إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 يونيو 2014

187 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الثاني الحرب العالمية الثانية خامساً: اعتراض الليبيين لموقف الدول الكبرى من قضيتهم العادلة:


187

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الثاني

الحرب العالمية الثانية

خامساً: اعتراض الليبيين لموقف الدول الكبرى من قضيتهم العادلة:

عارض المجاهدون الليبيون موقف الدول الكبرى من قضيتهم، ووجهوا نقدهم وسهامهم إلى الدول الكبرى وخصوصاً الحكومة البريطانية التي لم تلتزم بعهودها مع الليبيين، وبرّر بعض الزعماء أسباب نخالفهم مع بريطانيا بأسلوب علمي أدبي رفيع وهذه وثيقة تاريخية تثبت ماذهبت إليه وهي عبارة عن موضوع كتبه المجاهد عمر فائق شنيب في عام 1945م بعنوان (ليبيا مهد البطولة) قال بعد أن افتتح موضوعه بالبسملة:
إذا استشفيت من داء بداء      فاقتل ما أعلك ماشفاكا
كثر الأخذ والرد في قضية ليبيا الباسلة ذات الشعب المحارب في صفوف الحلفاء من سنة 1940، ليبيا التي لم ترضخ للاستعمار الإيطالي فحاربت 21 سنة بلا إنقطاع، ليبيا التي اشترك جيشها وشعبها في طرد العدو منها، ليبيا المضحية بمليون نسمة من خيرة أبنائها في سبيل عروبتها واستقلالها وحريتها، ليبيا التي رفعت رأس العروبة عالياً من سنة 1911 إلى 1945 وكثر عدد الطامعين فيها والمتزلفين اليها - بعد أن كان بعضهم علة شقاء عليها - وتعددت الدوافع فتباينت المنافع، وتضاربت الآراء فكثرت التكهنات وجلها - إن لم أقل كلها - لايخلو من غايات ومناورات ومساومات بعيدة عن محجة الصواب كل ذلك على حساب ليبيا الدامية.
وكل يدعي وصلا بليلى    وليلى لاتقر لهم بذاكا
حتى أبهم الأمر لا على المنصفين الذين يهتمون بلب الحقائق ليأخذوا منها درساً وعبرة أو يجابهوا الموقف على ضوءها. بل على الليبيين أنفسهم الذين أصبحوا في حيرة من أمرهم، وبمعزل عما يراد بهم، وهم الذين اشتهروا بالأفعال في ميادين النضال، لابزخرفة الأقوال ولله در من قال:
إذا اشتبهت دموع في خدود          تبين من بكى ممن تباكى
لذلك رأيت لزاماً علي أن أصرح بالحقيقة الناصعة ولو كانت مؤلمة جارحة من على منبر الصحافة العربية الحرة - التي أخذت في هذه الأيام تشد أزر ليبيا والليبيين - لأضع أمام الرأي العام العربي ولو صورة (مصغرة) عن حقيقة ماقدمه الشعب الليبي من تضحيات قاسية في سبيل حريته واستقلاله ومناصرته للحلفاء في هذا الصراع العالمي الذي قيل عنه إنه دفاع عن المبادئ الانسانية الحرة للتخلص من الوحشية الغادرة. والاستعمار البغيض ليكون على بصيرة من قضية ليبيا العتيدة التي استهتر بها القريب وطمع فيها البعيد والتي لاتنفصل عن قضية العروبة المقدسة بأي حال من الأحوال.
1- أقول لإخواني الليبيين عامة - على اختلاف نزعاتهم وأهدافهم في الطرق الموصلة لوحدتهم واستقلالهم :- احذروا ولاتنخدعوا، ووحدوا صفوفكم تحت راية أميركم، وأن ماترونه الآن في جو السياسة هو الدعاية، وأن ماتتصورونه منها هو الظن، وأن الظن لايغني عن الحق شيئا، فاعتمدوا على أنفسكم وأعدوا العدة لمستقبلكم واشكروا كل من يناصركم لمبدأ العروبة الصادق الذي يحمي الجار ولايرضى العار.
2- وتيقنوا أن كان هناك ثمة عتاب أو لوم أو مايسمى بمسؤولية عما يقع في ليبيا في الحال أو ما يقع لها في الاستقبال فكل ذلك يقع بالدرجة الأولى على عاتق الدولة البريطانية بل وعلى بعض رجالها الذين ائتمناهم على وطننا وأرواحنا، وسلمنا إليهم مقدراتنا وذلك أمام التاريخ والإنسانية والوجدان، وبالدرجة الثانية على أنفسكم أنتم فيما إذا تخاذلتم وتفرقتم وغرتكم الأقوال المعسولة فسبحتم في بحر الأماني المجهولة:
إن الاستقلال يؤخذ ولا يعطى فشجرة الحرية رويتموها بدمائكم وستثمر بمجهوداتكم وتضامنكم:
فالدولة البريطانية هي الدولة الوحيدة التي اشتهرت ببعد النظر وتقدير العواقب، ولكنها مع ذلك في هذه القضية الهامة إن لم أقل أضرت بمصالحها الخاصة وبمصالح الليبيين عامة أقول بصراحة إنها نسيت أو تناست لسوء حالها أو لسوء حظنا موقفها في سنة 1940 عندما كانت واقفة في الميدان تجاه القوة الغازية الفاشستية وحدها بلا حليف ولامعين، مصيرها معلق في كفة القدر، والعدو في إبان منعته وسطوته يتقدم في الأراضي المصرية بعد أن احتل موقع (سيدي براني) وقد طعنت يومذاك فرنسا الذي يقول عنها زعيمها المحنك الجنرال ديجول اليوم: (يجب أن تعاد مستعمرات إيطاليا إليها)! طعنت من الخلف فركعت على ركبتيها مسلمة للعدو، ولكن صدق من قال:
من يهن يسهل الهوان عليه       ما لجرح بميت ايلام
ففي تلك الساعة العصيبة القاسية - على بريطانيا العظمى - كما قال عنها وزير خارجيتها المستر ايدن في تصريحه لمجلس النواب البريطاني يوم 7 يناير 1942 ماندرجه بالحرف الواحد: (إني أصرح بأن السيد ادريس السنوسي اتصل بالهيئات المسؤولة بمصر خلال شهر من انهيار فرنسا في وقت لم يكن الموقف العسكري في افريقيا ملائماً لنا على الإطلاق، فتألف جيش سنوسي يضم الذين تخلصوا من نير الظلم الإيطالي بين حين وآخر في خلال العشرين سنة الماضية وقام هذا الجيش بمساعدات قيمة أثناء القيام بتلك العمليات الحربية الموفقة في الصحراء الغربية في شتائي 1940م و 1941م. وهو الآن يقوم أيضاً بنصيب قيم في الحملة العسكرية الحالية فانتهز هذه الفرصة لأعبر عن التقدير العام الذي تحمله حكومة صاحب الجلالة البريطانية للنصيب الذي قام به وما زال يقوم به السيد إدريس السنوسي وأتباعه في المجهود الحربي البريطاني وإننا نرحب بتعاونهم مع قوات صاحب الجلالة البريطانية في مهمة سحق العدو المشترك. وقد وطدت حكومة صاحب الجلالة البريطانية عزمها على أنه متى انتهت الحرب لن تسمح بوقوع السنوسيين في برقة تحت النير الإيطالي مرة أخرى بأي حال من الأحوال).
قلنا في تلك الساعة العصيبة التي كانت فيها أعظم الدول ومنها فرنسا - لا الشعوب الصغيرة - ترتعد فرقاً وتنهار سراعاً تحت ضربات النازية الفاشستية الخاطفة، نعم في تلك الساعة الرهيبة التي اقتنعت فيها الدول والشعوب بأن زوال بريطانيا من الوجود شيء مقدور، بل وأصبحت تحدد لانهيارها الأيام لا الشهور تقدم أمير ليبيا الشجاع غير هياب ولا وجل وعقد مجلساً حربياً ضم ممثلي البلاد من قادة الحركة الوطنية قديماً وحديثاً - وهم بقايا السيوف الأماجد ولم ينفض اجتماعهم التاريخي الذي حضره الجنرال ولسن يوم 9 أغسطس 1940 وخطب فيهم قائلاً: (إن اشتراككم مع قوات صاحب الجلالة في سحق العدو المشترك هو لتحرير وطنكم واسترداد أملاككم وحريتكم واستقلالكم) ثم أعلن الحرب على إيطاليا وانضم إلى الحليفة البريطانية في إبان محنتها وقدم لفخامة الجنرال ولسن قرار الجمعية الوطنية الليبية الذي رفعه بدوره إلى لندن، وبعد أن استعرض ما اتفق عليه زعماء المهاجرين بقيادة زعيمهم الأكبر ادريس السنوسي قال.
على هذا الأساس الواضح بني جهاد ليبيا لحريتها واستقلالها، وعلى هذا الأساس سلمت ليبيا بأرواح أبنائها وثروتها ومدنها لبريطانيا العظمى، ولم يمض على هذا القرار برهة وجيزة حتى تكون الجيش الليبي بضباطه وجنوده تحت علمه الوطني الذي استعرضه الجنرال ولسون في احتفال عسكري رسمياً، حيا فيه العلمين: الإنجليزي والليبي فأعجب به، وقد اشترك هذا الجيش فعلياً في كل المعارك الدامية في سيدي براني وفي حصار طبرق، وفي طرد العدو من الوطن، وفي كل موقعة رأت القيادة العامة البريطانية وجوده فيها ضرورياً خلف خطوط الأعداء وخارجها وفي الجبهة نفسها وعلى قناة السويس وفي فلسطين وغيرها - بكل شجاعة وبسالة وحزم.
وهل اكتفى أمير البلاد المطاع بذلك؟ كلا. بل أرسل الرسل إلى المدن والقرى ومواطن البادية ونشر في طول البلاد وعرضها أوامر كانت موفقة. ووقع النشرات التي كانت تلقى على الشعب من الطيارات واستصرخ الشعب لمناصرة بريطانيا من محطات الاذاعة وزود ضباط الاستعلامات البريطانية الذين يعملون خلف خطوط الاعداء سراً بالرجال الامناء والتوصيات للزعماء وأهل الوطن لاخفائهم وارشادهم ومدهم بالمساعدات والمؤن.
فهب الشعب الليبي على بكرة أبيه رجالاً ونساءً شيباً وشبانا كل يعمل على قدر إستطاعه خلف خطوط الاعداء في إخفاء ضباط الاستعلامات وتموينها وإنقاذ الجرحى وتمريضهم واخفائهم وتهريب الاسرى من الضباط والجنود البريطانيين والطيارين الذين وقعوا في قبضة الاعداء وإبلاغهم مأمنهم وإظهار عورات الاعداء بواسطة الأدلاء على محال قواتهم واستحكاماتهم وطيرانهم ووقودهم. وتدمير ادوات حربهم ومؤنهم، حتى اضطر العدو أن يجعل في ليبيا قوة عظيمة خاصة لمراقبة السكان والتنكيل بهم حيث ثبت لديه أن ضباط الاستعلامات البريطانيين كانوا يحضرون اجتماعات الاعداء سراً بدون أن يعرفوا بينهم وذلك بفضل تدابير زعماء الوطن.
وقد استسلم ماينوف عن 17.000 جندي ليبي -كان قد جندهم العدو قسراً- وذلك عندما شاهدوا أعلام وطنهم المقدسة تخفق على الدبابات ومزينة بها المصفحات وفي طلائع الجيوش؛ ثم اشترك معظم هؤلاء مع إخوانهم في الدفاع عن أوطانهم وقد استشهد الكثير من جنود وضباط الجيش ، كما أسر البعض منهم أثناء هذه الحرب براً وبحراً، ولم يزل بعضهم مفقوداً والبعض لا يعلم عنه شيء منذ وقع في معتقلات الاعداء.
واستهدفت المدن للخراب الأبدي والدمار الذي لايعوض كطبرق الذي اصبحت اثراً بعد عين ، وبنغازي عاصمة برقة التي دمر ثلاثة أرباعها وقسماً من درنة وسرت وطرابلس وغيرها، وتعرض الكثير من المدنيين العزل للقتل والشنق والنهب، حتى أن الفاشيست شنقوا في يوم واحد في مدينة واحدة وهي المرج (300) رجلاً، وغير هذا كثير، حتى أنه في ذلك اليوم صادر الفاشيست جميع مافي الأسواق عنوة واقتداراً وهدما مايقدر بنصف ثروة التجار، وتبددت ثروة البلاد وتشتت الأهلون سنين في البراري والقفار بعد أن دمرت مدنهم وهدمت أملاكهم وقتلت نساؤهم وأطفالهم وضاعت ثروتهم ولا مجال الآن لايضاح موقف الليبيين في انتصار العلمين، ذلك الانتصار الذي غير وجهة الحرب، وماقدموه من مجهودات كادت أن تقضي على البقية الباقية من الليبيين حيث نسفوا مخازن البنزين ودمروا معدات الحرب التي أعدها الألمان والطليان كأحتياطي لهم في برقة يعتمدون عليها في تقدمهم على مصر، وهو مايقدر بمئات الملايين ، وسيخصص لذلك فصل مدعم بالارقام والبراهين في الكتاب الأبيض الذي ينشر عن العالم قريباً عن موقف لييا المشرف في هذه الحرب وعن معاملة أصدقائها الانكليز لها، كما سيبين فيه عملهم ضد الطيارين الألمان الذين أنزلوا بعد الفتح بالبارشوات، افبعد هذا كله، وبعد فتح ليبيا باشتراك أهلها وتضحياتهم هذه يجوز أن تكون ليبيا الباسلة موضع مساومة؟ أو يجوز أن تطبق فيها أحكام عسكرية جائرة وغير ملائمة لطبيعة أهلها ؟ أو يطبق على شعبها المحارب في صفوف الحلفاء مايسمونه بالقانون الدولي؟ ذلك القانون الذي لم يطبق منه حرف واحد في الحبشة لا، ولا حتى في بلاد العدو المحتلة التي سلمت إدارتها لأهلها تحت أشراف الحلفاء مع أن وضع الحبشة لايختلف عن وضع لييا دولياً من حيث دخولها تحت الحكم الايطالي واعتراف الدول بضمها إليه، وخروجها منه باشتراكها في هذه الحرب؟ أو يبدل في ليبيا استعمار باستعمار؟ أو تفكر إيطاليا الغادرة ناكثة العهود التي جربت حظها في ليبيا وخبرت ذلك الشعب العربي الأبي في حروب متواصلة معه 21 سنة أن تعود إليه؟
اللهم إن هذا بعيد عن العدل، بعيد عن الانصاف ، وحتى عن احكام القانون الدولي الذي قبر من يوم احتلال الحبشة فشيعت جنازته عصبة الامم التي التحقت به سنة 1935م وعن كافة الوعود والعهود وعن الغايات السامية التي قيل إن الدول الحليفة حاربت من أجلها ، وعن الشرف البريطاني الذي لايقر مثل هذا العمل فيما أظن بوجه من الوجوه.
فلو كانت الدولة البريطانية أقامت الحق والعدل والعهود أقل وزناً أو قدرت هذه الجهود والتضحيات حق قدرها أو أعادة النظر في موقفها سنة 1940م -لأننا عند اشتراكنا معها لم تكن هناك روسيا ولا أمريكا ولا فرنسا- لما كانت في هذا المأزق الحرج الدولي من جهة. ولكانت ليبيا اليوم تتمتع بحكومة وطنية تحت إدارة أميرها، مندمجة في الجامعة العربية، ولما كان اختلف وضعها عن وضع الحبشة من يوم طرد العدو منهما.
ولكن الدولة البريطانية بجحود بعض رجالها لهذه التضحيات وبميلهم للأعداء -لأنهم إفرنج- وتخليهم عن الاصدقاء -لأنهم عرب- أضروا بهذه القضية التي لها مساس بالسلم العالمي، وأساءوا لأهل ليبيا وهم الذين أخلصوا لهم في إبان محنتهم بل وعاملوهم معاملة لاتمت للانصاف والمروءة بصلة في كل مرافق الحياة الاقتصادية والسياسية والكرامة والعزة القومية. وفي نفس الوقت واجهوا وسيواجهون مشكلات عديدة كانوا في غنى عنها لأن امتلاك القلوب أهم بكثير من استعبادها والسيطرة على الشعوب بدون إرادتها معناه الحقيقي تكوين عداوتها.
3- بتر ليبيا بل والشمال الأفريقي من جسم الجامعة العربية يوم انعقادها في القاهرة كان أكبر محك دقيق للجامعة (فيما إذا كانت هي الجامعة) ولغاياتها أهدافها المقدسة عند الدول التي تهتم بمعرفة قوة الاتحاد العربي وضعفه بودنا يومئذ أن ألقينا أنفسنا في أحضانها بصفتنا أمة عربية مجاهدة أن تقف موقف المدافع عن الجميع والمطالب بحقوق الجميع وتضمنا إليها شاءت السياسية الغامضة -الفرقة الجامعة- أم ابت فتكون بذلك أحيت عضوا منها تشد أزره في الملمات، لأن ليبيا هي القنطرة الوحيدة التي تعبر منها العروبة الى الشمال الافريقي، أما اليوم فلا ادرى على الوجه الاصح هل يسمع صوتها بشأن ليبيا أم يصبح صرخة في واد بعد أن تقاربت السياسات الاستعمارية التي كانت متباعدة يوم انعقادها، واخشى ما أخشاه أن العرب رغم يقظتهم ووحدتهم المبتورة سيواجهون تضحيات جديدة ومصاعب شديدة وسيلعب بهم دور آخر يكونون فيه هم كبش الفداء - لاسمح الله- لأن الغرب لايرتد والشرق لايتعظ.
4- مع استنكارنا الشديد واحتجاجنا القطعي الذي ليس عليه مزيد للضربة التي كانت ذكرتها جريدة التايمس وبعض الصحف الاستعمارية الاخرى والتقولات التي تقع أحياناً من بعض المغرضين بأن الليبيين يكرهون المصريين نقول بكل صراحة مادمنا نقر الحقائق: انها وقعت بعض غلطات مؤلمة من بعض رجال الادارة في الحدود الغربية المصريةولم تزل تقع احياناً منهم ومن غيرهم، وربما كانت تلك الغلطات مدبرة بعلة خفيت عنهم لا يعلمها إلا الله والراسخون في تفرقة الشعوب وهي انه بعد ان كان المصريون هم الذين آووا وايدوا اخوانهم الليبيين من سنة 1911م الى يومنا هذا ولهم عليهم الايادي البيضاء في جهادهم وهجرتهم، فعندما تقرر رحيل المهاجرين الى وطنهم بعد فتحه كان الواجب يتحتم ان يودعوا بما هو لائق في كرم وسخاء وتسامح وصلة رحم وحق جوار بل ومساعدات قيمة أدبية ومادية لمن هم منهم وإليهم شان المصريين الذين جبلوا على هذه المزايا العالية في كل أدوار حياتهم ولكن انعكست الآية فتصدى للمهاجرين بعض الموظفين الذين لا يقدرون العواقب فجردوهم من أمتعتهم واقواتهم وفتشوا نساءهم -بصورة مخجلة- وصادروا حليهن ومامعهم من نقود جنوها في هجرتهم او جلبوها معهم عند التجائهم واضطروهم بهذا العمل لتهريب مايسدون به الرمق او مايسترون به العورة لأن الحالة وقتئذ في ليبيا بلغت درجة الى أن دفن أهالي ليبيا أمواتهم بدون اكفان وأصبحت نساؤهم لايجدون مايسترن به العورات بسبب منع التجارة عنهم والتضييق عليهم ومازالت أموالهم وأشياؤهم محجوزة عند السلطات المصرية بحجة التهريب ومخالفة القوانيين، نعم وإن كان للموظفين بعض العذر وعلى الليبيين بعض الوزر للأسباب الآنفة الذكر إلا أن هذا العمل الذي وقع بين شعب واحد ووطن واحد -كما يعتقد الليبيون وأبناء مصر- جرأ الغير على الاستخفاف بالعلائق الحسنة بين الشعبين، وأن ماوقع من الليبيين من تضحيات وما عانوه من مشقات وأزمات هي بين سمع إخوانهم المصريين وبصرهم في وطنهم دفاعاً عن بلادهم التي هي الحصن الحصين لمصر العزيزة حيث كانت أرواحهم فداء لها لو تدبروا الأمر بعين المصلحة والأخوة ربما كانت تلك الغلطات مدبرة من الغير لتتخذ منها جريدة مثل التايمس والجرائد الاستعمارية مادة للحط من قيمة الروابط الودية بين  الشعبين المتجاورين لغاية بعيدة المرمى ستظهر نتائجها الأيام المقبلة.
وأني اعتقد عقيدة ثابتة أن الليبيين عامة والسنوسيين خاصة لم ينسوا ولن ينسوا فضل مصر ولا عطف مصر وزعماء مصر مهما حدث أو يحدث لأن الشعب المصري الكريم برئ من تلك الغلطات المدبرة ومصر هي الملجأ الوحيد ليس لليبيين فحسب بل للعرب والعروبة لاسيما وتربط مصر وليبيا روابط لا انفصام لها من جهة الدين والجوار واللغة والنسب ولا نريد أن نوضح اكثر من ذلك فعظماء مصر وأكابرها يعلمون اكثر من هذه الحقائق ويعلمون مايكنه الليبيون من اخلاص ومحبة للتاج المصري وصاحبه المفدى، وسيأتي يوم يتضح فيه كل شيء بالوثائق لأننا متنا هذه الروابط وأدلينا بما فيه المصلحة للطرفين في بدء الحركة سنة 1940م وفي أثناء الحرب 1942م قبل غيرنا ممن تبنى هذه المشاريع اليوم، ومع ذلك يشكر كل من يسعى لتوحيد الشعوب العربية ويعمل على اسعادها ولكل مجتهد نصيب:
كان بودنا أن لاتهمل الصحافة العربية الحرة ماقدمه الليبيون في هذه الحرب من تضحيات قاسية من سنة 1940م حتى لاتفقد مادة قيمة تساعدها في الدفاع اليوم عن الحق المهضوم وتستعين بها على ماتسجله للتاريخ والأجيال المقبلة، ولكن السياسات التي كمت أفواه الصحف وكسرت أقلام الصحافيين حتى حضرت عليهم ذكر كلمة ليبيا كان جائرة عليها وعلينا وعلى التاريخ والانسانية وها أننا نستبشر اليوم بتعويض مافقدته الصحافة فلها خالص الشكر وعاطر الثناء.
وأخيراً بصفتي -احد قادة الحركة الوطنية وعضو الجمعية الوطنية التي ارتبطت مع بريطانيا يوم 9 أغسطس 1940م - اصرح بأن الوضع الحالي في ليبيا شاذ لايتناسب في شيء مع العدل والانصاف ولا مع وعود الحلفاء بأي وجه كان، بل أن مايعانيه الشعب الليبي اليوم لايختلف عن الاستعمار البغيض وان الشعب الليبي يتطلب إقامة حكومة وطنية شرعية تحت إدارة أميره المطاع (إدريس السنوسي) بأسرع مايمكن ليحقق لها اختيار الجهة التي ترغب في الارتباط بها.
اقول هذا لدول الحلفاء عامة ولدولة بريطانيا العظمى خاصة قبل أن يعم الاستياء الذي أخذ يتسرب الى النفوس وتتبدل وجهات النظر من الاخلاص والمحبة والتعاون النزيه الى المقت البغيض والمشاكسة ويطغي اليأس فتنعكس الآية ولا ينفع الندم، وإن ليبيا رغم قلة عددها وفقدان عددها ومعرفتها بأنها لاتقوى على مقاومة الدول المعظمة مع أنها جربت في حرب إيطاليا تفضل أن تضرب يومياً بالف بل بمليون قنبلة ذرية حتى ينقطع فيها النسل والذرية على أن يطأ ارضها ايطالي أو أن تمس كرامتها أو ينقص شيء من حريتها واستقلالها وحقها في الحياة او يقرر مصيرها الغير بدون ارادتها، وهي علمت الشعوب معنى التضحية في سبيل الحرية والاستقلال من سنة 1911م الى يومنا هذا والتاريخ شاهد عدل، وقد قلنا في بعض مذكراتنا لرؤساء الوفود في المؤتمر الذي كان منعقداً في سان فرانسيسكو - بعد أن شرحنا لهم الحالة يومئذ بوجه التفصيل- هذه العبارات:(هذا إذا كان هناك مايسمى عدل أو مايسمىحق، أما إذا كانت الوعود والعهود المقطوعة للشعوب الضعيفة هي بمثابة الطابور الخامس عند الحلفاء فلا حق لهذه الشعوب في المطالبة بالحق وليس لها إلا أن تموت) وسنعود للموضوع مرة أخرى: ومن لم يعرف ليبيا على حقيقتها فعليه بالاختبار فلا زال اشبال عمر المختار يعملون على ذلك الغرار؛
ألا لايجهلن أحد علينا     فنجهل فوق جهل الجاهلينا
هذا بعض ماكتبه ونشره السيد عمر فائق شنيب وهو كما قدم نفسه أحد قادة الحركة الوطنية فبالاضافة الى ذلك نقول أنه كان من خيرة اولئك القادة وقد لازم الحركة الوطنية الأخيرة منذ 9 أغسطس 1940م الى أن توفاه الله سنة 1953م، فقد عين أميناً عاماً لمكتب سمو الامير ، وكان ضمن أعضا المؤتمر الوطني البرقاوي، وذهب الى هيئة الامم المتحدة عضواً ورئيساً للوفد الوطني مرتين ثم وقع الاختيار عليه ليكون عضواً بالجمعية الوطنية التأسيسة الليبية وانتخب نائباً لرئيسها كما انتخب رئيساً للجنة الدستورية وعين وزيراً للدفاع بالحكومة الليبية المؤقتة التي عهد إليها أن تتسلم السلطات من الادارتين (البريطانية والفرنسية) وأخيراً عين رئيساً للديوان الملكي، وكان قد وضع بحثاً مفصلاً عن القضية الليبية كان صريحاً في التفاصيل التي تناولها في ذلك البحث، وقد أجاب فيه عن الكثير من الامور الغامضة وقد لفت فيه نظر جهات معينة كان الكثير من حسنى الظن قد تأثر بتصرفاتها وأراد طبعه سنة 1949م في مصر إلا أن الرقابة المفروضة يومذاك قد حذفت الكثير منه ووافقت على طبع ماوافقت عليه فرفض شنيب الطبع إلا إذا كان كاملاً، ولا يزال ذلك البحث مفقوداً نأمل أن تتكاثف الجهود ليرى النور وتستفيد منه الأجيال الصاعدة( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق