16
مقدمة
فتوح الشام
أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )
قال الواقدي: لما أسر الخمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اغتم لفقدهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أكثرهم غمًا أبو عبيدة بن الجراح وأقبل على البكاء والتضرع يدعو لمن أسر بالخلاص وأما الخمسة فإنهم مثلوا بين يدي ماهان لعنه الله تعالى وغضب عليه فلما نظر إليهم استحقر شأنهم وقال لجبلة بن الأيهم: من هؤلاء.
قال: أيها الملك هؤلاء قوم من جيش المسلمين وقد كانوا ستين رجلًا فقتلت أكثرهم وأسرت هؤلاء وما بقي في عسكرهم من تخاف غائلته إلا رجل واحد وهو الذي يثبتهم ويرمي بهم كل المرامي وهو الذي فتح أركة وتدمر وحوران وبصرى ودمشق وهو الذي كسر عساكر أجنادين وتبع توما وهربيس وقتلهم في مرج الديباج وأسر ابنة الملك هرقل وهو خالد بن الوليد.
قال: فلما سمع ماهان ذلك قال: لا بد لي أن أحتال على هذا الرجل حتى أحصله عندي وأقتله مع هؤلاء الخمسة الأسرى ثم دعا ماهان برجل من الروم اسمه جرجة وكان حكيمًا فاضلًا عند الروم فصيحًا بلسان العرب.
فقال: يا جرجة أريد أن تمضي إلى هؤلاء العرب وتقول لهم يبعثوا لنا رسولًا وليكن هذا الرسول الرجل المسمى بخالد قال: فركب جرجة وسار نحو عساكر المسلمين فالتقى بخالد بن الوليد.
فقال له: ما الذي تريد.
فقال: إن الملك ماهان قد بعثني إليكم حتى تبعثوا رجلًا منكم فلعل الله أن يحقن دماءنا ودماءكم فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أنا أكون الرسول إليه وأوقف رسول الروم بين يديه ويدي أبي عبيدة رضي الله عنه وأخبره أنه يريد المسير إلى ماهان.
فقال أبو عبيدة: امض يا أبا سليمان سلمك الله تعالى فلعل الله تعانى أن يهديهم أو يدعونا للصلح وأداء الجزية فتحقن الدماء على يدك فحقن دم رجل واحد أحب إلى الله تعالى من أهل الشرك جميعًا.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أنا أطلب من الله تعالى العون.
ثم وثب خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى خيمته ولبس خفين حجازيين وتعمم بعمامة سوداء وشد وسطه بمنطقة من الأديم وتقلد سيفه الذي استلبه من مسيلمة الكذاب يوم اليمامة وأمر عبده همامًا أن يأخذ قبته الحمراء وكانت من الأديم الطائفي وفيها شمعات من الذهب الأحمر وحليتها من الفضة البيضاء وكان خالد قد اشتراها من امرأة ميسرة بن مسروق العبسي بثلثمائة دينار فحملها على بغل وركب خالد جواده فلما هم بالمسير قال له أبو عبيدة: يا أبا سليمان خذ معك رجالًا من المسلمين يكونون لك عونًا.
فقال خالد: أيها الأمير أحب ذلك ولكن لا إكراه في الدين وليس لي عليهم طاعة فأمر من شئت فلما سمع المسلمون كلام خالد بن الوليد رضي الله عنه.
قال معاذ بن جبل: يا أبا سليمان إنك من أهل الفضل ولو أمرتنا بأمر امتثلناه لأنك سائر في طاعة الله تعالى ورسوله.
قال الواقدي: فاستركب معه مائة فارس من المهاجرين والأنصار منهم المرقال بن عتبة بن أبي وقاص وشرحبيل بن حسنة وسعيد بن زيد لن عمرو بن نفيل العدوي وميسرة بن مسروق العبسي وقيس بن هبيرة المرادي وسهل بن عمرو العامري وجرير بن عبد الله البجلي والقعقاع بن عمرو التميمي وجابر بن عبد الله الأنصاري وعبادة بن الصامت الخزرجي والأسود بن سويد المازني وذو الكلاع الحميري والمقداد بن الأسود الكندي وعمرو بن معد يكرب الزبيدي رضي الله عنهم أجمعين ولم يزل خالد ينتخب مثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم حتى كمل منهم مائة فارس كل فارس منهما يرد جيشًا وحده فأخذوا زينتهم واشتملوا بلباس الحرب وتوشحوا بالأبراد وتعضموا بالعمائم وتمنطقوا بالخناجر وتقلدوا بالسيوف وركبوا الخيل العتاق وسار خالد بن الوليد رضي الله عنه وعن يمينه معاذ بن جبل وعن شماله المقداد بن الأسود الكندي والمائة فارس محدقون به.
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: وسرنا ونحن نعلن بالتهليل والتكبير.
قال نصر بن سالم المازني: فنظرت إلى أبي عبيدة رضي الله عنه حين سار خالد بمن معه يقرأ آية من القرآن ودموعه جارية على خده.
فقلت: أيها الأمير ما يبكيك.
فقال: يا ابن سالم هؤلاء والله أنصار الدين فإن أصيب رجل منهم في إمارة أبي عبيدة فما يكون عذري عند رب العالمين وعند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال الواقدي: فلما أشرف خالد بن الوليد رضي الله عنه ومن معه على عساكر الروم نظر المسلمون إلى عساكر الروم وهم خمسة فراسخ في العرض وعن نوفل بن دحية أن خالد بن الوليد لما ترجل عن جواده وترجل المائة جعلوا يتبخترون في مسيرهم ويجرون حمائل سيوفهم ويخترقون صفوف الحجاب والبطارقة ولا يهابون أحدًا إلى أن وصلوا إلى النمارق والفراش والديباج ولاح لهم ماهان وهو جالس على سريره فلما نظر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما ظهر من زينته وملكه عظموا الله تعالى وكبروه وطرحت لهم الكراسي فلم يجلسوا عليها بل رفع كل واحد منهم ما تحته وجلسوا على الأرض فلما نظر ماهان إلى فعلهم تبسم وقال: يا معاشر العرب لم تأبون كرامتنا ولم أزلتم ما تحتكم من الكراسي وجلستم على الأرض ولم تستعملوا الأدب معنا ودستم على فراشنا.
قال: فقال خالد بن الوليد: إن الأدب مع الله تعالى أفضل من الأدب معكم وبساط الله أطهر من فرشكم لأن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قال: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ثم قرأ لقوله تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55].
قال: حدثني عاصم بن رواح الزبيدي قال: حدثنا ابن عبد الله الشيباني قال: حدثنا طرفة بن شيبة الخولاني عن عمه جرير وكان محالفًا لخالد بن الوليد رضي الله عنه قال: لم يكن بين خالد وماهان ترجمان يبلغ عنهما بل كانا يتحدثان كلاهما.
فقال خالد يا ماهان إني أكره أن أبدأك بالكلام فتكلم أنت بما تريد فإني لست أبالي بما تتكلم ولكل كلام جواب فإن شئت فتكلم إن شئت بدأتك قال ماهان: أنا أبدؤكم الحمد لله الذي جعل سيدنا الروح المسيح كلمته وملكنا أفضل الملوك وأمتنا خير الأمم قال: فعظم ذلك على خالد بن الوليد وقطع خالد كلامه فقال الترجمان: لا تقطع كلام الملك يا أخا العرب واستعمل حسن الأدب فأبى خالد أن يسكت بل قال خالد: الحمد لله الذي جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم وجميع الأنبياء وجعل أميرنا الذي وليناه أمورنا كبعضنا لو زعم أنه يملك علينا لعزلناه فلسنا نرى أن له فضلًا علينا إلا أن يكون أتقى لله عز وجل منا وقد جعل الله أمتنا تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتقر بالذنب وتستغفر منه وتعبد الله تعالى وحده لا شريك له قال فاصفر وجه ماهان وسكت قليلًا.
ثم قال: الحمد لله الذي أبلانا وأحسن البلاء إلينا وعافانا من الفقر ونصرنا على الأمم وأعزنا ومنعنا من الضيم ولسنا فيما خولنا الله فيه من نعيم الدنيا بطرين ولا باغين على الناس وقد كان يا معاشر العرب طائفة منكم يغشوننا ويلتمسون نائلنا ورفدنا وجوائزنا ونحن نحسن إليهم ونكرمهم ونكرم ضعيفهم ونعظم قدرهم ونتفضل عليهم ونفي لهم بالوعد وكنا نظن أن العرب كلها تعرف لنا ذلك من جميع القبائل وتشكرنا عليه لما أسدينا من عطايانا الجميلة لهم فما شعرنا حتى جئتمونا بالخيل والرجل وظننا أنكم تطلبون منا طلب إخوانكم فإذا أنتم على خلاف رأي أولئك جئتم تقتلون الرجال وتسبون النساء وتغنمون الأموال وتهدمون الأطلال وتطلبون أن تخرجونا من أرضنا وتغلبونا على بلادنا وقد طلب منا ذلك من كان قبلكم ممن هو أكثر منكم عددًا وأكثر أموالًا وسلاحًا وظهرًا فرددناهم خائفين وجلين خائبين بين قتيل وجريح وطريد وطريح فأول ما فعلنا ذلك بملك فارس فرقه الله على عقبيه بالخيبة والذل وكذلك فعلنا بملك الترك وملك الجرامقة وغيرهم وأنتم لم يكن في أمة من الأمم أصغر منكم مكانًا ولا أحقر شأنًا لأنكم أهل الشعر والوبر والبؤس والشقاء وإنكم مع ذلك تظلمون في بلادكم وبلادنا وحوالينا أمة كثيرة العدد وشوكتنا شديدة وعصبتنا عظيمة وإنما أقبلتم علينا لأنكم خرجتم من جدوبة الأرض وقحط المطر فانجلبتم إلى بلادنا وأفسدتم كل الفساد وركبتم مراكب ليست كمراكبكم ولبستم ثيابًا ليست كثيابكم وتمتعتم ببنات الروم البيض الأوانس فجعلتموهن خدمًا لكم وأكلتم طعامًا ليس كطعامكم وملئت أيديكم من الذهب والفضة والمتاع الفاخر ولقد لقيناكم الآن ومعكم أموالنا وما غنمتموه من قومنا وأهل ديننا وقد تركناه لكم لا نطالبكم به ولا ننازعكم فيه ولا نعتب عليكم فيما تقدم من فعالكم والآن فاخرجوا من بلادنا فإن أبيتم الانصراف عنا عزمنا عليكم عزمة فنترككم كأمس الدابر وإن جنحتم للصلح نأمر لكل واحد من عسكركم بمائة دينار وثوب ولأميركم أبي عبيدة بألف دينار ولخليفتكم عمر بن الخطاب بعشرة آلاف دينار على أنكم تحلفون لنا أن لا تعودوا إلى حربنا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق