197
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الرابع
الملك ادريس رحمه الله وشيء من سيرته
ثانياً : حبه للشعب وحب الشعب له:
عندما عينت الجمعية الوطنية التأسيسية الليبية حكومة مؤقتة في شهر ابريل عام 1951م برئاسة محمود المنتصر رأت الحكومة أهمية زيارة الملك ادريس لمنطقة طرابلس تلبية لرغبة الشعب الطرابلسي لهذه الزيارة ولبى الملك تلك الرغبة وابتهجت المدن الليبية في الغرب بهذه الزيارة واستقبلته الوفود من الرجال ، والنساء والشيوخ والشباب وعندما وصل موكبه الى طرابلس واخترق شارع عمر المختار كان بعض العملاء المندسين يتربصون بالملك الدوائر وقذف موكبه ببعض القنابل ولكن الله سلّم، وظهرت من الملك شجاعة نادرة، وثبات عجيب فلم يهتز من بدنه شعرة واحدة، وماكاد يذاع نبأ هذه المحاولة الفاشلة في ليبيا حتى اجتمعت جموع الشعب في أسرع من لمح البصر من شدة حبها لزعيمها وقائدها وشرعة تهنئ بعضها بسلامة قائدها وبهذه المناسبة قال احمد رفيق المهدوي:
وقاك الله من شر الاعادي
ودام علاك ياأمل البلاد
وعشت لامة جعلتك رمزاً
لوحدتها وروحاً للجهاد
حياتك بيننا لله نور
أيطفئ نوره أهل الفساد
أتم الله نعمته علينا
بحفظك واهتدائك للسداد
فدم ملكاً على عرش متين
محاطاً بالمحبة والوداد( )
وقد أجاب الملك ادريس عن هذه الحادثة فقال: إن هذه الحادثة لم تكن أبداً من ليبي ولن يقدم عليها أحد من أبناء ليبيا، وإنني أحمد الله جلت قدرته الذي وقى هذه البلاد شر المصائب الى أن قال: والضرر الذي يلحق بقضية البلاد أخطر من الضرر الذي يلحق بشخصنا أو بأي شخص آخر، وقال: إننا لسنا من أي حزب ولن نتحزب لحزب دون آخر، وإنما نحن للجميع ونسعى لخير الكل ولصالحهم، هذا هو مبدؤنا الذي فطرنا عليه وعملنا من أجله زهاء ثلاثين سنة، ونحن لانعتبر أنفسنا إلا فرد من أفراد هذا الشعب لايهمه غير مصلحة الشعب ومستقبل البلاد( ).
وقام بزيارة ترهونة والزاوية وغريان، ويفرن ومصراته وزليطن والخمس، وكان يستقبل من الشعب بالحب والود والوفاء وقام الشعراء بنظم القصائد تعبيراً عن فرحتهم بهذه المناسبة فقد قال عبدالغني البشتُي:
اليوم يوم المجد والعلياء
اليوم يوم العزة القعساء
اليوم يوم القطر من سلومه
للبحر للسودان للخضراء
اليوم يومك ليبيا بل إنه
يوم العروبة ساطع الأضواء
يوم قد انبعث له من يثرب
الروضة الفيحياء باللألاء
يوم قد أمتدت له من (مكة)
أنوار طه من بني الزهراء
يوم المليك ومرحباً بك يومه
يوم أغر بليبيا الفيحاء
إدريس يانسل النبي محمد
أهنأ بملكك في سنى وعلاء
ملك قد اختار الاله مليكه
من أشرف الآباء والأبناء
تاج على هام القلوب منصب
ولواؤه في الشرق خير لواء
إني أرى الأملاك في عليائهم
يتباشرون بسيد البطحاء
يتباشرون بملكه في رفرف
عال من الأضواء واللألاء
لم لا؟ وأنت سليل احمد من له
مايبتغيه المجد من علياء
الله اكبر عشت يافخر العلا
للعرب، بل للشرق خير وفاء
تحمي حمى الاسلام ترفع صرحه
وتعيد فيه بسيرة الخلفاء
مولاي شعبك روعت ألبابه
يد أرعن يبغيك بالضراء
نفديك بالارواح إن شئت الغداة
ونجود بالأموال والأبناء
مولاي: أبقاك الاله لليبيا
دهراً سعيداً في أعز علاء( )
لقد كانت اعمال الملك من اسباب محبة الليبيين له فقد اصدر اوامره بأن لا يعفى من الضريبة الجمركية كل ما يرد الى الديوان الملكي، وبأن لا يلقب بصاحب الجلالة تقدساً بذات الله جل جلاله وقال : إن الجلالة لله وحده، وما انا الا عبد من عباد الله( ).
ويعتبر هذا الحدث سابقة تاريخية من أروع ما شهد في دنيا الملوك ولقد تأثر ريفلي رئيس جريدة بريد طرابلس التي كانت تصدر باللغة الايطالية لهذا الحدث وكتب مقالاً جاء فيه : إن الرغبة التي ابداها الملك ادريس ليست في حاجة الى تعليق ، لأنه عندما تبوأ العرش كان تواضعه معروفاً، وسهره المتواصل وعطفه ورعايته لشعبه فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على الديمقراطية التي تجلت في اسما معانيها ، ولقد اتاح الحظ لليبيا - وهي لاتزال في بداية حياتها - أن تكون على رأسها شخصية صالحة مختارة تخاف الله العلي الاجل، وعندما قبل مهمته الصعبة الخطيرة بأن يقود شعبه الى ما كتبه له القدر من مصير ، فإن ذلك كان استجابة لأمر ربه الذي يمده بنوره فيما يتخذ من قرارات وفي اعماله وقد تبين له ان لقب (الجلالة ) هو لقب ضخم لا يتفق مع اساسه الديني الذي يرى ان المولى وحده صاحب الجلالة العظمى وهو وحده الخالد العلي الأعلى... ولم يكن هذا التصرف بغريب على الملك محمد ادريس المهدي السنوسي الذي ينحدر من سلالة شريفة اراد الله تعالى أن يمكن في قلبها الايمان والثقة به، وفي عالمنا هذا الذي يسير سيراً حثيثاً نحو المادية فإن تصرفاً مثل هذا يتعدى أي احتمال ويدل دلالة قاطعة على أن أي مسبب حتى وإن كان ذلك المسبب سامياً يمكنه أن يكون وسيلة لإظهار تواضع منبثق عن عقيدة راسخة في عظمة الله)( ).
وقد حدثني السيد احمد العرفي عندما كنا معاً في السجن السياسي بطرابلس عن حادثة تدل على تعظيم الملك ادريس للمولى عز وجل وهي أنه كان هناك مسجداً جديداً في مدينة البيضاء وجاء الملك لافتتاحه ومع مجيئه ودخوله المسجد شرع الناس في الهتاف بحياة الملك ادريس، فغضب وأمر الناس بالصمت وقال لهم هذا المكان لاينبغي أن يذكر فيه غير اسم الله واستشهد بقول الله تعالى : {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحد} ولذلك أحبه شعبه وأحب شعبه المسلم كانت الارادات السامية تصدر من الملك لتجسد هذه المعاني الرفيعة من التواضع والبساطة والبعد عن المظاهر وتحاشي الشبهات، فقد اصدر إرادة سامية بأن لايطلق اسمه على الشوارع، والمؤسسات بقصد التمجيد والتخليد محتسباً عند الله ماعمله لصالح أمته وشعبه، وأصدر إرادة سامية بأن لا تنشر صور ذاته على العملة او على طوابع البريد ابتعاداً عن المظاهر الدنيوية الزائلة، واصدر إرادة سامية بأن لايتخذ من ذكرى ميلاده عيداً رسمياً وأن لاتقام الاحتفالات بهذه المناسبة، وذلك لأنه ليست مما جرى به العمل في السلف الصالح رضوان الله عليهم( ).
واصدر امراً بتعديل قانون البيت المالك، وألغى بموجب ذك الأمر حصانات وامتيازات الأسرة، كما ألغى ألقاب الامارة والنبل من أعضاء البيت السنوسي وأمر أيضاً بأن لايقبل أية هدية يرى الشعب فرادى او جماعات أن يقدمها له في اية مناسبة تتعلق بذاته او غيرها من المناسبات وبهذه المناسة صدر بلاغاً من الديوان الملكي يتعلق بأحد المواضيع التي نحن بصددها: (بالنظر لما أشيع من أن هناك هيئات حكومية وشعبية ستقوم بتقديم هدايا ثمينة الى حضرة مولانا الملك المعظم وذلك بمناسبة قرانه السعيد فقد أمر حفظه الله بأنه لن يقبل هذه الهدايا بدون استثناء، ويطلب من الذين يرغبون في تقديمها الى مقامه السامي أن يوزعوا المبالغ التي جمعت او خصصت لهذا الغرض على الفقراء والمعوزين والله يجزي أجر من أحسن عملا)( ).
كان الملك ادريس رحمه الله يقوم صباح كل يوم مبكراً لأداء صلاة الفجر في وقتها ويشرع في قراءة القرآن الكريم وأوراده اليومية ويتناول إفطاره حوالي الساعة التاسعة ثم يخرج الى مكتبه حوالي الساعة العاشرة فيستقبل موظفي الديوان والخاصة الملكية لتصريف الاعمال اليومية ويستقبل زوراره من الضيوف ورجال الحكومة وأصحاب الحاجات من الحادية عشر الى الواحدة ثم يتناول طعام الغذاء بعد تأدية صلاة الظهر مباشرة، وكانت الجولة البرية من أحب الرياضات عنده وكان يستقبل بعض زواره قبل صلاة المغرب وبعد صلاة العشاء يتناول الشاي عادة مع موظفي القصر وضيوفه وينام عادة حوالي الحادية عشر مساءً.
وكان يحب المطالعة في مكتبته الخاصة ويعكف عليها طويلاً وأحب ماعنده قراءة القرآن ، ودراسة كتب الحديث، ومطالعة كتب التاريخ العام، وكان يحرص في غالب الاحيان على استماع نشرات الاخبار من المذياع.
وكان لايهتم بالمظاهر في تحركاته وقد ذكر السيد عمر فائق شنيب قصة طريفة عندما كان رئيس الديوان الملكي. كان مولانا الملك يريد أن يتوجه من بنغازي الى البيضاء وحضرت سيارات الحرس ولما شاهدنا قبل التحرك قال لي: لا داعي لأن تكن معنا هذه السيارات ونكتفي بسيارة واحدة تحمل بعض الضروريات، وكان قد فاتني أن أصدر هذا الامر الى قائد الحرس وبينما نحن في الطريق لفت نظري الملك الى أمره السابق وقال: لماذا يكون معنا هذا الحرس فقلت له يامولاي إن هذا لم يكن حرس لكم ولكنه محروساً بكم( ).
كان الملك رحمه الله في يوم ربيع 1953م راجعاً من جولته التقليدية ورأى سيارة واقفة بسبب خلل فيها، وكان صاحبها الاستاذ محمد بن عامر، فأمر الملك سائق سيارته أن تقف حتى تلحق به سيارة الحرس وأمر هذه السيارة بأن تعود الى الاستاذ ابن عامر لتحمله حيث شاء( ).
وخرج الملك ادريس ذات مرة في جولته المسائية المعتادة ولم يصحب معه حرساً ودخل الى بعض المزارع في منطقة البيضاء، وعندما دخل الى احدى البساتين وجد صاحب البستان منهمكاً في سقايته فحياه بتحية الاسلام، وكان البستاني لايعرف الملك شخصياً ولم يخطر بباله أن الملك يصل الى ذلك الموقع بمفرده كأي شخص ترمي به الطريق، وبدأ الملك يسأل البستاني عن أنواع الشجر والمحصول وما الى ذلك، وكان صاحبنا يجيب عن كل سؤال في حين أنه منهمك في عمله، وعندما فرغ الملك من الأسئلة وأراد الانصراف سأله البستاني قائلاً: (من حضرتك من غيار صغاره) وهذا هو سؤال كل شخص في برقة لمن لايعرفه، فأجابه الملك بقوله: (أنا ادريس) ولشدة ماكانت دهشة الرجل عندما سمع الاجابة قفز مسرعاً وعانق الملك قائلاً: مرحباً ، مرحباً، أنت سيدي ادريس ولد سيدي المهدي، مرحباً مرحباً، وأخذ يرد الترحاب والتساؤل في استغراب( ).
إن هذه الصفات الرائعة تدلنا على جوانب مضيئة في شخصية الملك ادريس الاسلامية وحبه لمعالي الأمور، واهتمامه بالتواضع والبساطة كما تدلنا على أنه تحصل على قسط من التربية الايمانية من حركة اجداده الميامين الطيبين الطاهرين.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق