره في الرتبة وأمره أن يكون في الميمنة‏.‏
ثم عقد صليبًا للديرجان وضم إليه الأرمن والنجد والنوبة والروسية والصقالبة‏.‏
ثم عقد لابن أخت الملك صليبًا على الإفرنج والهرقلية والقياصرة واليرفل والدوقس وعقد لجبلة بن الأيهم عقدًا وضم إليه المتنصرة من لخم وجذام وغسان وضبة وأمره أن يكون على المقدمة وقال‏:‏ أنتم عرب وأعداؤنا عرب والحديد لا يقطعه إلا الحديد ثم فرق الأعلام في أجناد عسكره‏.‏
فما انفجر الفجر وبان الصباح وأضاء بنوره ولاح حتى فرغ من تعبية جيوشه وترتيب طلائعه وأمر بمضرب له فضرب على كثيب عال على جانب اليرموك يشرف منه على العسكرين وأوقف عن يمينه ألف فارس عتاة حماة الروم شاكين السلاح وعن يساره كذلك وهم الملكية وأصحاب السرير وأمرهم باليقظة‏.‏
وقال‏:‏ أي كرب يكون على العرب أعظم من هذه فإنكم على تعبيه وهم على غير أهبة فإذا طلعت الشمس ورأيتم المسلمين على غير تعبية فاحملوا عليهم من كل جانب ومكان فما هم في عسكرنا إلا كالشامة البيضاء في جلد الثور الأسود‏.‏
هكذا سمعت إياد بن غالب الحميري يذكر وكان من المعمرين‏.‏
قال‏:‏ حدتني جواد بن أسيد السكاسكي عن أبيه أسد بن علقمة فلما انشق الفجر أذن المؤذن وتقدم أبو عبيدة وصلى بالناس وهو لا يعلم بمكيدة ماهان فقرأ في أول ركعة ‏{‏والفجر وليال عشر‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 1،2‏]‏ حتى قرأ‏:‏ ‏{‏إن ربك لبالمرصاد‏}‏ ‏[‏الفجر‏:‏ 14‏]‏‏.‏ إذ هتف بهم هاتف وهم في الصلاة وهو يقول‏:‏ ظفرتم بالقوم ورب العزة وما يغني عنهم كيدهم شيئًا وما أجرى الله هذه الآية على لسان أميركم إلا بشارة لكم‏.‏
فلما سمع المسلمون كلام الهاتف عجبوا مما سمعوا ثم قرأ في الركعة الثانية‏:‏ ‏{‏والشمس وضحاها‏}‏ ‏[‏الشمس‏:‏ ا‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها‏}‏‏.‏ ‏[‏الشمس‏:‏ 14‏]‏‏.‏ وإذا بالهاتف يقول‏:‏ تم الفأل وصح الزجر وهذه علامة النصر‏.‏
فلما فرغ أبو عبيدة من صلاته‏.‏
قال‏:‏ يا معاشر المسلمين هل سمعتم الهاتف قالوا‏:‏ نعم سمعنا قائلًا يقول كذا وكذا فقال أبو عبيدة‏:‏ والله هذا هاتف النصر وبلوغ الأمل فأبشروا بنصر الله ومعونته فوالله لينصرنكم الله وليرسلن عليهم سوط عذاب كما أنزل على القرون الأول ثم قال أبو عبيدة‏:‏ معاشر القوم إني رأيت الليلة في منامي رؤيا تدل على النصر على الأعداء والمعونة من الملأ الأعلى فقالوا‏:‏ أصلح الله شأن الأمير فما الذي رأيت قال‏:‏ رأيت كأني واقف بإزاء أعدائنا من الروم إذ حف بنا رجال وعليهم ثياب بيض لم أر كهيئتها حسنًا لبياضها إشراق ونور يغشى الأبصار وعلى رؤوسهم عمائم خضر وبأيديهم رايات صفر وهم على خيول شهب فلما اجتمعوا حولي قالوا‏:‏ تقدروا على عدوكم ولا تهابوهم فإنكم غالبون فإن الله ناصركم ثم دعوا برجال منكم وسقوهم بكأس كان معهم فيه شراب وكأني أنظر عسكرنا وقد دخل في عسكر الروم فلما رأونا ولوا بين أيدينا منهزمين فقال رجل من المسلمين‏:‏ أصلحك الله أيها الأمير وأنا رأيت الليلة رؤيا فقال أبو عبيدة‏:‏ خيرًا تكون إن شاء الله تعالى ما الذي رأيت يرحمك الله‏.‏
فقال‏:‏ رأيت كأنا خرجنا نحو عدونا فصادفناهم للحرب وقد انقضت عليهم من السماء طيور بيض لها أجنحة خضر ومخاليب كمخاليب النسور فجعلت تنقض عليهم كانقضاض العقبان فإذا جاءت للرجل ضربته ضربة فيقع قطعًا‏.‏
قال‏:‏ ففرح المسلمون بتلك الرؤيا وقال بعضهم لبعض‏:‏ أبشروا فقد أمنكم الله وأيدكم بالنصر وأمدكم بملائكته تقاتل معكم كما فعل بكم يوم بدر‏.‏
قال‏:‏ فسر أبو عبيدة بذلك وقال‏:‏ هذه رؤيا حسنة وهي حق وتأويلها النصر وإني أرجو من الله تعالى النصر وعاقبة المتقين فقال رجل من المسلمين‏:‏ أيها الأمير ما وقوفنا عن هؤلاء الكلاب الأعلاج وما انتظارك للحرب وعدو الله يريد كيدنا بمطاولته وما تأخر عنا إلا لبلية يريد أن يوقعنا بها‏.‏
قال أبو عبيدة‏:‏ إن الأمر أقرب مما تظنون‏.‏
قال سعيد بن رفاعة الحميري‏:‏ فبينما نحن كذلك إذ سمعنا الأصوات قد علت والزعقات قد ارتفعت من كل جانب يهتفون بالقتال وأن الروم قد زحفت إلينا فظن أبو عبيدة أن المسلمين قد كبسوا في وجه السحر فقام ليرى وكان على حرس المسلمين تلك الليلة سعيد بن زيد وعمرو بن نفيل العدوي رضي الله عنهما إذ أقبل سعيد وهو ينادي‏:‏ النفير النفير حتى وقف أمام أبي عبيدة ومعه رجل من المتنصرة فقال‏:‏ أيها الأمير ماهان كاد المسلمين بتخلفه عن الحرب وها هو قد عبى عساكره وصف جيوشه وزحف علينا زحف من يريد الكبسة بنا ونحن على غير أهبة ولا عدة وهذا الرجل قد أقبل إلينا راغبًا في الإسلام محذرًا لنا من بأسه ويزعم أن ماهان قد قدم إلينا حماة لبطارقة وقد اتفق رأيهم على أن يقاتلنا كل ملك من ملوكهم بمن معه وهذا أصعب لقتال‏.‏
ونظر المسلمون إلى رايات الروم تقرب منهم والصلبان تدنو‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
ثم قال‏:‏ أين أبو سليمان خالد بن الوليد فأجابه لتلبية فقال له‏:‏ أنت لي يا أبا سليمان فابرز في أبطال المسلمين وصد عن الحريم إلى أن تأخذ الرجال صفوفها وتستعد بآلات حربها فقال‏:‏ حبًا وكرامة‏.‏
‏.‏
‏.‏
فنادى خالد‏:‏ أين الزبير بن العوام أين عبد الرحمن بن أبي بكر أين الفضل بن لعباس أين يزيد بن أبي سفيان أين ربيعة بن عامر أين ميسرة بن مسروق العبسي أين ميسرة بن قيس أين عبد الله بن أنيس الجهني أين صخر بن حرب الأموي أين عمارة الدوسي أين عبد الله بن سلام أين غانم الغنوي أين المقداد بن الأسود الكندي أين أبو ذو الغفاري أين عمرو بن معد يكرب الزبيدي أين عمار بن ياسر العبسي أين ضرار بن الأزور أين عامر بن الطفيل أين أبان بن عثمان بن عفان وجعل خالد يدعوهم رجلًا بعد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل رجل منهم يلقى جيشًا فاجتمعوا إلى خالد بأجمعهم واشتغلوا بالحرب واشتغل أبو عبيدة بترتيب الصفوف تعبية العساكر فأقبل أبو سفيان إلى أبي عبيدة وقال له‏:‏ أيها الأمير مر نساءنا أن يعلون على هذا التل‏.‏
قال‏:‏ نعم الرأي ما رأيت فأمرهن بذلك ففعلن وعلون على التل وحصن أنفسهن وأولادهن ومعهن الأطفال والأولاد فقال لهن أبو عبيدة‏:‏ خذن بأيديكن أعمدة البيوت والخيام واجعلن الحجارة بين أيديكن وحرضن المؤمنين على القتال فإن كان لأمر لنا والظفر فكن على ما أنتن عليه وإن رأيتن أحدًا من المسلمين منهزمًا فاضربن وجهه بأعمدتكن واحصبنه بحجارتكن وارفعن إليه أولادكن وقلن له‏:‏ قاتل عن أهلك وعن دين الإسلام فقال النساء‏:‏ أيها الأمير أبشر بما يسرك‏.‏




يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق