132
الحركة السنوسية في ليبيا
الفصل الأول
الأمير محمد ادريس السنوسي
المبحث الأول
اسمه ونسبه وولادته وشيوخه ورحلته الى الحجاز
خامساً: ثورة الاتراك ضد السنوسية:
بدأت تلك الثورة في أواخر سنة 1916م وانتشرت في جهات عديدة حتى توجت بالنصر على السنوسية في فزان خلال شهر سبتمبر سنة 1917م، وطردوا منها محمد عابد السنوسي الذي التجأ الى الكفرة وترك واحة واو، وأصبحت فزان منذ ذلك الحين بيد الاتراك حتى نهاية الحرب العالمية الأولى( ).
وفي اجدابية بدأ تحرك الضباط الأتراك منتهزين فرصة انشغال ادريس بالمفاوضات بعكرمة، فبدأوا بتأليب المجاهدين ضد السنوسيين هناك، فلما علم ادريس بذلك جاء بقوات كبيرة يقودها كل من عمر المختار والذي كان سنداً قوياً لمحمد ادريس ويقودها قجة عبدالله وعسكر ادريس بقواته خارج مدينة اجدابية، وضرب حول معسكر الاتراك بالمدينة حصاراً، وخيرهم بين أمرين التسليم أو مغادرة اجدابية الى أراضي طرابلس، وقبلوا الأمر الثاني فغادر الكثير منهم برقة الى طرابلس، واعتقل جماعة منهم وأرسل بعضهم الى الجغبوب والبعض الآخر الى الكفرة( ) وبعد اخماد تلك الحركة عاد مسرعاً الى عكرمة لإكمال مفاوضاته( ).
واستمر الاتراك في مضايقة محمد ادريس، وتضييق الحصار عليه وعملوا على الإطاحة به، وأرسل نوري باشا بعثته الأولى الصغيرة الى الكفرة لضرب النفوذ السنوسي هناك إلا أن تلك البعثة فشلت وانتهت بوقوع أعضائها في أيدي صفي الدين السنوسي الذي استطاع أن يكشف أمرهم بسرعة، وأودعهم السجن( )، أما بالنسبة لفزان فقد استطاع نوري أن يشعل الثورة هناك ضد السنوسية وسيطر الاتراك عليها كما ذكرنا، وقد ودع نوري باشا أحد زعماء الحملة واسمه الملازم محمد الارناؤوطي فقال له: (أذهب وأفعل ماتسطيع عمله واكتب لي بما تحقق من نجاح في مصراته، أنني اثق في شخصك ولا أستطيع أن أعطيك مالاً أكثر مما أعطيتك لأنني لا أملكه، إنك ستجد في فزان ذهباً وسلاحاً بكميات كثيرة لأن الايطاليين قد تركوا منها الكثير هناك، ولا تنسى أنك محارب وأنك ذاهب الى حرب مقدسة للجهاد في سبيل الله)( ).
وقام الاتراك بمهاجمة الجفرة التي كان بها عبدالجليل سيف النصر، وكان يتولى قيادة هذه الحملة الضابط التركي برتو توفيق، وعبدالنبي بالخير، وتكونت الحملة من قسم كبير من مسلحي مصراته وزليطن برئاسة شرف الدين العمامي الزليطني والحاج محمد الروياتي المصراتي كان غرض القيادة التركية توسيع نفوذها في تلك الجهات والقضاء على شوكة السنوسية وتأمين المواصلات بين طرابلس وفزان، ووصلت الحملة الى الجفرة ، وتمكنت من طرد الاهالي (أولاد سليمان ، وقذاذفة ، بعض المغاربة)( ) واضطر السنوسيون لجمع قوة مسلحة كبيرة من انصارهم في النوفلية وذلك في منتصف شهر نوفمبر من سنة 1917م، وشنوا هجوماً معاكساً ضد الاتراك، وأعوانهم في سوكنة واستطاعوا تحقيق نصر كبير عليهم، وطردوا القوات التركية الطرابلسية في الجفرة بعد أن خسرت الكثير، وأسرت القوات السنوسية القائمقام التركي برتو توفيق وقامت بشنقه( ).
لقد كانت مواقف الاترك من الحركة السنوسية مشجعة لمحمد ادريس على ضرورة المفاوضة مع الانكليز لا لتدارك المجاعة المهلكة فحسب بل للقضاء على الاتراك الذين سعوا للقضاء على نفوذ السنوسية وإقصائهم من ليبيا وتمكين القيادات الطرابلسية الموالية لهم في البلاد.
إن محمد إدريس فقد الثقة في الأتراك وعمل على إفشال أهدافهم وارسل الى ابن عمه احمد الشريف رسالة يبين له غدر الاتراك به على حد زعمه كانت الرسالة بتاريخ 26 ربيع أول عام 1335هـ (2 يناير 1917م) تساءل فيها ادريس عن ثمرة وعود الأتراك المتكررة عندما أرسل هؤلاء (الباروني ممثلاً لجلالة السلطان في طرابلس وأعطوه أسلحة، وذخيرة وزودوه بمنشورات كثيرة مقدار مايملأ الدنيا منها، بينما أنتم - مخاطباً السيد أحمد- تجاهدون من أجلهم، وهم لايكتفون بعدم الاهتمام بكم بل يغدرونكم بإرسال خائن الى بلادكم ويبذلون له كل مساعدة في الوقت الذي يتحدث فيه فقط وقبل كل شيء عن طرابلس ولا يذكر السنوسية بكلمة واحدة، وفضلاً عن ذلك فإن السيد أحمد - على حد ما جاء في هذه الرسالة- كان يقول دائماً: (إن انور (أخبره) بأن السلطان أصدر فرماناً بتعيينه نائباً عن الخليفة في أفريقيا ولكن ماقيمة هذا الكلام إذا كانت الأقوال تختلف عن الأفعال؟ فإلى متى يجب علينا نحن وأتباعنا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الوعود الباطلة الكثيرة التي سوف تنتهي من غير شك بنتيجة واحدة هي القضاء علينا وعلى أوطاننا، ويالها من كوارث عظيمة تلك التي نزلت بأهل هذا الوطن( ).
ومن الأسباب التي جعلت محمد ادريس أن يتقارب مع الانكليز قناعته بأن نهوضه ببرقة لابد له من دعم خارجي مادي، ومعنوي ورأى ببعد نظره السياسي، أن الحرب العالمية سينتصر فيها الحلفاء ولذلك حرص على التقارب من بريطانيا، صاحبة التفوق في منطقة الشرق ولذلك سعى إليها لتقليل الخسائر، والمحافظة على كيان السنوسية الذي تعمل تركيا على تحطيمه في البلاد في تلك المرحلة.
لقد حرص محمد ادريس من التقليل من الخسائر الى أقصى حد، واتخذ قراراً بالانسحاب من الحرب ضد إيطاليا، وبريطانيا ووافقه زعماء القبائل التابعين للحركة السنوسية على ذلك.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق