13
مقدمة
فتوح الشام
أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )
قال الواقدي: فلما نزل ماهان بعساكره بإزاء المسلمين على نهر اليرموك أقام أيامًا لا يقاتل ولا يثير حربًا.
جبلة بن الأيهم قال الواقدي: وكان تأخير ماهان لأمر وذلك أن رسولًا ورد عليه من الملك هرقل يقول له: لا تنجز الحرب بينك وبين المسلمين حتى نبعث إليهم رسولًا ونعدهم منا كل سنة بمال كثير وهدايا لصاحبهم عمر بن الخطاب ولكل أمير منهم ويكون لهم من الجابية إلى الحجاز فلما وصل الرسول إلى ماهان قال: هيهات هيهات إن كانوا يجيبون إلى ذلك أبدًا.
فقال له جرجير وهو من بعض ملوك الجيش: وما عليك في هذا الذي ذكره الملك هرقل من المشقة.
فقال ماهان: اخرج أنت إليهم وادع منهم رجلًا عاقلًا وخاطبه بالذي سمعت واجتهد في ذلك.
قال فلبس جرجير ثياب الديباج وتعصب بعصابة من الجوهر وركب شهباء عالية بسرج من الذهب الأحمر المرصع بالدر والجوهر وخرج معه ألف فارس من المدبجة وسار حتى أشرف على عساكر المسلمين ووقف جرجير أصحابه وقرب من المسلمين ووقف بإزائهم وقال: يا معاشر العرب أنا رسول من الملك ماهان فليخرج إلي أميركم والمقدم عليكم حتى نعرض عليه مقالنا ولعلنا نصطلح ولا نسفك دم بعضنا.
قال فسمعه المسلمون فأعلموا الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه بذلك فخرج بنفسه إليه وعليه ثوب من كرابيس العراق وعلى رأسه عمامة سوداء وهو متقلد بسيفه وسار إلى أن وصل إلى جرجير ورفس فرسه حين التقت عنق فرسيهما والناس ينظرون إليهما.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: يا أخا الكفر قل ما أنت قائل واسأل عما تريد.
فقال جرجير: يا معاشر العرب لا يغرنكم ان تقولوا هزمنا عساكر الروم في مواطن كثيرة وفتحنا بلادهم وعلونا أكثر أرضهم فانظروا الآن ما قد أتاكم من العساكر فإن معنا من سائر الأجناس المختلفة وقد تحالف الروم أن لا يفروا ولا ينهزموا وأن يموتوا عن آخرهم وليس لكم على ما ترون من طاقة فانصرفوا إلى بلادكم وقد نلتم ما نلتم من بلاد الملك هرقل وقد عول الملك أن يتعود الإحسان إليكم وهو يهب لكم ما أخذتم من بلادهم منذ ثلاث سنين وقد أخذتم السلاح والذهب والفضة وقد كنتم حين قدمتم الشام منكم على رحيله ومنكم عريان فأجيبوا إلى ما دعوتكم إليه وإلا كنتم من الهالكين.
فقال الأمير أبو عبيدة: أما ما ذكرت من عساكر الروم وأنهم لا يفرون ولا ينهزمون فلو رأت الروم شفار سيوفنا هربت ناكصة على أعقابها وأما تهويلك لنا بكثرة علاكم فقد رأيت قلتنا وضعف أجسامنا وكيف لقينا جموعكم وكثرتها وعظم عددها وسلاحها وأحب الأشياء إلينا يوم مشاجرتكم بالحرب والقتال حتى يعرف من الذي يثبت للحرب فلما سمع جرجير كلام الأمير أبو عبيدة التفت إلى رجل من أصحابه يقال له بهيل.
فقال يا بهيل: الملك هرقل كأنه أعرف بهؤلاء العرب منا ثم لوى رأس جواده ورجع إلى ماهان وأخبره بما قال أبو عبيدة.
.
.
فقال له ماهان: دعوتهم إلى الموعد.
فقال: لا وحق المسيح إني لم أفاتحه في شيء من ذلك لكن ابعث لهم بعض العرب المتنصرة فإن العرب يميل بعضهم إلى بعض.
قال فعندما دعا ماهان بجبلة بن الأيهم الغساني.
وقال: يا جبلة اخرج إلى هؤلاء وخوفهم من كثرتنا وتواتر عددنا وألق في قلوبهم الرعب وأحط بهم مكرك.
قال: فخرج جبلة بن الأيهم وسار حتى قرب من عساكر المسلمين ونادى برفيع صوته: يا معاشر العرب ليخرج إلي رجل من ولد عمرو بن عامر لأخاطبه بما أرسلت به.
فلما سمع الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه كلام جبلة بن الأيهم.
قال: قد بعث إليكم القوم بأبناء جنسكم يريدون الخديعة بصلة الرحم والقرابة فابعثوا إليه رجلًا من الأنصار من ولد عمرو بن عامر فأسرع إليه بالخروج عبادة بن الصامت الخزرجي رضي الله عنه وقال لأبي عبيدة: أيها الأمير أنا أخرج إليه وأنظر ماذا يقول فأجيب عنه ثم خرج عبادة نحوه بجواده إلى أن وقف أمام جبلة بن الأيهم فنظر جبلة إلى رجل أسمر طويل شديد السمرة كأنه من رجال شنوءة فهابه ودخل الرعب في قلبه من عظم خلقته وكان عبادة بن الصامت من الخطاط رضي الله عنه.
فقال له جبلة: يا فتى من أي الناس أنت.
فقال عبادة: أنا من ولد عمرو بن عامر فقال جبلة: حييت فمن أنت.
فقال: عبادة بن الصامت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأل عما تريد.
فقال جبلة: يا ابن العم إنما خرجت إليكم لأني أعلم أن أكثركم من الرحم والقرابة فخرجت إليكم ناصحًا ومشيرًا واعلم أن هؤلاء القوم الذين قد نزلوا بازائكم معهم جنود لا قبل لكم بها وخلفهم عساكر وحصون وقلاع وأموال ولا تقولوا كسرنا وهزمنا عساكر الروم واعلم أن الحرب دول وسجال وإن هزمكم هؤلاء القوم لا يكون لكم ملجأ غير الموت وهؤلاء القوم إن انهزموا يرجعون إلى بلادهم وعساكرهم والخزائن والحصون وما قد نلتم نيلًا فخذوه وامضوا إلى بلادكم سالمين.
قال عبادة بن الصامت: يا جبلة أما علمت ما لقينا من جموعكم المتقدمة بأجنادين وغيرها وكيف نصرنا الله عليكم وهرب طاغيتكم ونحن نعلم من بقي من جموعكم قد تيسر علينا أمره ونحن لا نخاف ممن يقدم علينا من جموعكم وقد ولغنا في الدماء فلم نجد أحلى من دماء الروم وأنا يا جبلة أدعوك إلى دين الإسلام وأن تدخل مع قومك في ديننا وتكون على شرفك في الدنيا والآخرة ولا تكون تابع علج من علوج الروم تفديه بنفسك من المهالك وأنت رجل من سادات العرب وملوكهم وإن ديننا ظهر أوله وآخره يظهر كما ظهر أوله فاتبع سبيل من أناب إلى الحق وصدق به فقل: لا إله إلا الله محمد رسول الله: اللهم صل عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
قال الواقدي
: فغضب جبلة بن الأيهم من كلام عبادة بن الصامت وقال: لست مفارقًا ديني.
فقال عبادة بن الصامت: فإن أبيت إلا ما أنت عليه من الكفر فإياك أن تلقاني في الموعد الأول فإن لنا وقعة عظيمة فإن أخذتك شفار سيوفنا فلا تخلص من شفارها ودعنا وعساكر الروم فهم أهون علينا فإن أبيت إلا ما أنت عليه حل بك مثل ما حل بهم.
قال الواقدي: فغضب جبلة بن الأيهم وقال: لماذا تخوفني من سيوفكم: أما نحن عرب مثلكم رجل لرجل.
فقال عبادة بن الصامت: قد علمنا أنك إنما خرجت إلينا مخادعًا ومعينًا ولسنا كأنتم يا ويلكم نحن على قلتنا نوحد ربنا ونتبع سنة نبينا محمد وإن وراءنا عسكرًا يعلو الأقطار ويسد القفار.
فقال جبلة: لست أعرف وراءكم جيشًا غير هذا الجيش ولا من ينصركم غيرهم.
فقال عبادة بن الصامت: كذبت والله يا ابن الأيهم في قولك وإن وراءنا رجالًا أنجادًا وأبطالًا شدادًا يرون الموت مغنمًا والحياة مغرمًا كل واحد بنفسه يلقي جيشًا حافلًا يا ويلك أنسيت عليًا وسطوته وعمر وشدته وعثمان وبراعته والعباس وطلعته والزبير مع ما يجتمع إليهم من فرسان المسلمين من مكة والطائف واليمن وغير ذلك.
قال: فلما سمع جبلة ذلك من كلام عبادة بن الصامت قال: يا ابن العم أنا ما خرجت إلا أريد النصيحة لكم فإن أبيتم ذلك فاسأل قومك يجيبونا إلى الصلح.
فقال عبادة بن الصامت: لا صلح بيننا إلا بأداء الجزية أو الإسلام أو السيف وهو حكم بيننا وبينكم والله لولا أن الغدر يقبح بنا لعلوتك بسيفي هذا فلما سمع جبلة كلام عبادة وإنه قد حاف عليه في الكلام لم يرد عليه جوابًا.
.
.
غير أنه ثنى رأس جواده وأتى إلى ماهان فزعًا مرعوبًا وقد امتلأ قلبه رعبًا من كلام عبادة بن الصامت فلما وقف بين يدي ماهان تبين في وجهه الجزع والفزع.
فقال لجبلة: ما وراءك.
فقال: أيها الملك إني خوفت وأرعبت ومنيت فكان ذلك كله عندهم بالسواء وقالوا: ما بيننا إلا الحرب والقتال.
فقال له ماهان: فما هذا الفزع الذي أراه في وجهك وهم عرب مثلكم وأنتم عرب مثلهم وقد بلغني أنهم ثلاثون ألف فارس وأنتم ستون ألف فارس أما يقاتل الرجلان منكم الرجل الواحد منهم دونك يا جبلة فسر أنت وأبناء عمك من العرب المتنصرة إلى قتالهم وأنا وراءكم فإن ظفرتم بهم كان الملك مشتركًا بيننا وبينكم وتكون أقرب الناس إلينا ويسلم إليكم ما فتحه العرب من بلاد الشام.
قال الواقدي: وجعل ماهان يرغب جبلة في العطاء ويلينه ويحرضه على القتال في المسلمين حتى أجاب إلى ذلك وأخبر قومه وبني عمه من بني غسان ولخم وجذام وغيرهم من العرب المتنصرة وأمرهم بأخذ الأهبة للحرب والقتال ففعل القوم ذلك وركبوا في سابغ الحديد والزرد النضيد وهم ستون ألف فارس ما يخالطهم من غير العرب أحد يقدمهم جبلة بن الأيهم وعليه درع من الذهب الأحمر متقلد بسيف من عمل التبابعة وعلى رأسه الراية التي عقدها له الملك هرقل فسار جبلة نحو الصحابة في ستين ألف فارس حتى أشرف على عساكر المسلمين وأبو عبيدة يتحدث مع عبادة بن الصامت بما جرى بينه وبين جبلة بن الأيهم إذ أشرفت عليهم العرب المتنصرة فلما رآهم المسلمون صاح بعضهم على بعض: يا معاشر المسلمين قد أقبلت عليكم العرب المتنصرة لقتالكم فما أنتم قائلون قالوا: نقاتلهم ونرجو من الله تعالى الظهور عليهم والمعونة وعلى غيرهم وهموا بالحملة فصاح عليهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وقال: اصبروا رحمكم الله ولا تعجلوا حتى أكيدهم بمكيدة يهلكون بها وقال لأبي عبيدة رضي الله عنه: أيها الأمير إن القوم قد استعانوا علينا بالعرب المتنصرة وهم أضعاف عددنا وإن نحن نقاتلهم بجمعنا كله كان ذلك وهنا منا وضعفًا وأريد أن أبعث لهم رسولًا من بني عمهم يكلمهم في شأن ردهم عنا فإن فعلوا كان ذلك كسرًا لهم وللمشركين ووهنًا عظيمًا وإن أبوا إلا الحرب والقتال خرج منا نفر يسير يردونهم على أعقابهم بعزة الله عز وجل قال: فتعجب أبو عبيدة رضي الله عنه وقال: يا أبا سليمان افعل ما تريد.
فعند ذلك دعا خالد بن الوليد بقيس بن سعد وعبادة بن الصامت الخزرجي وجابر بن عبد الله وأبي أيوب بن خالد بن يزيد رضي الله عليهم أجمعين فلما وقفوا بين يديه قال لهم: يا أنصار الله تعالى ورسوله هؤلاء العرب المتنصرة يريدون قتالكم وهم غسان ولخم وجذام وهم بنو عمكم في النسب فاخرجوا إليهم وخاطبوهم واجتهدوا في ردهم عن حربكم وقتالكم فإن فعلوا ذلك وإلا أخذهم السيف منا ومنكم وكنا لقتالهم كفؤًا.
قال الواقدي: فخرج أصحاب رسعول الله قسيز إلى العرب المتنضرة فوجدوا جبلة بن الأيهم قد نزل بإزاء المسلمين يريد حربهم وقتالهم فلما قربوا من بني غسان نادى جابر بن عبد الله وقال: يا معاشر العرب من لخم وغسان وجذام إننا بنو عمكم ونريد الدنو إليكم.
قال: فأذن لهم جبلة بالدنو إليه فدخلوا عليه.
فإذا هو في مضرب من الديباج وقد فرش بالحرير الأصفر وهو جالس وحوله ملوكه وملوك جفنة فحيوه بتحية ملوك العرب فرفع جبلة أقدارهم وأدنى مزارهم وقال: يا بنى العم أنتم من الرحم من القرابة داني خرجت إليكم من جهة هذا الجيش الذي يرهقكم فخرج الرب رجل منكم فأفرط علي في المقال فما الذي أتى بكم إلي فكان أول من كلمه جابر بن عبد الله وقال: يا ابن العم لا تؤاخذنا فيما تكلم به صاحبنا فإن ديننا لا يقوم إلا بالحق والنصيحة وإن النصيحة لك منا واجبة لأنك ذو قرابة ورحم وقد أتينا إليك ندعوك إلى دين الإسلام وتكون من أهل مقتنا ويكون لك ما لنا وعليك ما علينا فإن ديننا شريف ونبينا ظريف فقال: ما أحب ذلك ولا غيره إنني ضنين بديني وأنتم يا معاشر الأوس والخزرج رضيتم لأنفسكم أمرًا ونحن رضينا لأنفسنا أمرًا لكم دينكم ولنا ديننا.
فقال له الأنصاري: إن كنت لا تحب أن تفارق دينك الذي أنت عليه فاعتزل عن قتالنا لتنظر لمن تكون العاقبة والغلبة فإن كانت لنا وأردت الدخول في ديننا قبلناك وكنت منا وأخانا وإن أقمت على دينك قنعنا منك بالجزية وأقررناك على بلدك وعلى مواطن كثيرة لآبائك وأجدادك.
فقال جبلة: أخشى إن تركت حربكم وقتالكم وكانت الدائرة للقوم لا آمن أن يتقووا على بلدي لأن الروم لا ترضى مني إلا أن أكون مقاتلًا لكم وقد رأسوني على جميع العرب وأنا لو دخلت دينكم كنت دنيئًا ولا أتبع فقال الأنصاري: فإن أبيت ما عرضناه عليك فإن ظفرنا بك قتلناك فاعتزل عنا وعن سيوفنا فإنها تفلق الهام وتبري العظام فتكون الوقعة بغيرك أحب إلينا من الوقعة بك وبمن معك قال: وكانت الأنصار يريدون بهذا الكلام تخويفه وترغيبه كي ينصرف عنهم وجبلة يأبى ذلك.
فقال: وحق المسيح والصليب لا بد أن أقاتل عن الروم ولو كان لجميع الأهل والقرابة.
فقال له قيس بن صعد: يا جبلة أبيت إلا أن يحتوي الشيطان على قلبك فيهوي بك في النار فتكون من الهالكين وإنما أتينا لندعوك إلى دين الإسلام لأن رحمك متصلة برحمنا فإن أبيت فستعاين منا حربًا شديدًا يشيب فيه الطفل الصغير ثم وثب قيس بن سعد وقال لقومه: انهضوا على بركة الله تعالى وعونه وحسن طاعته فبعدا له وسحقًا فقام جبلة فاستعد للقتال بعدته قال فركب الأنصار خيولهم ورجعوا إلى الأمير أبي عبيدة وخالد بن الوليد رضي الله عنهما وأعلموهما بمقالة جبلة وأنه ما يريد إلا القتال.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أبعده الله تعالى فوعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين لينظرن منا جبلة ما ينظر.
ثم قال خالد بن الوليد رضي الله عنه: اعلموا معاشر المسلمين أن القوم في ستين ألف فارس من العرب المتنصرة وهم حزب الشيطان ونحن ثلاثون ألف فارس من حزب الرحمن ونريد أن نلقي هذا الجمع الكبير فإن قاتلنا جبلة بجمعنا كله كان ذلك وهنا منا ولكن ينتدب منا أبطال ورجال إلى قتال هؤلاء العرب المتنصرة فقال أبو سفيان صخر بن حرب: لله درك يا أبا سليمان فلقد أصبت الرأي فاصنع ما تريد وخذ من الجيش ما أحببت.
فقال: إني قد رأيت من الرأي أن نندب من جيشنا ثلاثين فارسًا فيلقى كل واحد ألفي فارس من العرب المتنصرة.
قال الواقدي: فلم يبق أحد من المسلمين إلا عجب من مقالة خالد بن الوليد رضي الله عنه وظنوا أنه يمزح بمقالته وكان أول من خاطبه في ذلك أبو سفيان صخر بن حرب وقال: يا ابن الوليد هذا كلام منك جد أو هزل.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: لا وعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قلت إلا جدًا.
فقال أبو سفيان: فتكون مخالفًا لأمر الله تعالى ظالمًا لنفسك وما أظن أن لك في هذه المقالة مساعدًا ولو قاتل الرجل منا مائتين كان ذلك أسهل من قولك يقاتل الرجل منا الذين وإن الله عز وجل رحيم بعباده فرض علينا أن الرجل منا يقاتل الرجلين والمائة والمائتين والألف الألفين وإنك تقونا ثلاثون رجلًا منا تلقى الستين ألف فارس فما يجيبك أحد إلى ذلك وإن أجابك رجل لما قلته فإنه ظالم لنفسه معين على قتله.
فقالا خالد بن الوليد رضي الله عنه: يا أبا سفيان كنت شجاعًا في الجاهلية فلا تكن جبانًا في الإسلام وانظر لمن انتخب من رجال المسلمين وأبطال الموحدين فإنك إذا رأيتهم علمت أنهم رجال قد وهبوا أنفسهم لله عز وجل وما يريدون بقتالهم غير الله تعالى ومن علم الله عز وجل ذلك من ضميره كان حقًا على الله أن ينصره ولو سلك مفظعات النيران.
فقال أبو سفيان: يا أبا سليمان الأمر كما ذكرت وما أردت بقولي إلا شفقة على المسلمين فإذا قد صح عزمك على ذلك فاجعل القوم ستين رجلًا ليقاتل الرجل منهم ألف فارس من العرب المتنصرة.
فقال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه: نعم ما أشار به أبو سفيان يا أبا سليمان فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: والله يا أيها الأمير ما أردت بفعلي هذا إلا مكيدة لعدونا لأنهم إذا رجعوا إلى أصحابهم منهزمين بقوة الله عز وجل ويقولون لهم من لقيكم فيقولون لقينا ثلاثون رجلًا يداخلهم الرعب منا ولعلم ماهان أن جيشنا كفء له.
فقاد أبو عبيدة رضي الله عنه: إن الأمر كما ذكرت إلا أنه إذا كان ستون رجلًا منا يكونون عصبة ومعينًا بعضهم بعضًا.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أنا أنتدب من المسلمين رجالًا أعرف صبرهم وقرارهم وإقدامهم في الحرب وأعرض عليهم هذه المقالة فإن أحبوا لقاء الله ورغبوا في ثواب الله عز وجل فإنهم يستجيبون إلى ذلك وإن أحبوا الحياة الدنيا والبقاء فيها ولم يكن فيهم ولم تطيب نفسه للموت فما بخالد إلا أن يبذل مهجته لله عز وجل والله المرفق لما يحبه ويرضاه.
قال أبو عبد الله: حدثنا عمرو بن سالم عن جذه برعي بن عدي قال: كنت بين يدي خالد بن الوليد رضي الله كنه فدعا بستين رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأول ما دعا خالد بن الوليد.
قال: أين عمرو التميمي أين شرحبيل بن حسنة كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم أين خالد بن سعيد بن العاص أين يزيد بن أبي سفيان الأموي أين صفوان بن أمية الجمحي أين سهل بن عمرو العامري أين ضرار بن الأزور الكندي أين رافع بن عميرة الطائي أين زيد الخيل أبيض الركابين أين حذيفة بن اليمان أين قيس بن سعد أين كعب بن مالك الأنصاري أين سويد بن عمرو الغنوي أين عبادة بن الصامت أين جابر بن عبد الله أين أبو أيوب الانصاري أين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين أين عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أين رافع بن سهل أين يزيد بن عامر أين عبيد بن إوس أين مالك بن نصر أين نصر بن الحارث أين عبد الله بن ظفر أين أبو لبابة بن المنذر أين عوف أين عابس بن قيس أين عبادة بن عبد الله الأنصاري أين رافع بن عجرة أين عبيد بن عبد الله أين معقب بن قيس أين هلال أين الصابرون يوم أحد وقد ذكرهم الله تعالى في كتابه: {فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} [الأنفال: 66]. أين أسيد الساعدي أين كلال بن الحارث المازني أين حمزة بن عمر الأسلمي أين يزيد بن عامر.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق