إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

15 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


15

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )

  قال الواقدي
‏:‏ حدثني من أثق به أن الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه لما نظر إلى عساكر الروم معولة على قتاله كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابًا يقول فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أبي عبيدة عامر بن الجراح عامله سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏
واعلم يا أمير المؤمنين أن كلب الروم هرقل قد استفز علينا كل من يحمل الصليب وقد سار القوم إلينا كالجراد المنتشر وقد نزلنا باليرموك بالقرب من أرض الرماة والخولان والعدو في ثمانمائة ألف مقاتل غير التبع وفي مقدمتهم ستون ألفًا من العرب المتنصرة من غسان ولخم وجذام فأول من لقينا جبلة بن الأيهم في ستين ألف فارس وأخرجنا إليه ستين رجلًا فهزم الله تعالى المشركين على أيديهم ‏{‏وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 126‏]‏‏.‏ وقتل من أصحابنا عشرة رجال وهم راعلة وجعفر بن المسيب ونوفل بن ورقة وقيس بن عامر وسلمة بن سلامة الخزرجي وأسر منهم خمسة رجال وهم رافع بن عميرة وربيعة بن عامر وضرار بن الأزور وعاصم بن عمرو ويزيد بن أبي سفيان ونحن على نية الحرب والقتال فلا تغفل عن المسلمين وأمدنا برجال من الموحدين ونحن نسأل الله تعالى أن ينصرنا وينصر الإسلام وأهله والسلام عليك وعلى جميع المسلمين ورحمة الله وبركاته‏.‏
وطوى الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن قرط الأزدي وأمره أن يتوجه إلى مدينة يثرب‏.‏
قال عبد الله بن قرط‏:‏ فركبت من اليرموك يوم الجمعة في الساعة العاشرة بعد العصر وقد مضى من شهر في الحجة اثنا عشر يومًا والقمر زائد النور فوصلت يوم الجمعة في الساعة الخامسة والمسجد مملوء بالناس فأنخت ناقتي على باب جبريل عليه السلام وأتيت الروضة وسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه وصليت فيها ركعتين ونشرت الكتاب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏
قال فضجت المسلمون عند رؤيته وتطاولت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقبلت يديه وسلمت عليه فلما فتح عمر الكتاب انتقع لونه وتزعزع كونه وقال‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏
فقال عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب والعباس عبد الرحمن بن عوف وطلحة وغيرهم من الصحابة‏:‏ يا أمير المؤمنين أطلعنا على ما في هذا الكتاب من أمر إخواننا المسلمين فقام عمر رضي الله عنه ورقى المنبر خطيبًا وقرأ الكتاب على الناس فلما سمعوا ما فيه ضجوا بالبكاء شوقًا إلى إخوانهم وشفقة عليهم وكان أكثر الناس بكاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ابعث بنا إليهم ولو قدمت أنت إلى الشام لشدت بك ظهور المسلمين فوالله ما أملك إلا نفسي ومالي وما أبخل بهما على المسلمين‏.‏
قال‏:‏ فلما سمع عمر بن الخطاب كلام عبد الرحمن بن عوف ونظر إلى إشفاق المسلمين وجزعهم على إخوانهم أقبل على عبد الله‏.‏
وقال‏:‏ يا ابن قرط من المقدم على عساكر الروم‏.‏
فقلت‏:‏ خمسة بطارقة أحدهم ابن أخت الملك هرقل وهو قورين والديرجان وقناطير وجرجير وصلبانهم تحت صليب ماهان الأرمني وهو الملك على الجميع وجبلة بن الأيهم الغساني مقدم على ستين ألف فارس من العرب المتنصرة فاسترجع عمر وقال‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم قرأ عمر‏:‏ ‏{‏يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 8‏]‏‏.‏
ثم قال‏:‏ ما تشيرون به علي رحمكم الله تعالى‏.‏
فقال له علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ أبشروا رحمكم الله تعالى فإن هذه الوقعة يكون فيها آية من آيات الله تعالى يختبر بها عباده المؤمنين لينظر أفعالهم وصبرهم فمن صبر واحتسب كان عند الله من الصابرين واعلموا أن هذه الوقعة هي التي ذكرها لي رسول الله صلى الله عليه وسلم التي يبقى ذكرها إلى الأبد هذه الدائرة المهلكة فقال العباس‏:‏ على من هي يا ابن أخي فقال‏:‏ يا عماه على من كفر بالله واتخذ معه ولذا فثقوا بنصر الله عز وجل ثم قال لعمر‏:‏ يا أمير المؤمنين اكتب إلى عاملك أبي عبيدة كتابًا وأعلمه فيه أن نصر الله خير له من غوثنا ونجدتنا فيوشك أنه في أمر عظيم فقام عمر ورقى المنبر وخطب خطبة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون وذكر فضل الجهاد ثم نزل وصلى بالمسلمين فلما فرغ من صلاته كتب إلى أبي عبيدة كتابًا يقول فيه‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمين الأمة أبي عبيدة بن الجراح ومن معه من المهاجرين والأنصار سلام عليكم فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أما بعد فإن نصر الله خير لكم من معونتنا واعلموا أنه ليس بالجمع الكثير يهزم الجمع القليل وإنما يهزم بما أنزل الله من النصر وأن الله عز وجل يقول‏:‏ ‏{‏ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين‏}‏‏.‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 19‏]‏‏.‏ وربما ينصر الله العصابة القليل عددها على العصابة الكثيرة وما النصر إلا من عند الله وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 23‏]‏ الآية يا طوبى للشهداء ويا طوبى لمن يتكل على الله‏.‏
فالق العدو بمن معك من المسلمين ولا تيأس بمن صرع من المسلمين فقد رأيت من صرع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عجزوا عن عدوهم في مواطن كثيرة حتى قتلوا في سبيل الله ولم يهابوا لقاء الموت في جنب الله تعالى بل جاهدوا في سبيل الله حق جهاده ‏{‏وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 148‏]‏‏.‏ فإذا ورد عليك كتابي هذا فاقرأه على المسلمين وأمرهم أن يقاتلوا العدو في سبيل الله عز وجل واقرأ عليهم ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 189‏]‏‏.‏ والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ثم طوى الكتاب وسلمه إلى عبد الله بن قرط وقال له‏:‏ يا ابن قرط إذا أشرفت على المسلمين وقد استوت الصفوف فسر بين صفوف الموحدين وقف على أصحاب الرايات منهم وخبرهم أنك رسولي إليهم وقل لهم إن عمر بن الخطاب يسلم عليكم ويقول لكم‏:‏ يا أهل الإيمان اصدقوهم الحرب عند اللقاء وشدوا عليهم شد الليوث واضربوا هاماتهم بالسيوف وليكونوا عليكم أهون من الذباب فإنكم المنصورون عليهم إن شاء الله تعالى ثم اقرأ عليهم ‏{‏ألا إن حزب الله هم المفلحون‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 56‏]‏‏.‏
قال عبد الله بن قرط‏:‏ قلت له‏:‏ يا أمير المؤمنين ادع الله تعالى لي بالسلامة والسرعة في السير‏.‏
فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ اللهم ارحمه وسلمه واطو له البعيد إنك على كل شيء قدير‏.‏
قال عبد الله بن قرط وخرجت من المسجد من باب الحبشة فقلت في نفسي‏:‏ لقد أخطأت في الرأي إذ لم أسلم على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أدري أراه بعد اليوم أم لا قال عبد الله‏:‏ فقصدت حجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنه جالسة عند قبره وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه والعباس جالسان عند القبر والحسين في حجر علي والحسن في حجر العباس رضي الله عنه وهم يتلون سورة الأنعام وعلي رضي الله عنه يتلو سورة هود فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي رضي الله عنه‏:‏ يا ابن قرط عولت على المسير إلى الشام‏.‏
فقلت‏:‏ نعم يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أظن أن أصلى إليهم إلا والجيش قد التقى والحرب دائرة وإذا أشرفت عليهم لا يرون معي مدادًا ولا نجدة خشيت عليهم أن يهنوا ويجزعوا وكنت أحب أن أصل إليهم قبل التقائهم بعدوهم حتى أعظهم وأصبرهم‏.‏
فقال علي رضي الله عنه‏:‏ فما منعك أن تسأل عمر بن الخطاب أن يدعو لك أما علمت يا ابن قرط أن دعاءه لا يرد ولا يحجب وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه‏:‏ ‏(‏لو كان نبي ثان بعدي لكان عمر بن الخطاب‏)‏‏.‏ أليس هو الذي يوافق حكمه حكم الكتاب حتى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو نزل من السماء إلى الأرض عذاب ما نجا منه إلا عمر بن الخطاب‏)‏‏.‏ أما علمت أن الله تعالى أنزل فيه آيات بينات أما هو الزاهد التقي‏:‏ أما هو العابد أما هو المشبه بنوح النبي فإن كان هو قد دعا لك فقد قرن دعاؤه بالإجابة‏.‏
فقال عبد الله بن قرط‏:‏ ما ذكرت شيئًا إلا وأنا عارف به من فضل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولكني أردت الزيادة من دعائك ودعاء العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا سيما عند قبر الرسول المعظم المكرم‏.‏
قال فرفع العباس رضي الله عنه يديه وعلي رضي الله عنه كذلك وقالا‏:‏ اللهم إنا نتوسل بهذا النبي المصطفى والرسول المجتبى الذي توسل به آدم فأجبت دعوته وغفرت خطيئته إلا سهلت على عبد الله طريقه وطويت له البعيد وأيدت أصحاب نبتك بالنصر إنك سميع الدعاء ثم قال‏:‏ سر يا عبد الله بن قرط فالله تعالى أكرم من أن يرد دعاء عمر وعباس وعلي والحسن والحسين وأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد توسلوا إليه بأكرم الخلق عليه‏.‏
قال عبد الله بن قرط‏:‏ فخرجت من الحجرة وأنا فرح مستبشر واستويت على كور المطية وركبت الفلاة وأنا فرح بدعاء علي والعباس وعمر رضي الله عنهم أجمعين‏.‏
قال عبد الله‏:‏ خرجت من المدينة بعد العصر من يومي ذلك الذي دخلت فيه المدينة وأنا أرقب الطريق فلما اختلط الظلام وأسبل الليل سجفه أرخيت زمام المطية فحسبت أنها تطير بي ولم أزل سائرًا ثلاثة أيام‏.‏
فلما كانت صلاة العصر من اليوم الثالث أشرفت على اليرموك وسمعت ضجيج أذان المسلمين‏.‏
قال عبد الله فقصدت خيمة الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وأنخت ناقتي وسلمت عليه وكان لي منذ فارقته عشرة أيام فأخبرته بدعاء عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والعباس والحسن والحسين رضي الله عنهم‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ صدقت يا ابن قرط وإنهم لكرام على الله عز وجل وأن دعاءهم لا يرد ثم قرأ الكتاب على المسلمين فطابت قلوبهم بذلك وقالوا‏:‏ أيها الأمير ما منا إلا من يطلب الشهادة فالله تعالى يبلغنا إياها‏.‏
قال الواقدي‏:‏ حدثني عمرو بن العلاء قال‏:‏ حدثنا ماجد عن الثقات قال‏:‏ لما سار عبد الله بن قرط من المدينة يوم الجمعة فلما كان يوم السبت وقد صلينا الصبح خلف عمر بن الخطاب ونحن نقرأ من القرآن ما تيسر إذ سمعنا ضجة عظيمة وجلبة هائلة ففزعت قلوبنا فخرجنا مبادرين وإذا نحن بقوم من اليمن من صدوان وأرض سبأ وحضرموت واجتمعوا للجهاد وهم ستة آلاف يقدمهم جابر بن خول الربعي فترجلت ساداتهم وسلموا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأمرهم بالنزول فلما أقبل الظلام جاء ألف فارس من مكة والطائف ووادي نخلة وثقيف يقدمهم سعيد بن عامر وسلموا على عمر ونزلوا بإزاء أهل اليمن فلما كان يوم الأحد حمل عمر ضعيفهم وزودهم وعقد راية حمراء على قناة تامة وسلمها إلى سعيد بن عامر‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ فهممت بالمسير فقال عمر‏:‏ على رسلك يا ابن عامر حتى أوصيك‏.‏
ثم أقبل عمر بن الخطاب يمشي راجلًا ومعه عثمان بن عفان والعباس وعلي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف فلما قربوا من الجيش وقف عمر والناس حوله وقال لسعيد بن عامر‏:‏ يا سعيد إني وليتك على هذا الجيش ولست بخير رجل منهم إلا أن تتقي الله فإذا سرت فارفق بهم ما استطعت ولا تشتم أعراضهم ولا تحتقر صغيرهم ولا تؤثر قويهم ولا تتبع هواك ولا تسلك بهم المفاوز واقطع بهم السهل ولا ترقد بهم على جادة الطريق والله تعالى خليفتي عليك وعلى من معك من المسلمين فقال له علي بن أبي طالب كرم الله وجهه‏:‏ اسمع وصية إمامك أمير المؤمنين الذي ختم الله تعالى به الأربعين وسميت به الأمة مؤمنين وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إن تطيعوه تهتدوا وترشدوا‏)‏‏.‏ فسر يا سعيد وإذا وصلت إلى أبي عبيدة والتقى بكم الجيش الذي لا تلقون مثله وصعب عليكم أمره فاكتبوا إلى أمير المؤمنين عمر حتى يوجهني إليكم حتى أقلب أرض الشام على من فيها من المشركين إن شاء الله تعالى‏.‏
قال فسار ابن عامر وهو يقول‏:‏ نسير بجيش من رجال أعزة على كل عجعاج من الخيل يصبر إلى شبل جراح وصحب نبينا لننصره والله للدين ينصر على كل كفار لعين معاند تراه على الصلبان بالله يكفر قال‏:‏ وسار يجد السير‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ وكنت عارفًا ببلاد الشام وطرقه وكنت أسير إليه في السنة مرة أو مرتين عسفًا من غير جادة طريق أسير على الكواكب فلما سرت من المدينة وأنا بين يدي المسلمين سلكت بهم على طريق بصرى فضللت عن الطريق وعدلت عن الجادة وأنا محترز من العدو وخائف على المسلمين فجعلت أحيد عن العمارات وأسلك الفلاة توفيقًا من الله وإكرامًا ولطفًا بعباده المؤمنين فلما ضللت أشكل علي الطريق كأني ما سلكته يومًا قط فوقفت حائرًا حتى تلاحق بي المسلمون فلم أعلمهم بأمري ولا أني ضللت عن الطريق وأنا أقول‏:‏ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسرت يومين وليلتين وأنا أتيه بالناس والمسلمون يسألونني كن ذلك وأنا أقول لهم إني على طريق فلما كان في اليوم العاشر من مسيرنا من المدينة لاح لي جبل عظيم فنظرت إليه وحققته فلم أعرفه فقلت‏:‏ غررت والله بالمسلمين وأنا أقول في نفسي‏:‏ أترى هذا جبل بعلبك وقد سهل علينا الطريق وكان الجبل قد لاح لنا من بعيد من أول النهار وما أدركناه إلا والليل قد أقبل فلما صرنا بقربه اعترضنا واد عظيم فيه شجرة عظيمة كبيرة قال فلما تأملت الشجرة عرفتها وقلت لأصحابي‏:‏ أبشروا فقد وصلنا إلى بلاد الشام وفتح المسلمين ودخلنا الوادي وإذا به وعر ليس فيه جادة ولا طريق فلحق المسلمين من هوله تعب عظيم‏.‏
قال سعيد بن عامر وكان أكثر المسلمين رجالة وإنما كان يحمل بعضهم بعضًا ويتعقبون على ظهور الخيل والإبل‏.‏
فلما نظرت المسلمون إلى وحشة ذلك الوادي ووعورة مسلكه قالوا‏:‏ يا سعيد إنا نظن أنك قد أخطأت الطريق وسلكت بنا غير طريقنا فأرحنا في هذا الوادي قليلًا فقد أضر بنا المسير قال فأجبتهم إلى ذلك وكان في الوادي عين ماء غزيرة فنزل المسلمون عليها فشربوا وسقوا خيلهم وإبلهم ورعت الخيل والجمال ورق الشجر ونام أكثر الناس وبعضهم يصلي على محمد‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ وكنت جلست في آخر الناس أحرسهم وأنا أتلو القرآن العظيم وأدعو الله لنا بالسلامة إذ غلبتني عيني فنمت فرأيت في منامي كأني في جنة خضراء كثيرة الأشجار والثمار وكأني آكل من ثمرها وأشرب من أنهارها وأجني من ثمرها وأناول أصحابي وهم يأكلون وأنا فرح مسرور‏.‏
فبينما أنا كذلك إذ خرج من بين تلك الشجر أسد عظيم فزأر في وجهي وهم أن يفترسني‏.‏
وأنا من ذلك فزع مرعوب إذ خرج على الأسد أسدان عظيمان فصرعاه في موضعه فسمعت له خوارًا عظيمًا فانتبهت من نومي وحلاوة ذلك الثمر في فمي والأسود تتمثل بين يدي‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ ففسرتها أنها غنيمة يأخذها المسلمون ويمنعنا منها مانع ونظفر به‏.‏
فقلت في نفسي‏:‏ الجنة هي الشهادة‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ ولم أزل جالسًا أتلو القرآن وأنا قلق إذ سمعت هاتفًا يهتف بي عن يمين الوادي وهو يقول‏:‏ يا عصبة الهادي إلى الرشاد لا تفزعوا من وعر هذا الوادي لطف الذي يرفق بالأولاد ويطرح الرحمة في الأكباد سيصنع الله بكم رشاد وتغنموا المال مع الأولاد قال سعيد بن عامر‏:‏ فلما سمعت شعر الهاتف وما يشير به من الغنيمة سجدت لله تعالى شكرًا واستيقظ المسلمون لصوت الهاتف‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ وكنت قد حفظت من الهاتف بيتًا وحفظ سماح ثلاثة أبيات وأنشدني إياها وفرح المسلمون بما سمعوا من الهاتف وطابت قلوبهم بالغنيمة وأقام المسلمون في الوادي حتى أصبح الصباح وصلى بهم سعيد بن عامر صلاة الفجر فلما طلعت الشمس خرج المسلمون من الوادي وحققت تلك الأرض والجبل وإذا به جبل الرقيم فلما رأيته عرفته فرفعت صوتي بالتكبير وقلت‏:‏ الله أكبر وكبرت المسلمون لتكبيري وقالوا‏:‏ ما الذي رأيت يا ابن عامر‏.‏
فقلت‏:‏ وصلنا إلى بلاد الشام وهذا جبل الرقيم‏.‏
قال سعيد‏:‏ وأكثر من معي طماعة العرب‏.‏
قالوا‏:‏ يا سعيد وما الرقيم‏.‏
أما تعرفه فحدثتهم بحديث الرقيم قال سعيد‏:‏ فعجبوا من ذلك‏.‏
ثم أقبلت بهم إلى الغار فصلوا فيه ثم سرنا حتى أشرفنا على بلاد عمان‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ فعدلت إلى قرية هناك يقال لها الجنان فنظرت إلى دهاقين القرية وهما خارجون منها ومعهم الأهل والأولاد فلما رآهم المسلمون حملوا عليهم من غير إذن لهم وأخذوا بعضهم أسارى فرجع القوم إلى القرية وكان فيها حصن منيع فتحصنوا فيها منا قال سعيد بن عامر‏:‏ فقربت من الحصن وصحت بهم وقلت‏:‏ يا ويلكم ما بالكم كنتم خارجين من قريتكم فرجعتم فأشرف علي واحد منهم وقال لي‏:‏ يا معاشر العرب اعلموا أننا كنا خارجين من المدينة ففزعنا منكم وذلك أن صاحب عمان بعث إلينا وأمرنا بالمسير إلى عمان لنكون من تحت كنفه في عمان والآن يا معاشر العرب هل لكم أن نكون في ذمامكم وأمانكم‏.‏
قال سعيد‏:‏ نعم فوقع الصلح بيننا على عشرة آلاف دينار وكتبت لهم كتاب الصلح فلما هممت بالمسير قالوا‏:‏ يا معاشر العرب قد صالحناكم ونحن خائفون من قومنا واعلموا أن نقيطاس صاحب عمان لا بد أن نلقى منه شدة عظيمة فلو ظفرتم به لكان خيرًا لنا ولكم فقلت‏:‏ فكيف نظفر به‏.‏
فقالوا‏:‏ إن الملك ماهان مقدم العساكر قد بعث بذلك إليه وإن أنتم ظفرتم بصاحب عمان ملكتم غنيمة جسيمة فقال سعيد بن عامر رضي الله عنه‏:‏ وفي كم يكون جيش عمان‏.‏
فقالوا‏:‏ في خمسة آلاف فارس ولكن قد وقع خوفكم في قلوبهم فلن يفلحوا إذا أبدًا فقال سعيد بن عامر‏:‏ يا معاشر المسلمين ما تقولون في لقاء هذا البطريق صاحب عمان وأخذ غنيمته فقالوا‏:‏ افعل ما تريد فإن قتله الله على أيدينا كان ذلك صلاحًا للمسلمين ووهنا على المشركين‏.‏
فقال سعيد بن عامر لأهل القرية‏:‏ على أي طريق يأتي القوم فقالوا‏:‏ على هذا الطريق‏.‏
قال‏:‏ فدلونا على طريق عمورية فسرنا إلى واد عظيم وكمنا فيه يومًا وليلة فلم يأتنا أحد فلما أصبح الصباح قال سعيد‏:‏ يا معاشر المسلمين إن الذي وجهنا إليه عمر بن الخطاب من نجدة أبي عبيدة والمسلمين أفضل من مقامنا هنا فاخرجوا رحمكم الله‏.‏
فإنا إفا أشرفنا على المسلمين في سبعة آلاف فارس كان ذلك وهنا على المشركين وذلة للكافرين فقال المسلمون‏:‏ يا ابن عامر إن قلوبنا توقن بالغنيمة فلا تحرمنا ذلك قال‏:‏ فبينما هم في المحاورة إذا أشرف عليهم جماعة من القسوس والرهبان وعليهم ثياب الشعر وفي أيديهم الصلبان وقد حلقوا أوساط رؤوسهم فابتدر المسلمون إليهم وأخذوهم وأوقفوهم بين يدي سعيد بن عامر فقال لهم‏:‏ من أنتم وكان فيهم قس كبير فكلم سعيدًا وقال‏:‏ نحن رهبان هذه الأديرة والصوامع ونريد أن نصل إلى قسطنطين ولد الملك هرقل حتى ندعو للعساكر بالنصر قال سعيد‏:‏ فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال فما وراءكم من الأخبار قالوا‏:‏ وراءنا صاحب عمان في خمسة آلاف فارس من فرسان النصرانية وعباد الصليب فقال سعيد‏:‏ اللهم اجعلهم غنيمة لنا‏.‏
ثم قال سعيد للقسيس الذي خاطبه‏:‏ اسمع أيها الشيخ إن نبئنا أمرنا أن لا نتعرض لراهب حبس نفسه في صومعة ولولا أنكم تنفرون العدو لخلينا سبيلكم ثم أمر المسلمين أن يوثقوهم كتافًا فأوثقوهم بزنانيرهم التي في أوساطهم فبينما نحن كذلك إذ أشرف علينا جيش عمان والرجالة أمامهم يعزلون لهم الحجر من الحروب فلما أشرفوا على المسلمين حمل عليهم المسلمون من غير أهبة ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ووضعوا فيهم السيف فقتلوا الرجالة عن آخرهم فأخبر صاحب عمان بذلك فلما نظر إلى صنع المسلمين أمر أصحابه بالحملة فحملوا عليهم حملة عظيمة واقتتلوا قتالًا شديدًا قال سعيد بن عامر‏:‏ ونظرت إلى المسلمين وهم يقتلون الروم قتلًا ذريعًا ويضجون بالتهليل والتكبير فلما نظر البطريق صاحب عمان ما صنع المسلمون بأصحابه ولى منهزمًا طالب عمان وتبعه قومه وتبعهم المسلمون وبعضهم مال إلى الغنيمة والبطريق نقيطاس صاحب عمان في الهرب وكان قد سبق فوقف حتى تلاحق به المنهزمون من قومه قال فبينما هم كذلك إذ أشرف عليهم خيل من ورائهم تسرع بركابها وقد أطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة وهم زهاء من ألف فارس يقدمهم فارسان كأنهما أسدان أحدهما الزبير بن العوام والآخر الفضل بن العباس فحملوا على الروم فقتلوهم قتلًا ذريعًا وحمل الزبير بن العوام على نقيطاس بطريق عمان وهو واقف تحت الصليب فطعنه الزبير فقلبه عن جواده وعجل الله بروحه إلى النار وأقبل الفضل بن العباس يجندل الفرسان وينكس الأبطال قال وأشرف سعيد بن عامر على الموضع فرأى الحرب قائمة فظن أنه وقع بينهم الخلف فلما قربوا منهم سمعوا التهليل والتكبير فقالوا‏:‏ هذه دعوة الحق لمن قالها فاقتحم سعيد بن عامر المعرفة فسمع الفضل بن العباس وهو ينتمي باسمه ويقول‏:‏ أنا قال سعيد بن عامر‏:‏ فوالله ما انفلت من القوم أحد فقلت له‏:‏ لله درك يا ابن العباس ومن معك من أصحاب صلى الله عليه وسلم الله فقال‏:‏ معي الزبير بن العوام ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
قال سعيد بن عامر‏:‏ فوالله ما انفلت من القوم أحد إلا بين أسير وقتيل وغنم المسلمون غنيمة عظيمة وسلم بعضهم على بعض وأقبل الزبير على سعيد بن عامر وقال‏:‏ يا ابن عامر ما الذي حبسك عن المسير جهتنا وقد جاءنا سالم بن نوفل العدوي وأخبرنا بمسيرك إلينا وقد ساءت بك ظنوننا فأرسلنا أبو عبيدة لنغير على عمان والحمد لله على سلامة المسلمين ودمار المشركين ثم أمر الزبير برؤوس القتلى فسلخت وحملتها العرب على أسنة الرماح فكانت الرؤوس أربعة آلاف رأس والأسرى ألف أسير‏.‏
قال وأطلق سعيد بن عامر الرهبان وسار المسلمون حتى أشرفوا على أبي عبيدة رضي الله عنه ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير وأجابهم جيش المسلمين بمثل ذلك فانزعجت قلوب الروم لذلك ونظروا إلى ثمانية آلاف فارس والرؤوس معهم على الأسنة فبهتوا لذلك وحدث سعيد بن عامر أبا عبيدة بالنصر وغنيمتهم من الروم فسجد شكرًا لله عز رجل وأمر بالألف أسير فضربت أعناقهم والروم ينظرون إليهم‏.‏
قال قطبة بن سويد‏:‏ وأخبرت الروم أنه لم ينج أحد من جيش عمان‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق