130
الحركة السنوسية في ليبيا
الفصل الأول
الأمير محمد ادريس السنوسي
المبحث الأول
اسمه ونسبه وولادته وشيوخه ورحلته الى الحجاز
ثالثاً: رحلة الحج:
وقد ذكر محمد ادريس قصة رحلته الى الحج بنفسه فقال: (في عام 1330هـ الموافق 1912م بلغت سن الرشد في الكفرة ، فطلب مني بعض الاخوان السنوسيين بالآصالة عن أنفسهم ونيابة عن غيرهم أن أتسلم مسؤوليات المرحوم والدي من السيد احمد الشريف الذي كان يومها يتأهب للرحيل الى الجغبوب بناءً على طلب أنور باشا حتى يكون على مقربة من المجاهدين، وكان ردي على طلب الاخوان هو أن السيد أحمد مشغول بالاستعداد للسفر، وأننا على حافة الحرب مع إيطاليا، فلا أرى من المناسب أن أستلم منه في وقت كهذا، ثم انني أقدر خبرته الطويلة المجربة في ادارة شؤون الطريقة، ولكن متى استقرت الأحوال فسوف نلبي رغبتهم، ولاشك أن السيد احمد سوف يوافق على ذلك.
وسافر السيد احمد الى الجغبوب ، بينما بقيت أنا في الكفرة عاماً كاملاً تدربت خلاله على تسيير الأمور المتعلقة بمسؤولياتي المقبلة. وفي تلك الأثناء تخلت تركيا عن البلاد لايطاليا، وبينما كان السيد أحمد يحارب الايطاليين، قررت أن أذهب الى مكة لأداء فريضة الحج ثم أعود لمساعدته، وبتاريخ الرابع من شوال (الموافق أغسطس 1913م) غادرت الكفرة برفقة ثلاثة من الاخوان هم (الحاج محمد التواتي والحاج فرج، والحاج علي العابديه( )، وكان معنا ايضاً شيخ احدى الزوايا، وثلاثة من الخدم، منهم واحد سوداني، بالاضافة الى حداة الابل، وكنت أركب فرسي، وتحمل أمتعتنا الجمال ، وسرنا بطريق القوافل الرئيسي الذي يمر بمناطق طلاب وربيانة وبوزيمة وزيغن، وابو عشكة، وبوطفل مؤدياً الى جالو، فاستغرقت الرحلة الى هناك واحداً وعشرين يوماً منها ستة عشر يوماً من السفر الفعلي، اذ كنا نسير ليلاً ونستريح نهاراً كالمعتاد أثناء الصيف. وقضينا تسعة أيام في جالوا التي كانت مركزاً تجارياً هاماً ثم أخذت مكانتها في التدهور على أثر اغلاق طريق القوافل من الساحل الى واداي وبعدئذ واصلنا السير نحو الجغبوب مروراً بخربة وقطمر، وترفاوي ، وعبدالسلام، واستمرت الرحلة كلها ستة عشر يوماً منها ثلاثة عشر يوماً في المسير.
ومكثت بالجغبوب سبعة أشهر من بيت أبي وكان المعهد الذي أسسه جدي هناك لا يزال مزدهراً. وفي شهر جمادي الثاني الموافق لأبريل 1914م غادرت الجغبوب متجها ًالى مصر مع نفس الجماعة وكذلك الحاج يونس العابدية الذي انضم إلينا في الجغبوب وبعد مسيرة سبعة أيام وصلنا الى الساحل عند مكان يسمى بقبق (بالقرب من السلوم) حيث شاهدت البحر للمرة الأولى في حياتي. ثم سافرنا الى الضبعة (التي كانت في ذلك الوقت آخر محطة للسكك الحديدية المصرية من ناحية الغرب) ، ومررنا في طريقنا بمرسى مطروح حيث رحبت بي السلطات المصرية، كما زرنا الزوايا السنوسية في كل من سيدي البراني شماس ونجيله وأم الرخم وأبو هارون، ولدى وصولنا الى الضبعة استقبلنا صالح حرب، وهو ضابط مصري جاء مندوباً عن الخديوي عباس الثاني ثم سافرنا الى الاسكندرية بقطار خصوصي، ونزلت ضيفاً على الخديوي في قصر راس التين، ولقيت ترحيباً حارً من المصريين، فهم على الرغم من حيادهم رسمياً في الحرب مع إيطاليا كانوا يؤيدون اخوانهم المسلمين يبذلون كل مافي وسعهم لمساعدة السنوسيين بامدادات السلاح والمعدات الطبية، وفي ذلك الوقت كان اللورد كتشنر يشغل منصب المندوب البريطاني في مصر.
وبقينا في الاسكندرية تسعة أيام بانتظار باخرة بريد الخديوي الى حيفا، ثم سمعنا أنها سوف تعرج على ميناء بورسعيد فاستقلينا قطاراً خاصاً تفضل به الخديوي أيضاً لنقلنا الى هناك حيث ركبنا الباخرة وأبحرت بنا عند الظهر في نفس اليوم. وكانت الرحلة مريحة وصلت بعدها الى حيفا يوم 24 رجب فاستقبلني الوالي التركي استقبالاً رسمياً، وبعدها مباشرة سافرنا بقطار سكة الحجاز، وقد وضعت تحت تصرفي المقصورة الملكية الخاصة، وكان القطار الى المدينة يقوم بثلاث رحلات أسبوعياً تستغرق رحلته ثلاثة أيام يمر فيها بعدة محطات رئيسية، وهي درعا وعمان وتبوك ومدائن صالح؛ وهو كان مريحاً رغم بطئه، ويضم ثلاث عربات للنوم وواحدة للأكل، كما وجدت به زريبة لفرسي وبقيت في المدينة خمسة عشر يوماً كان الجو أثناءها قائظ الحر، فداهمتني الحمى، ولذا نصحت بالانتقال الى مكة لأن جوها ألطف قليلاً. ومع أن موسم الحج لم يكن قد حل بعد، إلا أنني امتطيت فرسي وانطلقت في رحلة المائتي ميل من المدينة الى مكة، فقطعتها خلال أحد عشر يوماً من السفر الوئيد أثناء الليل والراحة في ظل خيمة بالنهار. وبعد إقامة ثلاثة أيام بمكة نصحني البعض بالذهاب الى مدينة الطائف الواقعة وسط التلال في جنوبي مكة، وكان الشريف حسين يمضي بها فصل الصيف مع ولديه عبدالله، وفيصل.
وقضيت في الطائف 75 يوماً، بما فيها رمضان وشوال وكان جوها لطيفاً بالفعل، فاستعدت صحتي تماماً. وفي تلك الأثناء حدث اغتيال أرشيدوق النمسا في ساريفيو، واندلعت الحرب العالمية الاولى. وبعدئذ توجهنا الى مكة لأداء مناسك الحج في أكتوبر 1914م، ونزلت بالزاوية السنوسية في ابوقبيس . ثم انتقلنا الى المدينة فاضطررنا الى البقاء فيها مدة شهرين لانقطاع المواصلات بسبب الحرب. وكان قد انضم إلينا في مكة اثنان من عرب برقة المعروفين، وهما رشيد الكخيا وعلي العبيدي.
وفيما كنا ننتظر بالمدينة اثناء شهر نوفمبر قامت الحرب بين بريطانيا وتركيا، فحاول الاتراك المسيطرون على الحجاز أن يحملوا العرب على الوقوف في صفهم، كما أخذ البريطانيون في التقرب الى العرب على نحو مماثل، غير ان الشريف حسين التزم موقف الحياد، متجنباً اعطاء أي رد مباشر على الدعوة التركية الى اعلان الجهاد. وفي ديسمبر عندما استأنفت القطارات رحلاتها العادية، سافرنا الى حيفا استضافنا الوالي التركي ابو شاهين. وهناك اكتشفنا أن الاتصالات مع مصر شبه مقطوعة تماماً لأن البريطانيين والاتراك كانوا يتقاتلون قرب قنال السويس، وكان البريطانيون قد اعلنوا الحماية على مصر بعد خلع الخديوي عباس الثاني واستبداله بعمه حسين كامل الذي منح لقب السلطان ولما كانت هناك باخرة إيطالية تقوم برحلات منتظمة بين حيفا ونابولي عبر ميناء بورسعيد، فقد ارسلنا واحداً من جماعتنا لاستطلاع امكانية السفر بهذا الطريق، وجاءنا رده مشجعاً، فحجزنا أماكن على الباخرة ، غير أن القبطان قال أنه لايضمن السماح لنا بالنزول في بورسعيد، نظراً لأن السنوسيين كانوا حلفاء للاتراك وبالتالي فإننا نعد نظرياً من رعايا دولة معادية. ولكن العلاقات في ذلك الوقت كانت قد تحسنت نوعاً بين السنوسيين والايطاليين الذين أخذوا يسعون الى التفاهم مع السيد احمد الشريف، فاتفقنا على دفع عربون لقبطان الباخرة بحيث يحملنا الى نابولي في حالة ما إذا رفض البريطانيون ان يسمحوا لنا بالنزول في بورسعيد، ومن نابولي يدبر الايطاليون أمر ترحيلنا الى برقة متى حانت الفرصة.
وهكذا غادرنا حيفا في فبراير 1915م وقد اضطررت للأسف الى ترك فرسي هناك لأن القبطان لم يجد لها مكاناً على الباخرة. وهي كانت من سلالة برقاوية تربت في أرياف الجبل الاخضر، وكان اهداها إليّ خليل البناني، وقد حملتني طول الطريق من الكفرة الى مكة، ثم في طريق العودة كذلك ، فتأسفت كثيراً لتركها في حيفا حيث ماتت بعدها بمدة قصيرة.
ولدى وصولنا الى بور سعيد طلبنا من رفيقنا علي العبيدي أن يسبقنا في النزول الى البر حتى رأيناه مر بسلام فتبعناه كلنا في زحمة الحجاج متظاهرين بأننا مصريون، وفور وصولنا الى الشاطئ بعثنا برقيات الى كل من السلطان حسين والجنرال ماكماهون الذي خلف اللور كتشنر في منصب المندوب السامي البريطاني بمصر، وتلقينا منهما استجابة ودية، فتوجهنا الى القاهرة في ضيافة السلطان حسين، وفي أثناء ذلك قمنا بزيارة لكل من الجنرال ماكسويل، قائد القوات البريطانية في مصر، والكولونيل كلينتون، مندوب حكومة السودان المقيم بالقاهرة، وأعرب الاثنان عن رغبتهما الاكيدة في أن نقطع علاقتنا مع الاتراك ونؤيد البريطانيين في الحرب او نبقى محايدين على الاقل. وكان ذلك أول لقاء بيني وبين البريطانيين وخرجت منه بانطباع جيد عن سلوكهم الودي وقوتهم العسكرية، ولم يكن بوسعي أن ألتزم بأي تعهد نيابة عن السنوسيين قبل استشارة السيد أحمد الشريف أولاً. ولكنني وافقت على متابعة الاتصال من خلال علاقتنا بعائلة الادريسي في مصر، ووافقوا من جانبهم على تسهيل عودتي الى برقة.
وبعد فترة اقامة قصيرة في القاهرة، ركبنا قطار الصباح الى الاسكندرية ، وفي نفس اليوم استقلنا باخرة لخفر السواحل وضعها البريطانيون تحت تصرفنا حتى أنزلتنا في السلوم ومن ثم توجهنا الى امساعد للالتحاق بمعسكر السيد أحمد الشريف، وكانت غيبتي عن برقة استغرقت عاماً كاملاً تقريباً)( ).
إن رحلة محمد ادريس الى الأراضي المقدسة كانت لها أثر عميق في تفكيره حيث احتك بالحكومة المصرية، وبزعيم الثورة العربية الكبرى الشريف حسين، وقادة الانكليز في مصر ولاشك أنه ناقش ، وحوار واستمع الى الاطراف المذكورة وتبلورت لديه قناعات مهمة فيما يتعلق بمجريات السياسة الدولية ، وبطبيعة الصراع بين الاتراك والانجليز، ورسم لنفسه تصوراً واضحاً يخدم به شعبه ووطنه ومصالح بلاده ولذلك رأى انه ليس من مصلحة الحركة السنوسية الدخول مع الاتراك في حربهم ضد الانكليز وبعد رجوعه من الحج نصح احمد الشريف بعدم الدخول في الحرب مع الاتراك ضد الانكليز، وأعلن رأيه ذلك بصراحة.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق