إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

17 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


17

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

  قال الواقدي
‏:‏ وماهان يرغب تارة ويرهب أخرى وخالد مطرق لا يتكلم حتى فرغ ماهان من كلامه‏.‏
فقال خالد‏:‏ إن الملك قد تكلم فأحسن وسمعنا كلامه ونتكلم ويسمع كلامنا‏.‏
ثم قال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ الحمد لله الذي لا إله إلا هو فلما سمع ماهان ذلك مد يده إلى السماء وقال‏:‏ نعم ما قلت يا عربي‏.‏
فقال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله المرتضى ونبيه المجتبى صلى الله عليه وسلم‏.‏
فقال ماهان‏:‏ ما أدري أمحمد رسول الله أم لا ولعله كما تقول وتزعم وتذكر‏.‏
فقال خالد رضي الله عنه‏:‏ حسب الرجل دينه ثم قال‏:‏ أفضل الساعات وخيرها الساعات التي يطلع فيها الله رب العالمين فالتفت ماهان إلى قومه وقال بلسانه‏:‏ إنه رجل عاقل يتكلم بالحكمة‏.‏
فقال خالد‏:‏ ما الذي قلت لقومك فأخبره بمقالته‏.‏
فقال خالد‏:‏ إن كنت أوتيت العقل فالله تعالى المحمود على ذلك وقد سمعنا نبينًا محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏لما خلق الله تعالى العقل وصوره وقدره قال‏:‏ أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر‏.‏
فقال الله تعالى‏:‏ ‏(‏وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أحب إلي منك بك تنال طاعتي وتدخل جنتي‏)‏‏.‏
فقال ماهان‏:‏ إذا كنت بهذا العقل والفهم فلم جئت بهؤلاء معك قال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ جئت بهم لأشاورهم‏.‏
قال ماهان‏:‏ وأنت مع جودة عقلك وحسن رأيك وبصيرتك تحتاج إلى مشورة غيرك‏.‏
قال خالد‏:‏ نعم بهذا أمر الله عز وجل نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم‏.‏
فقال الله تعالى في كتابه العزيز‏:‏ ‏{‏وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 159‏]‏‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏ما ضاع امرؤ عرف قدره ولا ضاع مسلم استشار‏)‏ فأنا وإن كنت ذا رأي وعقل كما تزعم وكما بلغك فإني لا أستغني عن رأي ذي رأي ومشورة أصحابي‏.‏
قال ماهان‏:‏ وهل في عسكركم من له رأي مثل رأيك وحزم مثل حزمك‏.‏
قال‏:‏ نعم إن في عسكرنا لا أكثر من ألف فارس لا يستغنى عن رأيهم ولا عن مشورة فقال له ماهان‏:‏ ما كنا نظن ذلك فيكم وإنما كان يبلغنا عنكم أنكم طماعون جهال لا عقول لكم يغير بعضكم على بعض وينهب بعضكم أموال بعض‏.‏
فقال له خالد رضي الله عنه‏:‏ ذلك كان شأن أكثرنا حتى بعث الله عز وجل فينا نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم فهدانا لرشدنا وعرفنا سبيلنا وفهمنا الخير من الشر والهدى من الضلال‏.‏
فقال ماهان‏:‏ يا خالد إنك قد أعجبتني بما أراه من رأيك وبصيرتك وقد أحببت أن أؤاخيك لتكون أخي وخليلي‏.‏
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ وافرحاه إن تمم الله مقالتك فتكون إذا سعيدًا ولا نفترق‏.‏
فقال ماهان‏:‏ وكيف ذلك‏.‏
‏.‏
قال خالد‏:‏ تقول‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله الذي بشر به عيسى ابن مريم‏:‏ فإذا فعلت ذلك كنت أخي وكنت أخاك وتكون خليلي وأكون خليلك ولا نفترق إلا لأمر يحدث‏.‏
فقال ماهان‏:‏ أما ما دعوتني إليه من الترك لديني والدخول في دينكم فما لي إلى ذلك من سبيل‏.‏
فقال خالد بن الوليد‏:‏ وكذلك أيضًا لا سبيل إلى مؤاخاتي لك وأنت مقيم على دينك دين الضلال‏.‏
قال ماهان‏:‏ أريد أن ألقي الحشمة بيني وبينك وأكلمك كلام الأخ لأخيه‏:‏ فأجبني عن كلامي الذي دعوتاك إليه حتى أسمع ما تقول‏.‏
قال خالد‏.‏
أما بعد فإنك تعلم أن الذي ذكرته مما فيه قومك من الغنى والعز ومنع الحريم والظهور على الأعداء والتمكن في البلاد فنحن عارفون به وكل ما ذكرته من إنعامكم على جيرانكم من العرب فقد عرفنا ولكن إنما فعلتم ذلك إبقاء لنعمتكم ونظرًا منكم لأنفسكم وذراريكم وزيادة لكم في مالكم وعزًا لكم فتستكثرون جموعكم وتلقون الشوكة على من أرادكم وأما ما ذكرته من فقرنا ورعينا الإبل والشاة فما منا من لم يرع وأكثرنا رعاة ومن رعى منا كان له الفضل على من لم يرع وأما قولك بأننا أهل فقر وفاقة وبؤس وشقاء فنحن لا ننكر ذلك وإنما ذلك من أجل أنا معاشر العرب أنزلنا الله تعالى منزلًا ليس فيه أنهار ولا أشجار ولا زرع إلا قليل وكنا أهل جاهلية جهلاء لا يملك الرجل منا إلا فرسه وسيفه وأباعره وشياهه ويأكل قوينا ضعيفنا ولا يأمن بعضنا بعضًا إلا في الأربع الأشهر الحرم نعبد دون الله الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ونحن عليها مكبون ولها حاملون فبينما نحن كذلك على شفا حفرة من النار من مات منا مات مشركًا وصار إلى النار ومن بقي منا كان كافرًا بربه قاطعًا لرحمه حتى بعث الله لنا نبيًا نعرف حسبه ونسبه هاديًا مهديًا رسولًا نبيًا وإمامًا تقيًا أظهر الإسلام بدعوته ودحض المشركين بكلمته جاءنا بقرآن مبين وصراط مستقيم ختم الله تعالى به النبيين وأمرنا بعبادة رب العالمين نعبده ولا نشرك به شيئًا ولا نتخذ من دونه وليًا ولا نجعل لربنا صاحبة ولا ولدًا لا شريك له ولا ضد ولا ند له ولا نسجد للشمس ولا للقمر ولا للنور ولا للنار ولا للصليب ولا للقربان ولا نسجد إلا لله وحده لا شريك له ونقر بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أنزل الله عليه كلامه الذي هدانا به مولانا فاستجبنا له وأطعنا أمره فكان مما أمرنا به أن نجاهد من يدين بديننا ولا يقول بقولنا ممن كفر بالله واتخذ معه شريكًا جل ربنا وتعالى عن ذلك لا تأخذه سنة ولا نوم فمن اتبعنا كان أخانا وصار له ما لنا وعليه ما علينا ومن أبى الإسلام كانت عليه الجزية يؤديها إلينا عن يد وهو صاغر فإذا أداها حقن بها ماله ودمه وولده ومن أبى الإسلام وأن يؤدي الجزية فالسيف حكم بيننا وبينه حتى يقضي الله جل جلاله بحكمه وهو خير الحاكمين ونحن ندعوكم إلى هذه الخصال الثلاث ليس غيرها إما أن تقولوا‏:‏ نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله أو الجزية في كل عام على كل محتلم من الرجال وليس على من لم يبلغ الحلم جزية ولا على امرأة ولا على راهب منقطع في صومعته قال ماهان‏:‏ فهل بعد قول‏:‏ لا إله إلا الله غير هذا فقال خالد‏:‏ نعم أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتحجوا البيت الحرام وتجاهدوا من كفر بالله تعالى وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتوالوا في الله تعالى وتعادوا في الله فإن أبيتم ذلك فالحرب بيننا وبينكم حتى يورث الله أرضه من يشاء والعاقبة للمتقين‏.‏
قال ماهان‏:‏ فافعل ما لشاء فإننا لا نرجع عن ديننا ولا نؤدي الجزية وأما ما ذكرت من أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده فلقد صدقت فإنها لم تكن لنا ولا لكم بل كانت لقوم غيرنا وغيركم فقاتلناهم عليها حتى ملكناها منهم والحرب بيننا وبينكم فابرزوا على اسم الله تعالى فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ ما أنتم بأشهى منا إلى الحرب وكأني بجيوشكم وقد انهزمت والنصر يقدمنا وتساق أنت والحبل في عنقك ذليلًا حقيرًا وتقدم بين يدي محمد بن الخطاب فيضرب عنقك‏.‏
قال فلما سمع ماهان كلام خالد بن الوليد غضب غضبًا شديدًا‏.‏
قال‏:‏ فلما نظرت البطارقة والحجاب والهرقلية والقياصرة إلى غضب ماهان هموا بقتل خالد إلا أنهم صبروا ينظرون أمره فقال ماهان لخالد وقد استشاط غضبًا‏:‏ وحق المسيح لأحضرن أصحابك الخمسة الأسارى وأضربن أعناقهم وأنت تنظر إليهم فقال له خالد‏:‏ اسمع ما أقول لك يا ماهان أنت أول وأذل وأحقر من ذلك واعلم أن هؤلاء ا الذين في يدك هم منا ونحن منهم فوحق الدعوة‏.‏
المستجابة وحق بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وخلافة عمر بن الخطاب لئن قتلتهم لأقتلنك بسيفي هذا ويقتل كل رجل منا من قومك بعددهم وزيادة‏.‏
ثم وثب خالد رضي الله عنه من وضعه وانتضى سيفه من غمده وفعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفعله وهو يقول‏:‏ لا إله إلا الله محمد رسول الله وجردوا سيوفهم وهاجوا كالجمال أو كالسباع الضواري واستقتلوا وأيقنوا بالشهادة في ذلك المكان‏.‏
قال الشيخ أبو عبد الله محمد الواقدي مؤلف هذا الكتاب والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ما اعتمدت في أخبار هذه الفتوح إلا الصدق وما نقلت أحاديث إلا عن ثقات وعن قاعدة الحق لأثبت فضائل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهادهم حتى أركم بذلك أهل الرفض الخارجين عن السنة والفرض إذ لولاهم بمشيئة الله لم تكن البلاد للمسلمين وما انتشر علم هذا الدين فلله درهم لقد جاهدوا في الله حق جهاده ونصروا دينه وثبتوا للقاء الأعداء وبذلوا جهدهم ونصروا الدين حتى زحزحوا الكفر عن سريره وتقهقر لا جرم وقد قال فيهم الملك القتدر ‏{‏فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر‏}‏ الأحزاب‏:‏ 23‏.‏
قال الواقدي‏:‏ حدثني مسلم بن عبد الحميد عن جده رافع بن مازن‏.‏
قال‏:‏ كنت مع خالد يوم سرنا إلى ماهان وكنا في سرادقة فلما جذبنا السيوف وهممنا بالقوم وما في أعيينا من جيوش الروم شيء وقد أيقنا بالحشر عن ذلك الموضع‏.‏
قال الواقدي‏:‏ فلما رأى ماهان الحقيقة منا ومن خالد وتبين الموت في شفار سيوفنا نادى ماهان‏:‏ مهلًا يا خالد لا تكن بهذه العجلة تهلك وأنا أعلم أنك ما قلت ذلك القول إلا أنك رسول والرسول يحمل ولا يقتل وأنا إنما تكلمت بما تكلمت لاختبركم وأنظر ما عندكم والآن فما أؤاخذك فارجع إلى عسكرك واعزم على القتال حتى يعطي الله تعالى النصر لمن يشاء فلما سمع ذلك أغمد سيفه وقال‏:‏ يا ماهان ما تصنع في هؤلاء الأسرى‏.‏
فقال ماهان‏:‏ أطلقهم كرامة لك وأخلي سبيلهم فيكونون عونًا لك ولن تعجزونا في الحرب غدًا ففرح خالد بذلك وأمر ماهان بتخلية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
قال‏:‏ فأطلقوا من وثاقهم وهم خالد بالمسير فقال ماهان‏:‏ يا خالد إني كنت أحب أن يصلح الأمر بيني وبينكم وإني أسألك حاجة فقال خالد‏:‏ سل ما تريده فقال‏:‏ إن قبتك هذه الحمراء قد أعجبتني وإني أريد أن تهبها لي وانظر في عسكري ما أعجبك من شيء فأهبه لك‏.‏
فقال خالد‏:‏ والله لقد فرحتني إذ طلبت ما أملكه وهي موهوبة لك وأما ما عرضت علي من عسكرك فلا حاجة لي فيه فقال ماهان‏:‏ لله درك أنت تكرمت وأجملت‏.‏
فقال خالد رضي الله عنه‏:‏ وأنت أيضًا قد تكرمت علينا بما صنعت من إطلاق أصحابي من الأسر ثم انثنى خارجًا من عند ماهان وأصحابه من حوله وقدم له جواده فركبه وركب أصحابه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر ماهان أصحابه وحجابه أن يسيروا معهم حتى يبلغوهم‏.‏
قال‏:‏ ففعل القوم ذلك ووصل خالد وأصحابه إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنهم أجمعين وسلموا عليه وفرح المسلمون بخلاص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدث خالد أبا عبيدة بكل ما جرى لهم‏.‏
ثم قال خالد‏:‏ وحق المنبر والروضة ما كان ماهان ليطلق لنا أصحابنا إلا فزعًا من سيوفنا‏.‏
فقال أبو عبيدة حين سمع ما مر لخالد ولماهان من الخطاب والجدال‏:‏ هذا رجل حكيم إلا أن الشيطان غلب على عقله فعلام افترقتم‏.‏
قال‏:‏ على أننا نلتقي معهم ويعطى الله النصر لمن يشاء فلما سمع أبو عبيدة رضي الله عنه ذلك جمع عظماء المسلمين وقام فيهم خطيبًا فحمد الله تعالى وأثنى عليه وذكر النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم أن العدو بالقتال في غداة غد وأمرهم بالأهبة وأقبل فرسان المسلمين يحرض بعضهم بعضًا وأقبل خالد على أصحابه وهم عسكر الزحف وقال لهم‏:‏ اعلموا أن هؤلاء الكفرة الذين نصركم الله عليهم في المواطن الكثيرة قد حشدوا لكم جموع بلادهم وإني دخلت إلى عسكرهم ونظرت إليهم فكأنهم النمل ولكنهم أصحاب عدة بلا قلوب ولا لهم من ينصرهم عليكم وهذه الوقعة بيننا وبينهم وقد أيقنا أن القتال في غداة غد وأنتم أهل البأس والشدة فما عندكم رحمكم الله تعالى قال‏:‏ فتكلم أصحاب خالد وقالوا‏:‏ أيها الأمير القتال بغيتنا والقتل في سبيل الله تعالى مسرتنا ولا نزال نصبر لهم على الحرب والطعن والضرب حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ففرح خالد بقولهم وقال لهم‏:‏ وفقكم الله تعالى وأرشدكم‏.‏
قال الواقدي‏:‏ فلم يبق أحد منهم تلك الليلة إلا وقد أخذ عدته وأهبته واستعد بآلة الحرب والقتال وبأتوا فرحين بالجهاد والثواب وخائفين من العقاب فلما أصبح القوم ولاح الفجر أذن المؤذنون في عسكر المسلمين حتى ارتفعت لهم جلبة عظيمة بالتوحيد وأسبغوا الوضوء لصلاتهم خلف أبي عبيدة فلما وصلوا ركبوا خيولهم إلى قتال عدوهم وعبوا صفوفهم للقتال وكانوا ثلاثة صفوف متلاصقة أول الصف لا يرى آخره وأقبل خالد بن الوليد على أبي عبيدة رضي الله عنه وقال‏:‏ أيها الأمير من تجعل في الميسرة‏.‏
قال كنانة بن مبارك الكناني أو قال عمرو بن معد يكرب الزبيدي والله أعلم أيهما كان فولاه الميسرة وأمره أن يكون مكانه في الميسرة ففعل وضم إلى كنانة قيسًا‏.‏
قال‏:‏ فسار لما أمره أبو عبيدة رضي الله عنه‏.‏
قال الواقدي‏:‏ حدثني فضالة بن عامر‏.‏
قال‏:‏ حدثني موسى بن عوف عن جده يوسف بن معن‏.‏
قال‏:‏ كان هذا الغلام كنانة عارفًا بالحرب صاحب شجاعة وغارة وقد ذكر أنه كان من شجاعته وشدة فراسته أنه كان يخرج من حي قومه بني كنانة وحده ويسير حتى يأتي أحياء العرب المعادين له فإذا أشرف عليهم صرخ بهم وانتمى باسمه فتثور الرجال على أعناق الخيل فلا يزال يقاتلهم ويقاتلونه فإن ظفر بهم كان مراده وإن رأى منهم غلبة وعظم عليه أمرهم نزل عن جواده وسعى بين أيديهم فلا يلحقون منه إلا الغبار‏.‏
قال الراوي‏:‏ لما ولاه أبو عبيدة وقف حيث أمره والتفت أبو عبيدة إلى خالد وقال‏:‏ يا أبا سليمان قد وليتك على الخيل والرجل فول أمر الرجالة من شئت فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ سأولي أمرهم رجالًا لا يؤتي المسلمون من قبلهم‏.‏
ثم نادى بهاشم بن عتبة بن أبي وقاص وقال له‏:‏ ولاك الأمير على الرجالة فقال أبو عبيدة رضي الله عنه‏:‏ انزل يا هاشم وكن معهم رحمك الله وأنا أوافقك‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ورتب أبو عبيدة صفوف المسلمين وعبأهم‏.‏
قال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ ابعث الآن إلى أصحاب الرايات وقل لهم يسمعوا مني فدعا أبو عبيدة رضي الله عنه بالضحاك بن قيس وقال له‏:‏ يا ابن قيس أسرع إلى أصحاب الرايات وقل لهم‏:‏ إن الأمير أبا عبيدة يأمركم أن تسمعوا لخالد وتطيعوا أمره ففعل الضحاك ذلك وجعل يدور على أصحاب الرايات حتى انتهى إلى معاذ بن جبل وقال له مثل ذلك‏.‏
قال معاذ بن جبل‏:‏ سمعًا وطاعة ثم أقبل معاذ على الناس وقال‏:‏ أنا إنكم قد أمرتم بطاعة رجل ميمون الغرة مبارك الطلعة فإن أمركم بأمر فلا تخالفوه فيما يأمركم به فما يريد غير صلاح المسلمين والأجر من رب العالمين‏.‏
قال‏:‏ فقلت لمعاذ بن جبل‏:‏ إنك لتقول في خالد قولًا عظيمًا فقال‏:‏ ما أقول إلا ما قد عرفته فلله دره وقال الضحاك‏:‏ فرجعت إلى خالد وأخبرته بما تكلم به معاذ بن جبل وبما أثنى به عليه فأثنى عليه وقال‏:‏ هو أخي في الله تعالى ولقد سبقت له ولأصحابه سوابق لا يفعلها خالد بن الوليد فمن يناله‏.‏
قال الضحاك‏:‏ فرجعت إلى معاذ بن جبل وأخبرته بما قال خالد وبما أثنى به عليه وما ذكره من أمره وبما أورده من علي شأنه فقال معاذ‏:‏ والله إني أحبه في الله تعالى وأرجو من الله أن يكون قد أثابه بحسن نيته ونصيحته للمسلمين‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق