إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 يونيو 2014

135 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الثاني موقف الاسلام من المعاهدات مع العدو ثانياً: اجدابية عاصمة الحكومة الوطنية:


135

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الثاني

موقف الاسلام من المعاهدات مع العدو

ثانياً: اجدابية عاصمة الحكومة الوطنية:

اتخذ محمد ادريس إجدابية مركزاً لقيادته، وذلك لعدة أسباب نجملها فيما يلي:
1- تتمتع إجدابية بموقع استراتيجي هام لأنها تملك حماية محدودة من البحر وابتعادها عنه نسبياً، ثم أن لها ميناءً صغيراً تصلها به عن طريق (الزويتينة) كل الاحتياجات، كما أنها كانت قريبة من مرسى البريقة البحري الذي كانت تصل إليه بعض الاحيان الغواصات اللألمانية قادمة من تركيا باحتياجات المجاهدين.
2- وقوعها في منتصف قاعدة مثلث رأسه في الكفرة وقاعدته النوفلية والجبل الاخضر، كما أنها تمثل الامتداد الطبيعي لواحات جالوا وأوجلة، جخرة، والكفرة، وهذا يعطيها بعداً استراتيجياً هاماً.
3- كونها من أهم المناطق في تجارة القوافل سواء بين طرابلس وبرقة أو بين الواحات الجنوبية والساحل او بين تشاد وبرقة وغير ذلك من الخطوط التجارية.
4- قربها من طرابلس زاد من أهميتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، فكان لها دورها الهام في مختلف الانشطة التجارية والحربية.
5- كانت موطناً لمعظم القبائل التي كانت تؤيد الحركة السنوسية .
6- كان الترتيب الاداري الذي وضعه احمد الشريف أثناء غيابه عن برقة خلال الهجوم على مصر، يقضي بأن يكون ادريس مسؤولاً في برقة البيضاء، ويكون مركزه في اجدابية.
لهذه الاسباب وغيرها اتخذها محمد ادريس عاصمة لامارته الجديدة، ومقر رئاسة حكومته، ونظم بها دواوين الحكومة السنوسية، وقسم الادارات ونظم ورتب الجيش، وشمل نفوذ هذه الحكومة جميع أراضي برقة من الحدود المصرية الليبية شرقاً الى قصر سرت غرباً ماعدا المنطقة الساحلية التي كانت خاضعة للسيادة الايطالية( ).
إن الاتفاق الذي أجراه السيد محمد ادريس سواء مع الطليان او الانكليز لايحمل باي شكل من الأشكال استسلام أو قبول للواقع، وإنما هي مرحلة مؤقتة هدفها إنقاذ البلاد وتوحيد الصفوف وتقويتها، فأثبت بعمله ذلك حرص الحركة السنوسية على صيانة البلاد وحمايتها وما إتفاق عكرمة بطبرق الذي عقد في السادس من نيسان سنة 1917م إلا حل قصد منه تهدئة خواطر الأهالي وتبعه اتفاق الرجمة والتي اعترفت فيه ايطاليا بإمارة محمد ادريس وقد قصدت إيطاليا من ذلك تجزئه البلاد، إلا أن زعماء ليبيا في غربها بددوا أمالها وأفشلوا مساعيها حينما عقدوا مؤتمر غريان في تشرين الثاني 1921م وأقروا تعيين محمد ادريس أميراً على البلاد فارسلوا البيعة له في أيلول سنة 1922م، فحققوا بذلك الوحدة الوطنية للبلاد، ووضعوا محمد ادريس أمام مسؤولية عظيمة تتطلب منه تولي زمام الأمور والسير بالبلاد الى حريتها واستقلالها، لقد أصبحت مسؤولية محمد ادريس بعد تلك البيعة التاريخية ليست برقة فقط، كما أرادت إيطاليا وإنما ليبيا بقطريها الطرابلسي، والبرقاوي، وإن إمارته ليست منحة إيطالية، وإنما هي رغبة شعبية وإرادة جماهيرية، وضرورة شرعية وقد جاء في رده على كتاب البيعة التالي : (وبعد فقد تناولت بيد الشكر عريضتكم التي أظهرتم فيها رغبتكم الخالصة في تحقيق غايتكم التي أجمعتم عليها في مؤتمر غريان وجهادتم لها جهاداً صادقاً بالأنفس، والثمرات في شخصي فأخذتها داعياً لله أن يحقق آمال هذه الأمة، ويكلل مساعيها كلها بنجاح، ولما كان اتحاد الوطن وسلامته هما الغاية التي طالما سعيت إليها وجدت من واجبي أن أتلقى طلبكم بالقبول وأن أتحمل المسؤولية العظمى التي رأت الأمة تكليفي بها، فعلي إذن أن أعمل بجد معكم، ولكن لاتنسوا أنني بغير إقدامكم لا قدرة لي على شيء، إني إعلم أن الحياة الخالدة هي للأمم لا للأفراد وكذلك الاعمال العظيمة الباقية هي التي تنصرف الى صالح الجميع، فلذلك أدعوه سبحانه وتعالى أن يهدينا الى كل عمل ثمرته للأمة.
إن من حق كل شعب أن يسيطر على شؤونه والناس منذ نشوؤا أحراراً ، وقد أظهر شعبنا في كل أدواره مقدار محبته للحرية فدفع مهوراً غالية، فلا يصح لأحد أن يطمع في استعباده والاستبداد بشؤونه ، لقد اشترطتم عليّ الشورى وهي أساس ديننا وسأعمل على قاعدتها...)( ).
لقد تأثرت البلاد في بداية الحرب العالمية الاولى وانقسمت الى معسكرين؛ زعماء الغرب (سلمان الباروني، رمضان السويحلي، و...) وكذلك أحمد الشريف السنوسي وقفوا مع تركيا وألمانيا، وأما محمد ادريس هادن الانكليز وبعد هزيمة تركيا وألمانيا، تغيرت موازين القوى، وآل أمر طرابلس الغرب الى فكرت الجمهورية الطرابلسية ثم انتهى بها المطاف الى مبايعة محمد ادريس وهذا ماسوف نتعرف عليه عندما نشرع في دراسة الجمهورية الطرابلسية بإذن الله تعالى.
قام محمد ادريس بوضع نواة لجيش نظامي، واجتهد في تسوية الخلافات بين بعض القبائل ، وتمكن من القضاء على عناصر السلب والنهب والقتل من أفراد العصابات الذين اطلقوا على انفسهم حكومة الصلب وكانت تتواجد بين الأبيار وتاكنس، وذلك باتباع سياسة حازمة ورادعة، وقام ببعض التنقلات، والإجراءات الادارية، ففرّغ ابن عمه صفي الدين بعد رجوعه من الجهات الغربية (سرت) لفض النزاعات القبلية في برقة، وكلف وكيله الشارف الغرياني لاستلام الأسلحة والذخائر من الايطاليين، وذلك لإنشاء مراكز أمنية في الحدود مع سلامة تأمين هذه المراكز( ).
وقام بتقسيم برقة الى منطقتين مقاطعيتن ، فكانت المنطقة الغربية يرأس أدارتها نائب مقر اجدابية ويقال عنه (نائب المنطقة الغربية)، وكانت المنطقة الشرقية يراسها آخر بنفس اللقب ومقره (الابيار) وقد تولى منصب هذه المنطتقتين خيرة رجال السنوسية( ).
وقام محمد ادريس بتشكيل مجلسين احدهما يضم كبار العلماء والاخوان ويقال عنه المجلس الخاص وله السلطة التشريعية والتنفيذية، وأما المجلس الثاني فكان اعضاؤه من شيوخ وأعيان القبائل ويقال له مجلس الاعيان والمجلسين هما بمثابة البرلمان في بادئ الامر وقبل أن يكون مجلس النواب في بنغازي وبجدابية قسم من الجيش النظامي يقال عنه جيش المعية وهذا مهمته حراسة القصر الاميري ومنه قسم لايفارق الامير محمد ادريس في تجولاته الداخلية، وقد أصبحت منطقة العقيلة والبريقة للمعسكرات الاحتياطية وللتدريب وتضم هذه المعسكرات الكثير من خيرة الضباط، وكان أول من تولى رئاسة هذه المعسكرات الشارف باشا الغرياني، ثم اسندت الى حسين الجويفي وكان عدد المعسكرات السنوسية كما يلي :
1- معسكرات التدريب والاحتياطي بمنطقتي العقيلة، والبريقة، ويقال عنهما (خط النار).
2- المعية بجدابية.
3- يضم قدماء المحاربين بجدابية.
4- بالزويتينة.
5- بالابار.
6- بجردس.
7- مراوه.
8- معسكر خولان.
9- عكرمة.
وفي اجدابية معسكر منفصل عن المعسكرات المذكورة ولكنه مرتبط بالقيادة وهو مؤلف من الذين يحسنون القراءة والكتابة ويقال عنه: (طابور الطلبة).
وأقام مراكز حكومية تابعة للمنطقتين المذكورتين، وجعل لكل مركز قائمقام أو مأموراً، أو وكيلاً وفي كل مركز قاضي، أو نائب قاضي للنظر فيما يتعلق بالاحكام الشرعية ومجلس من المشايخ يرجع إليه حاكم المركز في كثير من الشؤون حسب التعليمات الحكومية، وفي كل مركز قسم من البوليس للنظام، والأمن، وسلامة الناس( ).
أما التعليم:
فكانت بعاصمة الحكومة الوطنية (اجدابية) مدرسة قرآنية كبرى) نهجت منهج معهد الجغبوب ، وكان شيخها الأكبر الحاج طاهر المراكشي ومعه، سعد المنفي واحمد بن موسى السيوي، وشرع الأمير محمد ادريس في بناء مدرسة على الطراز الحديث أرادها أن تكون كلية ووضع الحجر الاساسي لها في حفل كبير ضم الكثير من رجال السلطة والاعيان والوجهاء، وألقيت يومذاك الخطب والقصائد، وتم بنائها وتنسيقها وجلبت الادوات المدرسية ومايلزم من الكتب وبدأ تسجيل اسماء التلاميذ الذين ينتسبون إليها وجلهم من تلاميذ المدرسة القرآنية، إلا أن الايطاليين بعد احتلالهم اجدابية عام 1923م اتخذوها مركزاً لضباط الطيران وفي عام 1927م اتخذت ناد للضباط، وفي سنة 1930م جعلت مستوصف مدني ، وبقى هكذا الى عام 1942م حيث نسفها الالمان، ولم يبقى منها إلا الأثر( ).
وكان مسجد اجدابية الكبير يجلس به فطاحل العلماء الذين تخرجوا من معهد الجغبوب لتدريس الفقه ، واللغة ، والتفسير، والحديث، والرياضيات وعلم الفلك، وكان من هؤلاء الشيوخ؛ احمد بن ادريس، سليمان الحوتي، المختار الغدامسي، حامد بركان الشريف، عبدالعزيز الهوني، عبدالعزيز العيساوي، على المحجوب، محفوظ الورفلي، وكان الأخير قاضياً بمعسكرات الجبل، وقتل شهيداً في ساحات الفداء، وكان الناس مقبلين على حلقات العلم، فتبدأ حلقات العلم بعد الساعة التاسعة صباحاً، وبعد صلاة العصر، وكان الطلبة يلتفون حول الشيوخ، وخلف هؤلاء طبقات الاعيان والوجهاء والكثير من ضباط الجيش يستمعون الى الوعظ والارشاد، والعلم، وانتشرت مدارس قرآنية اخرى بدواخل البلاد وبجميع المراكز عدا مدارس الزوايا المعروفة( ).
وتقدمت الحياة الاقتصادية، وشرع التجار في مزاولة اعمالهم، واستتب الأمن في جميع انحاء برقة، لقد استطاع محمد ادريس ان يبحر بالسفينة بمهارة ويصل بشعبه الى شط الامان بعد أن أمضه الجوع حتى اضطر بعض الناس الى أكل لحوم الخيل والبغال والحمير.
وكان يعمل مع اخوانه في حكومته بكل جد ونشاط لتطوير الجوانب السياسية، والاقتصادية والعسكرية، والثقافية.
لقد أوجد الامير محمد ادريس حكومة في برقة احبتها القبائل وهابتها، عملت على نشر العدل، وازالت الظلم، ووحدت الصف، ونبذت الخلاف، وأقرت السلام.
كان الأمير محمد ادريس يدير دفة العلاقات مع ايطاليا بمنتهى الحذر واللباقة، والكياسة، والدبلوماسية، والسياسة، وحرص على توثيق علاقته مع الوالي الايطالي الكونت جاكومودي مارتينو، وعين عمر باشا منصور الكيخيا ممثلاً له في بنغازي، وكان لعمر باشا خبرة سياسية نادرة، حيث كان نائباً في مجلس المبعوثان العثماني في استانبول( ).



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق