18
مقدمة
فتوح الشام
أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )
قال الواقدي: فلما وصى الضحاك بن قيس أصحاب الرايات بقول أبي عبيدة بالطاعة لخالد بن الوليد رضي الله عنه جعل خالد يسير بين الصفوف ويقف على كل راية ويقول: يا أهل الإسلام إن الصبر قد عزم إن شاء الله تعالى على صحبتكم والفشل والجبن سببان من أسباب الخذلان فمن صبر كان حقًا على الله نصره على عدوه لأن الله معه ومن صبر على حد السيوف فإنه إذا قدم على الله تعالى أكرم منزلته وشكر له فعله وسعيه والله يحب الشاكرين قال وما زال خالد رضي الله عنه يقول هذا الكلام لأهل كل راية حتى مر بجماعة الناس.
ثم إن خالدًا جمع إليه خيل المسلمين من أهل الشدة والصبر ومن شهد معه الزحف فقسمهم أربعة أرباع فجعل على أحدهم قيس بن هبيرة المرادي وقال له: أنت فارس العرب فكن على هذه الخيل واصنع كما اصنع وجعل على الربع الآخر ميسرة بن مسروق العبسي وأوصاه بمثل ذلك ودعا عامر بن الطفيل على الربع الثالث وأوصاه بمثل ذلك ووقف خالد مع عسكر الزحف.
قال الواقدي: فلم تطلع الشمس إلا وقد فرغوا من تعبية صفوفهم للحرب.
وأما ماهان الأرمني فإنه أمر الروم بالزينة والأهبة للحرب ففعلوا ذلك إلا أن المسلمين كانوا أسرع في التعبية.
قال: وزحف الروم إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونظر الروم إلى تعبيتهم فكان عسكر المسلمين صفوفًا كالبنيان المرصوص وكأن الطير تظلهم والصفوف متلاصقة والرماح مشرعة مشتبكة.
قال: فلما رأى الروم ذلك داخلهم الفزع والجزع وألقى الله الرعب في قلوبهم ثم إن ماهان عبى عسكره فجعل العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام في مقدمة الصفوف وجعل عليهم جبلة وقدم أمامهم صليبًا من الفضة وزنه خمسة أرطال وهو مطلي بالنصب وفي أربعة أركانه أربع جواهر تضيء كأنها الكواكب.
قال الواقدي: حدثني سنان بن أوس الربعي.
قال: حدثني عدي بن الحارث الهمذاني وكان ممن حضر الفتوح من أولها إلى آخرها.
قال: وكانت الصفوف التي صفها ماهان ثلاثين صفًا كل صف منها مثل عسكر المسلمين كله وقد أظهر ماهان بين الصفوف القسوس والرهبان وهم يتلون الإنجيل ويترنمون وأكثر من الوايات والأعلام والصلبان فلما تكاملت صفوفهم وإذا ببطريق عظيم الخلقة قد برز وعليه درع مذهب ولامة حرب مليحة وفي عنقه صليب من الذهب مرصع بالجوهر وتحته فرس أشهب وكان البطريق من عظماء الروم ممن يقف عند سرير الملك فلما برز جعل يرطن بكلام الروم بصوت كالرعد فعلم المسلمون أنه يطلب البراز فتوقف المسلمون عن الخروج إليه فصاح خالد وقال: يا أصحاب رسول الله هذا العلج الأغلف يدعوكم لقتاله وأنتم تتأخرون فإن لم تخرجوا إليه وإلا خرج خالد وهم بالخروج وإذا بفارس قد خرج من المسلمين على برذون أشهب عظيم الخلقة يشبه برذون المشرك وعلى المسلم لامة حسنة وعدة سابغة وقصد نحو البطريق فلم يكن في رجال خالد من يعرف الفارس الذي خرج فقال خالد لهمام مولاه: اخرج إلى هذا الفارس وانظر من هو من المسلمين ومن أي العرب هو ومن قومه: فمضى همام يهتف به وقد هم أن يقرب من البطريق فصاح به من أنت يا ذا الرجل من المسلمين رحمك الله فقال: أنا روماس صاحب بصرى فلما أخبر خالد به.
قال: اللهم بارك فيه وزد في نيته فلما صار بإزاء العلج كلمه بلسانه فقال الرومي وقد عرفه: يا روماس كيف تركت دينك وصبأت إلى هؤلاء القوم فقال روماس هذا الدين الذي دخلت فيه دين جليل شريف فمن تبعه كان سعيدًا ومن خالفه فقد ضل.
ثم حمل روماس على العلج وحمل العلج على روماس وتقاتلا ساعة حتى عجب الجمعان منهما فوجد العلج من روماس غفلة فضربه ضربة أسال دمه.
قال: فأحس روماس بالضربة وقد وصلت إليه فانثنى راجعًا نحو المسلمين فأتبعه العلج طالبًا له لا يقصر عن طلبه وكاد أن يدركه فصاح به فرسان المسلمين من الميسرة والميمنة فقوي قلب روماس وداخل العلج الجزع والخوف من صياحهم والهلع وقصر عن طلبه ودخل روماس عسكر المسلمين والدم على وجهه فائر فأخذه جماعة من المسلمين فشدوا جراحه وشكروه على فعله ووعدوه بالغفران من الله تعالى وهنئوه بالسلامة.
قال ولما رجع روماس منهزمًا أعجب العلج بنفسه وأظهر عناده وأغلظ في كلامه وطلب البراز فهم أن يخرج إليه ميسرة بن مسروق العبسي فقال له خالد: يا ميسرة إن وقوفك في مكانك أحب إلي من خروجك إلى هذا العلج وأنت شيخ كبير وهذا علج عظيم الخلق والشاب شجاع ولا أحب أن تخرج إليه فإنه لا يكاد الشيخ الكبير يقاوم الشاب الحدث ولا سيما أن شعرة من مسلم أحب إلى الله تعالى من جميع أهل الشرك فرجع ميسرة إلى مكانه وهم أن يخرج إليه عامر بن الطفيل وقال: أيها الأمير إنك قد عظمت قدر هذا الرومي الذميم وأدخلت في قلوب المسلمين منه الرعب فقال خالد: إن الفرسان تعرف أكفاءها في الحرب وما يخفى علي ما هو فيه من الشجاعة والشدة وأنت لا تقاومه لأنه ما برز بين أصحابه وبين شجاعته إلا وهو فارس في قومه فقف في مكانك فوقف عامر بن الطفيل في مكانه ولم يخالف قال والعلج يدعو إلى البراز والحرب فأقبل إلى خالد الحارث بن عبد الله الأزدي فلما وقف بين يديه قال: أيها الأمير أخرج إليه قال خالد: لعمري إن لك جسارة وقوة وشدة وما علمتك إلا شهمًا فإن شئت أن تخرج فاخرج على اسم الله واعزم فأخذ الأزدي أهبته وهم أن يخرج.
فقال خالد رضي الله عنه: على رسلك يا عبد الله حتى أسألك فقال: اسأل قال خالد: هل بارزت أحدًا قبله.
قال: لا قال: فارجع يا ابن أخي ولا تخرج فإنك غير مجرب الحروب وهذا فارس قد جرب الحرب وجربته وعرف مصادرها وما أحب أن يخرج إليه إلا رجل مثله بصير بالحروب وجعل خالد يقول ذلك وينظر إلى قيس بن هبيرة.
.
.
فقال: يا أبا سليمان إني أظنك تعرض بي وإياي تعني أنا أبرز إليه.
.
قال خالد: ابرز على اسم الله تعالى فإنه كفء والله تعالى يعينك عليه وخرج قيس بن هبيرة وأجرى جواده حتى لين عريكته وكسر حدته ثم سرحه نحو البطريق وهو يقول: بسم الله وعلى بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرب من البطريق فلما نظر العلج إلى فعاله علم أنه فارس شديد من فرسان المسلمين فعدل نحوه وقصد إليه وتحاملا قال فبادره قيس بن هبيرة وضربه على هامته فتلقاها العلج في حجفته فقد سيف ابن هبيرة الحجفة ووصل إلى البيضة فاشتبك فيها وهم أن يخرج سيفه فامتنع عليه وضرب العلج قيس بن هبيرة على حبل عاتقه فثبت حربة والتقيا بعد الضربتين وطرح العلج نفسه عليه يريد أسره وهو جبار من الجبابرة وكان قيس بعد رجوعه من قتال أهل الردة قد عود نفسه الصيام والقيام وهو نحيف الجسم فلما نظر قيس إلى العلج وقد ظهر عليه انجذب من يده وبعد عنه وجعل ينظر إليه شزرًا ويضمه له مكرًا إلى أن سيفه قد خرج من يده فثنى عنان فرسه يريد عسكر المسلمين ليأخذ سيفًا ويعود إلى القتال وقد أيس من نفسه فلما عطف راجعًا صاح العلج في أثره وسعى في طلبه فقصر قيس بن هبيرة في سيره وقال في نفسه أنت مرادك الشهادة وتهرب من هذا العلج فرجع إلى العلج فصاح به خالد: يا قيس سألتك بالله ورسوله إلا وجعت وتركت حدتها علي فقال قيس: يا خالد لقد أقسمت علي بعظيمين ولكن إن رجعت إليك أتزيد في أجلي قال: لا قال: فلم اختار الفرار وأكون من أصحاب النار بل أصبر وأفوز بالغفران من الله تعالى ثم إنه عطف على قرنه وليس في يده سيف بل استل خنجرًا كان معه على وسطه قال: ونظر خالد إلى قيس بن هبيرة وليس في يده سيف.
فقال: من يأخذ هذا السيف ويدفعه إلى قيس ابتغاء ثواب الله تعالى.
قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنا يا أبا سليمان.
فقال خالد: أنت والله لها يا ابن الصديق ثم أخذ عبد الرحمن سيفه ولحق قيس بن هبيرة يريد أن يناوله السيف فلما نظرت الروم إلى عبد الرحمن وقد لحق بقيس ظنوا أنه يريد أن يعاون قيسًا على صاحبهم فخرج عليه بطريق آخر وأقبل إلى صاحبه ووقف بإزائه قال: فدفع عبد الرحمن السيف إلى ابن هبيرة ووقف معه وجعل البطريق الآخر يتكلم بكلام لا يفهمه عبد الرحمن.
فقال عبد الرحمن: يا ويلك ما الذي تقول فما نعرف كلامك فخرج إليه ترجمان وقال له: يا معشر العرب ألستم ذكرتم أنكم أصحاب نصفة وحق قال عبد الرحمن: بلى وقال الترجمان: فما رأينا من نصفتكم شيئًا يخرج فارسان إلى فارس.
قال عبد الرحمن: إنما خرجت لأعطي صاحبي هذا السيف وأرجع ولو خرج إلينا منكم مائة لواحد ما كبر علينا ولا عظم لدينا وها أنتم ثلاثة وأنا واحد وأنا لكم كفء قال: فأخبر الترجمان صاحبه بذلك فجعل ينظر إليه شزرًا فقال عبد الرحمن: يا قيس قد تعبت فقف وتفرج علي وانظر ما يكون مني ومنهم ثم حمل عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه على الذي كان يخاطبه فطعنه في نحره فأخرج السنان يلمع من ظهره فوقع مجندلًا ونظر العلجان إلى صاحبهما مجندلًا فحملا على عبد الرحمن وقصداه فأراد قيس بن هبيرة أن يعاونه عليهما.
فقال له عبد الرحمن: سألتك برسول الله صلى الله عليه وسلم وبحق أبي بكر إلا تركت عبد الرحمن يصلي بهما فإن قتلت فأنت شريكي في الثواب وأقرئ عائشة مني السلام وقل لها أخوك قد لحق ببعلك وأبيك فتأخر قيس عنه وقد عجب من فعاله فحمل عبد الرحمن على أحد العلجين وهو الأول فطعنه برمحه فاشتبك السنان في درعه فرمى عبد الرحمن الرمح من يده وانتضى سيفه وقام في الركاب وضرب العلج بسيفه ضربة طرحة بها نصفين ونظر العلج الثالث إلى عبد الرحمن وجراءته فبقي حائرًا متعجبًا من حاله ونظر إلى البطريق وهو متحير باهت فبانت له فيه غفلة.
فقال: ما يوقفك يا قيس وحمده على البطريق وضربه ضربة هشم بها هامته فسقط إلى الأرض صريعًا فلما نظرت الروم إلى أصحابهم قال بعضهم لبعض: ما هؤلاء العرب إلا شياطين.
قال الواقدي: وأخبر ماهان بفعالهم.
فقال لقومه: إن الملك كان أخبر بهؤلاء القوم وحق المسيح لقد أعلم أن لكم أمرًا فإن لم تحملوا عليهم بكثرتكم وإلا فما تقوم لكم قائمة قال: فأتاه بطريق من البطارقة وسار ماهان في أذنه طويلًا ثم انزاح عنه وقد أصفر وجه ماهان وسكت كأنه أخرس فاستخبروا ماهان عما حدثه البطريق فلم يخبرهم قال فحدث من رأى ذلك أنه سأل جبلة بن الأيهم.
فقال: لما أخبر ماهان بخبر الثلاثة وفيهما البطريق الأول قال ماهان: إنهم منصورون عليكم فقال له البطريق في أذنه: أيها الملك الحق ما قلت اعلم أني رأيت البارحة في منامي كأن رجالًا نزلوا من السماء إلى الأرض وهم على دواب بلق وشهب وعليهم كامل السلاح وأحدقوا بهؤلاء العرب ونحن قيام بازائهم لا يخرج أحد من عسكرنا إلا قتلوه حتى أتوا على أكثرنا وأظن أنهم هؤلاء الذين نراهم في اليقظة لأن واحدًا منهم قتل ثلاثة منا وما هم إلا منصورون علينا من السماء قال: فكسر بهذا قلب ماهان فلم يرد جوابًا فاجتمع القوم يسألونه عما قاله البطريق فلم يخبرهم فلما أكثروا عليه السؤال تكلم فيهم كالخطيب وقال: يا أهل هدا الدين إنكم إن لم تقاتلوا كنتم من الخاسرين وغضب عليكم المسيح وإن الله عز وجل لم يزل لدينكم ناصرًا ومظهرًا وإن لله الحجة عليكم إذ بعث فيكم رسولًا وأنزل عليه كتابًا ولم يتبع رسولكم الدنيا وأمركم أن لا تتبعوها وفي كتابه لا تظلموا فإنه لا يحب الظلم ولا الظالمين فلما اتبعتم الدنيا وظلمتم وخالفتم نصر أعداؤكم عليكم فما عذركم عند خالقكم وقد تركتم أمر نبيكم وما أنزل عليكم في كتاب ربكم وهؤلاء العرب بإزائكم يريدون قتل فرسانكم وسبي ذراريكم ونسائكم وانتم على المعاصي والذنوب ولا تخافون من علام الغيوب فإن نزع الله سلطانكم من أيديكم وأظهر عدوكم عليكم فذلك بحق منه وعدل لأنكم لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق