إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 25 يونيو 2014

11 مقدمة فتوح الشام أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


11

مقدمة

فتوح الشام

أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )


ولم يزل أهل شيزر في القتال حتى نصروا على البطريق وعلى غلمانه وقتلوهم عن آخرهم ثم أخرجوا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه رجالًا إلى لقائه بغير سلاح فلما وقفوا بين يدي الأمير أبي عبيدة سلموا عليه وقالوا‏:‏ أيها الأمير إنا قتلنا بطريقنا في محبتكم قال‏:‏ يا أهل شيزر بيض الله وجوهكم وأعز رزقكم فقد كفيتمونا الحرب والقتال ثم قال للمسلمين‏:‏ ألا ترون إلى حسن طاعة هؤلاء الروم وفعالهم ببطريقهم في محبتكم والدخول في طاعتكم وقد رأيت من الرأي أن أحسن إلى القوم وأنعم عليهم‏.‏
فقال المسلمون‏:‏ نعم ما رأيت حتى يصل ما تصنع إلى غيرهم ويفتح الله علينا البلاد إن شاء الله تعالى‏.‏
قال الواقدي‏:‏ فأقبل على أهل شيزر وقال‏:‏ أبشروا فإني لست أكره أحدًا منكم فمن أحب منكم الدخول في ديننا فله ما لنا وعليه ما علينا والخراج موضوع عنكم سنتين ومن أقام على دينه فعليه الجزية وقد وضعنا عنه الخراج سنة كاملة ففرح الروم بذلك وقالوا‏:‏ أيها الأمير سمعنا وأطعنا وهذا قصر بطريقنا فأنت أحق بما فيه وهو هدية منا إليك فدونك وإياه وما فيه من الرجال والآنية والأموال فأخرج أبو عبيدة رضي الله عنه منها الخمس وقسم الباقي على المسلمين بالسوية ونادى أبو عبيدة رضي الله عنه‏:‏ يا معاشر المسلمين قد فتح الله على أيديكم هذه المدينة أيسر فتح وأهونه وقد خرج أهل حمص من ذمتكم ووفيتم لهم ما عاهدوكم عليه فارجعوا بنا عليهم رحمكم الله تعالى‏.‏
قال الواقدي‏:‏ فركب المسلمون ظهور خيولهم وهموا بالمسير وإذ قد لاح لهم غبرة مرتفعة من وراء النهر المقلوب وهي منقلبة من طريق أنطاكية وقد أخذت عرضًا فأسرعت خيل المسلمين إليها فإذا معها قسيس كبير من قسوس الروم ومعه مائة برذون موسوقة بالأحمال ومن حولها مائة علج من علوج الروم يحفظونها‏.‏
قال الواقدي‏:‏ ولم يكن للقسيس خبر بنزول المسلمين على شيزر فصاح بهم خالد بن الوليد رضي الله عنه وكبر المسلمون معه وأحدقوا بهم من كل جانب وأخذوا العلوج أسرى وأخذوا البراذين وأقبل خالد على القسيس وقال له‏:‏ يا ويلك من أين أقبلت بهذه الأحمال‏.‏
قال فرطن القسيس بالرومية فلم يدر خالد ما يقول هذا القسيس الميشوم فبدا إليه رجل من أهل شيزر وقال‏:‏ يا أيها الأمير إنه يذكر أنه من القسوس المعظمة عند الملك هرقل وقد بعثه وبعث معه إلى هربيس هذه الأحمال فيها ديباج أحمر منسوج بقضبان الذهب وعشرة أحمال مملوءة دنانير وباقي الأحمال مملوءة من الثياب والدنانير فأخذوها وأخرجوا منها مالًا عظيمًا وغنم المسلمون غنيمة عظيمة لم يغنموا مثلها وساق خالد بن الوليد الأحمال إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فوجده على النهر المقلوب مما يلي شيزر وتحته عباءة قطوانية وعلى رأسه مثلها تظله من حر الشمس فأقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه بالقسيس فأوقفه بين يديه‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ ما هذا يا أبا سليمان‏.‏
فقال خالد‏:‏ إنهم قوم من أنطاكية ومعهم هدية لهربيس صاحب حمص من ملك الروم هرقل‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وعرض عليه الغنيمة ففرح الأمير أبو عبيدة بها فرحا شديدًا وقال‏:‏ يا أبا سليمان لقد كان فتح شيزر علينا مباركًا ثم دعا بترجمان كان معه لا يفارقه وقال‏:‏ اسأل هؤلاء عن ملك الروم الطاغية هرقل هل هو في جمع كثير أم لا‏.‏
فكلم الترجمان القسيس ساعة فقال القسيس‏:‏ قل للأمير إن الملك هرقل قد بلغه أنكم فتحتم دمشق وبعلبك وجوسية وأنكم لم تنزلوا على حمص فبعث معي هذه الهدية إلى هربيس البطريق وكتب إليه يأمره بقتالكم ويعده بالنجدة وقدوم العساكر إليه لأن الملك هرقل قد استنجد عليكم كل من يعبد الصليب ويقرأ الإنجيل فأجابته الرومية والصقالبة والإفرنج والأرمن والدقس والمغليط والكرج واليونان والعلف والغزانة وأهل رومية وكل من يحمل صليبًا والعساكر قد وصلت إلى الملك هرقل من كل جانب ومكان قال فحدث الترجمان الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه بكل ما أعلمه القسيس به فعظم ذلك على الأمير أبي عبيدة وعرض على القسيس الإسلام فقال القسيس للترجمان‏:‏ قل للأمير أبي عبيدة إني البارحة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وقد أسلمت على يديه ففرح الأمير أبو عبيمدة بذلك وعرض على الأعلاج الإسلام فأبوا ذلك فضربت رقابهم ورحل أبو عبيدة رضي الله عنه متوجهًا إلى حمص وقد سير الخيل جريدة في مقدمته فما يشعر أهل حمص إلا والخيل قد أغارت عليهم فرجع القوم إلى المدينة وقد غلقوا الأبواب وقالوا‏:‏ غدرت العرب وحق المسيح‏.‏
قال‏:‏ ونزل المسلمون حول حمص وداروا بها من كل جانب ومكان وقد نفذ الزاد من المدينة وأكثر أهلها قد خرجوا إلى تجارتهم وفي طلب الميرة وقد تفرقوا في البلاد فلما نزل الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه على حمص دعا بالعبيد والموالي وأمرهم أن يتفرقوا على الطرقات والمحارس وقال لهم‏:‏ كل من وجدتموه قد رجع إلى حمص بزاد أو تجارة فائتوني به ففعل العبيد ذلك وصعب ذلك على هربيس صاحب حمص وكتب إلى الأمير أبي عبيدة كتابًا يقول فيه‏:‏ أما بعد يا معاشر العرب فإنا لم نخبر عنكم بالغدر ولا بنقض العهد ألستم صالحتمونا على الميرة فمرناكم فطلبتم منا البيع فابتعناكم فلم نقضتم ما عاهدناكم عليه فكتب الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه يقول‏:‏ أريد أن ترسل إلي القسوس والرهبان الذين أرسلتهم إلي حتى أوقفهم على ما عاهدتهم عليه ليعلموك أننا لم نغدر ولا مثلنا من يفعل ذلك إن شاء الله تعالى فلما قرأ هربيس الكتاب أحضر القسوس والرهبان وبعث بهم إلى الأمير أبي عبيدة فخرجوا إليه وفتح لهم باب حمص وساروا إلى أن وصلوا للأمير أبي عبيدة فسلموا عليه وجلسوا بين يديه فقال لهم أبو عبيدة رضي الله عنه‏:‏ ألم تعلموا أني عاهدتكم وحلفت لكم أني منصرف عنكم حتى أفتح مدينة من مدائن الشام سهلًا كان أو جبلًا ثم يكون الرأي لي إن شئت رجعت إليكم أو سرت إلى غيركم‏.‏
فقالوا‏:‏ بلى وحق المسيح فقال لهم‏:‏ إن الله تعالى قد فتح علينا شيزر والرستن في أهون وقت وقد غنمنا الله مال بطريقهم نكس وغيره مما لم نؤمله في هذه المدة اليسيرة والآن فلا عهد لكم عندنا ولا صلح إلا أن تصالحونا على فتح المدينة وتكونوا في ذمتنا وأمانتنا فقال القسوس والرهبان لقد صدقت أيها الأمير ليس عليكم لوم وقد وفيتم بذمتكم وقد بلغنا فتحكم شيزر والرستن والخطأ كان منا إذ نستوثق لأنفسنا والآن الأمر بيد بطريقنا ونحن نرجع إليه ونعلمه بذلك ثم رجعوا إلى مدينتهم ودعا الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه بالرجال والأبطال وأهل الحرب وقال‏:‏ خذوا أهبتكم فإن القوم بلا زاد ولا قال فلبس المسلمون السلاح والعدد ورجعوا إلى الأبواب والأسوار واجتمع أهل حمص ببطريقهم هربيس وقالوا‏:‏ ما عندك من الرأي في أمر هؤلاء العرب‏.‏
فقال‏:‏ الأمر عندي أن نقاتلهم ولا نريهم منا ضعفًا قالوا‏:‏ فإن الزاد قد نفد من مدينتنا وقد أخذه القوم منا وما سمعنا بمثل هذه الحيلة فقال هربيس‏:‏ ما لكم تعجزون عن حرب عدوكم وما قتل منكم قتيل ولا جرح منكم جريح ولم تصبكم شدة ولا جوع وإنما أصابوا منكم على غرة ولو دخلوا المدينة لما قدروا عليكم وأقل الرجال على السور يكفيكم إياهم وعندي من الزاد في قصري ما يعم كثيركم المدة الطويلة وما أحسب أن الملك هرقل يغفل وسيبلغه خبركم وبوجه العساكر‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وكان عند البطريق هربيس في قصره جب عظيم مملوء طعامًا ففتحه وفرق الطعام على أهل حمص فسكنت بذلك نفوسهم وجعل البطريق يفرق على كبيرهم وصغيرهم بقية يومهم ذلك وقد انحصر أهل حمص جميعهم فنفد ذلك اليوم نصف ما في الجب وقال لهم‏:‏ اقنعوا بما أعطيتكم ثلاثة أيام وأبرزوا إلى حرب عدوكم ثم أخذوا أهبة الحرب وعرض عسكره وانتخب منهم خمسة آلاف فارس من أولاد الزراوز والعمالقة لا يساويهم غيرهم فيهم ألف مدبجة ملكية وفتح خزانة جده جرجيس وفرق عليهم الدروع والجواشن والبيض والمغافر والقسي والنشاب والحراب وأقبل يحرضهم على القتال ويوعدهم بالمدد والنجدة من الملك هرقل‏.‏
‏.‏
‏.‏
ثم دعا بالقسوس والرهبان وقال لهم‏:‏ خذوا أهبتكم وادعوا المسيح أن ينصرنا على العرب فإن دعاءكم لا يحجب ولا يرد قال فدخلوا كنيستهم المعظمة عندهم وهي كنيسة جرجيس وهي الجامع اليوم ونشروا المزامير وضجوا بالتهدير وأقبلوا يبتهلون بكلمة الكفر وباتوا بقية ليلتهم على مثل ذلك فلما كان الصباح دخل هربيس إلى البيعة وتقرب وصلوا عليه صلاه الموتى فدخل قصره وقدم له خنوص مشوي فأكله حتى أتى على آخره وقدم بين يديه باطية الذهب والفضة فشرب حتى انقلبت عيناه في أم رأسه ثم لبس ديباجًا محشوًا بالفرو والزرد الصغار المضعف العدد ولبس فوقها درعًا من الذهب الأحمر وعلق في عنقه صليبًا من الياقوت وتقلد بسيف من صنعة الهند وقدم له مهر كالطود العظيم فاستوى على ظهره وخرج من قصره طالبًا باب الرستن فأحاطت به بطارقته من الروم من كل جانب ومكان وفتحت أبواب حمص وخرجت الروم من كل جانب ومكان في عددهم وعديدهم وراياتهم وصلبانهم وبين يدي هربيس خمسة آلاف فارس من علوج الروم وهم بالعدد العديد والزرد النضيد فصفهم هربيس أمام المدينة كأنهم سد من حديد أو قطع الجلمود وقد وطنوا نفوسهم على الموت دون أموالهم وذراريهم فتبادر المسلمون إليهم مثل الجراد المنتشر وحملوا عليهم حملة عظيمة والعلوج كأنهم حجارة ثابتة ما ولوا عن مواضعهم ولا فكروا فيما نزل بهم فعندها صاح البطريق هربيس على رجاله وزجرهم فتبادرت الروم وصاح بعضهم ببعض وركب المسلمون وحملوا عليهم ورشقوا الرجال بالسهام واشتبكت الحرب واختلط الفريقان واقتتلوا قتالًا شديدًا ما عليه من مزيد إلا أن المسلمين رجعوا القهقرى وقد فشا فيهم القتل والجراح‏.‏
‏.‏
‏.‏
فلما نظر الأمير أبو عبيدة إلى ذلك من هزيمة المسلمين عظم عليه وكبر لديه وصاح فيهم بصوته‏:‏ يا بني القرآن الرجعة الرجعة بارك الله فيكم فهذا يوم من أيام الله تعالى فاحملوا معه بارك الله فيكم فتراجع الناس وحملوا على أهل حمص حملة عظيمة وشدوا عليهم الحملة وحمل خالد بن الوليد رضي الله عنه في جمع كثير من بني مخزوم وجعلوا يضربن فيهم بسيوفهم ويطعنون برماحهم حتى طحنوهم طحن الحصيد ووضع المسلمون فيهم السيف وحمل ابن مسروق العبسي في طائفة من قومه من بني عبس وقد رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير وصدموا الروم صدمة عظيمة فتراجعت الروم إلى الأسوار وقد فشا فيهم القتل فبربرت الروم بلغاتها وتراجعت على المسلمين وأحاطوا بهم من كل جانب ومكان ورشقت العلوج بالنشاب وطعنوا في المسلمين بالحراب وقد استتروا بالدرق والطوارق‏.‏
قال فلما نظر خالد بن الوليد إلى ذلك برز باللواء وكان هو صاحب اللواء يوم حمص وصاح خالد بأصحابه وقال‏:‏ شدوا عليهم بالحملة بارك الله فيكم فإنها والله غنيمة الدنيا والآخرة‏.‏
قال فبينما خالد بن الوليد يحرض أصحابه على القتال إذ حمل عليه بطريق من عظماء الروم وعليه لامة مانعة وهو يهدر كالأسد فحمل خالد بن الوليد عليه وضربه على رأسه فوقع سيفه على البيضة فطار السيف من يد خالد بن الوليد وبقيت قبضته في يده فطمع العلج فيه وحمل عليه ولاصقه حتى حك ركابه بركاب خالد وتعانقًا جميعًا بالسواعد والمناكب فضم خالد العلج إلى صدره واحتضنه بيده وشد عليه بقوته فطحن أضلاعه وأدخل بعضها في بعض فأرداه قتيلًا وأخذ خالد سيف العلج وهزه في يده حتى طار منه الشرر ووضع رأسه في قربوس سرجه وحمل وصاح في بني مخزوم فحملوا حملة عظيمة وهاجوا في أوساطهم وخالد بن الوليد رضي الله عنه يفرقهم يمينًا وشمالًا وهو ينادي برفيع صوته‏:‏ أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يزالوا في القتال الشديد الذي ما عليه من مزيد حتى توسطت الشمس في كبد السماء وحمى الدرع على خالد بن الوليد رضي الله عنه فخرج من المعركة وبنو مخزوم يتقاطرون من خلفه والدم يسيل ملء درعهم وسواعدهم كأنها شقائق الأرجوان وخالد بن الوليد رضي الله عنه في أوائلهم وهو يقول‏:‏ ويل لجمع الروم من يوم شغب إني رأيت الحرب فيه تلتهب قال‏:‏ فناداه الأمير أبو عبيدة‏:‏ لله عزك يا أبا سليمان لله عزك لقد جاهدت في الله حق جهاده فلما نظر المرقال بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى غفلة الروم صاح في بني زهرة وحملوا في ميمنة الروم وحمل ميسرة بن مسروق العبسي في قومه وحمل عكرمة بن أبي جهل وحوله جمع كثير من بني مخزوم وحمل المسلمون بأجمعهم وقد اطلعوا على الشهادة وأيقنوا بالعناية‏.‏
معركة حمص قال الواقدي‏:‏ فلم يكن يوم حمص أشد حربًا ولا أقوى جلدًا من بني مخزوم غير أن عكرمة بن أبي جهل كان أشدهم بأسًا وإقدامًا وهو يقصد الأسنة بنفسه فقيل له‏:‏ اتق الله وارفق بنفسك فقال‏:‏ يا قوم أنا كنت أقاتل عن الأصنام فكيف اليوم وأنا أقاتل في طاعة الملك العلام وإني أرى الحور متشوقات إلي ولو بدت واحدة منهن لأهل الدنيا لأغنتهم عن الشمس والقمر ولقد صدقنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما وعدنا ثم سل سيفه وغاص في الروم ولم يزدد إلا إقدامًا وقد عجبت الروم من حسن صبره وقتاله‏.‏
فبينما هو كذلك إذ حمل عليه البطريق هربيس صاحب حمص وبيده حربة عظيمة تضيء وتلتهب وهزها في كفه وضربه بها فوقعت في قلبه ومرقت من ظهره فانجدل صريعًا وعجل الله تعالى بروحه إلى الجنة فلما نظر خالد بن الوليد إلى ابن عمه وقد وقع صريعًا أقبل حتى وقف عليه وبكى وقال‏:‏ يا ليت عمر بن الخطاب نظر إلى ابن عمي صريعًا حتى يعلم إنا إذا لاقينا العدو ركبنا الأسنة ركوبًا‏.‏
قاما ولم يزالوا في الأهوال الشديدة حتى هجم الليل عليهم وتراجعت الروم إلى مدينتهم وغلقوا الأبواب وطلعوا على الأسوار ورجعت المسلمون إلى رحالهم وخيامهم وباتوا ليلتهم يتحارسون فلما أصبح الصباح قال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه‏:‏ يا معاشر المسلمين ما بالكم قد صدكم هؤلاء القوم وبعد الطمع فيهم ما بالكم هزمتم وجزعتم منهم والله ألبسكم عافية مجللة وسلامة سابغة وأظفركم على بطارقة الروم وفتح لكم الحصون والقلاع فما هذا التقصير والله تعالى مطلع عليكم فقال خالد بن الوليد رضى الله عنه‏:‏ هؤلاء فرسان الروم أشد الرجال ليس فيهم سوقة ولا جبان وقد تعلم أنهم يكونون أشد في الحرب لأنهم يمنعون عن الذراري والنسوان‏.‏
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه‏:‏ فما الرأي عندك يا أبا سليمان يرحمك الله‏.‏
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه‏:‏ أيها الأمير قد رأيت من الرأي أننا ننكشف للقوم غدًا وندع لهم سوائمنا وإبلنا فإذا تباعدنا عن مدينتهم وتبعتنا خيلهم وتباعدوا عن مدينتهم وصاروا معنا عطفنًا عليهم ومرقناهم بالأسنة ونقطع ظهورهم لبعدهم عن مدينتهم‏.‏
فقال أبو عبيدة‏:‏ نعم الرأي ما رأيت يا أبا سليمان ولقد أشرت وأحسنت‏.‏
قال وتواعد المسلمون على أن ينكشفوا بين أيدي الروم وأن يتركوا لهم سوائمهم فلما أصبح الصباح فتحت أبواب حمص وخرجت الروم من جميع الأبواب وزحفوا يريدون القتال فسألهم العرب كفوا القتال وأروهم التقصير والخوف وأطمعوهم في أنفسهم وجعلوا ينحرفون عن قتالهم حتى تضاحى النهار وانبسطت الشمس وطاب الحرب وطمعت الروم في المسلمين لما بان لهم من تقصيرهم فشد الروم بالحملة عليهم فانهزمت العرب من بين أيديهم وتركوا سواثمها‏.‏
قال نومل بن عامر‏:‏ حدثنا عرفجة بن ماجد التميمي عن سراقة النخعي وكان ممن حضر يوم حمص‏.‏
قال لما انهزمت العرب أمام الروم وتبعنا هربيس البطريق في خمسة آلاف شهب وكانوا أشد الروم‏.‏
قال سراقة بن عامر‏:‏ وانهزمنا أمام القوم كأننا نطلب الزراعة وجوسية وأدركتنا البطارقة وبعضهم مال إلى السواد طمعًا في الزاد والطعام‏.‏
قال الواقدي‏:‏ وكان بحمص قسيس كبير السن عظيم القدر عند الروم قد حنكته التجارب وعرف أبواب الحيل والخداع وكان عالمًا من علماء الروم وقد قرأ التوراة والإنجيل والزبور والمزامير وصحف شيث وإبراهيم وأدرك حواري عيسى ابن مريم عليه السلام فلما أشرف ذلك القسيس ونظر إلى العرب وقد ملك الروم سوادهم جعل يصيح ويقول وهو ينادي‏:‏ وحق المسيح إن هذه خديعة ومكر ومكيدة من مكايد العرب وإن العرب لا تسلم أولادها وإبلها ولو قتلوا عن آخرهم‏.‏
قال وجعل القسيس يصيح وأهل حمص قد وقعوا في النهب وليس يغنيهم سوى الزاد والطعام والبطريق هربيس قد ألح في طلب المسلمين في خمسة آلاف فارس فلما أبعدوا عن المدينة صاح الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه برفيع صوته‏:‏ اعطفوا على الروم كالسباع الضارية والعقبان الكاسرة فردوا عليهم كردوسًا واحدًا حتى أحاطوا بالبطريق وأصحابه من كل جانب وداروا بهم مثل الحلقة المستديرة وأحدقوا بهم كإحداق البياض بسواد العين وبقيت الروم في أوساطهم كالشامة السوداء في الثور الأبيض فعند ذلك نصبت العلوج نشابها على العرب والمسلمون يكرون عليهم مثل الأسود الضارية ويحومون عليهم كما تحوم النسور ويضربونهم بالسيوف ويصرعونهم يمينًا وشمالًا حتى انكسر أكثرهم‏.‏
قال عطية بن فهر الزبيدي‏:‏ فلما نظرت الروم إلى فعلنا بهم تكالبت علينا فلما حميت الحرب ابتدر خالد بن الوليد رضي الله عنه من وسط العسكر وهو على جواد أشقر وعليه جوشن مذهب كان لصاحب بعلبك أهداه له يوم فتح بعلبك وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه قد عمم نفسه بعمامة حمراء وكانت تلك العمامة عمامته في الحرب وجعل يهدر كالأسد الحردان وقد انتضى سيفه من غمده وهزه حتى طار منه الشرر ونادى برفيع صوته‏:‏ رحم الله رجلًا جرد سيفه وقوى عزمه وقاتل أعداءه فعندها انتضب المسلمون سيوفهم وصدموا الروم صدمة عظيمة ونادى الأمير أبو عبيدة‏:‏ يا بني العرب قاتلوا عن حريمكم ودينكم وأموالكم فإن الله مطلع عليكم وناصركم على عدوكم‏.‏
قال‏:‏ وكان معاذ بن جبل قد انفرد في خمسمائة فارس إلى السواد والأموال وانقض على الروم فما شعرت الروم والعلوج ممن انغمس في الغارة وحمل الزاد والرحال والأمتعة إلا والطعن قد أخذهم بأسنة الرماح من كل جانب كأنها ألسنة النار المضرمة ونادى مناد‏:‏ يا فتيان العرب اطلبوا الباب لئلا ينجو أحد من الروم برجالنا وأولادنا فجعل المسلمون يطلبون الأبواب وكانت علوج الروم قد غرقت كي رحال المسلمين فلما نظروا إلى معاذ وقد حمل عليهم في رجاله عادت وقد رمت الرحال وطلبت الهرب فانفلت منهم من انفلت وقتل من قتل‏.‏
قال صهيب بن سيف الفزاري‏:‏ فوالله ما انفلت من الخمسة آلاف الذين كانوا مع هربيس صاحب حمص إلا ما ينوف عن مائة فارس‏.‏
قال واتبعنا القوم إلى الأبواب فكان اعظم المصيبة قتلنا إياهم على الأبواب لأن أكثر الرجال من العواصم وغيرهم كانوا في المدينة‏.‏
قال سعيد بن زيد‏:‏ شهدت يوم حمص وكنت ممن أولع بعدد القتلى فعمدت خمسة آلاف وستة غير أسير وجريح فدنوت من الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وقلت‏:‏ البشارة أيها الأمير فإني عددت خمسة آلاف وستة غير أسير وجريح‏.‏
فقال الأمير أبو عبيدة‏:‏ بشرت بخير يا سعيد يا ابن زيد فهل ترى قتل بطريقهم هربيس‏.‏
فقال سعيد بن زيد‏:‏ أيها الأمير إذا كان قتل بطريقهم هربيس فما قتله‏.‏
غيري‏.‏
فقال الأمير أبو عبيدة‏:‏ وكيف علمت أنه قتيلك يا سعيد‏.‏
فقال سعيد بن زيد‏:‏ أيها الأمير إني رأيت فارسًا عظيم الخلقة طويلًا ضخمًا أحمر اللون وبيده سيف وعليه لامة حربه صفتهما كذا وكذا وهو في وسط الروم كأنه البعير الهائج فحملت عليه وقلت في حملتي‏:‏ اللهم إني أقدم قدرتك على قدرتي وغلبتك على غلبتي‏:‏ اللهم اجعل قتله على يدي وارزقني أجره‏.‏
فقال له أبو عبيدة‏:‏ أما أخذت سلبه يا سعيد‏.‏
قال‏:‏ لا ولكن علامتي فيه نبلة من كنانتي أثبتها في قلبه فخر يهوى عن جواده ونفرت عنه أصحابه فلحقته فضربته بسيفي ضربة فصرمت حقوته ونبلتي في قلبه‏.‏
قال أبو عبيدة رضي الله عنه‏:‏ أدركوه رحمكم الله وسلموا سلبه إلى سعيد ففعلوا ذلك‏.
  قال الواقدي
‏:‏ فلما أخذت الحرب أوزارها أخذ المسلمون الأسلاب والدروع والشهابي ومثلوا الجميع أمام الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فأخرج منها الخمس لبيت مال المسلمين وقسم الباقي على المجاهدين‏.‏
قال ووقع الصياح والبكاء في حمص على من قتل منهم من فرسان الكفار ورجالهم‏.‏
قال واجتمع مشايخ حمص ورؤساؤهم إلى بيعتهم وتحدثوا مع القسوس والرهبان على أن يسلموا حمص إلى المسلمين وخرج علماء دينهم ورؤساؤهم إلى أبي عبيدة رضي الله عنه وصالحوه على تسليم المدينة إليه وأن يكونوا تحت ذمامه وأمانه فصالحهم أبو عبيدة رضي الله عنه وقال‏:‏ لست أدخل مدينتكم حتى نرى ما يكون بيننا وبين الملك هرقل وأراد أهل حمص أن يكرموا المسلمين بالإقامة والعلوفة فنهاهم الأمير أبو عبيدة عن ذلك ولم يدخل أحد من المسلمين إلى حمص إلا بعد وقعة اليرموك كل ذلك ليتقرب المسلمون إلى الروم بالعدل وحسن الصحبة‏.‏
قال جرير بن عوف‏:‏ حدثنا حميد الطويل‏.‏
قال‏:‏ حدثني سنان بن راشد اليربوعي‏.‏
قال‏:‏ حدثنا سلمة بن جريج قال‏:‏ حدثنا النجار وكان ممن يعرف فتوح الشام قال‏:‏ لما صالحنا أهل حمص بعد قتل هربيس خرج أهل حمص ودفنوا قتلاهم فافتقدنا القتلى الذين استشهدوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدنا من استشهد من المسلمين مائتين وخمسة وثلاثين فارسًا كلهم من حمير وهمدان إلا ثلاثين رجلًا من أهل مكة‏:‏ وهم عكرمة بن أبي جهل وصابر بن جرئ والريس بن عقيل ومروان بن عامر والمنهال بن عامر السلمي ابن عم العباس رضي الله عنه وجمح بن قدم وجابر بن خويلد الربعي فهؤلاء من المسلمين الذين استشهدوا يوم حمص والباقون من اليمن وهمدان ومن أخلاط الناس‏.‏
ذكر وقعة اليرموك قال الواقدي‏:‏ واتصلت الأخبار إلى الملك هرقل أن المسلمين قد فتحوا حمص والرستن وشيزر وقد أخذوا الهدية التي بعثها إلى هربيس البطريق فبلغ ذلك منه دون النفس وأقام ينتظر الجيوش والعساكر من أقصى بلاد الروم لأنه قد كان كاتب كل من يحمل الصليب فما مضى عليه إلا أيام قلائل حتى صار أول جيوشه عنده بأنطاكية وآخرها في رومية الكبرى وأنه بعث جيشًا إلى قيسارية ساحل الشام يكون حفظه على عكاء وطبرية وبعث بجيش آخر إلى بيت المقدس وأقام ينتظر قوم ماهان الأرمني ملك الأرمن وقد جمع من الأرمن ما لا يجمعه أحد من أهالي الملك هرقل وبعد أيام قدم على الملك هرقل للقائه في أرباب دولته فلما قرب منه ترجل ماهان وجنوده وكفروا بين يديه ورفعوا أصواتهم بالبكاء والنحيب مما وصل إليهم من فتح المسلمين بلادهم فنهاهم عن ذلك وقال‏:‏ يا أهل دين النصرانية وبني ماء المعمودية قد حذرتكم وخوفتكم من هؤلاء العرب ولم تقبلوا مني فوحق المسيح والإنجيل الصحيح والقربان ومذبحنا العمدان لا بد لهؤلاء العرب أن يملكوا ما تحت سريري هذا والآن البكاء لا يصلح إلا للنساء وقد اجتمع لكم من العساكر ما لم يقدر عليه ملك من ملوك الدنيا وقد بذلت مالي ورجالي كل ذلك لأذب عنكم وعن دينكم وعن حريمكم فتوبوا للمسيح من ذنوبكم وانووا للرعية خيرًا ولا تظلموا وعليكم بالصبر في القتال ولا يخامر بعضكم بعضًا وإياكم والعجب والحسد فإنهما ما نزلا بقوم إلا ونزل عليهم الخذلان وإني أريد أن أسألكم وأريد منكم الجواب عما أسألكم عنه فقالت العظماء من الروم والملوك‏:‏ اسأل أيها الملك عما شئت‏.‏
قال‏:‏ إنكم اليوم أكثر عددًا وأغزر مددًا من العرب وأكثر جمعًا وأكثر خيامًا وأعظم قوة فمن أين لكم هذا الخذلان وكانت الفرس والترك والجرامقة تهاب سطوتكم وتفزع من حربكم وشدتكم وقد قصدوا إليكم مرارًا ورجعوا منكسرين والآن قد علا عليكم العرب وهم أضعف الخلق عراة الأجساد جياع الأكباد ولا عدد ولا سلاح وقد غلبوكم على بصرى وحوران وأجنادين ودمشق وبعلبك وحمص قال فسكت الملوك عن جوابه فعندها قام قسيس كبير عالم بدين النصرانية وقال‏:‏ أيها الملك أما تعلم لم نصرت العرب علينا‏.‏
قال‏:‏ لا وحق المسيح فقال القسيس‏:‏ أيها الملك لأن قومنا بذلوا دينهم وغيروا ملتهم وجحدوا بإجابة المسيح عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه عليه وظلموا بعضهم وليس فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وليس فيهم عدل ولا إحسان ولا يفعلون الطاعات وضيعوا أوقات الصلوات وأكلوا الربا وارتكبوا الزنا وفشت فيم المعاصي والفواحش وهؤلاء العرب طائعون لربهم متبعون دينهم رهبان بالليل صوام بالنهار ولا يفترون عن ذكر ربهم ولا عن الصلاة على نبيهم وليس فيهم ظلم ولا عدوان ولا يتكبر بعضهم على بعض شعارهم الصدق ودثارهم العبادة وإن حملوا علينا لا يرجعون وإن حملنا عليهم فلا يولون وقد علموا أن الدنيا دار الفناء وأن الآخرة هي دار البقاء‏.‏



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق