10
مقدمة
فتوح الشام
أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )
القتال من فوق الأسوار
ثم أمر رجلًا من أصحابه أن يسير إلى الذي بيده الناقوس ويأمره أن يضربه ضربة خفيفة ثم فتح الباب وتبادر الرجال إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في غفلة مما دبر القوم لهم إلا أنهم في يقظة فلما سمعوا الصوت أيقظ بعضهم بعضًا وتواثبت الرجال من أماكنهم كالأسود الضارية فلم يصل إليهم العدو إلا وهم على حذر وحملوا عليهم وهم في غير ترتيب فتقاتل القوم في جنح الظلام وعمل السيف وسمع خالد بن الوليد فقام ذاهل العقل مما سمع من الزعقات فصاح: واغوثاه واسلاماه كيد قومي ورب الكعبة اللهم انظر لهم بعينك التي لا تنام وانصرهم يا أرحم الراحمين.
وسار خالد ومن معه وهم أربعمائة فارس من أصحابه وهو بغير درع قد لبس ثوب كتان من عمل الشام مكشوف الرأس.
ثم جد في السير والأربعمائة فارس معه كأنهم الليوث العوابس إلى أن وصلوا إلى الباب الشرقي وإذا بالفرقة التي هناك قد هاجمت أصحاب رافع بن عميرة الطائي.
قال: وأصوات المسلمين عالية بالتهليل والتكبير والقوم من أعلى الأسوار قد أشرفوا وتصايحوا عندما استيقظ لهم المسلمون فحمل خالد بن الوليد على الروم ونادى برفع صوته أبشروا يا معشر المسلمين أتاكم الغوث من رب العالمين أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد وحمل في أوساط الناس بمن معه فجندل أبطالًا وقتل رجالًا وهو مع ذلك مشتغل القلب على أبي عبيدة والمسلمين الذين على الأبواب وهو يسمع أصواتهم وزعقاتهم قال وتصايح الروم والنصارى واليهود.
قال سنان بن عوف: قلت لابن عمي قيس: هل كانت اليهود تقاتلكم قال: نعم يقاتلوننا من أعلى الأسوار ويرمون بالسهام وخشي خالد على شرحبيل بن حسنة مما وصل إليه من عدو الله توما لأنه ملازم الباب.
وقال ولقي شرحبيل بن حسنة من عدو الله توما أمرًا عظيمًا لم يلق أحد مثله وذلك أنه هجم عليه توما في تلك الليلة وكان أول من وصل إلى المسلمين عدو الله توما قال: فصبروا له صبر الكرام وقاتل عدو الله قتالًا شديدًا وهو ينادي: أين أميركم الذميم الذي أصابني أنا ركن الملك الرحيم أنا ناصر الصليب.
قال: فلما سمع شرحبيل صوته قصد جهته وقد جرح رجالًا من المسلمين وقال: ها أنا صاحبك وغريمك أنا مبيد جمعكم وآخذ صليبكم أنا كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعطف عليه توما عطفة الأسد ورأى من شرحبيل بن حسنة أمرًا هائلًا ولم يزالوا كذلك إلى أن زال من الليل شطره وكل قرن مع قرنه وكانت زوجة أبان مع شرحبيل وكانت في تلك الليلة أحسن الناس صبرًا ورمت بنبالها وكانت لا تقع نبلة من نبالها إلا في رجل من المشركين إلى أن قتلت من الروم مقتلة عظيمة بالنبال والروم يتحايدون عنها إلى أن لاح رجل من الروم فرمته بنبلة فبقيت معلقة في نحره.
قال فصرخ بالروم فهاجموها وأخذوها أسيرة ومات عدو الله الذي رمته.
قال: ولقي شرحبيل من الروم ما لا يلقاه أحد وإنه ضرب توما ضربة هائلة فتلقاها الملعون بدرقته فانكسر سيف شرحبيل فطمع عدو الله فيه وحمل عليه وظن أنه يأخذه أسيرًا وإذا بفارسين قد أشرفا من ورائهما مع كبكبة من الفرسان فهجموا على الروم ونظروا وإذا بزوجة أبان قد خلصت وهجمت على الروم وهتفت فلحقها فارسان فبرز لهما عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه فقتلا الرجلين ورجع عدو الله توما هاربًا إلى المدينة.
قال: حدثني تميم بن عدي وكان ممن شهد الفتوحات.
قال: كنت في خيمة أبي عبيدة وذلك أن أبا عبيدة كان يصلي فيها إذ سمع الصياح.
فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ثم لبس سلاحه ورتب قومه ودنا من القوم فنظر إليهم وهم في المعمعة والحرب وعدل عنهم ميسرة وميمنة إلى أن جاوزهم وعطف نحو الباب وكبر وكبر المسلمون فلما سمع المشركون تكبيرهم ظنوا أن المسلمين قد دهموهم من ورائهم في جمع كثير فولوا راجعين فتلقاهم أبو عبيدة وقومه وأخذوا عليهم المجاز وبذل أبو عبيدة السيف فيهم.
قال الواقدي: ولقد بلغني أنه ما سلم من الروم تلك الليلة أحد من الذين هم غرماء أبي عبيدة ولقد قتلوا عن آخرهم فبينما هم في القتال إذ أشرف عليهم ضرار بن الأزور وهم ملطخ بالدماء.
فقال له خالد: ما وراءك يا ضرار.
فقال: أبشر أيها الأمير ما جنتك حتى قتلت في ليلتي هذه مائة وخمسين رجلًا وقتل قومي ما لا يعد ولا يحصى وقد كفيتكم مؤنة من خرج من الباب الصغير إلى يزيد بن أبي سفيان ثم عطفت إلى سائر الأبواب فقتلت خلقًا كثيرًا قال فسر بذلك خالد بن الوليد ثم ساروا جميعًا حتى أتوا شرحبيل بن حسنة وشكروا فعله وكانت ليلة مقمرة ولم يلق مثلها الناس فقتلوا في تلك الليلة ألوفًا من الروم قال فاجتمع كبار أهل دمشق إلى توما وقالوا له: أيها السيد إنا قد نصحناك فلم تسمع لقولنا وقد قتل منا أكثر الناس وهذا أمير لا يطاق يعني خالد بن الوليد فصالح فهو أصلح لك ولنا وإن لم تصالح صالحنا وأنت وشأنك.
فقال: يا قوم أمهلوني حتى أكتب إلى الملك واعلمه بما نزل بنا فكتب من وقته وساعته كتابًا يقول فيه: إلى الملك الرحيم من صهرك توما أما بعد فإن العرب محدثون بنا كإحداث البياض بسواد العين وقد قتلوا أهل أجنادين ورجعوا إلينا وقد قتلوا منا مقتلة عظيمة وقد خرجت إليهم وأصيبت عيني وقد عزمت على الصلح ودفع الجزية للعرب فإما أن تسير بنفسك وإما أن ترسل لنا عسكرًا تنجدنا بهم وإما أن تأمرنا بالصلح مع القوم فقد تزايد الأمر علينا ثم طوى الكتاب وختمه وبعث به قبل الصباح.
.
.
فلما أصبح الصباح باكرهم المسلمون بالقتال.
.
.
وبعث خالد لكل أمير أن يزحف من مكانه فركب أبو عبيدة ووقع القتال واشتد الأمر على أهل دمشق فبعثوا لخالد أن أمهلنا فأبى إلا القتال ولم يزل كذلك إلى أن ضاق بهم الحصار وهم ينتظرون أمر الملك واجتمع أهل البلد وقالوا لبعضهم: ما لنا صبر على ما نحن فيه من الأمر وإن هؤلاء إن قاتلناهم نصروا علينا وإن تركناهم أضر بنا الحصار فاطلبوا من القوم صلحًا على ما طلبوه منكم فقال لهم شيخ كبير من الروم وقد قرأ الكتب السالفة: يا قوم والله إني أعلم أنه لو أتى الملك في جيشه جميعًا لما منعوا عنكم هؤلاء لما قرأت في الكتاب إن صاحبهم محمدًا خاتم المرسلين سيظهر دينه على كل دين فأطيعوا القوم وأعطوهم ما طلبوا منكم فهو أوفق لكم فلما سمع القوم مقالات الشيخ ركنوا إليه لما يعلمون من علمه ومعرفته بالأخبار والملاحم.
فقالوا: كيف الرأي عندك فنحن نعلم أن هذا الأمير الذي على باب شرقي رجل سقاك للدماء.
فقال لهم: إن أردتم تقارب الأمر فامضوا إلى الذي على باب الجابية وليتكلم رجل يعرف بالعربية ويقول بصوت رفيع يا معاشر العرب الأمان حتى ننزل إليكم ونتكلم مع صاحبكم.
قال أبو هريرة رضي الله عنه: وكان أبو عبيدة قد أنفذ رجالًا من المسلمين مكثوا بالقرب من الباب مخافة الكبسة مثل الليلة التي خلت وكانت النوبة تلك الليلة لبني دوس والأمير عليها عامر بن الطفيل الدوسي.
قال فبينما نحن جلوس في مواضعنا من الباب إذ سمعنا أصوات القوم وهم ينادون قال أبو هريرة فلما سمعت بادرت إلى أبي عبيدة قال وبشرته بذلك فاستبشر وقال: امض وكلم القوم وقل لهم لكم الأمان قال فأتيت القوم وبشرتهم بالأمان فقالوا: من أنت.
فقلت: أنا أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن عبيدًا أعطوكم الأمان والذمام ونحن في الجاهلية لما غدرنا فكيف وقد هدانا الله إلى دين الإسلام.
قال فنزل القوم وفتحوا الباب وإذ هم مائة رجل من كبرائهم وعلمائهم فلما قربوا من عسكر أبي عبيدة تبادر إليهم المسلمون وأزالوا عنهم الصلبان إلى أن وصلوا خيمة أبي عبيدة فرحب بهم وأجلسهم وقال: إن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتاكم عزيز قوم فأكرموه) وتكلموا في أمر الصلح وقالوا: إنا نريد منكم أن تتركوا كنائسنا ولا تنقضوا علينا منها كنيسة وهي الجامع الآن بدمشق فقال لهم أبو عبيدة: جميع الكنائس لا يؤمر بهدمها قال: وكان في دمشق كنائس واحدة تسمى كنيسة مريم وكنيسة حنا وكنيسة سوق الليل وكنيسة إنذار وهي عند دار عبد الرحمن ذرة فكتب لهم أبو عبيدة كتاب الصلح والأمان ولم يسم فيه اسمه ولا أثبت شهودًا وذلك لأنه لم يكن أمير المؤمنين فلما كتب لهم الكتاب تسلموه منه وقالوا له: قم معنا إلى البلد.
قال: فقام أبو عبيدة وركب معه أبو هريرة ومعاذ بن جبل ونعيم بن عمرو وعبد الله بن عمرو الدوسي وذو الكلاع الحميري وحسان بن النعمان وجرير بن نوفل الحميري وسيف بن سلمة ومعمر بن خليفة وربيعة بن مالك والمغيرة بن شعبة وأبو لبابة بن المنذر وعوف بن ساعدة وعامر بن قيس وعبادة بن عتيبة وبشر بن عامر وعبد الله بن قرط الأسدي وجملتهم خمسة وثلاثون صحابيًا من أعيان الصحابة رضي الله عنهم وخمسة وستون من أخلاط الناس فلما ركبوا وتقدموا نحو الباب.
قال أبو عبيدة: أريد منكم رهائن حتى ندخل معكم فأتوه برهائن وقيل إن أبا عبيدة رأى في منامه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: تفتح المدينة إن شاء الله تعالى في هذه الليلة فقلت: يا رسول الله أراك على عجل قال: لأحضر جنازة أبي بكر الصديق.
قال: فاستيقظت من المنام.
قال الواقدي: وقد بلغني أن أبا عبيدة لما دخل دمشق بأصحابه سارت القسس والرهبان بين يديه على مسرح الشعر وقد رفعوا الإنجيل والمباخر بالند والعود ودخل أبو عبيدة من باب الجابية ولم يعلم خالد بن الوليد بذلك لأنه شد عليهم بالقتال.
قال وكان هناك قسيس من قسس الروم اسمه يونس بن مرقص وكانت داره ملاصقة للسور مما يلي باب شرقي الذي عنده خالد وكان عنده ملاحم دانيال عليه السلام وكان فيها: إن الله تعالى يفتح البلاد على يد الصحابة ويعلو دينهم على كل دين فلما كانت تلك الليلة نقب يونس من داره وحفر موضعًا وخرج على حين غفلة من أهله وأولاده وقصد خالدًا وحدثه أنه خرج من داره وحفر موضعًا والآن أريد أمانًا لي ولأهلي ولأولادي قال فأخذ خالد عهده على ذلك وأنفذ معه مائة رجل من المسلمين أكثرهم من حمير وقال لهم: إذا وصلتم المدينة فارفعوا أصواتكم بأجمعكم واقصدوا الباب واكسروا الأقفال وأزيلوا السلاسل حتى تدخلوا إن شاء الله تعالى.
قال ففعل القوم ما أمرهم به خالد رضي الله عنه وساروا ومضى أمامهم يونس بن مرقص حتى دخل بهم من حيث خرج.
فلما حطوا في داره تدرعوا واحترسوا ثم خرجوا وقصدوا الباب وأعلنوا بالتكبير.
قال فلما سمع المشركون التكبير ذهلوا وعلموا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حطوا معهم في المدينة وان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدوا الباب وكسروا الأقفال وقطعوا السلاسل ودخل خالد بن الوليد ومن معه من المسلمين ووضعوا السيف في الروم وهم مختلفون بين يديه إلى أن وصل إلى كنيسة مريم وخالد بن الوليد يأسر ويقتل.
قال الواقدي: والتقى الجمعان عند الكنيسة جيش خالد وجيش أبي عبيدة وأصحابه سائرون والرهبان سائرون بين أيديهم وما أحد من أصحاب أبي عبيدة جرد سيفه فلما نظر خالد إليهم ورأى أن لا أحد منهم جرد سيفه بهت وجعل ينظر إليهم متعجبًا.
قال فنظر إليه أبو عبيدة وعرف في وجهه الإنكار.
فقال: أبا سليمان قد فتح الله على يدي المدينة صلخًا وكفى الله المؤمنين القتال.
قال الواقدي: ما خاطب أبو عبيدة خالدًا يوم الفتح دمشق إلا بالإمارة.
فقال: أيها الأمير قد تم الصلح.
فقال خالد: وما الصلح.
لا أصلح الله بالهم وأنى لهم الصلح وقد فتحتها بالسيف وقد خضبت سيوف المسلمين من دمائهم وأخذت الأولاد عبيدًا وقد نهبت الأموال.
فقال أبو عبيدة: أيها الأمير اعلم أني ما دخلتها إلا بالصلح.
فقال له خالد بن الوليد: إنك لم تزل مغفلًا وأنا ما دخلتها إلا بالسيف عنوة وما بقي لهم حماية فكيف صالحتهم.
قال أبو عبيدة: اتق الله أيها الأمير والله لقد صالحت القوم ونفذ السهم بما هو فيه وكتبت لهم الكتاب وهو مع القوم.
فقال خالد: وكيف صالحتهم من غير أمري وأنا صاحب رايتك والأمير عليك ولا أرفع السيف عنهم حتى أفنيهم عن آخرهم.
فقال أبو عبيدة: والله ما ظننت أنك تخالفني إذا عقدت عقدًا ورأيت رأيا فالله الله في أمري فوالله لقد حقنت دماء القوم عن آخرهم وأعطيتهم الأمان من الله جل جلاله وأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رضي من معي من المسلمين والغدر ليس من شيمنا.
قال وارتفع الصياح بينهما وقد شخص الناس إليهما وخالد مع ذلك لا يرجع عن مراده ونظر أبو عبيدة إلى ذلك فرأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خالد وهم جيش البوادي من العرب مشتبكون على قتال الروم ونهب أموالهم.
قال فنادى أبو عبيدة واثكلاه خفرت والله ونقض عهدي وجعل يدرك جواده ويشير إلى العرب مرة يمينًا ومرة شمالًا وينادي: معاشر المسلمين أقسمت عليكم برسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تمد أيديكم نحو الطريق الذي جئت منه حتى نرى ما نتفق أنا وخالد عليه فلما دعاهم بذلك سكتوا عن القتل والنهب واجتمع إليهما فرسان المسلمين والأمراء وأصحاب الرايات مثل معاذ بن جبل رضي الله عنه ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه وعمرو بن العاص رضي الله عنه وشرحبيل بن حسنة رضي الله عنه وربيعة بن عامر رضي الله عنه وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين ونظرائهم والتقوا عند الكنائس واجتمع هناك فرسان للمشورة والمناظرة.
فقالت طائفة من المسلمين منهم معاذ بن جبل ويزيد بن أبي سفيان: الرأي أن تمشي إلى ما أمضاه أبو عبيدة بن الجراح وتكفوا عن القتال للقوم.
فإن مدن الشام لم تفتح أبدًا وهرقل في أنطاكية كما تعلمون وإن عد أهل المدن صالحتم وغدرتم لم تفتح لكم مدينة صلحًا ولأن تجعلوا هؤلاء الروم في صلحكم خير من قتلهم ثم قالوا لخالد: أمسك عليك ما فتحت بالسيف ويعينك أبو عبيدة بجانبه واكتبا إلى الخليفة وتحاكما إليه فكل ما أمر به فعلناه فقال لهم خالد بن الوليد: قد أجبت إلى ذلك وقبلت مشورتكم فأما أهل دمشق فقد أمنتهم إلا هذين اللعينين توما وهربيس وكان هربيس هو المؤمر على نصف البلدة ولاه توما حين رحمك الأمر إليه.
فقال أبو عبيدة: إن هذين أول من دخل في صلحي فلا تخفر ذمتي رحمك الله تعالى.
فقال خالد: والله لولا ذمامك لقتلتهما جميعًا ولكن يخرجان من المدينة فلعنهما الله حيث سارا.
قال أبو عبيدة: وعلى هنا صالحتهما.
قال ونظر توما وهربيس إلى خالد وهو يتنازع مع أبي عبيدة فخافا الهلاك فأقبلا على أبي عبيدة ومعهما من يترجم عنهما وقالا له: ما يقول هذا يعني خالدًا.
قال الترجمان لأبي عبيدة: ما تقول أنت وصاحبك فيه من المشاورة: إن صاحبك هنا يريد غدرنا فنحن وأهل المدينة دخلنا في عهدكم ونقض العهد ما هو من شيمكم وإني أسألكم أن تدعوني أن أخرج أنا وأصحابي وأسلك أي طريق أردت.
فقال: أنت في ذمتنا فاسلك أي طريق شئت فإذا صرت في أرض تملكونها فقد خرجت من ذمتنا أنت ومن معك.
فقال توما وهربيس: نحن في ذمتكم وجواركم ثلاثة أيام أي طريق سلكنا فإذا كان بعد ثلاثة أيام فلا ذمة لنا عندكم فمن لقينا منكم بعد ثلاثة أيام وظفر بنا فنحن لهم عبيد إن شاء أسرنا وإن شاء قتلنا.
فقال خالد: قد أجبناك إلى ذلك لكن لا تحملوا معكم من هذا البلد إلا الزاد الذي تتقوتون به.
قال أبو عبيدة لخالد: هذا كلام داع لنقض العهد والصلح إنما وقع بيننا أنهم يخرجون برجالهم وأموالهم.
فقال خالد: سمحت لهم بذلك إلا الحلقة يعني السلاح فإني لا أطلق لهم شيئًا من ذلك.
فقال توما: لا بد لنا من السلاح نمنع به عن أنفسنا في طريقنا إن طرقنا طارق حتى نصل إلى بلدنا وإلا فنحن بين أيديكم فاحكموا فينا بما أردتم.
فقال أبو عبيدة: أطلق لكل واحد قطعة من السلاح إن أخذ سيفًا فلا يأخذ رمحًا وإن أخذ رمحًا فلا يأخذ سيفًا وإن أخذ قوسًا فلا يأخذ سكينًا.
فقال توما لما سمع منهم ذلك الكلام: قد رضينا بذلك وما يريد كل واحد منا إلا قطعة من السلاح لا غير ثم قال توما لأبي عبيدة: إني خائف من هذا الرجل أعني خالد بن الوليد فليكتب لي بذلك قال أبو عبيدة: ثكلتك أمك إنا معاشر العرب لا نغدر ولا نكذب وإن الأمير أبا سليمان قوله قول وعهده عهد ولا يقول إلا الصدق.
قال فانطلق توما وهربيس يجمعان قومهما ويأمرانهم بالخروج.
قال وكان الملك له خزانة ديباج في دمشق فيها زهاء من ثلاثمائة حمل ديباج وحلل مذهبة فعزم على إخراجها وأمر توما فضربت له خيمة من القز ظاهر دمشق وأقبلت الروم تخرج الأمتعة والأموال والأحمال حتى أخرجوا شيئًا عظيمًا فنظر خالد بن الوليد إلى كثرة أحمالهم.
فقال: ما أعظم رحالهم ثم قرأ قوله تعالى: {ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون} [الزخرف: 33]. الآية ثم نظر خالد إلى القوم كأنهم حمر مستنفرة ولم يلتفت أحد إلى أخيه من شدة عجلتهم فلما نظر خالد إلى ذلك رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم اجعله لنا وملكنا إياه واجعل هذه الأمتعة قوتًا للمسلمين آمين إنك سميع الدعاء ثم أقبل على أصحابه وقال لهم: إني رأيت أنا رأيًا فهل أنتم تتبعوني عليه.
فقالوا: نتبعك ولا نخالف لك أمرًا فقال خالد: قوموا بخيلكم حق القيام وأحسنوا إليها ما استطعتم وانجزوا سلاحكم فإني أسير بكم بعد ثلاثة أيام في طلب هؤلاء القوم وأرجو من الله أن يغنمنا هذه الغنيمة والأموال التي رأيتموها.
وإن نفسي تحدثني أن القوم ما تركوا في دمشق متاعًا ولا ثوبًا حسنًا إلا وقد أخذوه معهم.
فقالوا: افعل ما تريد فما نخالف لك أمرًا ثم أخذوا في إصلاح شأنهم وتوما وهربيس قد جمعوا مال الرساتيق وجميع المال فلما جمعوه جاءوا به إلى أبي عبيدة.
فقال لهم: وفيتم بما عليكم فسيروا حيث شئتم فلكم الأمان منا ثلاثة أيام.
قال يزيد بن ظريف: فلما سلموا المال لأبي عبيدة ارتحلوا سائرين كأنهم سواد مظلم وكان قد خر من القوم خلق كثير من أهل دمشق بأولادهم وكرهوا أن يكونوا في جوار المسلمين.
قال واشتغل خالد عن اتباعهم بخلاف وقع بينهم وبين أهل دمشق في حنطة وشعير وجدوا في المدينة منه شيئًا كثيرًا.
فقال أبو عبيدة: هو للقوم دخل في صلحهم فكادت الفتنة أن تثور بين أصحاب خالد وبين أصحاب أبي عبيدة واتفق رأيهم أن يكتبوا كتابًا إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه في ذلك وليس عندهم خبر أنه مات يوم دخولهم دمشق.
قال عطية بن عامر: كنت واقفًا على باب دمشق في اليوم الذي سارت فيه الروم مع توما وهربيس ومعهم ابنة الملك هرقل.
قال فنظرت إلى ضرار بن الأزور وهو ينظر إلى القوم شزرًا ويتحسر على ما فاته منهم فقلت له: يا ابن الأزور ما لي أراك كالمتحسر أما عند الله أكثر من ذلك فقال: والله ما أعني مالًا وإنما أنا متأسف على بقائهم وانفلاتهم منا ولقد أساء أبو عبيدة فيما فعل بالمسلمين.
فقلت: يا ابن الأزور ما أراد أمين الأمة إلا خيرًا للمسلمين أن يحقن دمائهم وأزواجهم من تعب القتال فإن حرمة رجل واحد خير مما طلعت عليه الشمس وإن الله سبحانه وتعالى اسكن الرحمة في قلوب المؤمنين وإن الرب يقول في بعض الكتب المنزلة إن الرب لا يرحم من لا يرم.
وقال تعالى: {والصلح خير} [النساء: 128].
فقال ضرار: لعمري إنك لصادق ولكن اشهدوا علي أني لا أرحم من يجعل له زوجة وولدًا.
قال: حدثني عمر بن عيسى عن عبد الواحد بن عبد الله البصري عن واثلة بن الأسقع.
قال: كنت مع خالد بن الوليد في جيش دمشق وكان قد جعلني مع ضرار بن الأزور في الخيل التي تجوب من باب شرقي إلى باب توما إلى باب السلامة إلى باب الجابية إلى باب الصغير إلى باب قيان إذ سمعنا صرير الباب وذلك قبل فتوح الشام وإذا به قد خرج منه فارس فتركناه حتى قرب منا فأخذناه قبضًا بالكف وقلنا: إن تكلمت قتلناك فسكت وإذا قد خرج فارس آخر قام على الباب وجعل ينادي بالذي قد أخذناه فقلنا له: كلمه حتى يأتي.
قال فرطن له بالرومية إن الطير في الشبكة فعلم أنه قد أسر فرجع وأغلق الباب.
قال فأردنا قتله فقال بعضنا: لا تقتلوه حتى نمضي به إلى خالد الأمير.
قال فأتينا به خالدًا فلما نظر إليه قال له: من أنت قال له: أنا من الروم وإني تزوجت بجارية من قومي قبل نزولكم عليهم وكنت أحبها فلما طال علينا حصاركم سألت أهلها أن يزفوها علي فأبوا ذلك وقالوا إن بنا شغلًا عن زفافك وكنت أحب أن ألقاها ولنا في المدينة ملاعب نلعب فيها فوعدتها أن نخرج إلى الملاعب فخرجت وتحدثنا فسألتني أن أخرج بها إلى خارج المدينة ففتحنا الباب وخرجت أنظر أخباركم فأخذني أصحابك فنادتني.
فقلت: إن الطير وقع في الشبكة أحذرها منكم مخافة عليها ولو كان غيرها لهان علي ذلك.
فقال خالد: ما تقول في الإسلام.
فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله فكان يقاتل معنا قتالًا شديدًا فلما دخلنا المدينة صلحا أقبل يطلب زوجته.
فقيل له: إنها لبست ثياب الرهبانية فأقبل إليها وهي لا تعرفه.
فقال لها: ما حملك على الرهبانية.
قالت: حملني على ذلك أني غررت بزوجي حتى أخذته العرب وترهبت حزنًا عليه.
قال: أنا زوجك وقد دخلت في دين العرب.
قال فلما سمعت ذلك قالت: وما تريد قال: أن تكوني في الذمة.
فقالت: وحق المسيح لا كان ذلك أبدًا وما لي إلى ذلك سبيل وخرجت مع البطريق توما فلما نظر إلى امتناعها أقبل إلى خالد بن الوليد فشكا له حاله.
فقال له خالد: إن أبا عبيدة فتح المدينة صلحًا ولا سبيل لك إليها ولما علم أن خالدًا يسير وراء القوم.
فقال: أسير معه لعلي أقع بها وأقام خالد بدمشق إلى اليوم الرابع ثم أقبل إليه يونس الدمشقي زوج الجارية وقال: أيها الأمير قد عزمت على المسير في طلب هذين اللعينين توما وهربيس وأخذ ما معهما قال: بلى.
فقال له: وما الذي أقعدك عن ذلك.
قال: بعد القوم وبيننا وبينهم أربعة أيام بلياليها وهم يسيرون سير الخوف ما يمكن اللحاق بهم.
فقال يونس: إن كان تخلفك لبعد المسافة بيننا وبينهم فأنا أعرف الديار وأسلك طريقًا فنلحقهم إن شاء الله تعالى ولكن البسوا زي لخم وجذام وهو العرب المتنصرة وخذوا الزاد وسيروا.
قال فسار خالد وأخذ عساكر الزحف وهم أربعة آلاف فارس فأمرهم أن يسيروا ويخففوا حمل الزاد ففعلوا ذلك وخالد ومن معه قد صاروا ويونس الذليل أمامهم وهو يتبع آثار القوم وقد أوصى خالد أبا عبيدة على المدينة والمسلمين.
قال زيد بن طريف: وكان يونس دليلنا.
قال فرأى آثار القوم وأنهم إذا سقط منهم حمل جمل تركوه وسار خالد ومن معه كلما دخلوا بلاد من بلاد الروم يظنون أنهم من العرب المتنصرة من لخم وجذام حتى أشرف بهم الذليل على ساحل البحر ونوى أن يطلب الأثر وإذا بالقوم قد عدوا أنطاكية ولم يدخلوها خيفة الملك.
قال فوقع للدليل عند ذلك حيرة في أمره فعدل إلى قرية هناك وسأل بعضًا من الناس فأخبروه أن الخبر قد اتصل إلى الملك بأن توما وهوبيس قد سلما دمشق للعرب فنقم عليهما ولم يدعهما يأتيان إليه وذلك أنه جمع الجيوش وأرسلها إلى اليرموك فخاف أن يتحدثوا بشجاعة العرب وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتضعف قلوبهم فبعث إلى توما ومن معه أن يسيروا إلى القسطنطينية فلما علم يونس أن القوم عدلوا وأخذوا في طلب التحيز فكر في ذلك وغاب عن المسلمين فوقف خالد وصلى بالناس وإذا بيونس قد أقبل وقال: أيها الأمير إني والله قد غررت بكم وبلغت الغاية في الطلب.
قال خالد: وكيف الأمر.
قال: أيها الأمير تبعثني في آثارهم في هذا المكان رجاء أن ألحقهم وأن الملك منعهم من الدخول إلى أنطاكية لئلا يرعبوا عسكره وأمرهم أن يطلبوا القسطنطينية وقد قطع بينكم وبينهم هذا الجبل العظيم وأنتم في جبل هرقل وهو يجمع عسكره ويسير إلى حربكم وإني خائف عليكم إن تركتم هذا الجبل خلف ظهوركم هلكتم وبعد هذا فالأمر إليك وكل ما أمرتني به فعلت.
قال ضرار بن الأزور: فرأيت خالدًا وقد انتقع لونه كالخضاب.
.
.
وكان ذلك منه جزعًا وما عهدت به ذلك.
فقلت: يا أمير على ماذا عولت.
فقال: يا ضرار والله ما فزعت عن الموت ولا من القتل وإنما خفت أن يؤتى المسلمون من قبلي وإني رأيت قبل فتح دمشق منامًا أفزعني وأنا منتظر تأويله وأرجو أن يجعل الله لنا خيرًا وينصرنا على عدونا.
فقال ضرار: خيرًا رأيت وخيرًا يكون إن شاء الله تعالى فما الذي رأيت.
قال: رأيت المسلمين في برية قفرة ونحن سائرون فبينما نحن كذلك وإذا بقطيع من حمر الوحش كثيرة عظيمة أجسامها مهزولة أخفافها وهي لا تكدم برماحنا ونحن نضربها بأسيافنا وهي لا تكترث فيما نزل بها من الأذى ولا تهلع مما ينزل فلم نزل مثل ذلك حتى أجتهدنا واجتهدت خيولنا وأني أقبلت على أصحابي وفرقتهم عليها من أربعة جوانب البرية وحملت عليهم فجفلت من أيدينا إلى مضايق وتلال وأودية خصبة فلم نأخذ منها إلا اليسير فبينما نحن نطبخ ونشوي لحومها وإذا هي قد رجعت تطلب الحرب منا فلما نظرت إليها وقد طرحت المضايق والآجام صحت بالمسلمين اركبوا في طلبها بارك الله فيكم فاستوى المسلمون على خيولهم وركبت معهم وطلبناها حتى وقعت بها وتصيدت منها بعيرًا عظيمًا فقتلته فجعل المسلمون يقتلون ويتصيدون فما بقي منها إلا اليسير فبينما أنا فرح وأنا أريد الرجوع بالمسلمين إلى وطنهم إذ عثرت فرسي فطارت عمامتي من على رأسي فهويت لآخذها فانتبهت من منامي وأنا فزع مرعوب فهل فيكم أحد يفسره فإني أقول الرؤيا ما نحن فيه.
قال فصعب ذلك على القوم وجعل خالد يراود نفسه على الرجوع.
فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أما تفسير الوحوش فهؤلاء الأعاجم الذين نحن في طلبهم وأما سقوطك عن فرسك فإنه أمر تنحط عليه من رفعة إلى خفضة وأما سقوط العمامة عن رأسك فالعمائم تيجان العرب وهي معرة تلحقك.
فقال خالد: أسأل الله العظيم إن كان ذلك تأويل ما رأيته أن يجعله من أمر الدنيا ولا يجعله من أمر الآخرة وبالله أستعين وعليه أتوكل في كل الأمور.
قال ثم سار خالد والذليل أمامهم حتى قطعوا الجبل فلما كانت الليلة التي أردنا أن نصبح فيها القوم أتى مطر كأفواه القرب وكان من توفيق الله عز وعلا أن حبس القوم عن المسير.
قال روح بن طريف رضي الله عنه ولقد رأيتنا ونحن نسير والمطر ينزل علينا كأفواه القرب طول ليلتنا فلما أصبح الصباح وطلعت الشمس قال يونس: أيها الأمير قف حتى أنظر القوم لأنهم لا شك بالقرب منا وقد سمعت صياحهم.
فقال له خالد بن الوليد: أحقًا سمعت صياحهم يا يونس.
قال: نعم أيها الأمير وأريد منك أن تأذن لي بالمسير إليهم وآتيك بخبرهم.
قال فعند ذلك التفت خالد بن الوليد إلى رجل اسمه المفرط بن جعدة.
قال له: يا مفرط سر مع يونس وكن له مؤنسًا وأحذر أن يأخذ خبركما القوم فقال المفرط: السمع والطاعة لله ولك أيها الأمير ثم انطلقا إلى أن صعدا على جبل يقال له الأبرش والروم تسميه جبل باردة.
قال المفرط: فلما علونا عليه وجدنا مرجًا واسعًا كثير الجنبات كثير النبات وفيه خضرة عظيمة وإن القوم قد أصابهم المطر حتى بل رحالهم وقد حميت عليهم الشمس فخافوا إتلافها فأخرجوها وأخرجوا الديباج ونشروها في طول المرج وقد نام أكثرهم من شدة السير والتعب والمطر الذي أصابهم.
قال المفرط بن جعدة: فلما رأيت ذلك فرحت فرحًا شديدًا ورجعت إلى خالد بن الوليد وتركت صاحبي يونس فلما رآني خالد وحدي أسرع إلي وظن أن صاحبي كيد.
فقال: ما وراءك يا ابن جعدة أخبرني وعجل بالخبر.
فقلت: الخير والغنيمة يا أمير وإن القوم خلف هذا الجبل وقد أصابهم المطر وقد وجدوا الراحة بطلوع الشمس وقد نشروا أمتعتهم.
فقال: بشرك الله بالخير ثم ظهر لي من وجهه الخير والفرح والسرور فبينما نحن كذلك وإذا بيونس قد أقبل.
فقال له خالد: خيرًا فقال له: أبشر أيها الأمير فإن القوم أمنوا على أنفسهم ولكن أوص أصحابك أن كل من وقع بزوجتي فليحفظها فما أريد من الغنيمة سواها.
فقال له خالد: هي لك إن شاء الله تعالى ثم إن خالدًا قسم أصحابه أربع فرق فأمر ضرار بن الأزور على ألف فارس وعلى الألف الثاني رافع بن عميرة الطائي وعلى الألف الثالث عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق وبقي هو في الفرقة الرابعة.
وقال: سيروا على بركة الله تعالى وإياكم أن تخرجوا إليهم دفعة واحدة بل يخرج كل أمير منكم بينه وبين صاحبه قدر ساعة ثم افترق القوم وحمل ضرار بن الأزور والروم مطمئنون وحدك من بعله رافع بن عميرة الطائي ثم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ثم خالد بن الوليد سار في آخر القوم حتى وصلوا المرج.
قال عبيد بن سعيد: والله لقد كدنا أن نفتنه من حسن منظره فزعق فينا خالد بن الوليد وقال: عليكم بأعداء الله ولا تشتغلوا بالغنائم ولا بالنظر إلى المرج فإنها لكم إن شاء الله تعالى.
ثم عطف خالد بن الوليد رضي الله عنه على الروم وقد نظرت الروم إلى الخيل وقد خرجت عليهم وخالد أمامهم فعلموا أنها خيول المسلمين فبادروا إلى السلاح وركبوا الخيل وقال بعضهم لبعض: إنها خيل قليلة ساقها المسيح إليكم وجعلها غنيمة لكم فبادروا إليها.
قال فتبادر الروم وهم يظنون أن ليس وراء خالد أحد وإذا بضرار بن الأزور قد خرج عليهم في ألف فارس وطلع رافع بن عميرة الطائي بعده وطلع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق بعدهم وطلبت كل كتيبة فرقة من الروم وتفرقوا من حولهم وطلبوا ما في أيديهم وقد رفعوا أصواتهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله وانصبت خيل المسلمين على الروم كأنها السيل المنحدر ونادى هربيس برجاله قاتلوا عن نعمكم فما لهؤلاء القوم حيلة ولا يخلصون من هذا المكان أبدًا فانقسمت الروم طائفة معه وطائفة مع توما فكان من طلب خالدًا توما وقد أحدق به خمسمائة فارس وقد رفع بين عينيه صليبًا من الجوهر مقمعًا بالذهب الأحمر فعدل خالد وحمل عليه وقال: يا عدو الله أظننتم أنكم تفلتون منا والله تعالى يطوي لنا البلاد وكان توما أعور عورته امرأة أبان قال فحمل عليه وطعنه في عينه الأخرى ففقأها وأرداه عن جواده وحمل أصحابه على رجال توما ولله در عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فإنه لما نظر إلى توما وقد سقط عن جواده نزل وجلس على صدره واحتز رأسه ورفعها على السنان ونادى قد قتل والله توما اللعين فاطلبوا هربيس.
قال الواقدي: ففرح المسلمون بذلك.
قال رافع بن عميرة الطائي
: كنت في الميمنة مع خالد بن الوليد إذ نظر إلي فارس زيه زي الروم وقد نزل عن جواده وهو يقاتل علجة من نساء الروم وهي تظهر عليه مرة فدنوت أنظرها.
فإذا هو يونس الذليل وهو يقاتل زوجته ويصارعها صراع الأسد.
قال رافع: فدنوت أن أتقدم إليهما فأعينه فقصد إلى عشرة من النساء يرمين قوسي بالحجارة فخرج حجر كبير من امرأة حسناء عليها ثياب الديباج.
قال فوقع الحجر في جبهة جوادي فانكب على رأسه وكان جوادًا شهدت عليه اليمامة فسقط الجواد ميتًا.
قال فأسرعت في طلبها فهربت من بين يدي كأنها ظبية القناص وهربت النساء من وراءها فلحقتهن وقصدت قتلهن وزعقت عليهن وكنت أريد قتلهن وما لي قصد إلا الجارية التي قتلت حصاني فدنوت منها وعلوت بالسيف على رأسها فجعلت تقول الغوث الغوث فرجعت عن قتلها وأقبلت إليها وإذا عليها ثياب الديباج وعلى رأسها شبكة من اللؤلؤ فأخذتها أسيرة من النساء وأوثقتها كتافًا ورجعت على أثري فركبت جوادًا من خيل الروم.
ثم قلت: والله لأمضين وأنظر ما كان من أمر يونس فوجدته وهو جالس وزوجته بجانبه وقد تلطخت بدمائها وهو يبكي عليها فلما رأيتها قلت لها أسلمي فقالت: لا وحق المسيح لا اجتمعت أنا وأنتم أبدًا.
ثم أخرجت سكينًا كانت معها فقتلت بها نفسها.
فقلت: إن الله عز وجل أبدلك ما هي أعظم منها وعليها ثياب الديباج وشبكة من اللؤلؤ وهي كأنها القمر فخذها لك بدلًا عن زوجتك فقال: أين هي فقلت: هاهي معي.
قال: فلما نظر إليها وإلى ما عليها من الحلي والزينة وتبين حسنها وجمالها راطنها بالرومية وسألها عن أمرها فرطنت عليه وهي تبكي فالتفت إلي وقال لي: أتدري من هذه قلت: لا فقال: هذه ابنة الملك هرقل زوجة توما وما مثلي يصلح لها ولا بد لهرقل من طلبها ويفديها بماله.
قال: وافتقد المسلمون خالدًا فلم يجدوا له أثرًا فقلقوا عليه قلقًا عظيمًا وخالد رضي الله عنه غائص في المعركة وقصد اللعين هربيس بعد قتل توما فبينما هو يحمل يمينًا وشمالًا إذ نظر علجًا من علوج الرومان عظيم الخلقة أحمر اللون فظن خالد أنه اللعين فأطلق جواده نحوه وطلبه طلبًا شديدًا ليقتله فلما نظر إليه العلج وإلى حملته فر هاربًا من بين يديه فوكزه خالد بالرمح وإذا هو واقع على الأرض على أم رأسه فانقض عليه خالد كالأسد وهو يقول: ويلك يا هربيس أظننت أنك تفوتني وذلك العلج يعرف العربية.
فقال: يا عربي ما أنا هربيس فأبق علي ولا تقتلني.
فقال خالد: ما لك من يدي خلاص إلا إذا كنت تدلني على هربيس.
فإذا دللتني عليه أطلقتك.
فقال له العلج: أئذا دللتك عليه تطلقني فقال خالد: نعم لك ذلك.
فقال العلج: يا أخا العرب قم من على صدري حتى أدلك عليه فقام خالد من على صدره فوثب العلج ونظر يمينًا وشمالًا.
ثم قال لخالد: أترى هذا الجبل وهذه الخيل الصاعدة اقصدها فإن هربيس فيها.
قال فوكل خالد بالعلج واحدًا وهو ابن جابر ثم أطلق خالد عنان جواده حتى لحق بهم وصرخ عليهم وقال: يا ويلكم أنى لكم مني خلاص.
فلما سمع هربيس ذلك ظنه من بعض العرب فزعق فيه ورجع ورجعت البطارقة بالسلاح.
فقال لهم خالد: يا ويلكم ظننتم أن الله لا يمكننا منكم أنا الفارس الصنديد أنا خالد بن الوليد.
ثم طعن فارسًا فرماه وآخر فأرداه.
فلما سمع هربيس كلام خالد قال لأصحابه: يا ويلكم هذا الذي قلب الشام على أصحابه هذا صاحب بصرى وحوران ودمشق وأجنادين دونكم وإياه قال فطمع القوم فيه لانفراده عن أصحابه وكان المسلمون في قتال الروم ونهب الأموال وكل منهم مشتغل بنفسه.
قال فترجلت البطارقة حول خالد لأنهم في جبل كثير الوعر وأحاطوا بخالد بن الوليد فعندما ترجل عن جواده وأخذ سيفه وجحفته وصبر لقتالهم.
قال حدثني شداد بن أوس وكان ممن حضر وقعة مرج الديباج وقال خالد: قد صحت الرؤيا.
فلما ترجل أقبل يقاتل بنفسه وأقبل إليه هربيس وهو مشغل بالقتال وأتاه من ورائه وصوب خالدًا بالسيف فوقع السيف على البيضة فقدها وقد عمامته وانقض السيف من يد هربيس وخاف خالد أن يلتفت إلى ورائه فتهجم عليه الروم وخاف أن يفلت هربيس من بين يديه فعند ذلك صاح بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير كأنه مستبشر بشيء أغاثه أو أدركه وذلك خديعة منه وحيلة يريد بها أن يتمكن من الأعلاج.
فبينما هو كذلك إذ سمع من المسلمين زعقات وقد أخذت الروم من ورائهم وهم يصيحون بالتهليل والتكبير وقائل يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله أتاك النصر من رب العالمين أنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق.
فلما سمع خالد صوته لم يلتفت إلى عبد الرحمن ولا إلى من معه ومضى يفرق الأعلاج ذات اليمين وذات الشمال ولما أن سمع اللعين هربيس أصوات المسلمين أراد الهرب فلحقه سيدنا خالد وضربه ضربة فأرداه قتيلًا وعجل الله بروحه إلى النار واستطال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحاب هربيس ونزلوا فيهم بالسيف حتى أبادوهم صن آخرهم وكان أكثرهم قتلأ من يد ضمرار بن الأزور.
فلما انكشف الكرب عن خالد ونظر إلى ما فعل ضرار.
قال: أفلح الله وجهك يا ابن الأزور فما زلت مباركًا في كل أفعالك أنجح الله أعمالك وأصلح ربي حالك.
ثم سلم على عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعلى المسلمين وقال: من أين علمتم مكاني هذا فقال عبد الرحمن: يا أمين بينما نحن في قتال الروم وقد نصرنا الله عليهم والمسلمون قد اشتغلوا بالغنائم إذا سمعنا هاتفًا من الهواء يقول: اشتغلتم بالغنائم وخالد قد أحاطت به الروم.
فلما سمعنا ذلك لم ندر أي مكان أنت ليه وفقدنا شخصك فدلنا عليك علج كان بيد رجل من أصحابك وقال: إن صاحبكم أنا الذي دللته على هربيس وإنه معه في هذا الجبل فسرنا إليك.
فقال خالد: لقد دلنا على عدونا دل علينا المسلمين وقد وجب له الحق علينا ورجع خالد وأصحابه إلى المسلمين فلما رأوه بادروا وسلموا عليه فرد عليهم السلام.
ثم إن خالدًا رضي الله عنه دعا بذلك العلج الذي دله على هربيس وقال له: إنك وفيت لنا ونريد أن نوفي لك بما وعدناك لأنك نصحت لنا فهل لك أن تكون أصحاب دين الصلاة والصيام وملة محمد صلى الله عليه وسلم فتكون من أهل الجنة فقال: ما أريد بديني بدلًا فأطلق خالد سبيله.
قال نوفل بن عمرو: فرأيته قد استوى على ظهر جواده يطلب بلاد الروم وحده.
ثم إن خالدًا رضي الله عنه أمر بجمع الغنائم والأسارى فجمع ذلك إليه فلما رأى كثرته حمد الله تعالى وشكره وأثنى عليه ودعا بدليله يونس النجيب.
ثم قال له: ما فعلت بزوجتك فحدثه بحديثه معها وما كان من أمرها فعجب من ذلك فقال رافع بن عميرة: أيها الأمير إني أسرت ابنة الملك هرقل وقد سلمتها إليه بدلًا من زوجته فقال خالد: وأين ابنة الملك هرقل فمثلت بين يديه فنظر إلى حسنها وجمالها وما منحها الله به من الجمال فصرف وجهه عنها وقال: سبحانك اللهم وبحمدك تخلق ما تشاء وتختار.
ثم قرأ قوله تعالى: {ربك يخلق ما يشاء ويختار} [القصص: 8]. ثم قال ليونس: أتريدها بدلًا من زوجتك.
قال: نعم ولكني أعلم أن الملك هرقل لا بد له أن يفديها بالأموال أو يخلصها بالقتال.
فقال خالد: خذها لك الآن فإن لم يطلبها فهي لك وإن طلبها فالله يعوضك خيرًا منها.
فقال يونس: أيها الأمير إنك في مكان ضيق ومكان صعب فاعزم على الخروج قبل أن يلحق نفير القوم.
فقال خالد: الله لنا ومعنا وعطف راجعًا يجد في مسيره والغنائم أمامه والمسلمون في أثره فرحين بالغنيمة والسلامة والنصر.
قال روح بن عطية: فقطعنا الطريق كلها وما عرض لنا من الروم أحد ونحن نخوض في وسط ديار القوم خوضًا فلما وصلنا مرج الصغير عند قنطرة أم حكيم نظرنا إلى غبرة من وراءنا.
فلما عايناها أنكرنا ذلك فأسرع رجال من المسلمين إلى خالد يخبرونه بالغبرة.
قال: أيكم يأتيني بخبرها فبادر بالإجابة رجل من غفار يقال له صعصعة بن يزيد الغفاري.
قال: أنا أيها الأمير.
ثم نزل عن جواده وكان بجريه يسبق الفرس الجواد لقوة عزمه فورد الغبرة واختبرها ورجع على عقبه وهو ينادي: أيها الأمير أدركنا الصلبان من ورائنا وهم مصفدون في الحديد لم يبن منهم غير حماليق الحدق فدعا خالد بيونس الدليل عندما قاربته الخيل وقال: يا يونس اقصد نحو الخيل وانظر ما يريدون.
فقال: السمع والطاعة.
ثم دنا من الخيل وقاربهم ثم رجع إلى خالد وقال له: ألم أقل لك أيها الأمير إن هرقل لا يغفل عن طلب ابنته وقد أنفذ هذه الخيل يريدون أن يأخذوا الغنيمة من أيدي المسلمين فلما لحقوك ههنا قريبًا من دمشق بعثوا رسولًا يسألك في الجارية إما بيعها وإما هدية فبينما خالد يتحدث إذ أقبل إليه شيخ عليه لبس المسوح فأقبل حتى دنا من المسلمين فأوقفوه أمام خالد وقال له: قل ما تشاء.
فقال الشيخ: أنا رسول الملك هرقل وإنه يقول لك بلغني ما فعلت برجالي وقتلت توما زوج ابنتي وهتكت حرمتي وقد ظفرت وسلمت فلا تفرط بمن معك والآن إما أن تبيع ابنتي أو تهديها إلي فالكرم شيمتكم وطبعكم ولا يرحم من لا يرحم وإني أرجو أن يقع بيننا الصلح فلما سمع خالد ذلك.
قال للشيخ: قل لصاحبك والله لا رجعت عنه وعن أهل ملته حتى أملك سريره وما تحت قدميه كما في علمك وأما إبقاؤك علينا فلو وجدت إلى ذلك من سبيل فما قصرت وأما ابنتك فهي لك هدية منا ثم إن خالدًا أطلق ابنة الملك هرقل وسلمها للشيخ ولم يأخذ في فدائها شيئًا فلما بلغ ذلك الرسول إلى الملك هرقل قال لعظماء الروم: هذا الذي أشرت عليكم فلم قال الواقدي: فبكت الروم بكاء شديدًا وسار خالد حتى أتى دمشق وكان المسلمون وأبو عبيدة قد أيسوا من خالد ومن معه فهم في أعظم القلق والإياس إذ قدم عليهم خالد رضي الله عنه والمسلمون فخرجوا إلى لقائه وهنئوه بالسلامة وسلم المسلمون بعضهم على بعض ووجد خالد في دمشق عمرو بن معد يكرب الزبيدي ومالك بن الأشتر النخعي ومن كان معهما وأقبل خالد إلى جانب أبي عبيدة وهو يحدثه بما لاقى في غزوته وأبو عبيدة يتعجب من شجاعته وجسارته فلما استقر بخالد مكانه أخذ الخصر من الغنائم وفرق الباقي على المسلمين ثم إن خالدًا أعطى من ماله ليونس وقال: خذ هذا فتزوج به أو اشتر به جارية لك من بنات الروم.
قال يونس: والله لا أتزوج في هذه الدار الدنيا زوجة أبدًا وما أريد إلا أن أتزوج في الآخرة بعيناء من الحور العين.
قال رافع بن عميرة الطائي: فشهد معنا القتال إلى يوم اليرموك فما كنت أراه في حرب إلا ويجاهد جهادًا عظيمًا وقد أبلى في الروم بلاء حسنا فأتاه سهم في لبته فخز ميتًا رحمه الله تعالى.
قال رافع: فحزنت عليه وأكثرت من الترحم عليه فرأيته في النوم وعليه حلل تلمع وفي رجليه نعلان من ذهب وهو يجول في روضة خضراء فقلت له: ما فعل الله بك.
قال: غفر لي وأعطاني بدلًا من زوجتي سبعين حوراء لو بدت واحدة منهن في الدنيا لكف ضوء وجهها نور الشمس والقمر فجزاكم الله خيرًا فقصصت الرؤيا على خالد فقال: ليس كتب خالد بالفتح قال الواقدي: ولقد بلغني أن خالدًا رضي الله عنه لما رجع من غزوته ومسيره غانمًا ظن أن الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه حي لم يقبض فهم أن يكتب له كتابًا بالفتح والبشارة وما غنم من الروم وأبو عبيدة لا يخبره بذلك ولا يعلمه أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فدعا خالد بدواة وبياض وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الله خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم من عامله على الشام خالد بن الوليد.
أما بعد سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم إنا لم نزل في مكابدة العدو على حرب دمشق حتى أنزل الله علينا نصره وقهر عدوه وفتحت دمشق عنوة بالسيف من باب شرقي وكان أبو عبيدة على باب الجابية فخدعته الروم فصالحوه على الباب الآخر ومنعني أن أسبي وأقتل ولقيناه على كنيسة يقال لها كنيسة مريم وأمامه القسس والرهبان ومعهم كتاب الصلح وإن صهر الملك توما وآخر يقال له هربيس خرجا من المدينة بمال عظيم وأحمال جسيمة فسرت خلفها في عساكر الزحف وانتزعت الغنيمة من أيديهما وقتلت الملعونين وأسرت ابنة الملك هرقل ثم أهديتها إليه ورجعت سالمًا وأنا منتظر أمرك والسلام عليك وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وطوى الكتاب وختمه بخاتمه ودعا برجل من العرب يقال له عبد الله بن قرط فدفع إليه الكتاب وسار إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوردها والخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقرأ عنوان الكتاب وإذا هو: من خالد إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: أما عرف المسلمون وفاة أبي بكر رضي الله عنه فقال: لا يا أمير المؤمنين فقال: قد وجهت بذلك كتابًا إلى أبي عبيدة وأمرته على المسلمين وعزلت خالدًا وما أظن أبا عبيدة يريد الخلافة لنفسه فسكت وقرأ الكتاب.
قال أصحاب السير في حديثهم ممن تقدم ذكرهم وإسنادهم في أول الكتاب ممن روى فتوح الشام ونقلوها عنالثقات منهم محمد بن إسحاق وسيف بن عمرو وأبو عبد الله محمد بن عمر الواقدي رضى الله عنه كل حدث بما رواه وسمعه ثقة عن ثقة.
قالوا جميعًا في أخبارهم: إنه لما قبض أبو بكر الصديق رضي الله عنه وولي الأمر بعده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وله من العمر اثنتان وخمسون سنة بايعه الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة تامة ولم يتخلف عن مبايعته أحد لا صغير ولا كبير وانقطع في إمارته الشقاق والنفاق وانحسم الباطل وقام الحق وقوي السلطان في إمارته وضعف كيد الشيطان وظهر أمر الله وهم كارهون ومن أمره أنه كان يجلس مع الفقير ويتلطف بالناس والمسلمين ويرحم الصغير ويوقر الكبير ويعطف على اليتيم وينصف المظلوم من الظالم حتى يرد الحق إلى أهله ولا تأخذه في الله لومة لائم وكان في إمارته يدور في أسواق المدينة وعليه مرقعة وبيده درته وكانت درته أهيب من سيف الملوك وسيوفكم هذه وكان قوته في كل يوم خبز الشعير وادمه الملح الجريش وربما أكل خبزه بغير ملح تزهدًا واحتياطًا وترفقًا على المسلمين ورأفة ورحمة لا يريد بذلك إلا الثواب من الله سبحانه وتعالى ولا يشغله شاغل عن أداء الفريضة.
وما أوجب الله عليه من حقوقه وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد تولى والله عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخلافة فجد في التشمر وترك عن نفسه التكبر ولقد كان أحرقه خبز الشعير والملح وأراد أكل الزيت واليابس من التمر وربما أخذ شيئًا من السمن ويقول: أكلت الزيت وخبز الشعير والملح والجوخ أهون غدًا من نار جهنم من حل بها لم يمت ولم يجد فيها راحة أبدًا قرارها بعيد وعذابها شديد وشرابها الصديد لا يؤذن لهم فيعتفرون جند الجنود في إمارته وبعث العساكر وفتح الفتوحات ومصر الأمصار وكان يخاف عذاب النار رضي الله عنه.
قال الواقدي رحمه الله تعالى: ولقد بلغني أن هرقل لما بلغه أن عمر بن الخطاب قد ولي الأمر من بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه جمع الملوك والبطارقة وأرباب دولته وقام فيهم خطيبًا على منبر قد نصب له في كنيسة القسيسين وقال: يا بني الأصفر هذا الذي كنت أحذركم منه فلم تسمعوا مني وقد اشتد الأمر عليكم بولاية هذا الرجل الأسمر وقد دنا موعد صاحب الفتوح المشبه بنوح والله ثم والله لا بد أن يملك ما تحت سريري هذا الحذر ثم الحذر قبل وقوع الأمر ونزول الضرر وهدم القصور وقتل القسس وتبطيل الناقوس هذا صاحب الحرب والجالب على الروم والفرس الكرب هذا الزاهد في دنياه وهذا الغليظ على من اتبع في غير ملته هواه وإني أرجو لكم النصر إن أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وتركتم الظلم واتبعتم المسيح في أداء المفروضات ولزوم الطاعات وترك الزنا وأنواع الخطايا وإن أبيتم إلا الفساد والفسوق والعصيان والركون إلى شهوات الدنيا يسقط الله عليكم عدوكم ويبلوكم بما لا طاقة لكم به ولقد أعلم أن دين هؤلاء سيظهر على كل دين ولا يزال أهله بخير ما لم يغتروا ويبذلوا فإما أن ترجعوا إليه وإما أن تصالحوا القوم على أداء الجزية فلما سمع القوم ذلك نفروا وبادروا إليه وهموا بقتله فسكن غضبهم بلين كلامه ولاطفهم.
وقال لهم: إنما أردت أن أرى حميتكم لدينكم وهل تمكن خوف العرب في قلوبكم أم لا.
ثم استدعى برجل من المتنصرة يقال له طليعة بن ماران وضمن له مالًا وقال له: انطلق من وقتك هذا إلى يثرب وانظر كيف تقتل عمر بن الخطاب فقال له طليعة: نعم أيها الملك.
ثم تجهز وسار حتى ورد مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكمن حولها وإذا بعمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج يشرف على أموال اليتامى ويفتقد حدائقهم فصعد المتنصر إلى شجرة ملتفة الأغصان فاستتر بأوراقها وإذا بعمر رضي الله عنه قد أقبل إلى أن قرب من الشجرة التي عليها المتنصر ونام على ظهره وتوسد بحجر فلما نام هم المتنصر أن ينزل إليه ليقتله وإذا بسبع أقبل من البرية فطاف حوله وأقبل يلحس قدميه وإذا بهاتف يقول: يا عمر عدلت فأمنت فلما استيقظ عمر رضي الله عنه ذهب السبع ونزل المتنصر وترامى على عمر رضي الله عنه فقبل يديه وقال: بأبي أنت وأمي أفدى من الكائنات من السباع تحرسه والملائكة تصفه والجن تعرفه ثم أعلمه بما كان منه وأسلم على يديه.
قال الواقدي: ثم إن عمر رضي الله عنه كتب كتابًا لأبي عبيدة بن الجراح يقول فيه: قد وليتك على الشام وجعلتك أميرًا على المسلمين وعزلت خالد بن الوليد والسلام.
ثم سلم الكتاب إلى عبد الله بن قرط وأقام قلقًا على ما يرد عليه من أمور المسلمين وصرف همته إلى الشام.
تولية أبي عبيدة قال الواقدي: حدثني رافع بن عميرة الطائي.
قال حدثني يونس بن عبد الأعلى وقد قرأت عليه بجامع الكوفة.
قال حدثني عبد الله بن سالم الثقفي عن أشياخه الثقات.
قال: لما كانت الليلة التي مات فيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه رأى عبد الرحمن بن عوف الزهري رضي الله عنه رؤيا قصها على عمر رضي الله عنه وكانت تلك الليلة بعينها قال: رأيت دمشق والمسلمون حولها وكأني أسمع تكبيرهم في أذني وعند تكبيرهم وزحفهم رأيت حصنًا قد ساخ في الأرض حتى لم أر منه شيئًا ورأيت خالدًا وقد دخلها بالسيف وكأن نارًا أمامه وكأنه وقع على النار فانطفأت فقال الإمام علي كرم الله وجهه ورضي الله تعالى عنهم أجمعين: أبشر فقد فتح الشام هذه الليلة أو قال: يومك هذا إن شاء الله تعالى فبعد أيام قدم عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتاب الفتح فلما رآه قال: يا ابن عامر كم عهدك.
قال: قلت: يوم الجمعة.
قال: ما معك من الخبر.
فقلت: خير وبشارة وإني سأذكرها بين يدي الصديق رضي الله عنه.
فقال: قبض والله حميدًا وصار إلى رب كريم وقلدها عمر الضعيف في جسمه فإن عدل فيها نجا وإن ترك أو خلط هلك.
قال عقبة بن عامر: فبكيت وترحمت على أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأخرجت الكتاب فدفعته إليه فلما قرأه نظر فيه وكتم الأمر إلى وقت صلاة الجمعة.
فلما خطب وصلى ورقى المنبر واجتمع المسلمون إليه وقرأ عليهم كتاب الفتح فضج المسلمون بالتهليل والتكبير وفرحوا ثم نزل عن المنبر وكتب إلى أبي عبيدة رضي الله عنه بتوليته وعزل خالد ثم سلمني الكتاب وأمرني بالرجوع قال فرجعت إلى دمشق فوجدت خالدًا قد سار خلف توما وهربيس فدفعت الكتاب إلى أبي عبيدة فقرأه سرًا ولم يخبر أحدًا بموت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم كتم أمره وكتم عزل خالد وتوليته على المسلمين حتى ورد خالد من السرية فكتب الكتاب بفتح دمشق ونصرهم على عدوهم وبما ملكوا من مرج الديباج وإطلاق بنت الملك هرقل وسلم الكتاب إلى عبد الله بن قرط فلما ورد به إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقرأ عنوان الكتاب من خالد بن الوليد إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنكر الأمر ورجعت حمرته إلى البياض وقال: يا ابن قرط أما علم الناس بموت أبي بكر رضي الله عنه وتوليتي أبا عبيدة بن الجراح قال عبد الله بن قرط: قلت: لا فغضب وجمع الناس إليه وقام على المنبر.
ثم قال: يا معاشر الناس إني أمرت أبا عبيدة الرجل الأمين وقد رأيته لذلك أهلًا وقد عزلت خالدًا عن إمارته فقال رجل من بني مخزوم: أتعزل رجلًا قد أشهر الله بيده سيفًا قاطعًا ونصر به دينه وإن الله لا يعذرك في ذلك ولا المسلمين إن أنت أغمدت سيفًا وعزلت أميرًا أمره الله لقد قطعت الرحم ثم سكت الرجل فنظر عمر رضي الله عنه إلى الرجل المخزومي فرآه غلامًا حدث السن.
فقال شاب حدث السن غضب لابن عمه ثم نزل عن المنبر وأخذ الكتاب وجعله تحت رأسه وجعل يؤامر نفسه في عزل خالد فلما كان من الغد صلى صلاة الفجر وقام فرقى المنبر خطيبًا فحمد الله وأثنى عليه وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فصلى عليه وترحم على أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم قال: أيها الناس إني حملت أمانة عظيمة وإني راع وكل راع مسؤول عن رعيته وقد جئت لإصلاحكم والنظر في معايشكم وما يقربكم إلى ربكم أنتم ومن حضر في هذا البلد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من صبر على أذاها وشرها كنت له شفيعًا يوم القيامة). وبلادكم بلاد لا زرع فيها ولا ضرع ولا ما أوقر به الإبل إلا من مسيرة شهر وقد وعدنا الله مغانم كثيرة وإني أريدها للخاصة والعامة لأولي الأمانة والتوقير للمسلمين.
.
.
وما كرهت ولاية خالد على المسلمين إلا لأن خالدًا فيه تبذير المال يعطي الشاعر إذا مدحه ويعطي للمجاهد والفارس بين يديه فوق ما يستحقه من حقه ولا يبقي لفقراء المسلمين ولا لضعفائهم شيئًا وإني أريد عزله وولاية أبي عبيدة مكانه والله يعلم أني ما وليته إلا أمينًا فلا يقول قائلكم: عزل الرجل الشديد وولى الأمين اللين للمسلمين فإن الله معه يسدده ويعينه ثم نزل عن المنبر وأخذ جلد أدم منشور وكتب إلى أبي عبيدة كتابًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله بن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبعد فقد وليتك أمور المسلمين فلا تستحي فإن الله لا يستحي من الحق وإني أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى ما سواه والذي استخرجك من الكفر إلى الإيمان ومن الضلال إلى الهدى وقد استعملتك على جند ما هنالك مع خالد فاقبض جنده واعزله عن إمارته ولا تنفذ المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة ولا تنفذ سرية إلى جمع كثير ولا تقل إني أرجو لكم النصر فإن النصر إنما يكون مع اليقين والثقة بالله وإياك والتغرير بإلقاء المسلمين إلى الهلكة وغض عن الدنيا عينيك وإله عنها قلبك وإياك أن تهلك كما هلك من كان قبلك فقد رأيت مصارعهم وخبرت سرائرهم وإنما بينك وبين الآخرة ستر الخمار وقد تقدم فيها سلفك وأنت كأنك منتظر سفرًا ورحيلًا من دار قد مضت نضرتها وذهبت زهرتها فأحزم الناس فيها الراحل منها إلى غيرها ويكون زاده التقوى وراع المسلمين ما استطعت وأما الحنطة والشعير الذي وجدت بدمشق وكثرت في ذلك مشاجرتكم فهو للمسلمين وأما الذهب والفضة ففيهما الخمس والسهام وأما اختصامك أنت وخالد في الصلح أو القتال فأنت الولي وصاحب الأمر وإن صلحك جرى على الحقيقة أنها للروم فسلم إليهم ذلك والسلام ورحمة الله وبركاته عليك وعلى جميع المسلمين.
وأما هديتك ابنة الملك هرقل فهديتها إلى أبيها بعد أسرها تفريط وقد كان يأخذ في فديتها مالًا كثيرًا يرجع به على الضعفاء من المسلمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وطوى الكتاب وختمه بخاتمه ثم دعا بعامر بن أبي وقاص أخي سعد ودفع الكتاب إليه وقال له: انطلق إلى دمشق وسلم كتابي هذا إلى أبي عبيدة وأمره أن يجمع الناس إليه واقرأه أنت على الناس يا عامر وأخبره بموت أبي بكر الصديق رضي الله عنه ثم دعا عمر رضي الله عنه بشداد بن أوس فصافحه وقال له: امض أنت وعامر إلى الشام فإذا قرأ أبو عبيدة الكتاب فأمر الناس يبايعونك لتكون بيعتك بيعتي.
قال الواقدي: فانطلقا يجدان في السير إلى أن وصلا إلى دمشق والناس مقيمون بها ينتظرون ما يأتيهم من خبر أبي بكر الصديق رضي الله عنه وما يأمرهم به فأشرف صاحبا عمر رضي الله عنه على المسلمين وقد طالت أعناقهم إليهما وفرحوا بقدومهما فأقبلا حتى نزلا في خيمة عمر رضي الله عنه وقال له عامر بن أبي وقاص: تركته يعني عمر بخير ومعي كتاب وإنه أمرني أن أقرأه على الناس بالاجتماع فاستنكر خالد ذلك واستراب الأمر وجمع المسلمين إليه فقام عامر بن أبي وقاص فقرأ الكتاب فلما انتهى إلى وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ارتفع للناس ضجة عظيمة بالبكاء والنحيب وبكى خالد رضي الله عنه وقال: إن كان أبو بكر قد قبض وقد استخلف عمر فالسمع والطاعة لعمر وما أمر به وقرأ عامر الكتاب إلى آخره فلما سمع الناس بما فيه من أمر المبايعة لشداد بن أوس بايعوه وكانت المبايعة بدمشق لثلاث خلت من شهر شعبان سنة ثلاث عشر من الهجرة.
قال الواقدي رحمه الله تعالى: قد بلغني أنه كان على العدو بعد عزله أشد فظاعة وأصعب جهادًا لا سيما في حصن أبي القدس.
ذكر حديث وقعة أبي القدس
قال الواقدي رحمه الله تعالى: سألت من حدث بهذا الحديث عن حصن أبي القدس.
قال: ما بين عرقا وطرابلس مرج يقال له مرج السلسلة وكان بإزائه دير وفيه صوامع وفيه صومعة راهب عالم بدين النصرانية وقد قرأ الكتب السالفة وأخبار الأمم الماضية المتقدمة وكانت تقصده الروم وتقتبس من علمه وله من العمر ما ينوف عن مائة سنة وكان في كل سنة يقوم عند ديره عيد آخر صيام الروم وهو عيد الشعانين فتجتمع الروم والنصارى وغيرهم من جميع النواحي والسواحل ومن قبط مصر ويحدقون به فيطلع عليهم من ذروة له فيعلمهم ويوصيهم بوصايا الإنجيل وكان يقوم في ذلك العيد سوق عظيم من السنة إلى السنة وكان يحمل له الأمتعة والذهب والفضة ويبيعون ويشترون ثلاثة أيام وما كان المسلمون يعلمون بذلك ولا يعرفونه حتى دلهم عليه رجل نصراني من المعاهدين وقد اصطفاه وأمنه وأهله فلما ولي أبو عبيدة أمر المسلمين أراد ذلك المعاهد أن يتقرب إلى أبي عبيدة رضي الله عنه فعسى أن يكون فتح الدير والسوق على يديه فأقبل إليه وأبو عبيدة قد أطال الفكر فيما يصنع وأي بلد من بلاد الروم يقصد فمرة يقول: أسير إلى بيت المقدس بالجيش فإنها أشرف بلدهم وكرسي مملكة الروم بها قيام دينهم ووقتا يقول: أسير إلى أنطاكية وأقصد هرقل وأفرغ منه وبينما هو يفكر في أمره وقد جمع المسلمين إذ أقبل ذلك المعاهد وكان من نصارى الشام.
فقال: أيها الأمير إنك قد أحسنت إلي وأمنتني ووهبتني أهلي ومالي ولدي وقد أتيتك ببشارة وغنيمة تغنمها المسلمون ساقها الله إليهم فإن أظفرهم الله بها استغنوا غنى ولا فقر بعده.
فقال أبو عبيدة: أخبرنا ما هذه الغنيمة وأين تكون.
فما علمتك إلا ناصحًا.
فقال: أيها الأمير إنها بإزائك على دير الساحل وهو حصن يعرف بأبي القدس وبإزائه دير فيه راهب تعظمه النصرانية ويتبركون بدعائه ويقتبسون من علمه وله في كل سنة عيد يجتمعون إليه من كل النواحي والقرى والأمصار والضياع والأديرة ويقوم عنده سوق عظيم يظهرون فيه فاخر ثيابهم من الديباج والذهب والفضة يقيمون عنده ثلاثة أيام أو سبعة وقد قرب وقت قيام السوق فتأخذون جميع ما فيه وتقتلون الرجال وتسبون النساء والذراري وهذه غنيمة يفرح بها المسلمون ويوهن لها عدوكم.
قال الواقدي: فلما سمع أبو عبيدة ما قاله المعاهد فرح رجاء أن يكون ما قاله المعاهد غنيمة للمسلمين.
فقال للمعاهد: كم بيننا وبين هذا الدير.
قال: عشرة فراسخ للمجد السائر.
قال أبو عبيدة: وكم بقي إلى قيام السوق.
قال: أيام قلائل قال أبو عبيدة: فهل يكون لهم حامية يلي أمرهم ويصد عنهم.
قال المعاهد: لسنا نعرف ما ذكرت في بلاد الملك لأنه لا يصيب بعضنا بعضًا لهيبة هرقل في قلوبهم فلما سمع أبو عبيدة قال: هل بالقرب منه شيء من مدائن الشام قال: نعم بالقرب من السوق مدينة تسمى طرابلس وهي مينا الشام إليها تقدم المراكب من كل مكان وفيها بطريق عظيم كثير التجبر وقد أقطعه الملك إياها من تجبره وهو يحضر السوق وما كنت أعهد أن لهذا السوق حامية من الروم إلا أن يكون الآن لخوفهم منكم ولو سار إلى الدير والسوق أدنى للمسلمين لرجوت لهم الفتح إن شاء الله تعالى.
فقال أبو عبيدة: أيها الناس أيكم يهب نفسه لله تعالى وينطلق مع جيش أبعثه فتحا للمسلمين فسكت الناس ولم يتكلم أحد فنادى أبو عبيدة ثانية وإنما يريد خالدًا بقوله واستحى أن يواجهه في ذلك لأجل عزله فقام من وسط الناس غلام شاب نبت شعر عارضيه واخضر شاربه وكان ذلك الشاب عبد الله بن جعفر رضي الله عنه وكانت أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وكان أبوه جعفر رضي الله عنه قد مات في غزوة تبوك وخلف ولده عبد الله صغيرًا فتزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه فلما كبر وترعرع كان يقول لأمه: يا أماه ما فعل أبي فتقول: يا ولدي قتله الروم وكان يقول: لئن عشت لأخذن بثأره فلما مات أبو بكر وتولى عمر رضي الله عنه جاء عبد الله إلى الشام في بعث بعثه عمر مع عبد الله بن أنيس الجهني وكان فيه مشابهة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه وخلقه وهو أحد الأصحاب الأسخياء فلما قال أبو عبيدة رضي الله عنه: أيها الناس من ينطلق إلى هذا الدير وثب عبد الله بن جعفر الطيار رضي الله عنه.
فقال: أنا أول من يسير مع هذا البعث يا أمين الأمة ففرح أبو عبيدة وجعل يندب له رجالًا من المسلمين وفرسان الموحدين وقال له: أنت الأمير يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقد له راية سوداء وسلمها إليه وكان على الخيل خمسمائة فارس منهم رجال من أهل بدر وكان من جملة من سيره مع عبد الله أبو ذر الغفاري وعبد الله بن أبي أوفى وعامر بن ربيعة وعبد الله بن أنيس وعبد الله بن ثعلبة وعقبة بن عبد الله السلمي وواثلة بن الأسقع وسهل بن سعد وعبد الله بن بشر والسائب بن يزيد ومثل هؤلاء السادات رضي الله عنهم أجمعين.
قال الواقدي: ولما أن اجتمعت الخمسمائة فارس تحت راية عبد الله بن جعفر وما منهم إلا من شهد الوقائع وخاض المعامع لا يولون الأدبار ولا يركنون إلى الفرار عولوا على المسير.
وقال أبو عبيدة لعبد الله بن جعفر: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقدم على القوم إلا في أول قيام السوق ثم إنه ودعهم وساروا.
قال الواقدي: وكان في هذه السرية مع عبد الله بن جعفر واثلة بن الأسقع وكان خروجهم من أرض الشام وهي دمشق إلى دير أبي القدس في ليلة النصف من شعبان وكان القمر زائد النور.
وقال وأنا إلى جانب عبد الله بن جعفر.
فقال لي: يا ابن الأسقع ما أحسن قمر هذه الليلة وأنوره فقلت: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ليلة النصف من شعبان وهي ليلة مباركة عظيمة وفي هذه تكتب الأرزاق والآجال وتغفر فيها الذنوب والسيئات وكنت أردت أن أقومها.
فقلت: إن سيرنا في سبل الله خير من قيامها والله جزيل العطاء.
فقال: صدقت ثم إننا سرنا ليلتنا فبينما نحن سائرون إذ أشرفنا على صومعة راهب وعليه برنس أسود فجعل يتأملنا وينظر في وجوهنا فتفقدنا واحدًا بعد واحد ثم جعل يطيل النظر في وجه عبد الله ثم قال: أهذا الفتى ابن نبيكم.
فقلنا: لا قال: إن نور النبوة يلوح بين عينيه فهل يلحق به.
فقلنا: هو ابن عمه.
فقال الراهب: هو من الورقة والورقة من الشجرة.
فقال عبد الله: أيها الراهب وهل تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: وكيف لا أعرفه واسمه وصفته في التوراة والإنجيل والزبور وإنه صاحب الجمل الأحمر والسيف المشهر.
فقال عبد الله: فلم لا تؤمن به وتصدقه.
فرفع يده إلى السماء وقال: حتى يشاء صاحب هذه الخضراء فأعجبنا كلامه وسرنا والدليل بين أيدينا إذ أتى بنا إلى واد كثير الشجر والماء أمرنا أن نكمن فيه ثم قال لعبد الله بن جعفر: إني ذاهب أجس لكم الخبر.
فقال له عبد الله: أسرع في مسيرك وعد إلينا بالخبر.
قال فانطلق مسرعًا وأقام عبد الله بن جعفر يحرس المسلمين بنفسه إلى الصباح.
قال: فلما أصبحنا صلينا صلاة الصبح وجلسنا ننتظر رجوع الرسول فلم يأت وأبطأ خبره علينا فقلق المسلمون عليه لاحتباسه وخافوا من المكيدة ووسوس لهم الشيطان وساءت بالدليل الظنون فما من المسلمين إلا من ظن بالمعاهد شرًا إلا أبا ذر الغفاري رضي الله عنه فإنه قال: ظنوا بصاحبكم خيرًا ولا تخافوا منه كيدًا ولا مكرًا إن له شأنًا تعلمونه.
قال فسكت الناس بعد ذلك وإذا بصاحبهم قد أقبل.
قال واثلة بن الأسقع: فلما رأيناه فرحنا به وظننا أنه يأمر بالنهوض إلى العدو فأقبل حتى وقف وسط المسلمين.
وقال: يا أصحاب محمد وحق المسيح ابن مريم أني لا أكذبكم فيما أحدثكم به وإني رجوت لكم الغنيمة وقد حال بينكم وبينها ماء.
فقال له عبد الله رضي الله عنه: وكيف حيل بيننا وبينها قال: حال بينكم وبينها بحر عجاج وذلك أني أشرفت على السوق وقد قام فيه البيع والشراء فاجتمع فيه أهل عين النصرانية وقد دار أكثرهم بالدير دير أبي القدس واجتمع إليه القسس والرهبان والملوك والبطارقة فلما نظرت إلى ذلك لم أرجع حتى اختبرت ما السبب الني تجمعت له الخلق زيادة على كل سنة وذلك أني مضيت واختلطت بالقوم وإذا بصاحب طرابلس قد زوج ابنته ملكًا من ملوك الروم وقد أتوا بالجارية إلى الدير ليأخذوا لها من راهبهم قربانًا وقد دار بها فرسان الروم المتنصرة في عددهموعديدهم كل ذلك خوفًا منكم لأنهم يعلمون أنكم بأرض الشام: يا معاشر المسلمين وما أرى لكم صوابًا أن تصلوا إلى القوم لأنهم خلق كثير وجم غفير وجمع غزير.
فقال عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: في كم يكون القوم وكم حزرتهم فقال: أما السوق ففيه أكثر من عشرين ألفًا من عوام الروم والأرمن والنصارى والقبط واليهود من مصر والشام وأهل السواد والبطارقة والمتنصرة وأما المستعدون للحرب فخمسة آلاف فارس فما لكم بالقوة طاقة وإن وقع الصائح في بلادهم انضاف إليهم أمثالهم فإن بلادهم متصلة بهم وأما أنتم فعمدكم يسير والعرب منكم بعيد.
قال الواقدي: فصعب ذلك على عبد الله بن جعفر وعلى المسلمين وسقط في أيديهم وهموا بالرجوع.
فقال عبد الله بن جعفر: معاشر المسلمين ما الذي تقولون في هذا الأمر فقالوا: نرى أن لا نلقي بأيدينا إلى التهلكة كما أمر ربنا في كتابه العزيز ونرجع إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه والله لا يضيع أجرنا.
قال فلما سمع عبد الله قولهم قال: أما أنا فأخاف إن فعلت ذلك أن يكتبني الله من الفارين وما أرجع أو أبدي عفرًا عند الله تعالى فمن ساعدني فقد وقع أجره على الله ومن رجع فلا عتب عليه فلما سمعوا ذلك من عبد الله بن جعفر أميرهم وبذل مهجته استحيوا منه وأجابوه بأجمعهم وقالوا: افعل ما تريد فما ينفع حذر من قدر ففرح بإجابتهم ثم عمد إلى درعه فأفرغه عليه ووضع على رأسه بيضة وشد وسطه بمنطقة وتقلد بسيف أبيه واستوى على متن جواده وأخذ الراية بيده وأمر الناس بأخذ الأهبة فلبسوا دروعهم واشتملوا بسلاحهم وركبوا خيولهم وقالوا للدليل: سر بنا نحو القوم فستعاين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبًا.
قال واثلة بن الأسقع: فرأيت الدليل قد اصفر وجهه وتغير لونه وقالوا: سيروا أنتم برأيكم وما علي من أمركم وخرج قال أبو ذر الغفاري فرأيت عبد الله بن جعفر يتلطف به حتى سار بين يديه يدله على القوم ساعة ثم وقف وقال: أمسكوا عليكم فإنكم قد قربتم من القوم فكونوا في مواضعكم كامنين إلى وقت السحر ثم أغيروا على القوم.
قال واثلة بن الأسقع: فبتنا ليلتنا حيث أمرنا ونحن نطلب النصر من الله تعالى على الأعداء فلما أصبح النهار صلى بهم عبد الله بن جعفر صلاة الصبح فلما فرغوا من صلاتهم قال: ما ترون في الغارة فقال عامر بن عميرة بن ربيعة: أدلكم على أمر تصنعونه قالوا: قل.
قال: اتركوا القوم في بيعهم وشرائهم وإظهار أمتعتهم ثم اكبسوا عليهم على حين غفلة وغزة من أمرهم فصوب الناس رأيه وصبروا إلى وقت قيام السوق ثم أظهروا السيوف من أغمادها وأوتروا القسي وشرعوا لاماتهم وعبد الله بن جعفر أمامهم والراية بيده فلما طلعت الشمس عمد عبد الله إلى المسلمين فجعلهم خمسة كراديس كل كردوس مائة فارس وجعل على كل مائة نقيبًا وقال: تأخذ كل مائة منكم قطرًا من أقطار سوقهم ولا تشغلوا بنهب ولا غارة ولكن ضعوا السيوف في المفارق والعواتق وتقدم عبد الله بن جعفر بالراية وطلع على القوم فنظر إلى الروم متفرقين في الأرض كالنمل لكثرتهم وقد أحدق منهم بدير الراهب خلق كثير والراهب قد أخرج رأسه من الدير وهو يعظ الناس ويوصيهم ويعلمهم معالم ملتهم وهم إليه شخوص بأبصارهم وابنة البطريق عنده في الدير والبطارقة وأبناؤهم عليهم الديباج المثقل بالذهب ومن فوقهم دروع وجواشن تلمع وبيض وهم ينظرون صيحة بين أيديهم أو طارقًا يطرقهم من خلفهم ونظر عبد الله إلى الدير وإلى ما أحدق به وإلى الراهب وما حول صومعته فهاله ذلك من أمرهم وصاح فيهم قبل الحملة.
وقال: يا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم احملوا بارك الله فيكم فإن كانت غنيمة وسرور فالفتح والسلامة ويكون الاجتماع تحت صومعة الراهب وإن كان غير ذلك فهو وعدنا الجنة وتلتقي عند حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الصحابة.
قال وطلب عبد الله الجم العظيم فغاص فيهم وجعل يضرب بسيفه ويطعن يرمحه ويحمل المسلمون من ورائه وسمع الروم أصوات المسلمين مرتفعة بالتهليل والتكبير فتيقنوا أن جيوش المسلمين قد أدركتهم وكانوا لذلك منتظرين وعلى يقظة من أمرهم فأما السوقة فإنهم تبادروا إلى أسلحتهم والمنع عن أنفسهم وأموالهم وأخرجوا السيوف من الأغمدة وانعطفوا على قتال المسلمين عطفة الأسد الضاري وطلبوا صاحب الراية ولم يكن في المسلمين راية غيرها فأحدقوا بالراية من كل جانب ومكان وقامت الحرب على ساق وثار الغبار وانعقد وأحدق الروم بالمسلمين فما كان المسلمون فيهم إلا كشامة بيضاء في جلد بعير أسود وما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف بعضهم بعضًا إلا بالتهليل والتكبير وكل واحد مشتغل بنفسه عن غيره وقال أبو سبرة إبراهيم بن عبد العزيز بن أبي قيس وكان من السابقين والمتقدمين بإيمانهم في الإسلام وصاحب الهجرتين جميعًا قال: شهدت قتال الحبشة مع جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه وشهدت المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وفي أحد وفي حنين وقلت إني لا أشهد مثلها فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حزنت عليه ولم أستطع أن أقيم بالمدينة بعد فقده فقدمت مكة فأقصت بها فعوتبت في منامي من التخلف عن الجهاد فخرجت إلى الشام وشهدت أجنادين والشام وسرية خالد خلف توما وهربيس وشهدت سرية عبد الله بن جعفر وكنت معه على دير أبي القدس فأنستني وقعتها ما شهدت قبلها من الوقائع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أني نظرت إلى الروم حين حملنا عليهم في كثرتهم وعمدهم وقلنا ما ثم غيرهم وليس لهم كمين عظيم.
قال فرأينا أجسادهم هائلة وعليهم الدروع وما يبين منهم إلا حماليق الحدق لهم طقطقة وزمجرة عندما يحملون حتى نظرت إلى المسلمين قد غابوا في أوساطهم ولا أسمع منهم إلا الأصوات تارة يجهرون بها وتارة أقول هلكوا.
ثم أنظر إلى الراية بيد عبد الله بن جعفر رضي الله عنه مرفوعة بذلك وعبد الله يقاتل بالراية ويكر على المشركين ولا ينثني.
.
.
ويجاهد على صغر سنه ولم تزل الحرب بيننا كلما طال مكثها اشتد ضرامها وعلا قتامها والتهب نارها وصار عبد الله في وسط القوم وهم حوله كالحلقة الدائرة والروم يحدقون به فجعل كلما حمل يمينًا حملت يمينًا وإن حمل شمالًا حملت شمالًا ولم نزل في الحرب والقتال حتى كلت منا السواعد وخدرت المناكب.
قال: وعظم الأمر علينا وهالنا الصبر وتثلم سيف عبد الله في يده وكادت تقع فرسه من تحته فالتجأ بأصحابه في موضع فاجتمع أصحابه إليه فنظر المسلمون إلى رايته فقصدوها وما منهم إلا مكلوم من المشركين فضاق لذلك ذرعه وما نزل به في نفسه مثل ما نزل بالمسلمين فألجأ إلى الله تعالى أمره وفوض إلى صاحب السماء شأنه ورفع يده إلى السماء وقال في دعائه: يا من خلق خلقه وأبلى بعضهم ببعض وجعل ذلك محنة لهم أسألك بجاه محمد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما جعلت لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا ثم عاد إلى القتال وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتلون معه تحت رايته فلله در أبي ذر الغفاري رضي الله عنه فإنه نصر ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاهد بين يديه.
قال عمرو بن ساعدة: فلقد رأيته مع كبر سنه يضرب بسيفه ضربًا شديدًا في الروم وينتمي إلى قومه ويذكر عند حملاته اسمه ويقول: أنا أبو ذر والمسلمون يفعلون كفعله إلى أن بلغت القلوب الحناجر وظنوا أن في ذلك الموضع قبورهم.
قال الواقدي رحمه الله تعالى: حدثني عبد الله بن أنيس الجهني.
قال: كنت أحب جعفرًا وأحب من أولاده عبد الله فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه وكان قائمًا مقام أبيه نظرت إلى أمه أسماء بنت عميس حزينة فكرهت أن أنظر إليها في ذلك الحزن وأيضًا أن أبا بكر رضي الله عنه كان يحب عبد الله حبًا شديدًا فاستأذن عبد الله بن جعفر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في المسير إلى الشام وقال لي: يا ابن أنيس الجهني أشتهي أن ألحق بالشام ومعنا عشرون فارسًا أكون مجاهدًا أفتصحبني فقلت: نعم فودع عمه عليًا رضي الله عنه وودع عمر رضي الله عنه وسار يريد الشام ومعنا عشرون فارسًا حتى أتينا تبوك.
فقال: يا ابن أنيس أتدري موضع قبو أبي فقلت: نعم فقال: أشتهي أن أرى الموضع.
قال فما زلنا حتى أتينا الموضع فأريته موضع مصرع أبيه وموضع الوقعة وقبر أبيه جعفر رحمه الله تعالى وعليه حجارة فلما نظر إليه نزل ونزلنا معه وبكى وترحم فأقمنا عنده إلى صبيحة اليوم الثاني فلما رحلنا رأيت عبد الله يبكي ووجهه مثل الزعفران فسألته عن ذلك.
فقال: رأيت أبي البارحة في النوم وعليه حلتان خضراوتان وتاج وله جناحان وبيده سيف مسلول أخضر فسلمه إلي وقال: يا بني قاتل به أعداءك فما وصلت إلى ما ترى إلا بالجهاد وكأني أقاتل بالسيف حتى تثلم.
قال عبد الله بن أنيس وسرنا حتى أتينا عسكر أبي عبيدة رضي الله عنه بدمشق فبعثه أمير تلك السرية إلى دير أبي القدس.
قال عبد الله بن أنيس: فلما رأيت بينه وبين الروم قلت يوشك أن يذهب عبد الله فسرت كالبرق ورجعت إلى أبي عبيدة رضي الله عنه فلما رآني قال: أبشارة يا ابن أنيس أم لا فقلت: أنفذ المسلمين إلى نصرة عبد الله بن جعفر ومن معه ثم حدثته بالقصة فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: إنا لله وإنا إليه راجعون أيصاب عبد الله بن جعفر ومن معه تحت رايتك يا أبا عبيدة وهي أول إمارتك.
قال الواقدي: ثم التفت إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه.
فقال له: يا أبا سليمان سألتك بالله.
الحق عبد الله لمن جعفر فأنت المعد لها.
فقال خالف: إنا لها إن شاء الله وما كنت أنتظر إلا أن تأمرني فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: استحييت منك يا أبا سليمان فقال: والله لو أمر علي طفل صغير لأطيعن له فكيف أخالفك وأنت أقدم مني إيمانًا وأسبق إسلامًا سبقت بإسلامك مع السابقين وسارعت بإيمانك مع المسارعين وسماك رسول الله بالأمين فكيف ألحقك أو أنال درجتك والآن أشهدك أني قد جعلت نفسي حسيبًا في سبيل الله تعالى لا أخالفك أبدًا ولا وليت إمارة بعدها أبدًا.
قال الواقدي: فاستحسن المسلمون قوله فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: يا أبا سليمان الحق إخوانك رحمك الله.
قال: فوثب خالد رضي الله عنه كأنه الأسد وسار إلى رحله فأفرغ عليه درع مسيلمة الكذاب الذي سلبه منه يوم اليمامة وألقى بيضة على رأسه وأردفها قلنسوة وتقلد بحسامه وانصب في سرجه كأنه السيل ونادى بجيش الزحف هلموا إلى جزب السيوف فأجابوه مسرعين كأنهم العقبان وبادروا إلى طاعة الرحمن وأخذ خالد الراية بيده وهزها على ركابه ودار به عساكر الزحف من كل جانب وودع المسلمون بعضهم بعضًا وساروا وسار خالد وعبد الله بن أنيس يدلهم على الطريق.
قال رافع بن عميرة الطائي: كنت يومئذ من أصحاب خالد بن الوليد رضي الله عنه ولم يزل مجدًا في السير والله عز وجل يطوي لنا البعيد فلما كان عند غروب الشمس أشرفنا على القوم والروم كالجراد المنتشر قد غرق المسلمون في كثرتهم.
فقال خالد: يا ابن أنيس في أي جانب أطلب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له إنه واعد أصحابه أن يلتقوا عند دير الراهب أو موعدهم الجنة.
قال الواقدي: فنظر خالد نحو الدير فشاهد الراية الإسلامية وهي بيد عبد الله بن جعفر وما من المسلمين إلا من أصيب بجرح وقد أيسوا من الحياة الفانية وطمعوا في الحياة السرمدية والروم تناوشهم بالحرب وتكثر الطعن والضرب وعبد الله بن جعفر يقول لأصحابه: دونكم والمشركين واصبروا لقتال المارقين واعلموا أنه قد تجلى عليكم أرحم الراحمين ثم قرأ الآية قوله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين} [البقرة: 249]. فلما نظر خالد رضي الله عنه إلى صبرهم وتجلدهم على قتال أعدائهم لم يطق الصبر دون أن حمل عليهم وهز رايته وقال لأصحابه: دونكم القوم القباح فأرووا من دمائهم السلاح وابشروا بالنجاح يا أهل حي على الفلاح.
قال الواقدي رحمه الله تعالى.
فبينما أصحاب عبد الله بن جعفر في أشد ما يكونون فيه إذ خرجت عليهم خيل المسلمين وكتائب الموحدين كأنهم الطيور وعليها الرجال كأنهم العقبان الكاسرة والليوث الضارية وهم غائصون في الحديد وقد ارتفع لهم الضجيج وبخيلهم العجيج فلما نظر عبد الله وأصحابه إلى ذلك ظنوا أنها نجدة الأعداء فأيقنوا بالهلاك والفناء وجعلوا ينظرون إلى الخيل التي رأوها وإذا هي قاصدة إليهم ففزعوا وجزعوا وظنوا أن كمينًا من الروم قد خرج لقتالهم فعظم عليهم الأمر وقل منهم الصبر وأخذهم البهر وقد لحق بالمشركين الدمار وأتاهم حرب مثل النار والسيوف تلمع والرؤوس من الرجال تقطع والأرض قد امتلأت قتلى وهم في أيدي المشركين كالأسرى والقوم في أشد القتال والسيف يعمل في الرجال إذ نادى فيهم مناد وهتف بهم هاتف: خذل الآمن ونصر الخائف يا حملة القرآن جاءكم النصر من الرحمن ونصرتم على عبدة الصلبان وقد بلغت القلوب الحناجر وعملت المرهفات البواتر وإذا بفارس على المقدمة كأنه الأسد الزائر أو الليث الهادر ويده تشرق بالأنوار كإشراف القمر فنادى الفارس بأعلى صوته: أبشروا يا معاشر حمله القرآن بالنصر المشيد أنا خالد بن الوليد فلما نظر المسلمون الراية وسمعوا صوت خالد رضي الله عنه كأنهم كانوا في لجة وأخرجهم فأجابوه بالتهليل والتكبير وكانت أصواتهم كالرعود القواصف والرياح العواصف ثم حمل خالد بن الوليد رضي الله عنه بجيش الزحف الذي لا يفارقه ووضع السيف في الروم.
قال عامر بن سراقة: فما شبهت حملته إلا حملة الأسد في الغنم ففرقهم يمينًا وشمالًا.
قال: فثبت المسلمون وكل علج من الروم شديد يمانع عن نفسه وخالد يطلب أن يصل إلى عبد الله بن جعفر.
ولما نظر المسلمون إلى الخيل المقبلة عليها ولم يعلموا ما هي حتى سمعوا صوت خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس دونكم الأعداء فقد جاءكم النصر من رب السماء ثم حمل وحملت المسلمون معه.
قال واثلة بن الأسقع: لقد كنا آيسنا من أنفسنا وأيقنا بالهلاك حتى أتتنا المعونة من الله عز وجل فحملنا بحملة إخواننا.
قال: فما اختلط الظلام حتى نظرت إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه والراية بيده وهو يسوق المشركين بين يديه سوق الغنم إلى المراعي والمسلمون يقتلون ويأسرون فلله در أبي ذر الغفاري وضرار بن الأزور والمسيب بن نجية الفراري لقد قرنوا المواكب وهزوا المضارب وقتلوا الروم من كل جانب والتقى ضرار بعبد الله بن جعفر رضي الله عنه فنظر إليه والدم على أكمام درعه كأكباد الإبل فقال: شكرًا لله تعالى لك يا ابن عم وسول الله صلى الله عليه وسلم والله إنك لقد أخذت بثأر أبيك وشفيت غليلك فقال عبد الله بن جعفر رضي الله عنه: من الرجل المخاطب لي وكان الظلام قد اعتكر وضرار ملثم لا يبين منه إلا الحدق فلم يعرفه عبد الله.
فقال: أنا ضرار بن الأزور صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرحبًا بطلعتك وبأخ منا عدل لنا وقام لنصرتنا.
قال عبد الله بن أنيس: فبينما هم على ذلك إذ أقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه وجيش الزحف.
فقال: شكر لك الله وأحسن جزاءك ثم قال عبد الله: يا ضرار اعلم أن حامية الروم والبطارقة عند الدير لأجل ابنة صاحب طرابلس وما معها من الأموال وقد أحاط بها كل فارس من الروم فهل لك يا ابن الأزور أن تحمل معي.
فقال: وأين هم فقال: أما تنظر إليهم فمد عينه وإذا بحامية الروم وبطريق طرابلس وقد أحدقوا بالدير يمنعون عن الجارية والنيران مشتعلة والصلبان تلمع كضوء النار وكأنهم سد من حديد.
فقال: أرشدك الله للخيرات فنعم المرشد أنت احمل حتى احمل معك بحملك قال: فحمل عبد الله بن جعفر من جهته وحمل ضرار بن الأزور من جهته واتبعتهما الرجال وزعقوا في الروم وحماة المشركين وهم يمانعون عن أنفسهم وكان أشدهم منعة بطريقهم فبرز أمام القوم وهو يهدر كالبعير ويزأر زئير الأسد يصيح بكلمة الكفر ويحمل حملات الشجعان فقصده ضرار بن الأزور وباطشه في الضرب والتقت الأقران ونظر ضرار إلى العلج وعظم خلقته وتمكنه في سرجه وشدة ضربه وحسن احترازه فأخذ ضرار منه حذره واحترز منه البطريق وطلبه أشد الطلب وكل واحد منهما طامع في صاحبه فانفرد ضرار بن الأزور مع صاحب القوم وكل قرن مع قرنه وليس مع ضرار أحد المسلمين فانبسط ضرار بين أيديهم ليمكر بهم وطلبه البطريق وأصحابه وقصدوه بحملتهم فلما نظر ضرار إلى ذلك قصد موضعًا يصلح لمجال الخيل فاعترضه واحد من ظلمة الليل فكبا به الجواد فسقط الأرض هاويًا ثم ثار من سقطته يروم أخذ الفرس فلم يجد إلى ذلك سبيلًا فوقف مكانه وسيفه وجحفته بيده وجعل يجاهدهم بسيفه وصبر لهم صبر الكرام ولم تأخذه في الله لامة لائم فخفق عليه بطريق الروم وأقبل يضربه بعموده فلما لازمه ورمى العمود عليه زاغ ضرار عن الضربة ثم وثب إليه وثبة الأسد وضربه ضربة أزعجت فرس البطريق من تحته وقام على رجليه وشك بيديه وضربه الثانية فوقعت ضربة ضرار في عين جواده فانتكس الجواد إلى الأرض ووقع العلج على ظهره ولم يقدر أن يقوم لأنه مزرد في سرجه فعالجه ضرار قبل وصول غلمانه إليه وضربه على حبل عاتقه فنبا سيفه ولم يعمل شيئًا فناهضه العلج وقد أيقن بالهلاك وقبض عليه وكان كالجبل العظيم فرماه ضرار تحته وملك صدره واستوى على نحره وكان مع ضرار سكين من صنعة اليمن لا تفارقه فاستلها عن غمدها وضرب صدر عدو الله إلى سرته فسقط عدو الله قتيلًا وعجل الله بروحه إلى النار وبئس القرار.
ثم وثب ضرار وملك جواد عدو الله واستوى في سرجه وكان على الجواد كثيرًا من الذهب والفضة والفصوص التي تساوي ثمنًا كثيرًا فلما صار على ظهر الجواد حمل وكبر على المشركين ففرقهم يمينًا وشمالًا وكان ضرار لما انبسط أمام القوم ملك عبد الله بن جعفر الدير ومن فيه ومن معه من المسلمين وأحدقوا به ولم يأخذوا منه شيئًا حتى رجع خالد رضي الله عنه من اتباع الروم وذلك أن خالدًا اتبعهم إلى نهر عظيم كان بينهم وبين طرابلس الشام والروم يعرفون مخاوضه فوقف خالد ورجع إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدهم قد ملكوا الدير وقتلوا العلج وانتشرت الناس في جمع الغنائم وما كان في السوق من المتاع والفراش والقماش والثياب والطعام وغيره قال واثلة بن الأسقع: فجعلنا نجمعه ونأكل من الخيرات وأخرجوا ما كان في الدير من آنية الذهب والفضة والستور والمراتب وأخرجوا ابنة البطريق ومعها أربعون جارية لهن حلي وحلل والمال على البراذين والبغال والحمير فانقلب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنيمة والأموال الجسيمة.
قال الواقدي: فنسبت تلك السرية لثلاث
: عبد الله بن جعفر صاحبها وعبد الله بن أنيس مدركها وخالد بن الوليد منجدها ولقي خالد فيها مشقة وجراحًا مؤلمة فلما ساروا أقبل خالد إلى الدير فصاح بصاحبه يا راهب فلم يكلمه فهتف به مرة أخرى وهدده فاطلع عليه وقال: ما تشاء وحق المسيح ليطالبنك صاحب هذه الخضراء بدماء من قتلت.
فقال خالد: كيف يطالبنا وقد أمرنا أن نقاتلكم ونجاهدكم ووعدنا على ذلك الثواب ووالله لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نتعرض لكم لا تركتك في صومعتك بل كنت قتلتك أشر قتلة فسكت الراهب عنه ولم يجبه وانقلب خالد والمسلمون بالغنائم إلى دمشق.
وأبو عبيدة رضي الله عنه فيها فشكر لهم وسلم على خالد وعلى عبد الله بن جعفر رضي الله عنهم ورجع إلى مكانه فخمس الغنيمة وقسمها على الناس فدفع لضرار بن الأزور فرس البطريق وسرجه وما عليه من حلي الذهب والفضة والجواهر والفصوص فأتى به ضرار إلى أخته الست خولة رضي الله عنه قال فرأيتها تنزع فصوص الجوهر فتفرقها على نساء المسلمين وإن الفص منها ليساوي الثمن الكثير قال وعرض السبي على أبي عبيدة رضي الله عنه وفي الجملة ابنة البطريق فقال عبد الله بن جعفر: أريدها.
قال أبو عبيدة: حتى استأذن أمير المؤمنين في ذلك فكتب إليه يعلمه بها وبمسألة عبد الله بن جعفر فكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: هي له فأخذها عبد الله وأقامت زمانًا عنده وعلمها الطبخ وكانت من قبل تعرف طبخ الفرس والروم وأقامت عنده إلى أيام يزيد فأخبر بها فاستهداها منه فأهداها له وكانت عنده وقال عامر بن ربيعة: أصابني من غنيمة سوق الدير أثواب ديباج حرير فيها صور الروم وكان في كل ثوب منها صورة حسنة وهي صورة مريم وعيسى عليهما السلام فحملت الثياب إلى اليمن فبيعت بثمن كثير وكتب إلى عمي وأنا مع أبي عبيدة: يا ابنأخي ابعث لي من هذه الثياب وأكثر منها فإنها تنفق.
قال الواقدي: فلما رجع جيش المسلمين غانمًا كتب أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابًا يخبره بما فتح الله على يديه وما غنم المسلمون من دير أبي القدس وبمدح خالدًا ويشكره ويثني عليه ويخبره بما قال فيه وما تحلم به وسأله في كتابه أن يكتب إلى خالد يستشيره في المسير إلى هرقل أو إلى بيت المقدس وكتب إليه أيضًا أن بعض المسلمين يشربون الخمر قال عاصم بن ذؤيب العامري وكان ممن شهد قتال الروم بالشام وفتح دمشق العرب الوافدين من اليمن فأخذوا في الشرب واستطابوا ذلك فأنكر ذلك الأمير أبو عبيدة.
فقال رجل من العرب أظنه سراقة بن عامر: يا معاشر المسلمين خلوا شرب الخمور فإنها تزيل العقول وتكسب الإثم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر حتى لعن حاملها والمحمولة إليه.
وحدثني أسامة بن زيد الليثي عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف الغفاري قال: كنت مع أبي عبيدة بالشام فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخبره بفتح الشام وفي الكتاب: أن المسلمين يشربون الخمر واستقلوا الحد فقدمت المدينة فوجدت عمر رضي الله عنه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا وعنده نفر في الصحابة وهم عثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف يتحدثون فدفعت الكتاب إليه فلما قرأه جعل يفكر في ذلك ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلد من شربها ثم سأل عمر عليًا رضي الله عنه في ذلك وقال: ما ترى في هذا فقال علي رضي الله عنه: إن السكران إذا سكر هذي وإذا هذي افترى فكتب إليه عمر أن من شرب الخمر فعليه ثمانون جلدة ولعمري ما يصلح لهم إلا الشدة والفقر ولقد كان حقهم يراقبوا ربهم عز وجل ويعبدوه ويؤمنوا به ويشكروه فمن عاد فأقم عليه الحد.
قال الواقدي: فلما ورد كتاب عمر رضي الله عنه وقرأه نادى في المسلمين من كان في نفسه حد فليعط ذلك من نفسه وليتب إلى الله عز وجل ففعل ذلك كثير من الناس ممن كان شرب الخمر وأعطى الحد من نفسه ثم قال أبو عبيدة رضي الله عنه: إني عزمت على المسير إلى أنطاكيا وقصد قلب الروم لعل الله يفتح فتحًا على أيدينا.
فقال المسلمون: سر حيث شئت فنحن تبع لك نقاتل أعدائك فسر بقولهم وقال: تأهبوا للرحيل فإني سائر بكم إلى حلب فإذا فتحناها توجهنا منها إن شاء الله تعالى إلى أنطاكيا فأسرع المسلمون في إصلاح شأنهم وأخذوا أهبتهم فلما فرغ أبو عبيدة رضي الله محنه من جميع شغله أمر خالد بن الوليد رضي الله عنه أن يأخذ راية العقاب التي عقدها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأمره أن يسير أمام الجيش بعسكر الزحف فسار خالد على المقدمة ومعه ضرار بن الأزور ورافع بن عميرة الطائي والمسيب بن نجية الفزاري والناس يتبع بعضهم بعضًا وترك على دمشق صفوان بن عامر السلمي وترك عنده خمسمائة رجل وسار أبو عبيدة بالمسلمين ومعه ناس من اليمن ومضر.
ذكر فتح حمص قال الواقدي: وسار أبو عبيدة على طريق البقاع واللبوة فلما وصل إلى هناك بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى حمص قال: يا أبا سليمان انهض على بركة الله تعالى وعونه ونازل القوم وشن الغارة على أرض العواصم وقنسرين وأنا أسير إلى بعلبك فلعل الله أن يسهل علينا فتحها ثم ودعه وسار خالد رضي الله عنه بمن معه إلى حمص وتوجه أبو عبيدة رضي الله عنه إلى بعلبك إذ ورد بطريق جوسيه ومعه الهدايا والتحف وصالح المسلمين سنة كاملة وقال: إن فتحتم بعلبك فأنا بين أيديكم ولا نخالف لكم قولًا فصالحهم أبو عبيدة رضي الله عنه على أربعة آلاف درهم وخمسين ثوبًا من الديباج فلما انبرم الصلح سار أبو عبيدة رضي الله عنه يطلب بعلبك فما بعد من اللبوة إلا وقد أشرف عليه راكب نجيب فإذا هو أسامة بن زيد الطائي فقال: يا أسامة من أين أقبلت فأناخ نجيبه وسلم على أبي عبيدة رضي الله عنه وعلى المسلمين وقال: أتيت من المدينة وسلم إليه كتابًا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففضه أبو عبيدة رضي الله عنه وإذا فيه: لا له إلا الله محمد رسول الله بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى أمين الأمة: سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما بعد فلا مرد لقضاء الله وقدره ومن كتب في اللوح المحفوظ كافرًا فلا إيمان له وذلك أن جبلة بن الأيهم الغساني كان قدم علينا ببني عمه وسراة قومه فأنزلتهم وأحسنت إليهم وأسلموا على يدي وفرحت بذلك إذ شد الله عضد الإسلام والمسلمين بهم ولم أعلم ما كمن في الغيب وإنا سرنا إلى مكة حرسها الله تعالى وعظمها نطلب الحج فطاف جبلة بالبيت أسبوعًا فوطئ رجل من فزارة إزاره فسقط إزاره عن كتفه التفت إلى الفزاري وقال: يا ويلك كشفتني في حرم الله تعالى فقال: والله ما تعمدتك فطم جبلة بن الأيهم الفزاري لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه الأربع فأقبل الفزاري إلي مستعينًا على جبلة فأمرت بإحضاره وقلت له: ما حملك على أن لطمت أخاك في الإسلام وكسرت ثناياه الأربع وهشمت أنفه فقال جبلة: إنه وطئ إزاري برجله فحله والله لولا حرمة هذا البيت لقتلته فقلت له: قد أقررت على نفسك فإما أن يعفو عنك وإما أن آخذ له منك القصاص فقال: أيقتص مني وأنا ملك وهو من السوقة.
قلت: قد شملك إياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية فقال: أتتركني إلى غدًا وتقص مني.
فقلت مزاري: أتتركه إلى غد.
قال: نعم.
فلما كان الليل ركب في بني عمه وتوجه إلى الشام إلى كلب الطاغية وأرجو أن الله تعالى يظفرك به فأنزل على حمص ولا تنفذ عنها فإن صالحك أهلها فصالحهم وإن أبوا فقاتلهم وابعث عيونك إلى أنطاكية وكن على حذر من متنصرة والسلام عليك ورحمة الله وعلى جميع المسلمين.
قال الواقدي: فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب في سره جهر به مرة أخرى ثم لوى يطلب حمص وكان خالد رضي الله عنه سبقه إليها بثلث الجيش فنزل عليها يوم الجمعة من شوال سنة أربع عشرة من الهجرة النبوية وكان عليها واليًا بطريق من قبل هرقل اسمه لقيطًا وكان قد مات قبل نزول خالد والمسلمين رضي الله عنهم أجمعين فاجتمع المشركون في كنيستهم العظمى وقال كبيرهم: اعلموا أن صاحب الملك قد مات وليس عند الملك خبر من هؤلاء العرب وقد نزلوا علينا وما ظننا ذلك ولقد حسبنا أنهم لا ينزلون علينا حتى يفتحوا جوسيه وبعلبك وإن أنتم قاتلتوهم وكاتبتم الملك أن يسير إليكم واليًا وجيشًا فإن العرب لا تمكن أحدًا من جنود الملك إن يسير إليكم ولا يصل لكم وليس عندكم طعام يقوم بكم للحصار فقالوا: أيها السيد فما الذي ترى قال: تصالحون القوم على ما أرادوا وتقولون نحن لكم وبين أيديكم إن فتحتم حلب وقنسرين وهزمتم جيش الملك فإذا توجه القوم عنا بعثنا إلى الملك أن يمدنا بجيش عرمرم ويولي من أراد علينا ويستوثق لنا من الطعام والعمد وبعد ذلك نقاتلهم فاستصوب القوم رأيه وقالوا: دبرنا بحسن رأيك وتدبيرك فبعث البطريق إلى أبي عبيدة رضي الله عنه جاثليقًا كان عندهم معظمًا ليعقد الصلح بينهم وبين المسلمين فخرج الجاثليق ووصل إلى أبي عبيدة رضي الله عنه وتكلم في الصلح معه بما تحدث به البطريق من أمر سير المسلمين إلى حلب وقنسرين والعواصم وأنطاكية فأجابهم أبو عبيدة رضي الله عنه إلى ذلك وصالح القوم وهم أهل حمص على عشرة آلاف دينار ومائتي ثوب من الديباج وعقد الصلح مع القوم سنة كاملة أولها ذو القعدة وآخرها شوال سنة أربع عشرة من الهجرة.
قال وانبرم الصلح وخرجت السوقة من حمص إلى عسكر المسلمين فباعوا واشتروا ورأى أهل حمص سماحة العرب من بيعهم وشرائهم وربحوا منهم ربحًا وافيًا.
ذكر حديث سرية خالد بن الوليد رضي الله عنه قال الواقدي: إن أبا عبيدة دعا بخالد وضم إليه أربعة آلاف فارس من لخم وجذام وطي ونبهان وكهلان وستس وخولان وقال: يا أبا سليمان شن الغارة بهذه الكتيبة واقصد بها المعرة واقرب من معرة حلب وشن بها الغارة على بلدة العواصم وارجع على أثرك وانفذ عيونك وانظر إن كان للقوم نجدة أو ناصر من قومهم أم لا.
فأجابه خالد إلى ذلك وأخذ الراية وتقدم أمام أخذتها والملك العظيم وإنني بحملها زعيم لأنني كبش بني مخزوم وصاحب لأحمد الكريم أسير مثل الأسد الغشوم يا رب فارزقني قتال الروم قال الواقدي: وسار خالد بن الوليد إلى شيزر ونزل على النهر المقلوب ودعا بمصعب بن محارب اليشكري وضم إليه خمسمائة فارس وأمره أن يشن الغارة على العواصم وقنسرين.
.
.
وسار خالد بن الوليد إلى كفر طاب والمراه وإلى دير سمعان وجعلت خيل المسلمين تغير يمينًا وشمالًا على القرى والرساتيق ويأخذون الغنائم والأسارى فرجعوا إلى خالد بن الوليد بالأسارى فسار بهم إلى أبي عبيدة رضي الله عنه فلما نظر إلى خالد وما معه من الغنائم والأموال فرح فرحًا شديدًا وإذا خلف خالد سواد عظيم قد ارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة على البشير النذير.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: ما هؤلاء يا أبا سليمان فقال خالد: هذا مصعب بن محارب اليشكري وقد عقدت له راية على خمسمائة فارس من قومه ومن أهل اليمن وإنه أغار بهم على العواصم وقنسرين وقد أتى بالغنائم والسبي والأموال فالتفت الأمير أبو عبيدة فنظر إلى سرح عظيم من البقر والغنم وبراذين عليها رجال ونساء وصبيان ولهم دوي عظيم وبكاء شديد فقصدهم أبو عبيدة رضي الله عنه وإذا برجال مقرونين في الحبال وهم يبكون على عيالهم ونهب أموالهم وخراب ديارهم.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لترجمانه: قل لهم ما بالكم تبكون ولم لا تدخلون في دين الإسلام وتطلبون الأمان والذمام لتأمنوا على أنفسكم وأموالكم.
فقال لهم الترجمان ذلك.
فقالوا: أيها الأمير نحن كنا بالبعد منكم وكانت أخباركم تأتينا وما ظننا أنكم تبلغون إلينا فما شعرنا حتى أشرف علينا أصحابكم فنهبوا أموالنا وأولادنا وساقونا في الحبال كما ترى.
قال الواقدي: وكانت الأعلاج زهاء من أربعمائة علج.
فقال لهم الأمير: إن مننا عليكم وأطلقناكم من أسركم ورددنا عليكم أموالكم وأهاليكم فهل تكونون في طاعتنا وتؤدون الجزية إلينا والخراج فقالوا: أوف لنا بذلك ونحن نفعل جميع ما شرطته علينا فعند ذلك أقبل أبو عبيدة رضي الله عنه إلى المسلمين وقال لهم: قد رأيت من الرأي أن أؤمن هؤلاء من القتل وأرد عليهم أموالهم وعيالهم فيكونوا عبيدًا لنا ويعمروا الأرض والبلاد ونأخذ خراجهم وجزيتهم فما أنتم قائلون فما كنت بالذي أقطع أمرًا إلا بمشورتكم فقالوا: الرأي رأيك في ذلك أيها الأمير إن رأيت صلاحًا للمسلمين.
قال الواقدي: ففرض على كل واحد أربعة دنانير وبذلك كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعند ذلك رد عليهم أموالهم وأولادهم وأقرهم على بلادهم وكتب أسماءهم وأمرهم بالرجوع إلى أوطانهم فلما استقروا في خيامهم أخبروا من كان بالقرب منهم بحسن سيرة العرب وما عاملوهم به من الجميل وقالوا: لقد ظننا أنهم يقتلوننا ويستعبدون أولادنا والآن قد رحمونا وأقرونا في بلادنا على أداء الجزية والخراج.
قال الواقدي: فسمعت الروم ذلك فأقبلوا إلى أبي عبيدة رضي الله عنه في طلب الأمان وأداء الجزية والخراج.
ذكر فتح قنسرين قال الواقدي: وبلغ الخبر إلى أهل قنسرين أن الأمير أبا عبيدة يعطي الأمان من قصده فأحبوا أن يأخذوا الأمان من أبي عبيدة رضي الله عنه وأجمعوا رأيهم على ذلك وأن ينفذوا رسولًا من غير علم بطريقهم.
قال الواقدي: وكان على قنسرين والعواصم بطريق من بطارقة الملك من أهل الشدة والبأس وكان أهل قنسرين يخافون منه وكان اسمه لوقا وصاحب حلب عسكره مثل عسكره وسطوته مثل سطوته وكان الملك هرقل قد دعا بهما إليه فقالا له: أيها الملك ما كنا نترك ملكنا من غير أن نقاتل قتالًا شديدًا فشكرهما الملك هرقل على ذلك ووعدهما أن يبعث إليهما جيشًا عرمرمًا وكانا منتظرين ذلك من وعد الملك لهما وكان مع كل واحد منهما عشرة آلاف فارس إلا أنهما لا يجتمعان في موضع واحد.
قال فلما سمع صاحب قنسرين ما قد عزم عليه أهل قنسرين من الصلح مع أبي عبيدة غضب غضبًا شديدًا وعزم أن يمكر بهم فجمع أهل قنسرين إليه وقال لهم: يا بني الأصفر ما تريدون أن أصنع من هؤلاء العرب وكأنكم بهم وقد أقبلوا إلينا يفتحون بلادنا كما فتحوا أكثر بلاد الشام.
فقالوا: أيها السيد قد بلغنا أنهم أصحاب وفاء وذمة وقد فتحوا أكثر البلاد بالصلح والعدل ومن قاتلهم قاتلوه واستعبدوا أهله وأولاده ومن دخل تحت طاعتهم أقروه في بلده وكان آمنا من سطوتهم والرأي عندنا أن نصالح القوم ونكون آمنين على أنفسهم وأموالنا.
فقال لهم البطريق: لقد أشرتم بالصواب والأمر الذي لا يعاب لأن هؤلاء العرب قوم منصورون على من قاتلهم وها أنا أعقد لكم الصلح معهم سنة كاملة إلى أن توافينا جيوش الملك هرقل ونعطف عليهم وهم آمنون فنبيدهم عن آخرهم.
فقالوا: افعل ما فيه الصلاح.
قال الواقدي: واتفق أهل قنسرين والبطريق على صلح المسلمين وفي قلوبهم الغدر.
قال وإن لوقا البطريق دعا برجل من أصحابه اسمه اصطخر وكان قسيسًا عالمًا بدين النصرانية فصيح اللسان قوي الجنان يعرف العربية والرومية وقد عرف الدينين اليهودية والنصرانية.
فقال لوقا: يا أبانا سر إلى العرب وقل لهم يصالحونا سنة كاملة حتى نبعد القوم بالحيلة والخداع.
ثم كتب الكتاب إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه.
فقال بعد كلمة كفره: أما بعد يا معاشر العرب إن بلدنا منيع كثير العدد والرجال فما تأتونا من قبله ولو أقمتم علينا مائة سنة ما قدرتم علينا وإن الملك هرقل قد استنجد عليكم من حد الخليج إلى رومية الكبرى ونحن قد بعثنا إليكم نصالحكم سنة كاملة حتى نرى لمن تكون البلاد ونحن نريد منكم أن تجعلوا بيننا وبينكم علامة من حد أرض قنسرين والعواصم حتى إذا همت العرب بالغارة بدت العلامة تريكم حد أرضنا ونحن نصالحكم خفية من الملك هرقل لئلا يعلم فيقتلنا والسلام.
ثم خلع على اصطخر خلعة سنية وأعط بغلة من مراكبه وعشرة غلمان وسار حتى وصل إلى حمص فرأى الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه يصلي بالمسلمين صلاة العمر فوقف اصطخر ينظر ما يفعلون ويحجب من ذلك فلما فرغوا من صلاتهم ونظروا إلى القسيس وثبوا إليه وقالوا له: من أنت ومن أين أقبلت.
فقال: أنا رسول ومعي كتاب فمثلوه بين يدي أبي عبيدة فهم القسيس بالسجود له فمنعه أبو عبيدة رضي الله عنه من ذلك وقال له: نحن عبيد الله عز وجل فمنا شقي ومنا سعيد {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها ما دامت السموات والأرض} [هود: 106، 107]. فلما سمع اصطخر ذلك بهت وبقي لا يرد جوابًا وهو متعجب مما تكلم به الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه فناداه خالد بن الوليد رضي الله عنه وقال له: ما شأنك أيها الرجل ورسول من أنت فقال اصطخر: أأنت أمير القوم فقال خالد: لا بل هذا أميرنا وأشار إلى أبي عبيدة رضي الله عنه.
فقال اصطخر: أنا رسول صاحب قنسرين والعواصم ثم أخرج الكتاب ودفعه إلى أبي عبيدة رضي الله عنه فأخذه وقرأه على المسلمين فلما سمع خالد بن الوليد رضى الله عنه ما في الكتاب من صفة مدينتهم وكثرة علاهم ورجالهم وتهديدهم بجيوش الملك هرقل حرك رأسه وقال لأبي عبيدة: وحق من أيدنا بالنصر وجعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الطاهر إن هذا الكتاب من عند رجل لا يريد الصلح بل يريد حربنا ثم قال لاصطخر: تريدون أن تخدعونا حتى إذا جاءت جنود صاحبكم ورأيتم القوم وقد جاءتكم نقضتم صلحنا وكنتم أول من يقاتلنا وإن رأيتم الغلبة لنا هربتم إلى طاغيتكم هرقل فإن أردتم ذلك فنواعدكم الحرب مواعدة من غير أن يكون صلحًا سنة كاملة فإن لحق بكم جيش هذه السنة من الملك هرقل فلا بد من قتاله فمن أقام في المدينة ولم يقاتل مع الجيش فهو على صلحنا لا نتعرض له.
قال اصطخر: قد أجبناكم إلى ذلك فاكتبوا لنا كتابًا بذلك.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أيها الأمير اكتب لهم كتابًا بمواعدة الحرب سنة كاملة أولها مستهل شهر في القعدة سنة أربع عشرة من الهجرة النبوية.
قال: فكتب له أبو عبيدة رضي الله عنه بذلك فلما فرغ من الكتاب.
قال له اصطخر: أيها الأمير حد بلادنا معروف وبإزائنا صاحب حلب وبلاده بحد بلادنا ونريد أن تجعل لنا علامة فينا بيننا وبينكم حتى إذا طلب أصحابكم الغارة لا يتجاوزون ذلك.
قال الواقدي: فرضي أبو عبيدة رضي الله عنه بذلك وقال: أنا أبعث من يحدد لكم ذلك قال اصطخر: أيها الأمير ما نريد معنا أحدًا من أصحابك نحن نصنع عمودًا وننصبه ويكون عليه صورة الملك هرقل فإذا رآه أصحبك لا يجاوزونه.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: افعل ذلك ثم دفع إليه الكتاب ونادى في عساكر المسلمين وأصحاب الغارات من نظر إلى عمود فلا يتعداه ولا يتجاوزه بل يشن الغارة على أرض حلب وحدها ولا يتجاوز العمود فليبلغ الشاهد الغائب.
قال الواقدي: ورجع اصطخر إلى طريق قنسرين وأعلمه بما جرى له مع خالد بن الوليد رضي الله عنه ودفع له الكتاب ففرح بذلك وقصد إلى عمود عظيم وصنع عليه صورة الملك هرقل كأنه جالس على كرسي مملكته.
قال الواقدي: وكانت خيل المسلمين تضرب غارتها إلى أقصى بلاد حلب والعمق وأنطاكية ويحيدون عن حد قنسرين والعواصم ولا يقربون العمود.
قال عمر بن عبد الله الغبري عن سالم بن قيس عن أبيه سعد بن عبادة رضي الله عنه قال: كان صلح المسلمين لأهل قنسرين والعواصم على أربعة آلاف دينار ملكية ومائة أوقية من الفضة وألف ثوب من متاع حلب وألف وسق من طعام.
قال الواقدي: حدثنا عامر.
قال: كنا في بعض الغارات إذ نظرنا إلى العمود وعليه صورة الملك هرقل فجئنا عنده وجعلنا نجول حوله بخيولنا ونعلمها الكر والفر وكان بيد أبي جندلة قناة تامة فقرب به الجواد من الصورة وهو غير متعمد ذلك ففقأ عين الصورة وكان عندها قوم من الروم وهم غلمان صاحب قنسرين يحفظون العمود فرجعوا إلى البطريق وأعلموه بذلك فغضب غضبًا شديدًا ودفع صليبا من الذهب إلى بعض أصحابه وضم إليه ألف فارس من أعلاج الروم وعليهم الديباج الرومي وعليهم المناطق المجوفة وأمر اصطخر أن يسير معهم.
وقال له: ارجع إلى أمير العرب وقل له غدرتم بنا ولم توفوا بذمامكم ومن غدر جندل فأخذ اصطخر الصليب وسار مع ألف فارس من الروم حتى أشرف على أبي عبيدة رضي الله عنه فلما نظر المسلمون إلى الصليب وهو مرفوع أسرعوا إليه ونكسوه فاستقبل أبو عبيدة القوم وقال: من أنتم.
قال اصطخر: أنا رسول صاحب قنسرين إليك وهو يقول لك غدرتم ونقضتم العهد الذي بيننا وبينكم فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: وحق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما علمت بذلك وسوف أسأل عنه ثم نادى: يا معاشر الناس من فقأ عين التمثال فليخبرنا بذلك فقالوا: أيها الأمير أبو جندلة وسهل بن عمرو صنعا ذلك من غير أن يتعمداه.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لاصطخر: إن صاحبنا فعل ذلك من غير أن يتعمد فما الذي يرضيك منا.
فقالت الأعلاج: لا نرضى حتى نفقأ عين ملككم يريدون بذلك أن يتطرقوا إلى رقاب المسلمين.
ففال أبو عبيدة رضي الله عنه: ها أنا فاصنعوا بي مثل ما صنع بصورتكم.
قالوا: لا نرضى قال الواقدي: وغضب المسلمون حين ذكر الأعلاج عين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهموا بقتل الأعلاج فنهاهم أبو عبيدة رضي الله عنه عن ذلك فقال المسلمون: أيها الأمير نحن دون إمامنا فنفديه بأنفسنا ونفقأ عيوننا دون عينه.
فقال اصطخر عندما نظر إلى المسلمين وقد هموا بقتله وقتل من معه من الأعلاج: لا نفقأ عين عمر ولا عيونكم ولكن نصور صورة أميركم على عمود ونصنع به مثل ما صنعتم بصورة ملكنا.
فقالت المسلمون: إن صاحبنا فعل ذلك من غير تعضد وأنتم تريدون العمد.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: مهلًا يا قوم فإذا رضي القوم بصورتي فقد أجبتم إلى ذلك ولا يتحدث القوم عنا أننا عاهدنا وغدرنا فإن هؤلاء القوم لا عهد لهم ولا عقل ثم أجابهم إلى ذلك.
قال الواقدي: فصوروا أبي عبيدة رضي الله عنه على عمود وجعلوا له عينين من زجاج وأقبل فارس منهم حنقًا ففقأ عين الصورة ثم رجع اصطخر إلى صاحب قنسرين وأخبره بذلك.
فقال لقومه بهذا نالهم ما يريدون.
قال: وأقام أبو عبيدة على حمص يغير يمينًا وشمالًا ينتظر خروج السنة لينظر ما بعد ذلك.
قال الواقدي: وأبطأ خبر أبي عبيدة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يرد عليه شيء من الكتب والفتح فأنكر عمر ذلك وظن به الظنون وحسب أنه قد داخله خبر وقد ركن إلى القعود عن الجهاد فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى أمين الأمة أبي عبيدة عامر بن الجراح سلام عليك فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وآمرك بتقوى الله عز وجل سرًا وعلانية وأحذركم عن معصية الله عز وجل وأحذركم وأنهاكم أن تكونوا ممن قال الله في حقهم: {قل إن كان آباؤهم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم}. [التوبة: 24]. الآية وصلى الله على خاتم النبيين وإمام المرسلين والحمد لله رب العالمين.
فلما وصل الكتاب إلى أبي عبيدة رضي الله عنه قرأه على المسلمين فعلموا أن أمير المؤمنين عمر يحرضهم على القتال وندم أبو عبيدة رضي الله عنه على صلح قنسرين ولم يبق أحد من المسلمين إلا بكى من كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وقالوا: أيها الأمير ما يقعدك عن الجهاد فدع أهل شيزر وقنسرين واطلب بنا حلب وأنطاكية فلعل الله أن يفتحهما على أيدينا وقد انقضى أجل الصلح وما بقي إلا القليل وما البقاء إلا للملك الجليل فعزم أبو عبيدة على المسير إلى حلب وعقد راية لسهل بن عمرو وعقد راية أخرى لمصعب بن محارب اليشكري وأمر عياض بن غانم أن يسير على مقدمتهم واتبعه خالد بن الوليد وسار أبو عبيدة رضي الله عنه إلى أن نزل على الرشين وصالح أهلها وسار إلى حماة فخرج أهلها إليه ومعهم الإنجيل وقد رفعه الرهبان على أكفهم والقسس أمام القوم يطلبون منه الصلح والذمام فلما رآهم أبو عبيدة رضي الله عنه وقف وقال لهم: ما الذي تريدون.
فقالوا: أيها الأمير نريد أن نكون في صلحكم وذمامكم فأنتم أحب إلينا.
قال الواقدي: مصالحهم أبو عبيدة وكتب لهم حلب الصلح والذمام وخلف رجلًا من المؤمنين وسار حتى نزل إلى شيزر فاستقبلوه فصالحهم وقال لهم: أسمعتم للطاغية هرقل خبرًا فقالوا: ما سمعنا له خبرًا غير أنه اتصل بنا الخبر أن بطريق قنسرين قد كتب إلى الملك هرقل يستنجده عليكم وقد بعث بجبلة بن الأيهم الغساني من بني غسان والعرب المتنصرة ومعه بطريق عمورية في عشرة آلاف فارس وقد نزلوا على جسر الحديد فكن منهم على حذر أيها الأمير.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: حسبنا الله ونعم الوكيل.
قال الواقدي: وأقام الأمير أبو عبيدة على شيزر وبقي مرة يقول: أسير إلى حلب ومرة يقول أسير إلى أنطاكية فجمع أمراء المسلمين إليه.
وقال: أيها الناس قد بلغني أن بطريق قنسرين قد نقض العهد وأرسل للملك هرقل والخبر كذا وكذا فما أنتم قائلون فقالوا: أيها الأمير ادع أهل قنسرين والعواصم وسر بنا إلى حلب وأنطاكية.
فقال: خذوا أهبتكم رحمكم الله.
قال الواقدي: وكان بقي من الصلح والعهد الذي بينهم وبين أهل قنسرين شهر أو أقل من ذلك فأقام أبو عبيدة رضي الله عنه ينتظر انفصال العهد.
قال وكانت عبيد العرب يأتون بجراثيم الشجر من الزيتون والرمان وغير ذلك من الأشجار التي تطعم الثمار فعظم ذلك على الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فدعا العبيد إليه وقال: ما هذا الفساد.
فقالوا: أيها الأمير إن الأحطاب متباعدة منا وهذه الأشجار قريبة.
فقال الأمير أبو عبيدة: عزيمة مني على كل حر وعبد قطع شجرة لها طعم وثمر لأجازينه ولأنكلن به فلما سمع العبيد ذلك النكال جعلوا يأتون بالأحطاب من أقصى الديار.
قال سعيد بن عامر وكان معي عبد نجيب وكان اسمه مهجعًا وقد شهد معي الوقائع والحروب كان جريء القلب في القتال وكان إذا خرج في غارة أو في طلب حطب يتوغل ويبعد فخرج هو وجماعة من العبيد ممن شهد الوقائع في طلب الحطب فأبطأ خبره على سيده سعيد بن عامر فركب جواده وخرج في طلبه وجعل يقفو أثره وإذا لاح له شخص وقد سال دمه على وجهه وصبغ سائر جسده وما كاد يمشي خطوة واحدة إلا ويهوي على وجهه.
قال سعيد بن عامر: فنزلت إليه وقلت له: ما وراءك من الأخبار.
فقال: هلكة ودمار يا مولاي فقلت: عليك يا ابن الأسود حدثني بخبرك.
قال سعيد: فلم يكد يقف حتى سقط على وجهه فنضجت على وجهه ماء فسكن ما به.
فقال: يا مولاي انج بنفسك وإلا أدركك القوم يصنعون بك مثل ما صنعوا بي.
فقلت: ما القوم الذين صنعوا بك ما أرى فقال: خرجت يا مولاي أنا وجماعة من الموالي لنحتطب حطبًا فتباعدنا كثيرًا في البر وإذا نحن بكتيبة من الخيل زهاء عن ألف فارس كلهم عرب وفي أعناقهم صلبان الذهب والفضة وهم معتقلون بالذهب والفضة والرماح فلما نظروا إلينا أسرعوا نحونا وداروا بنا وعزموا على قتلنا.
فقلت لأصحابي: دونكم وإياهم! فقالوا: ويحك ومن يقاتل وليس لنا طاقة بقتال هذه الكتيبة والخيل وما لنا إلا أن نلقي بأيدينا إلى الأسر فهو أهون من القتال.
فقلت: لا والله ما سلمت نفسي إليهم دون أن أقاتل قتالًا شديدًا فلما رأوا مني الجد فعلوا مثل فعلي فقاتلنا القوم وقاتلونا فقتلوا منا عشرة وأسروا عشرة وأما أنا فأثخنت بالجراح حتى سقطت على وجهي فرجعوا عني وبقيت كما ترى.
قال سعيد بن عامر الأنصاري: فغمني والله ما نزل بالعبيد فأردفته ورائي ورجعت على أثري وإذا بالخيل قد طلعت من ورائي كأنها الريح الهبوب أو الماء إذا اندفق من ضيق الأنبوب وإذا بخيل غسان أحدقت بالرماح الطوال وهم يقولون: نحن بنو غسان من حزب الصليب والرهبان.
قال سعيد بن عامر: فناديتهم أنا من أصحاب محمد المختار صلى الله عليه وسلم فأسرع بعضهم إلي وهم أن يعلوني بالسيف فناديته: يا ويلك أتقتل رجلًا من قومك.
فقال: من أي الناس أنت.
قلت: أنا من الخزرج الكرام فرد السيف وقال: أنت طلبة سيدنا جبلة بن الأيهم وحق المسيح فقلت: ومن أين يعرفني جبلة حتى يطلبني فقال: إنه يطلب رجلًا من أهل اليمن من أنصار محمد بن عبد الله ثم قال: سر بنا طائعًا وإلا سرت كرهًا.
قال سعيد بن عامر: فسرت والجيش معي حتى أشرفنا على جيش عرمرم وعنده أعلام وصلبان قد رفعت فلم أزل مع القوم حتى أتوا بي إلى مضرب جبلة بن الأيهم وإذا به جالس على كرسي من ذهب أحمر وعليه ثياب الديباج الرومي وعلى رأسه شبكة من اللؤلؤ وفي عنقه صليب من الياقوت.
فلما وقفت بين يديه رفع رأسه إلي وقال: من أي عرب أنت.
قلت: أنا من اليمن قال: أكرمت من أيها.
فقلت: أنا من ولد حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عبد الله بن الأزور بن عوف بن مالك بن كهلان بن سبأ.
فقال جبلة: من أي الملأ أنت نسبًا.
فقلت: أنا من ولد الخزرج بن حارثة من أنصار محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام.
فقال جبلة: وأنا من قومك من بني غسان.
فقلت: أنا من القبيلة التي نسبت إليها فقال: أنا جبلة بن الأيهم الذي رجعت عن الإسلام فما رضي صاحبكم عمر بن الخطاب أن يكون مثلي لهذا الدين ناصرًا حتى يأخذ مني القود لعبد حقير وأنا ملك اليمن وسيد غسان.
فقلت: يا جبلة إن حق الله أوجب من حقك وديننا لا يقوم إلا بالحق والنصفة وإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يخاف ولا تأخذه في الله لومة لائم فقال لي: ما اسمك.
فقلت: سعيد بن عامر الأنصاري فقال: أوطئ يا سعيد قال: فجلست فقال: ألك عهد بحسان بن ثابت الأنصاري.
فقلت: شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قال فيه المصطفى: أنت حسان ولسانك حسام.
فقال لي كم لك منذ فارقته فقلت: عهدي به قريب وقد دعاني إلى دعوة صنعها وأمر مولاته أن تنشد بي شعرًا فيك فأنشدت: لله در عصابة نادمتهم يومًا بجلق في الزمان الأول يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أنسابهم شم الأنوف من الطراز الأول الملحقين فقيرهم بغنيهم المشفقين على اليتيم الأرمل أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل ثم خرجنا إلى الشام وهذا آخر عهدي به.
قال جبلة بن الأيهم: أو حفظ لي هذه المكرمة.
قلت: نعم قال فأمر لي بثوب من الكتان الرومي وفيه شيء من الورق.
وقال: أنا أمرت لك بالكتان كي تلبسه ولا تحرمه ثم قال لي: بحق ذمة العرب ما كنت تصنع في المكان الذي أسرت فيه.
فقلت: إن الصدق أوفى ما استعمله الرجل أنا من أصحاب الأمير أبي عبيدة بن الجراح وقد قصدنا نريد حلب وأنطاكية.
فقال جبلة: أعلم أن الملك قد بعثني أنا وهذا البطريق صاحب عمورية حتى ننصر صاحب قنسرين فإنه قد كادكم بصلحه لكم وأنا منتظر أن يلاقينا بهذا المكان ولكن ارجع إلى صاحبك أبي عبيدة وحذره من أسيافنا وقل له يرجع من حيث قدم ولا يتعرض لبلاد هرقل وسوف ينزع من أيديكم ما قد ملكتموه من الشام.
قال سعيد بن عامر: فركبت وأردفت غلامي وصرت حتى أتيت عسكر المسلمين فأسرع الناس إلي وقالوا: أين كنت يا ابن عامر فأتيت خيمة الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وحدثته بقصتي مع جبلة بن الأيهم فقال لي: لقد خلصك الله بذكرك لحسان بن ثابت الأنصاري ثم جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم للمشورة ثم قال: أيها الناس ما ترون من قصة هذا البطريق وقد وفينا له وكادنا.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: إن البغي مصرعة وإن كادنا كان الله من ورائه بالمرصاد وسوف نكيده أعظم مكيدة وأنا أسير إلى لقائه بعشرة رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال أبو عبيدة: أنت لها يا أبا سليمان ولكل كريهة فخذ من أحببت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: أين عياض بن غانم الأشعري أين عمرو بن سعيد أين مصعب بن محارب اليشكري أين أبو جندلة بن سعيد المخزومي أين سهل بن عمرو العامري أين رافع بن عميرة الطائي أين المسيب بن نجية الفزاري أين سعيد بن عامر الأنصاري أين عمرو بن معد يكرب الزبيدي أين عاصم بن عمرو القيسي أين عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأجابوه بالتلبية.
قال الواقدي: وكان
ضرار بن الأزور رضي الله عنه
رمد العينين لم يحضر هذه الوقعة فقال لهم خالد بن الوليد: هلموا فوجدوه قد تدرع بدرع مسيلمة الكذاب الذي استلبه منه يوم اليمامة واشتمل بلامة حربه وركب جواده وقال لعبده همام: سر معي حتى ترى مني عجبًا فسار معه وسار خالد بن الوليد رضي الله عنه والعشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو عبيدة يقول: يا سعيد أما أخبرك جبلة بن الأيهم من أين يأتي البطريق صاحب قنسرين إليه فقال: نعم يا أبا سليمان أخبرني فقال له: خذنا في الطريق إلى جبلة بن الأيهم حتى نكمن له فيه فإذا أتى البطريق صاحب قنسرين كدناه كما كادنا ودمرناه ومن معه فسار سعيد أمام القوم يدلهم ويجد السير طالب عسكر جبلة بن الأيهم وكان مسيرهم ليلًا فلما وصلوا إلى قرب النيران وسمعوا أصوات القوم عدل بهم سعيد بن عامر إلى صوب طريق البطريق وكمن بمن معه من الرجال إلى وقت الصباح فلم يأت أحد فصلى خالد بأصحابه صلاة الفجر وهم في المكمن فبينما هم في المكمن إذ أشرف عليهم جيش جبلة بن الأيهم والعرب المتنصرة وصاحب عمورية وهم طالبون أرض العواصم وقنسرين.
فقال المسلمون لخالد: يا أبا سليمان أما ترى هذا الجيش الذي قد أشرف علينا في عدد الشوك والشجر.
فقال خالد بن الوليد رضي الله عنه: فما يكون من كثرتهم إذا كان النصر لنا والله معنا فاختلطوا بهم أنتم وكونوا في جملتهم كأنكم من جيشهم إلى أن نلتقي بالبطريق صاحب قنسرين ويفعل الله تعالى ما يشاء ويختار فعند ذلك اختلطوا بهم وصاروا في جملتهم وهم لا يفترقون.
قال رافع بن عميرة الطائي: فلما أشرفنا على حد صلحنا ولاح لنا بلد العواصم وقنسرين إذا ببطريقها قد استقبلنا وقد رفع أمامه الصليب وأخرج بين يديه القسوس والرهبان وهم يقرأون الإنجيل وقد ارتفعت أصواتهم بكلمة الكفر ودنا بعضهم من بعض.
وخرج البطريق أمام الصحابة ليأتي إلى جبلة بن الأيهم يسلم عليه فاستقبله خالد بن الوليد رضي الله عنه مواجهًا له وحوله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قرب البطريق منهم.
قال: سلمكم المسيح وأبقاكم الصليب.
فقال خالد: يا ويلك ما نحن من عباد الصليب بل نحن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد الحبيب وكشف خالد بن الوليد رضي الله عنه وجهه ونادى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله يا عدو الله أنا خالد بن الوليد أنا المخزومي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب بيده البطريق وقبض عليه وانتزعه من سرجه وبرز أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلوا السيوف على أصحابه وارتفعت الضجة والجلبة وأعلن العدو بكلمة الكفر وضج المسلمون بكلمة التوحيد وسمع جبلة وصاحب عمورية أصوات المسلمين وقد ارتفعت بالتهليل والتكبير فانزعجوا لذلك ونظروا إلى السيوف وقد جردت والرماح وقد شرعت فبرزوا نحو أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحاطوا بهم من كل جانب ومكان فلما نظر خالد إلى ما دهمه ونزل بأصحابه الذين معه والبطريق صاحب قنسرين لا يفارقه وقد ملك قيده وهو خائف أن ينفلت من يديه أو تجري عليه حادثة قبل أن يقتله هم خالد أن يقتله ورفع السيف ليعلوه به فتبسم البطريق من فعاله وعجب خالد من ضحكه وقال: ويلك مم ضحكك.
فقال البطريق: لأنك مقتول أنت ومن معك وتريد قتلي وإن أنت أبقيت علي فهو أصوب فتركه خالد ولم يقتله ثم صاح خالد بأصحابه: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كونوا حولي واحموا عني واصبروا على ما نزل بكم ولا يكثر عليكم من أحدق بكم فإن أشد ما تخافون منه القتل والموت منية خالد في سبيل الله وإني والله أهديت نفسي للقتل مرارًا لعلي أرزق الشهادة واعلموا رحمكم الله أن حجتنا واضحة ومفوضة إلى الله عز وجل وكأني بكم وقد وصلتم إلى ربكم وسكنتم دارًا لا يموت ساكنها ثم قرأ: {لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين} [الحجر: 48].
قال الواقدي: فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد رضي الله عنه وداروا من حوله وسار عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن يمينه ورافع بن عميرة عن يساره وعبده همام من ورائه وأصحابه محدقون به وسلم خالد البطريق صاحب
قنسرين إلى عبده همام وقال: أوثقه إلى جانبك ولا تبرح من مكانك وأبشر بالنصر من الله عز وجل.
قال الواقدي: وأقبلت إليهم العرب المتنصرة يقدمهم جبلة بن الأيهم في عنقه صليب من الذهب الأحمر وفيه طوق من الجوهر وعليه ثياب الديباج المزركش ومن فوقه درع مذهب الزرد وعلى رأسه بيضة من الذهب وعلى أعلاها صليب من الجوهر وفي يده رمح طويل وسنانه يضيء كالقنديل وصاحب عمورية كالبرج المشيد ومن حوله الأعلاج المدلجة وقد أحدق بهم الجيش من كل جانب.
فلما نظر صاحب عمورية إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه وقد ملك صاحب قنسرين وهو في يده أسير خاف أن يعجل عليه خالد فأقبل إلى جبلة وقال له: وحق المسيح ما هؤلاء العرب إلا شياطين ألا ترى إلى هذا العربي ومن معه وهم عشرة رجال وقد أحدق بهم هذا الجيش العظيم وما يفكرون فيه وقد ملكوا صاحبنا وهو معهم أسير ولا يخلص من أيديهم وإني خائف عليه أن يقتلوه وهو عزيز عند الملك هرقل فأخرج إلى هذا العربي وقل له يخلي صاحبنا ويوصله إلينا حتى نجود لهم بأنفسهم فإذا أطلقوا صاحبنا حملنا عليهم وقتلناهم عن آخرهم.
قال رافع بن عميرة الطائي: فبينما نحن وقوت حول خالد بن الوليد رضي الله عنه وجيش الروم والعرب المتنصرة محدقون بنا ونحن لا نفكر في كثرتهم لأنا واثقون بالله عز وجل وإذا بجبلة بن الأيهم وهو ينادي برفيع صوته ويقول: من أنتم من أصاب محمد المعروفين.
.
من أنتم من العرب التابعين أخبرونا من قبل أن ينزل بكم الدمار فكان المكلم له خالد وبادره بالخطاب وفال له: بل نحن من أصحاب محمد المختار المعروفين بأهل القبلة والإسلام والإكرام والإنعام.
وأما سؤالك عن أنسابنا فنحن الآن من قبائل شتى وقد جعل الله كلمت واحدة ونحن مجتمعون عليها وهي قول لا إله إلا الله محمد رسول الله زاده الله تعالى شرفًا.
فلما سمع جبلة كلام خالد بن الوليد غضب غضبا شديدًا إذ لم يفكر فيه ولا فيمن معه.
فقال جبلة: يا فتى أنت أمير هؤلاء العرب.
فقال خالد: لست أميرهم بل أخوهم في الإسلام وهم إخواني المؤمنون.
فقال جبلة: من أنت من أصحاب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فقال خالد: أنا المعروف بكبش بني مخزوم أنا خالد بن الوليد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الرجل الذي عن يميني هو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهذا الذي عن شمالي من أهل اليمن من كرام طيء وهو رافع بن عميرة الطائي صهري وفؤادي وذلك أني أخذت من كل قبيلة شجاعها المعروف وبطلها الموصوف فلا تزدر بقتلنا ولا تفرح بكثرتهم فما أنتم في القتال إلا كطيور وقع عليها صائدها وهي كامنة في أوكارها فألقى القانص الشبكة عليها فما انفلت منها إلا النجيب.
قال الواقدي: فزاد غضب جبلة من كلام خالد وقال له: ستعلم أن كلامك عليك ميشوم إذا دارت بك الأسنة وبقيت أنت ومن معك طعامًا للوحوش في هذه الفلاة تمزقكم بكرة وعشيًا فقال له خالد: ذلك لا يكثر علينا وهو سهل لدينا.
فأنت من العرب التي قد نسبت لعبادة الصليب لقال: أنا سيد بني غسان ومن ملوك همدان أنا ملك غسان وتاجها أنا جبلة بن الأيهم فقال خالد: أنت المرتد عن دين الإسلام ومن اختار الضلالة على الهدى وسلك سبيل الغي وضل وغوى فقال جبلة: لست كذلك أنا الذي اخترت العز على الذل والهوان فقال خالد: فإنك على ذل نفسك حريص وإنما الكرامة غدًا في دار البقاء والبعد عن دار الشقاء فقال جبلة: يا أخا بني مخزوم لا تفرط علينا في المقال فإنما بقائي عليك وعلى أصحابك بسبب هذا الأسير الذي في يدك لأني أخاف إن حملت عليكم قتلته قبل قتلك وهو معظم عند الملك هرقل وقريب عنده في النسب فأطلقه من يدك حتى أجود عليكم بأنفسكم فقال خالد: أما أسيري فلا أطلقه من يدي حتى أقتله ولا أبالي بما صنع بي بعده وأما قولك تحمل علي وعلى من معي بهذه المجوع فما أنصفت في المقال فإذا أردت النصفة في القتال فجمعكم عظيم وعددكم كثير ونحن عشرة رجال وقد أحدقت بنا أعنت خيولكم وأسنة رماحكم وطيال سيوفكم فأبرزوا فارسًا لفارس وهذا أميركم فإن قتلتمونا فقد خلصتم أسيركم وإن أظفرنا الله وما النصر إلا من عند الله فما يعظم عليكم هلاك أسيركم إذا هلكت أنفسكم قبله.
قال الواقدي: فعند ذلك نكس جبلة رأسه وأقبل يحدث صاحب عمورية بجواب خالد بن الوليد رضي الله عنه فغضب صاحب عمورية غضبًا شديدًا وانتضى سيفه فلما نظر خالد بن الوليد إلى البطريق وقد جرد سيفه علم أنه يريد القتال فلما هم صاحب عمورية بالحملة أمسكه جبلة ومنعه محن الحملة وأوقفه تحت صليبه وأقبل جبلة على خالد بن الوليد وقال: يا أخا بني مخزوم إن الحرب كما ذكرت تحتمل النصفة وهؤلاء بنو الأصفر أعلاج الروم غنم ما يعرفون النصفة في البراز وقد حدثتهم بحديث معي وقد رضوا منك بالمبارزة فمن أراد منكم المبارزة فليبرز.
قال رافع نحن عميرة الطائي: فعزم خالد بن الوليد أن يبرز فمنعه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقال: يا أبا سفيان وحق القبر الذي ضم أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحق شيبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لا يبرز لهؤلاء القوم غيري وأبذل المجهود فيهم فلعلي ألحق بأبي بكر الصديق فتركه خالد قال: اخرج شكر الله مقالك وعرف لك فعالك.
قال: فخرج عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وهو على فرس كان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان دفعه له من قسمة غنيمة وقعة أجنادين وكان الجواد من خيل بني لخم وجذام من العرب المتنصرة وكان كالطود العظيم وعبد الرحمن غارقًا في الحديد والزرد النضيد وبيده قناة تامة الطود فجال عبد الرحمن بجواده بين عساكر الروم والعرب المتنصرة ودعاهم إلى القتال والبراز والنزال وقال: دونكم والقتال فأنا ابن الصديق ثم جعل يقول: أنا ابن عبد الله ذي المعالي والشرف الفاضل ذي الكمال أبي المجيد الصادق المقال أبت هذا الدين بالفعال ثم طلب البراز.
قال رافع بن عميرة: فخرج إليه خمسة فوارس من شجعان الروم فما كان يجول عبد الرحمن على الفارس إلا جولة واحدة فيصرعه قتيلًا فلما قتل الخمسة فوارس توقفوا عنه فهم بالحملة على عسكر الروم فخرج إليه جبلة بن الأيهم وقد اشتد في الغضب فلما قرب من عبد الرحمن قال له: يا غلام قد تعديت علينا في فعالك وبغيت علينا في قتالك قال عبد الرحمن: وكيف ذلك وما البغي من شيمتنا قال جبلة: لأنك قد ملأت الأرض من قتلانا وما خرجت إليك أقاتلك لأنك لست لي كفؤًا في القتال وإنما خرجت إليك لأن رجلًا من أصحابك قد خرج يعينك وليس هذا من شيم الأشراف والإنصاف.
قال: فلما سمع عبد الرحمن كلام جبلة تبسم وقال: يا ابن الأيهم تريد أن تخدعني وأنا تربيه الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقد شهدت معه الوقائع والقتال.
فقال جبلة: لست مخادعًا وما قلت إلا حقًا.
فقال عبد الرحمن: فأخرج بإزاء من خرج معي فارسًا من قومك إن كنت صادقًا في مقالتك واحمل على علي فإني كفء كريم.
قال الواقدي: فلما نظر جبلة بن الأيهم إلى عبد الرحمن وأنه لا يؤتى من قبل الخداع والحيل.
قال: هل لك يا غلام أن تلقي بيدك إلينا وأغمسك في ماء المعمودية غمسة تخرج منها نقيًا من الذنوب كما خرجت من بطن أمك وتكون من حزب الصليب والإنجيل وتأكل القربان وتأخذ الجائزة العظيمة من الملك هرقل وأزوجك ابنتي وأقاسمك نعمتي وأتفضل عليك بإكرامي وإنعامي وأنا الذي مدحني شاعر نبيكم حيث يقول: إن ابن جفنة من بقية معشر لم تغذهم آباؤهم باللوم يعطي الجزيل ولا يراه بأنه إلا كبعض عطية المذموم لم ينسني بالشام إذ هو بارح يومًا ولا متنصرًا بالروم إن جئته يومًا تقر بمنزل تسقي براحته من الخرطوم فأسرع إلى ما عرضته عليك لتنجو من المهالك وتكون في النعم والعيش السليم.
فقال عبد الرحمن: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يا ويلك يا ابن اللئام أتدعوني من الهدى إلى الضلال ومن الإيمان إلى الكفر والجهالة وأنا ممن وقر الإيمان في قلبه وعرف رشده من غيه وصدق نبي الله وأبغض من كفر بالله فدونك والقتال ودع عنك الخديعة والمحال وتقدم إلى ما عزمت عليه حتى أضربك ضربة أعجل بها حمامك وأرغم بها أنفك وتستريح العرب من أن تنسب إليك لأنك كافر بالرحمن وعابد للصلبان.
قال: فغضب جبلة من كلام عبد الرحمن وحمل عليه وهم به ورفع رمحه يريد أن يطعنه فزاغ عبد الرحمن من الطعنة وحمل على جبلة حملة عظيمة وتطاعنا بالرماح حتى كل عبد الرحمن من حمل قناته فرماها من يده وانتضى سيفه وتعاركا في الحرب فهجم عبد الرحمن على جبلة وضرب رمحه فبراء فرمى جبلة باقي الرمح من يده وانتضى سيفه من غمده وكان من سيوف كندة من بقايا عاد كأنه صاعقة بارقة ما ضرب منها شيئًا إلا براه وحمل على عبد الرحمن رضي الله عنه حملة عظيمة.
قال رافع بن عميرة الطائي: فعجبنا والله من عبد الرحمن وصبره على قتال جبلة ومنازلته على صغر سنه وقلة أعوانه ثم التقيا بضربتين واصلتين فسبقه عبد الرحمن بالضربة فأخذها جبلة في حجفته فقطع الدرق ونزل السيف إلى البيضة فأثنى سيف عبد الرحمن عنها لأنها ذات سقاية عظيمة فجرحه جرحًا واضخًا أسال دمه وضربه جبلة ضربة واصلة فقطع ما كان عليه من الزرد والدروع والثياب ووصلت الضربة إلى منكبه فجرحته فلما أحس عبد الرحمن رضي الله عنه الضر قد وصلت إليه ثبت نفسه وأرى قرينه كأن الضربة لم تصل وحرك جواده وأطلق عنان فرسه حتى لحق بخالد بن الوليد رضي الله عنه وأصحابه فلما وصل إليهم قال له خالد: قد وصل إليك عدو الله بضربته فقال: نعم وأظهر له ضربته وما لحقه فأخذوه عن فرسه وسدوا جراحه.
فقال: يا ابن الصديق إن كان جبلة قد وصل إليك بضربته فوحق بيعة أبيك لأفجعنهم في أسيرهم كما فجعوني بك ثم صاح خالد بعبده همام وقال: قدم هذا العلج فقدمه بين يديه فضربه بسيفه فأطاح رأسه عن جسده فلما نظرت الروم إلى صاحبهم وقد قتله خالد فجعهم ذلك وغضب جبلة وقال: أبيتم إلا القدر وقتلتم صاحبنا ثم صاح في الروم والعرب المتنصرة وهموا بالحملة ونظر خالد إليهم وقد حملوا على المسلمين فقال لعبده همام قف أنت عند عبد الرحمن فامنع عنه من أراده بسوء ثم قال لأصحابه: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج أحد منكم عن صاحبه وكونوا حولي فما أسرع الفرج والنصر من الله عز وجل فوقف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حول خالد بن الوليد رضي الله عنه كما أمرهم وما قصدهم إلا من آيس من نفسه وحملت الروم والعرب المتنصرة بأجمعهم وثبت لهم المسلمون الأخيار وعظم بينهم القتال ودارت بهم الأهوال.
قال ربيعة بن عامر: والله لقد كان خالد بن الوليد كلما كثرت الخيل حولنا وازدحمت علينا يتقيها بنفسه ويفرقها بسيفه ولم نزل كذلك حتى أخذنا العطش والظمأ.
قال رافع بن عميرة الطائي: فلما رأيت ذلك قلت لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان لقد نزل بنا القضاء.
فقال: والله لقد صدقت يا أبا عميرة لأني نسيت القلنسوة المباركة ولم أصحبها معي.
قال الواقدي: وقد عظم عليهم الأمر وعز منهم الصبر وأخذهم الانبهار ورأوا من المشركين الدمار والأرض قد ملئت من قتلى المشركين وهم بين الروم كأنهم أسرى وإذ قد نادى بهم مناد وهتف بهم هاتف وهو يقول: خذل الآمن ونصر الخائف أبشروا يا حملة القرآن جاءكم الفرج من الرحمن ونصرتم على عبدة الأوثان هذا وقد بلغت القلوب الحناجر وعملت السيوف البواتر ودارت عليهم الحوافر.
قال الواقدي: حدثنا بسرة عن إسحاق بن عبد الله قال: كنت مع أبي عبيدة رضي الله عنه فبينما نحن في شيزر وأبو عبيدة في مضربه وإذا به قد خرج في بعض الليل من مضربه وهو ينادي: النفير النفير يا معشر المسلمين لقد أحيط بفرسان الموحدين قال فأسرعنا إليه من كل جانب ومكان وقلنا له: ما نزل بك أيها الأمير فقال: الساعة كنت نائمًا إذ طرقني رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرني وقال لي معنفًا: يا ابن الجراح أتنام عن نصرة القوم الكرام فقم والحق بخالد بن الوليد رضي الله عنه فقد أحاط به القوم اللئام وإنك تلحق به إن شاء الله تعالى رب العالمين.
قال الواقدي رحمه الله تعالى: فلما سمع المسلمون قول أبي عبيدة رضي الله عنه تبادروا إلى لبس السلاح والزرد وركبوا خيولهم وساروا يريدون خالدًا ومن معه قال: فبينما الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه على المقدمة في أوائل الخيل إذ نظر إلى فارس يسرع به جواده وهو أمام الخيل ويكر في سيره كرًا فأمر أبو عبيدة رضي الله عنه رجالًا من المسلمين أن الحقوا به فلم يقدروا على ذلك لسرعة جواده قال فلما كلت الخيل عن إدراكه نظر أبو عبيدة إليه وظن أنه من الملائكة قد أرسله الله أمامهم غير أنه نادى به الأمير أبو عبيدة: على رسلك أيها الفارس المجد والبطل المكد ارفق بنفسك يرحمك الله فوقف الفارس حين سمع النداء فلما قرب أبو عبيدة من الفارس إذا هي أم تميم زوجة خالد بن الوليد رضي الله عنه.
فقال لها أبو عبيدة: ما حملك على المسير أمامنا فقالت: أيها الأمير إني سمعتك وأنت تصيح وتضج بالنداء وتقول إن خالدًا أحاطت به الأعداء فقلت إن خالدًا ما يخذل أبدًا ومعه ذؤابة المصطفى صلى الله عليه وسلم إذ حانت مني التفاتة إلى القلنسوة المباركة وقد نسيها فأخذتها وأسرعت إليه كما ترى.
فقال أبو عبيدة: لله درك يا أم تميم سيري على بركة الله وعونه قالت أم تميم: كنت في جماعة نسوة من مذحج وغيرهم من نساء العرب والخيل تطير بنا طيرًا حتى أشرفنا على الغبرة والقتال ونظرنا الأسنة والصوارم تلوح في القتال كأنها الكواكب وما للمسلمين حس يسمع قالت فأنكرنا ذلك وقلنا: إن القوم قد وقع بهم عدوهم فعند ذلك كبر الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه وحمل وحملت المسلمون قال رافع بن عميرة: فبينما نحن قد أيسنا من أنفسنا إذ سمعنا التهليل والتكبير فلم تكن إلا ساعة حتى أحاط جيش المسلمين بعسكر الكافرين ووضعوا السيوف من كل جانب وعلت الأصوات وارتفعت الزعقات قال مصعب بن محارب اليشكري فرأيت عبدة الصلبان وهم هاربون ورأيت خالد بن الوليد رضي الله عنه وهو ثابت في سرجه متشوف إلى الأصوات من أين هي وإذا بفارس قد خرج من الغبار وهو يسوق فرسان الروم بين يديه ويهربون منه حتى أزاح من حوت الكتائب والرجال فأسرع خالد بن الوليد إليه وقال: من أنت أيها الفارس الهمام والبطل الضرغام.
فقالت: أنا زوجتك أم تميم يا أبا سليمان وقد أتيتك بالقلنسوة المباركة التي تنصر بها على أعدائك فخذها إليك فوالله ما نسيتها إلا لهذا الأمر المقدر ثم سلمتها إليه فلمع من ذؤابه رسول الله صلى الله عليه وسلم نور كالبرق الخاطف.
قال الواقدي: وعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وضع خالد القلنسوة على رأسه وحمل على الروم إلا قلب أوائلهم على أواخرهم وحملت المسلمون حملة عظيمة فما كان غير بعيد حتى ولت الروم الأدبار وركنوا إلى الفرار ولم يكن في القوم إلا قتيل وجريح وأسير وكان جبلة أول من الهزم والعرب المتنصرة أثره فلما رجع المسلمون من إتباعهم اجتمعوا حول راية الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وأتباعه وسلموا على الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وعلى المسلمين وشكروا الله على سلامتهم ونظر أبو عبيدة رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد وأصحابه وهم كأنهم قطعة أرجوان فصافحه وهنأه بالسلامة وقال: لله درك يا أبا سليمان قد أشفيت الغليل وأرضيت الملك الجليل.
ثم قال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه: يا معاشر الناس قد رأيت أن نسير من وقتنا هذا ونغير على قنسرين والعواصم ونقتل الرجال وننهب الأموال فقال المسلمون: نغم ما رأيت يا أمين الأمة.
قال الواقدي: فانتخب أبو عبيدة رضي الله عنه فرسانًا فجعلهم في المقدمة مع عياض بن غانم الأشعري وساروا حتى أشرفوا على قنسرين والعواصم.
فقال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: شنوا الغارات فشنوا الغارات عليهم وسبوا الذراري وقتلوا الرجال فلما نظر أهل قنسرين إلى ذلك غلقوا مدينتهم وأذعنوا بالصلح وأداء الجزية فأجابهم أبو عبيدة رضي الله عنه إلى ذلك وكتب لهم كتاب الصلح وفرض على كل رأس منهم أربعة دنانير وبذلك أمره عمر بن قال الواقدي: لما فتح أبو عبيدة رضي الله عنه قنسرين والعواصم.
قال لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي برأيكم رحمكم الله فإن الله تعالى يقول لنبته صلى الله عليه وسلم: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} [آل عمران: 159]. الآية فهل أسير إلى حلب وقلاعها وأنطاكية وملوكها وعساكرها أو نرجع إلى ورائنا.
فقالوا: أيها الأمير كيف نرجع إلى حلب وأنطاكية وهذه أيام انقضاء الصلح الذي بيننا وبين أهل شيزر وأرمين وحمص وجوسيه ولا شك أنهم قد أخذوا الحصار وقووا بلادهم بالأطعمة والرجال ونخاف أن يتغلبوا علينا فيما أخذناه من البلاد ويغيروا علينا لا سيما بعلبك وحصنها فإنهم أولو شدة وعديد ونرى من الرأي أنا نرجع إليهم ونقاتلهم فلعل الله عز وجل أن يفتح على أيدينا.
قال فاستصوب ورجع على طريقه فوجدوا البلاد كما قالوا قد تحصنت بالعدد والرجال والطعام ولم يكن لأبي عبيدة قصد إلا حمص فوجدها قد تحصنت بالعدد والعديد وقد بعث إليها الملك هرقل بطريقًا من أهل بيته وكان من أهل الشدة والبأس ومعه جيش عرمرم وكان اسم البطريق هربيس فلما نظر أبو عبيدة إلى ذلك ترك على حمص خالد بن الوليد رضي الله عنه وسار هو إلى بعلبك فلما قرب منها وإذا بقافلة عظيمة فيها جمع من الناس ومعهم البغال والدواب وعليها من أنواع التجارات وقد أقبلت من الساحل يريدون بعلبك فلما نظر أبو عبيدة رضي الله عنه إلى سوادها قال لمن حوله من الفرسان: ما هذا إلا جمع كثير أمامنا.
فقالوا: لا علم لنا بذلك.
فقال: علي بخبرهم فسارت الخيل إليهم وأخذت أخبارهم ورجع بحض بخبرها والقافلة من قوافل الروم محملة متاعًا.
قال شداد بن عدي: وكانت أحمال القافلة أغلبها سكر وكانت لأهل بعلبك فلما سمع أبو عبيدة ذلك قال: إن بعلبك لنا حرب وليس بيننا وبينهم عهد فخذوا ما قد ساقه الله إليكم فإنها غنيمة من عند الله.
قال الواقدي: فاحتوينا على القافلة وكان فيها أربعمائة حمل من السكر والفستق والتين وغير ذلك وأخذنا أهلها أسارى فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: كفوا عن القتل واطلبوا منهم الفداء فابتعناهم أنفسهم بالذهب والفضة والثياب والدواب وصنعنا من السكر العصيدة والفالوذج بالسمن والزيت ودعس المسلمون دعسًا وبتنا حيث حوتنا القافلة فلما اصبح الصباح أمرنا أبو عبيدة رضي الله عنه بالمسير إلى بعلبك والنزول عليها وكان قد هرب قوم من القافلة وأخبروا أهل بعلبك بالقافلة.
قال الواقدي
: وكان على بعلبك بطريق عظيم يقال له هربيس وكان شديد البأس شجاع القلب فلما أتاه الخبر بقدوم عساكر المسلمين جمع رجاله وأهل الحرب وأمرهم بلبس السلاح والعدد وخرج بعسكره وجعل يسير وهو يعلم أن الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه سائر إليهم بجيوش المسلمين فلما انتصف النهار وتراءا الجمعان وكان هربيس معه سبعة آلاف فارس سوى من اتبعه من سواد بلده فلما نظر طوالع جيش أبي عبيدة رضي الله عنه ونظر المسلمون إلى ذلك نادوا النفير النفير فعندما تبادرت الفرسان وتقدمت الشجعان وشرعوا رماحهم وجردوا سيوفهم وصف هربيس رجاله وعباهم تعبئة الحرب فقال له بعض بطارقته: ما الذي تريد أن تصنع مع العرب فقال: أقاتلهم لئلا يطمعوا فينا فينزلوا على مدينتنا فقالوا له: الرأي عندي أن لا تقاتل العرب وارجع سالمًا أنت ورجالك.
فإن أهل دمشق الشام ما قدروا عليهم ولا ردهم عساكر أجنادين ولا جيوش فلسطين وقد بلغك ما فيه كفاية مما جرى لهم بالأمس مع صاحب قنسرين وصاحب عموربة والعرب المتنصرة وكيف ردهم هؤلاء العرب على أعقابهم منهزمين والصواب أنك تفوز بنفسك وبمن معك وارجع.
فقال هربيس: لست أفعل ذلك ولا أنهزم أمام العرب وقد بلغني أن عسكرهم الكبير على حمص مع الأمير أبي عبيدة الذي كان فيها خالد بن الوليد وهذه غنيمة ساقها المسيح لنا فقال ذلك البطريق الناصح: أما أنا فلست أتبع رأيك ولا أقاتل العرب.
ثم لوى عنان فرسه راجعًا إلى بعلبك واتبعه خلق كثير من القوم وأما هربيس فإنه صف رجاله وزحف يريد القتال فلما نظر أبو عبيدة رضي الله عنه ذلك وأنهم قد عولوا على الحرب صف رجاله وعساكره وقال: أيها الناس اعلموا رحمكم الله تعالى أن الله قد وعدكم وأيدكم بالنصر حتى هزم أكثر هؤلاء القوم وهذه المدينة التي أنتم قاصدون إليها وسط ما فتحتموه من البلاد وأهلها قد أكثروا من الزاد والعلا والقوة فإياكم والعجب وانتصروا واغزوا أعداء الدين وانصروا الله ينصركم واعلموا أن الله معكم.
ثم حمل الأمير أبو عبيدة وحمل المسلمون قال عامر بن ربيعة: وعيش عاش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد المرسلين ما كان بيننا وبينهم إلا جولة الجائل حتى ولوا الأدبار وطلبوا الأسوار ودخل هربيس المدينة مع أصحابه وفيه سبع جراحات فتلقاه الذي أشار عليه لا تقاتل العرب وقال له: وأين غنائم العرب التي غنمتموها فقال هربيس: قبحك المسيح أتهزأ بي وقد قتلت العرب رجالي وقد جرحت هذه الجراحات فقال له البطريق: ألم أقل لك إنك مهلك نفسك ورجالك.
قال الواقدي: ثم إن الأمير أبا عبيدة سار حتى نزل على بعلبك فنظر إلى مدينة هائلة وحصن حصين والقوم قد أغلقوا الأبواب وقد أحرزوا أموالهم ومواشيهم في جوفها واطلع المسلمون على الأموال كأنها الجراد المنتشر.
قال فلما نظر الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه إلى البلد وتحصينه وامتناعه وكثرة رجاله وشدة برده وذلك أنه بلد لا يزايله البرد في الشتاء والصيف.
فقال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه لخواص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الرأي في ذلك.
فاجتمع رأيهم على شورى واحدة وهو أن يحاصروا القوم ويضيقوا عليهم فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: أصلح الله الأمير إني أعلم أن الروم ازدحم بعضهم ببعض من كثرتهم وأظن أن المدينة لا تسعهم وإن طاولناهم رجونا من الله النصر وأن يفتحها الله على أيدينا فقال الأمير: يا ابن جبل من أين علمت أن القوم يتضايقون في مدينتهم فقال أيها الأمير إني كنت أول من أسرع بجواده قبل وأشرفت على هذه المدينة والقلعة البيضاء ورجوت أن نلحق سوابق الخيل فرأيت القوم يدخلون المدينة من جميع الأبواب مثل السيل المنحدر والمدينة مشحونة بأهل السواد والقرى والمواشي ودوابهم فيها وقد ضاقت بهم وهذه أصوات القوم في المدينة كأنهم النحل من كثرتهم فقال أبو عبيدة: صدقت يا معاذ ونصحت وايم الله ما عرفتك إلا مبارك الرأي سديد المشورة.
قال الواقدي: وبات المسلمون تلك الليلة يحرس بعضهم بعضًا إلى الصباح.
ثم كتب أبو عبيدة رضي الله عنه إلى أهل بعلبك كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من أمير جيوش المسلمين بالشام وخليفة أمير المؤمنين فيهم أبو عبيدة بن الجراح إلى أهل بعلبك من المخالفين والمعاندين أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى وله الحمد أظهر الدين وأعز أولياءه المؤمنين على جنود الكافرين وفتح عليهم البلاد وأذل أهل الفساد وإن كتابنا هذا معفرة بيننا وبينكم وتقدمة إلى كبيركم وصغيركم لأنا قوم لا نرى في ديننا البغي وما كنا بالذين نقاتلكم حتى نعلم ما عندكم.
وإن دخلتم فيما دخل فيه المدن من قبلكم من الصلح والأمان صالحناكم وإن أردتم الذمام ذممناكم وإن أبيتم إلا القتال استعنا عليكم بالله وحاربناكم لأسرعوا بالجواب والسلام على من اتبع الهدى.
ثم كتب {إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى} [طه: 48]. وطوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين وأمره أن يسير به إلى أهل بعلبك ويأتيه بالجواب فأخذ المعاهد الكتاب وأتى به إلى السور وخاطبهم بلغتهم وقال: إني رسول إليكم من هؤلاء العرب فدلوا حبلًا فربطه في وسطه وأخذه القوم إليهم وأتوا به إلى بطريقهم هربيس فناوله الكتاب فجمع هربيس أهل الحرب والبطارقة وقرأ عليهم كتاب أبي عبيدة رضي الله عنه وقال: أشيروا علي برأيكم فقال له بطريق من بطارقته وهو صاحب مشورة الرأي: عندي أن لا نقاتل العرب لأنا ليس لنا طاقة بقتالهم ومتى صالحناهم كنا في أمن وخصب ودعة كما قد صار أهل أركه وتدمر وحوران وبصرى ودمشق وإن نحن قاتلناهم وأخذونا في الحرب قتلوا رجالنا واستعبدونا وسبوا حريمنا والصلح خير من الحرب فقال هربيس: لا رحمك المسيح فما رأيت أجبن منك ولا أقل جلدًا يا ويلك كيف تأمرنا أن نسلم مدينتنا إلى أوباش العرب ولا سيما وقد عرفت حربهم وقتالهم واختبرت نزالهم وإني في هذه النوبة لو حملت في ميسرتهم كنت هزمتهم فقال له البطريق: نعم كانت الميسرة والقلب يخافون منك.
ثم تخاصما وتشاتما وافترق أهل بعلبك فرقتين فرقة يطلبون الصلح وفرقة يطلبون القتال ورمى هربيس الكتاب إلى المعاهد بعد أن مزقه وأمر غلمانه أن يدلوه إلى ظاهر المدينة ففعلوا ذلك ووصل المعاهد إلى عسكر المسلمين وأتى أبا عبيدة رضي الله عنه وحدثه بما كان من القوم وقال: أيها الأمير إن أكثر القوم عولوا على القتال فقال أبو عبيدة رضي الله عنه للمسلمين: شدوا عليهم واعلموا أن هذه المدينة في وسط أعمالكم وبلادكم.
فإن بقيت كانت وبالًا على من صالحتم ولا تقدرون على سفر ولا على غيره قال: فلبس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السلاح والعدد ورجعوا إلى الأسوار وعطف أهل بعلبك عليهم وتراموا بالسهام والأحجار وإن هربيس قد نصب كرسيه وسريره على برج من أبراج القلعة من ناحية النملة وقد عصب جراحته ولبس سلاحه ولامته ولبس على رأسه صليبًا من الجواهر وحوله البطارقة والديرجانية بالدروع المذهبة والعمد الكاملة وفي أعناقهم صلبان الذهب والجوهر وبأيديهم القسي والسهام.
قال عامر بن وهب اليشكري: شهدت حرب بعلبك وقد زحفت المسلمون إلى سورها.
قال: ونشاب الروم كالجراد المنتشر وكان أناس من العرب بلا سلاح فأصابهم سهام القوم.
قال: ورأيت القوم يتساقطون علينا من السور تساقط الطير على الحب فذهبت إلى رجل سقط لأضرب عنقه فصاح: الغوث الغوث وكنا قد عرفنا من الحرب أن من قال: الغوث يعني الأمان فقلت له: يا ويلك لك الأمان فما الذي ألقاك إلينا من سوركم.
فجعل يكلمني بالرومية وأنا لا أدري ما يقول.
قال عامر بن وهب اليشكري: فسحبته إلى خيمة أبي عبيدة وقلت له: أيها الأمير اطلب من يعرف لغة هذا العلج فإني رأيتهم يرمي بعضهم بعضًا فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لمن حضر من المترجمة: أخبرنا بخبر هذا العلج وما قضيته ولم يرمي بعضهم بعضًا.
فقال له الترجمان: يا ويلك قد أعطيناك الأمان فاصدقنا في الكلام وقل لنا لم يرمي بعضكمبعضًا.
قال: إن بعضنا لا يرمي بعضًا ولكنا من أهل السواد والقرى فلما سمعنا بمسيركم ورجوعكم عن أهل قنسرين التجأنا إلى هذه المدينة من جميع الرساتين لنتحصن فيها لما نعلم من كثرة ما بها من الجيش فضيق بعضنا على بعض وسددنا طرقات المدينة ومضى بعضنا إلى السور فإذا ليس لنا موضع نأوي إليه ولا مسكن نسكن فيه فجعلنا الأبراج والأسوار مسكنًا لنا.
فلما زحفتم إلى القتال برز إليكم أهل الحرب والنزال من هذه المدينة فجعلوا يدوسوننا بأرجلهم وإذا اشتد الحرب عليهم والقتال يدفع الرجل منهم الرجل منا فيلقيه إليكم.
قال الواقدي: فلما سمع الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه ذلك فرح فرحًا شديدًا وقال: أرجو من الله أن يجعلهم غنيمة لنا قال وأخذت الحرب مأخذها وطحنت رجالها وعلا الضجيج وحمى الروم أسوارهم فلم يقدر أحد من المسلمين أن يصل إليها من كثرة السهام والحجارة.
قال غياث بن عدي الطائي: حاربنا أهل بعلبك في أول يوم فأصيب من المسلمين اثنا عشر رجلًا وأصيب من الروم على السور خلق كثير من أهل الحرب وغيرهم وانصرف المسلمون إلى رحالهم وما لهم همة إلى الطعام ولا الشراب ولا يريد أحد منا إلا الاصطلاء بالنار من شدة البرد.
قال: فبينما نحن ليلتنا نوقد النار ونتناوب في الحرس إلى الصباح فلما صلينا الفجر نادى مناد من قبل أبي عبيدة رضي الله عنه يقول: عزيمة مني على كل رجل من المسلمين لا يبرز إلى حرب هؤلاء القوم حتى ينفذ إلى رحله ويصلح له طعامًا حارًا يأكله ليكون بذلك شديدًا على لقاء العدو.
قال فابتدرنا لإصلاح أمورنا فلما نظر أهل بعلبك إلى تأخرنا عن حربهم وقتالهم طمعوا فينا وظنوا أن ذلك فشل منا وعجز فصاح هربيس في الروم وقال: اخرجوا لهم بارك المسيح فيكم.
قال غياث بن عدي: فلم يشعر المسلمون إلا والأبواب قد فتحت والخيل والرجال قد طلعت إلينا كالجراد المنتشر.
قال: وكان بعضنا قد مد يده إلى الطعام وبعضنا ينضج له القرص وإذا بمناد ينادي: يا خيل الله اركبي وللجهاد تأهبي فدونكم والقوم قبل أن يدهموكم.
قال حمدان بن أسيد الحضرمي: وكان لي قرص خبزته وقدمت شيئًا من الزيت لأجعله أدامي للقرص وإذا بالمنادي ينادي: النفير النفير قال: فوالله ما راعني ذلك حتى أخذت قطعة وغمستها في الزيت وهويت بها إلى فمي سمعت النفير فقمت مسرعًا وركبت جوادي عريانًا من دهشتي لسرعة الإجابة وضربت بيدي على عمود من أعمدة الخيام وحملت على القوم فوالله ما شعرت بما صنعت ولا عقلت على نفسي حتى صرت في الروم فجعلت أحطمهم حطمًا وأهبرهم بالسيف هبرًا.
قال فنظرت إلى خيل الروم متفرقة والأمير أبو عبيدة قد نصب رايته والناس يهرعون إليها وإن أبا عبيدة رضي الله عنه ينادي برفيع صوته: اليوم يوم له ما بعده.
قال ونظر أبو عبيدة إلى شدة ضرب الروم وصبرهم على قتال المسلمين فحمل عليهم بالخيل العربية وأحاط بالروم من كل جانب ومكان وكان في جملة خيله عمرو بن معد يكرب الزبيدي وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وربيعة بن عامر ومالك بن الأشتر وضرار بن الأزور رضي الله عنه وذو الكلاع الحميري فلله درهم فلقد قاتلوا قتالًا شديدًا وأبلوا بلاء حسنًا فلما نظرت الروم إلى فعلهم رجعوا إلى أعقابهم طالبين الأسوار وغلقوا الأبواب ورجع المسلمون إلى عسكرهم وأضرموا نيرانهم ودفنوا من استشهد منهم وأقبلت رؤساء المسلمين إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه وقالوا: أيها الأمير ما الذي قد عزمت عليه وما عندك من الرأي يرحمك الله فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: اعلموا أن الرأي أن نتأخر عن المدينة مقدار شوط فرسخ ليكون ذلك مجالًا لخيلكم ومنعة لحريمكم والنصر من عند الله تعالى.
.
ثم دعا أبو عبيدة رضي الله عنه بسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعقد له راية وأمره على خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل وأمرهم أن يهبطوا إلى الوادي وأن يقاتلوا القوم على الأبواب وأن يشغلوهم عن المسلمين ثم دعا ضرار بن الأزور وعقد له راية وأمره على خمسمائة فارس ومائة راجل وسرحه إلى باب الشام وقال: يا ابن الأزور أظهر شجاعتك على بني الأصفر فقاتل من هناك من الروم فقال: حبًا وكرامة.
قال ومضت كل فرقة إلى جهة من الجهات فلما أصبح الصباح فتحت الروم الأبواب وخرجوا في خلق كثير إلى أن تكاملوا حول بطريقهم هربيس.
فقال لهم البطريق: اعلموا يا معاشر النصرانية أن أهل هذا الدين من قبلكم قد فشلوا عن قتال هؤلاء العرب وعجزوا عن قتالهم ونزالهم.
فقالوا: أيها السيد طب نفسًا وقر عينًا فإنا كنا نخاف من العرب قبل أن نختبرهم ونعلم قتالهم وقد علمنا أنهم إذا لاقوا حربنا لم يكونوا أصبر منا على الحرب لأن أحدهم يلقي الحرب وعليه ثوب خلق خام أو فروة خلقة ونحن علينا الدروع والزرد وقد وهبنا أنفسنا للمسيح.
قال الواقدي: فلما نظر أبو عبيدة إلى كثرتهم نادى برفيع صوته: يا معاشر المسلمين لا تفشلوا فتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين.
قال وإن الروم داخلهم الخوف لما كانوا قد نالوه من غرة المسلمين بالأمس فحملوا حملة عظيمة.
قال سهل بن صباح العبسي: شهدت قتال أهل بعلبك وقد خرج إلينا أهلها في اليوم الثاني وهم أطمع مما كانوا في اليوم الأول وقد حملوا علينا حملة عظيمة شديدة منكرة وكنت في ذاك اليوم أصابني جرح في عضدي الأيمن وما أطيق أن أحرك يدي ولا أحمل سيفًا فترجلت عن جوادي وجريت بين أصحابي وقلت في نفسي: إذا قصدني أحد من هؤلاء الأعلاج لم يكن لي أن أدفع عن نفسي فطلعت إلى فروة الجبل فعلوته وأشرفت على العسكرين وجعلت أنظر إلى حربهم وقتالهم وقد طمعت الروم في العرب والمسلمون ينادون بالنصر وأبو عبيدة يدعو لهم بالنصر والتحمت القبائل وافتخرت العشائر قال سهل بن صباح: وأنا على الجبل من وراء حجر أنظر إلى ضرب السيوف على البيض والحجف والشرر يطير من شعاعها وقد التقى الفريقان واختلط الجمعان فقلت في نفسي: ويحي وما عسى أن ينفع المسلمين مقام سعيد بن زيد وضرار بن الأزور على الأبواب والأمير أبو عبيدة في مثل هذا الحرب وإنهم والله على وجل أن ينكشفوا من عظم شدتهم وحربهم وهول ما يلقونه قال: فأسرع إلى جراثيم الشجر فجعلت أكسرها وأعبي الحطب بعضه على بعض وعمدت إلى زناد كان معي فأوقدت النار وأضرمتها فيه وعبيت عليه حطبًا أخضر ويابسًا حتى علا منه دخان عظيم وكانت علامتنا إذا أردنا أن يجتمع بعضنا إلى بعض بأرض الشام في الليل وقود النار وإثارة الدخان قال فما هو إلا أن علا الدخان وتصاعد إلى الأفق حتى نظر إليه سعيد بن زيد وأصحابه وضرار بن الأزور وأصحابه فنادى بعضهم بعضًا الحقوا الأمير أبا عبيدة رحمكم الله فإن هذا الدخان ما هو إلا من شيء عظيم والصواب أن نكون بخيلنا في موضع واحد فأسرعوا بخيلهم وساروا حتى أشرفوا على المسلمين وهم في شدة الحرب وأعظم الكرب وقد بلغت القلوب الحناجر وعملت السيوف البواتر وإذا بمناد هتف بهم: يا حملة القرآن جاءكم النصر من الرحمن ونصرتم على عبدة الصلبان وإذا قد أشرف عليهم سعيد بن زيد وضرار بن الأزور في أوائل خيلهم وقد شرعا سنانهما وحملا في الروم وقد أيقن الروم أنهم الغالبون إذ ظهرت عليهم رايات المسلمين وكتائب الموحدين فالتفتوا ينظرون ما الخبر وإذا بالمسلمين من ورائهم وقد حالوا بينهم وبين مدينتهم فنادوا بالويل والخراب وظنوا أنه قد أتى للمسلمين نجدة ومدد وقد غرر بهم البطريق فلما نظر البطريق إلى تبلدهم زعق فيهم وقال: يا ويلكم لا ترجعوا إلى المدينة قد حيل بينكم وبينها وهذه مكيدة من مكايد العرب فلما سمعت الروم ذلك أحاطوا ببطريقهم كالحلقة المستديرة يحمي بعضهم بعضًا فعدل بهم البطريق نحو الجبل ذات الشمال وكان سعيد بن زيد وضرار بن الأزور قد أقبلا بجيشهما عن يمين الحصن وشماله فحملوا عليهم واتبعوا آثارهم حتى طلعوا إلى الجبل والتجأت الروم إلى ضيعة في الجبل حصينة خالية من أهلها فاستند الروم إليها وتحصنوا فيها وتبعهم سعيد بن زيد في الخمسمائة فارس الذين كانوا معه وذلك أن الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه لما نظر بلى هزيمة الروم نادى في المسلمين: معاشر الناس لا يتبعهم أحد ولا يفترق جمعكم لأني أخشى أن تكون هزيمة القوم مكيدة لكم حتى إذا تفرق جمعكم زحفوا عليكم قال وإن سعيد بن زيد لم يكن يسمع النداء ولو سمع النداء ما تبع القوم.
قال الواقدي: لما تحصنت الروم في الضيعة قال سعيد بن زيد: هذه طائفة قد أراد الله هلاكها فدوروا بهم وحاصروا في كل مكان ولا تدعوا أحدًا يطلع رأسه إلى أن تلحق بكم المسلمون ويأتي إليكم أمر من الأمير أبي عبيدة ثم أقبل إلى رجل من عظماء المسلمين وقال له: اخلفني في قومي حتى أنظر رأي الأمير أبي عبيدة ومن معه ثم أخذ معه زهاء من عشرين فارسًا من أصحابه وسار حتى لحق بجيش المسلمين فلما نظر إليه الأمير أبو عبيدة ومن معه قال: يا سعيد أين رجالك وما صنعت بهم قال: أبشر أيها الأمير فإن المسلمين في خير وسلامة وقد حاصروا أعداء الله في ضيعة في هذا الجبل ثم أخبره بالقصة عن أولها إلى آخرها.
فقال أبو عبيدة: الحمد لله الذي هزمهم عن أوطانهم وجعلهم أشتاتًا ثم أقبل أبو عبيدة على سعيد بن زيد وعلى ضرار بن الأزور وقال لهما: ما هذه المخالفة رحمكم الله ألم آمركم بالإقامة على أبواب المدينة والمشاغلة للقوم فما الذي ردكم إلي وقد أرعبتم قلبي وقلب من كان معي وظننت أن أهل المدينة كادوكم وهو الذي منعنا أن نتبع المنهزمين.
فقال سعيد بن زيد: أيها الأمير والله ما عصيت لك أمرًا ولا خالفتك في قول وإني قد وقفت حيث أمرتني إذ رأينا دخانًا قد علا قتامه ولاح لنا بيانه فقلنا: والله ما هذه إلا داهية من دواهي الروم أو نفير قد استدعانا به المسلمون فأسرعنا نحوك فعندها نادى الأمير أبو عبيدة في المسلمين معاشر الناس: أيكم أوقد نارًا أو دخن دخانًا في هذا الجبل فليجب الأمير أبا عبيدة.
قال سهل بن الصباح: فلما سمعت النداء أجبت المنادي وأتيت الأمير أبا عبيدة.
فقال: ما الذي جرأك على ذلك فقصصت عليه قصتي.
فقال أبو عبيدة: لقد وفقك الله تعالى إلى الجنة فإياك بعدها أن تحدث حديثًا من غير إذن أميرك.
قال الواقدي: فبينما الأمير كذلك يحدث سهل بن صباح وإذا برجل من المسلمين منحدر من الجبل وهو ينادي: النفير النفير يا أمة البشير النذير أدركوا إخوانكم المسلمين فقد أحاط بهم الروم وهم في أشد ما يكون من القتال وإنه قد دنا البطريق من المسلمين ونادى بأصحابه ورجاله وقال: يا عباد المسيح إليكم هذه الشرذمة اليسيرة والعصابة الحقيرة التي قد أحاطت بكم فاقتلوهم وادخلوا المدينة فإنكم إن قتلتم القوم كسرتم بذلك حدة العرب وانصرفوا عنكم.
قال مصعب بن عدي: وكنت في بعلبك من أصحاب سعيد بن زيد وقد جعلنا محاصرين البطريق والروم في الضيعة ونحن دون الخمسمائة رجل فما شعرنا إلا والبطريق والروم قد تبادروا إلينا من كل مكان فنادى بعضنا بعضًا واجتمعنا قال: والله لقد كبوا علينا الخيل وأحاطوا بنا بعدما كنا أحطنا بهم وكان شعارنا في ذلك اليوم الصبر الصبر قال: فبينما نحن كذلك في أشد الحرب وأعظم الكرب إذا سمعنا صوتًا عاليًا قد ملأ الجبل ومناديًا ينادي ويقول: أما من رجل يهب نفسه في الله ويستنفر المسلمين فإنهم بالقرب منا ولا يعلمون ما نزل بنا.
قال مصعب بن عدي: فلما سمعت الصوت همزت جوادي بكعبي وكان جوادًا عتيقًا يسبق الريح الهبوب أو الماء إذا انسكب من ضيق الأنبوب وكأنه الطود العظيم والله لقد خرج من تحتي كأنه البرق ولم تلحق منه الروم إلا الغبار بعدما قتلت منهم رجلين ولقد نظرت إلى فرسي وهو يشب إلى الصخرة ويسلك الوعرة حتى أشرفت على عساكر المسلمين فناديت النفير النفير يا أمة البشير النذير.
فلما سمع أبو عبيدة ذلك صاح بالرماة.
فأجابه خمسمائة رام من أصحاب القسي العربية فضمهم إلى سعيد بن زيد وقال له: أسرع يرحمك الله والحق بأصحابك قبل أن يأتي العدو إليهم.
ثم نادى بضرار بن الأزور وأصحابه وقال له: أدرك أخاك سعيد بن زيد.
قال فسار المسلمون مثل الجراد المنتشر حتى علوا على شلة الجبل وأشرفوا على الروم وهم محدقون بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو زيد بن ورقة بن عامر الزبيدي: وكنت ممن شهد القتال على الضيعة مع أصحاب سعيد بن زيد وقد أحاطت بنا الروم وقد صبرنا لهم صبر الكرام.
وقد صرع متا سبعون رجلًا مما بين جريح وقتيل ونحن في أشد ما يكون من القتال والجراح وقد طمعت الروم فينا حتى سمعنا التهليل والتكبير ولحقنا النفير فلما أشرفت علينا راية المسلمين وجدف الروم على أعقابهم مدبرين إلى الضيعة راجعين ولحقنا من تأخر منهم وكثر فيهم القتل والجراح لكثرتهم وتحصن القوم في الضيعة فأحطنا بهم من كل جانب وما تركنا منهم أحدًا يخرج رأسه من كثرة النبل وورد الخبر إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه بمن استشهد من المسلمين ومن قتل من الكافرين وأن القوم قد لزمهم الحصار وأن لا زاد عندهم ولا ماء فقال أبو عبيدة: الحمد لله.
ثم قال للمسلمين: معاشر الناس ارجعوا إلى أموالكم واضربوا خيامكم حول المدينة فإن الله عز وجل كاد عدوكم وهو منجز لنا ما وعدنا من نصره.
قال فعندها رجع المسلمون إلى أموالهم ومواضعهم التي كانوا فيها أول مرة وضربوا خيامهم وأنفذوا طوالعهم وأرسلوا إلى المرعى خيولهم وإبلهم وسرحوا إلى الحطب عبيدهم وأضرموا النيران في عسكرهم وذهب منهم الخوف وأتاهم الأمان وإن أهل بعلبك افترقوا على السور وجعلوا يضربون على وجوههم ويصيحون بلغتهم فقال الأمير أبو عبيدة لبعض التراجمة: ما يقول هؤلاء فقال له الترجمان: أيها الأمير إنهم يقولون: يا ويلهم ويا عظم ما أصابهم ويا خراب ديارهم ويا فناء رجالهم حتى ظفرت العرب ببلادهم.
قال الواقدي: فلما دنا المساء أرسل الأمير أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد يقول له: يا ابن زيد الحذر الحذر على من معك من المسلمين واجتهد رحمك الله أن لا يفوتك من الروم أحد ولا تفسح لهم قدمًا واحدًا فيخرج منهم واحد.
.
.
فيتبع أولهم آخرهم فتكون كمن حصل في يده شيء فأضاعه فلما وصل الرسول إلى سعيد بن زيد بهذه الرسالة أمر المسلمين أن يحيطوا بالضيعة من كل جانب وأن لا يخرجوا إلى الحطب إلا مائة بالسلاح ففعلوا ذلك وأضرموا نيرانهم وباتوا طول ليلتهم يهللون ويكبرون وبالضيعة يطوفون فلما نظر البطريق هربيس إلى ذلك أقبل على أصحابه ورجاله وقال لهم: يا ويلكم لقد أيسنا من التدبير وأخطأنا الرأي وما لنا مدد ولا نجدة ولا نصير ولو اجتهدنا لما اجتهدت العرب على أن يحبسونا في هذه الضيعة والآن قد حبسنا أنفسنا في حبس ليس فيه طعام ولا شراب وإن دام علينا هذا يومًا ثانيًا أو ثالثًا ضعف قوينا ومات ضعيفنا وبطلت حيلتنا وسلمنا أنفسنا كارهين فنقتل عن آخرنا فقالت البطارقة: فما الذي ترى أيها السيد.
فقال: قد رأيت من الرأي أن أخدع العرب وأحتال عليهم وأسألهم الصلح لنا ولأهل مدينتنا كما قد طلبوا وأضمن أن أفتح لهم المدينة ونكون في ذمامهم فإذا دخلنا المدينة حاربناهم على سورنا ولعلنا نرسل إلى صاحب عين الجوز وإلى صاحب جوسية فلعلهما يقدمان إلى نصرتنا فيكونان لقتال العرب من خارج المدينة ونحن من أعلى الأسوار ويكفينا المسيح هذه النوبة.
فقالت البطارقة: اعلم أيها السيد أن صاحب جوسية لا يجيبك إلى نجدة أبدًا لأنه مشتغل بنفسه وربما يكون محاصرًا مثل حصارنا هذا فلقد بلغتا قبل نزول هؤلاء العرب علينا أنهم صالحوهم وليس لهم من القدرة والقوة أن يقاتلوا العرب وأما أصحاب عير الجوز فإنهم في تجارتهم متفرقون في أقصى الشام وما أظن إلا أنهم في صلح العرب فانظر لنفسك ورعيتك ما فيه الصلاح فلما سمع البطريق هربيس قولهم أجابهم إلى ذلك فلما أصبح الصباح طلع البطريق على جدار الضيعة ونادى برفيع صوته: يا معاشر العرب أما فيكم رجل يعرف كلامي أنا هربيس البطريق فلما سمعه بعض التراجمة أقبل على سعيد بن زيد وقال له: يا مولاي إن هذا العلج هربيس صاحب القوم وهو يستدعي كلامك فقال له سعيد بن زيد: ادن منه وانظر ماذا يريد وما يقول.
قال فدنا الترجمان منه فقال له: ما الذي تريد قال: أريد أن يؤمنني أميركم هذا في ذمامه وذمام أصحابه ويدنو مني حتى أخاطبه بما يعود صلاحه على الفريقين فقال الترجمان ذلك لسعيد بن زيد فقال سعيد بن زيد: لا كرامة له حتى أدنو منه وأمشي إليه حتى يخاطبني فإن كانت له حاجة فليأت إلي خاضعًا ذليلًا صاغرًا حتى أسمع كلامه وأعلم مراده.
قال فأعلم الترجمان هربيس بكلام سعيد بن زيد فقال هربيس: فكيف أنزل إليه وأنا محارب له فأنا أخاف أن يقتلني فقال له الترجمان: أنا أخذ لك منه الذمام فإن العرب لا تخون إذا أمنت فقال البطريق: نعم قد تناهت إلينا أخبارهم ولكني أريد أن أستوثق لنفسي ولأصحابي وأهل بلدي لأنهم قوم قد لحقهم الحمد علينا وقد أصبنا منهم دمًا كثيرًا وإني أريد أن أرسل له شخصًا يأخذ لي منه أمانًا فقال الترجمان: أنا أعرفه ذلك ثم أقبل الترجمان على سعيد بن زيد وقال له: إن البطريق هربيس يريد أن يوجه إليك رجلًا من أصحابه يأخذ له منك أمانًا فقال سعيد بن زيد دعه يوجه من يريد وأعلمه أن رسوله منا في أمان حتى يرجع إليه قال: فأعلمه الترجمان بذلك فأقبل البطريق على رجل من عظماء أصحابه وقال له: ترى ما قد نزل بنا وكيف قد ملك العرب علينا الطريق وأن بلاد الشام قد أذن المسيح بخرابها وقد نصرت العرب علينا وأنا في شدة شديدة وإن لم نأخذ من القوم الأمان وإلا هلكنا وهلكت خيلنا وبعد ذلك يتحكمون في أولادنا وحريمنا ويقتسمون أموالنا وذرارينا وليس لنا نجدة لان كل بلد مشتغل بنفسه عن نصرتنا فأنزل إلى هؤلاء العرب وخذ لنا منهم أمانًا واستوثق لنا منهم حتى أنزل أنا إليهم فلعلنا نجري بينهم صلحًا ولعلي أمكر بهم حتى نرجع إلى المدينة ولعلي أرغب صاحبهم في شيء من المال فلعله يرغب وينصرف عنا إلى أن نرى ما يكون بينهم وبين الملك هرقل.
قال الواقدي
: فنزل الرجل ووقف أمام الأمير سعيد بن زيد وهم الرجل أن يسجد له فمنعه من ذلك وتبادرت إليه المسلمون فأمسكوه ففزع الرجل وقال: لم تمنعوني أن أعظم صاحبك.
فقال الترجمان ذلك لسعيد بن زيد فقال: إنما أنا وهو عبدان لله تعالى ولا يجوز السجود والتعظيم إلا لله الملك المعبود القديم فقال الرجل: بهذا نصرتم علينا وعلى غيرنا من الأمم فقال سعيد بن زيد: فما الذي جاء بك.
قال: جئت لآخذ منك أمانًا لبطريقنا أن لا تنقض لنا عهدًا فقال سعيد بن زيد: ليس من أخلاق الأمراء ومن يقود الجيوش أن يغدر بعد الأمان ولسنا بحمد الله ممن ينقض عهدًا وقد أعطيت صاحبك أمانًا ولمن معه ممن ألقى السلاح وخرج يطلب الأمان مستسلمًا فقال الرجل: نريد منك الأمان ومن أميرك وممن معك فقال سعيد: لكم ذلك فعند ذلك رجع الرجل إلى البطريق وأعلمه بجواب سعيد.
وقال له: اخرج وإياكم والغدر فإنه يهلك صاحبه وإن هؤلاء العرب لا يخونون أمانهم وعهدهم.
قال الواقدي: ولقد بلغني أن البطريق هربيس خلع ما كان عليه من الثياب والديباج وألقى السلاح ولبس ثياب الصوف وخرج حافيًا حاسرًا ذليلًا ومعه رجال من قومه حتى وقف بين يدي سعيد بن زيد فخر سعيد له ساجدًا وقال: الحمد لله الذي أزال عنا الجبابرة وملكنا بطارقتهم وملوكهم ثم أقبل عليه وقال له: ادن مني فدنا إلى أن جلس إلى جانبه وقال له: أهذا لباسك دائمًا أم غيرته فقال: لا وحق المسيح والقربان ما لبست الصوف أبدًا غير الحرير والديباج وما لبست هذا إلا في وقتي هذا فإني ما أريد حربكم ولا قتالكم ثم قال لسعيد: هل لك أن تصالحني على أصحابي هؤلاء وعلى أهل المدينة ومن فيها.
فقال سعيد: أما أصحابك هؤلاء فإني أوفيهم على شرط أن من دخل في ديننا فله ما لنا ومن اختار الإقامة على دينه وألقى السلاح كان آمنا من القتل وعليه العهد أنه لا يحمل علينا سلاحًا ولا يكون لنا حربًا أبدًا وأما المدينة فالأمير أبو عبيدة عليها وقد فتحها إن شاء الله تعالى ثم قال: إن أحببت أن تسير معي إلى أبي عبيدة حتى يسمع كلامك وتصالح عن قومك فسر وأنت في ذمامي فإن اتفق بينكما الأمر وإلا رددتك إلى موضعك هذا ومن أراد الرجوع معك من رجالك إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.
فقال البطريق: أنا أفعل ذلك فعندها دعا سعيد بن زيد بن أبي وقاص بن عوف العدوي وقال: يا ابن أبي وقاص كن بشيرًا للأمير أبي عبيدة بما سمعت وأسرع بالجواب.
قال: فأسرع ابن أبي وقاص بن عوف وركب جواده وكان حصانًا شديد العدو وجعل يسير سيرًا حثيثًا حتى الشرف على الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه ووقف بين يديه وسلم عليه وقال: أصلح الله تعالى شأن الأمير أبشرك بأن البطريق هربيس قد أخذ الأمان من سعيد بن زيد وهو يريد أن يقبل به عليك يسألك الصلح والأمان له ولأهل مدينته فلما سمع الأمير ذلك سجد لله شكرًا ورفع وأسه وقال: أيها الناس تقدموا الآن إلى قتال أهل المدينة وأظهروا أسلحتكم عليها وكبروا تكبيرة واحدة لكي ترعبوا بها القوم قال: ففعل المسلمين ذلك فارتجت المدينة وفزع أهل بعلبك وتداعوا للقتال وأحاط المسلمون بالمدينة من كل جانب وكان أول من دمشق إلى المدينة وأعطاهم خبر البطريق المرقال ابن عتبة وقال: حصنوا أنفسكم وأولادكما وأموالكم بالصلح فإن أبيتم ذلك فقد وعدنا الله تبارك وتعالى على لسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح لنا بلادكم وأمصاركم وغيرها وإن الله تعالى منجز أمره.
فلما سمع أهل بعلبك ذلك فزعوا فزعًا شديدًا واغبرت وجوههم ورعبت قلوبهم وكلت من الحرب أيديهم وقالوا: أهلكنا البطريق وأهلك نفسه ولو كنا صالحنا العرب من قبل أن يوجد بنا هذا الحصار لكان خيرًا لنا.
قال وشدد المسلمون عليهم القتال.
قال الواقدي: فلما علم أبو عبيدة أن نيران الحرب قد أضرمت على المدينة أرسل إلى سعيد بن زيد يقول له أسرع بالبطريق إلينا وله الأمان الذي أمنت أنت فنحن لا ننقض لك عهدًا فلما ورد رسول أبي عبيدة على سعيد بن زيد استخلف على الضيعة رجلًا من أصحابه وسار سعيد مع البطريق حتى وردا على الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فلما وقف البطريق بين يديه ونظر إلى زيه وزي من معه وشهد قتالهم وعظم ما تلقى المدينة من حربهم ووقتالهم حرك البطريق رأسه وعض على أنامله.
فقال أبو عبيدة رضي الله عنه لترجمانه: ما لهذا يحرك رأسه ويعض أنامله كأنه يتأسف على شيء فاته قال فأعلمه الترجمان بذلك فأقبل على الترجمان وقال له: وحق المسيح وما مسح وحق البيعة والمذبح لقد ظننت أنكم أكثر عددًا من الحصى وأكثر مددًا ولقد كان يخيل لنا عند حربكم وشدة ما نلقى منكم أنكم على عدد الحصى والرمل من كثرتكم ولقد كنا نرى خيلًا شهبًا وعليها رجال وبأيديهما رايات صفر وعليهم ثياب خضر فلما صرت بينكم لم أر من ذلك شيئًا وما أراكم إلا في قلة عدد وما أدري ما فعل جمعكم أبعثتموه إلى عين الجوز أو إلى جوسية أو مكان آخر فأخبر الأمير الترجمان بذلك.
فقال أبو عبيدة للترجمان: قل له يا ويلك نحن معاشر المسلمين يكثرنا الله تعالى في أعين المشركين ويمدنا بالملائكة كما فعل بنا يوم بدر وبذلك فتح الله تعالى بلادكم وحصونكم علينا وأذل ملوككم فلما سمع البطريق كلام أبي عبيدة رضي الله عنه على لسان الترجمان قال: لقد وطئتم الشام الذي عجزت عنه ملوك الفرس والترك والجرامقة وما ظننا أن يكون ذلك أبدًا وأما مدينتنا فهي حصينة لا تعبأ بالحصار لأنها مدينة ليس بالشام مثلها بناها سليمان بن داود عليهما السلام لنفسه وعملها دار مقامه وخزانة لملكه ولولا ما سبق من تفريطنا وخروجنا عنها إليكم وانحرافنا عنها ما صالحناكم أبدًا ولا هالنا حربكم ولو أقمتم علينا مائة سنة والآن فقد كان ذلك فهل لكم أن تصالحونا حتى نصالحكم فتعدل فينا فهو أقرب رشدًا لنا ولكم فوحق المسيح والإنجيل الصحيح لئن فتحنا لكم هذه المدينة لا يصعب عليكم في الشام حصن ولا مدينة قال فلما أخبر الترجمان الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه بما قاله قال أبو عبيدة للترجمان: قل له الحمد لله تعالى الذي ملكنا أرضكم ودياركم فلا بد أن تؤدوا الجزية وقد ظننت لنفسك أمانًا كاذبًا حتى أراك الله الذل والصغار بعد العز والاقتدار ولا بد لنا أن نملك مدينتكم إن شاء الله تعالى ونقتل الرجال ونأسر الأبطال فمن أراد حربنا وقتالنا فلا يدخل في صلحنا أبدًا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فقال البطريق لما سمع ذلك على لسان الترجمان: لقد تيقنت أن المسيح قد غضب على أهل هذه المدينة إذ بعث بكم إليها وملككم عليها وقد اجتهدت في حربكم ومكرت بكم وما نفع مكري واجتهادي لأنكم قوم مسلطون إنما طلبت منكم السلم وألقيت يدي في أيديكم بعد جهد مني لا شفقة مني على نفسي ولا بقاء مني على ملكي ولكن أردت صلاح البلاد لأن الله تعالى لا يحب الفساد والآن فهل لكم أن تصالحوا على المدينة وما فيها وعلى أصحابي هؤلاء.
فقاد له الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه: فما الذي تبذل لنا في صلحك.
قال له البطريق: أيها الأمير انظر ما الذي تريده فقال أبو عبيدة: لو أن الله فتح على المسلمين من الصلح على هذه المدينة بملئها ذهبًا وفضة ما كان أحب إلي من سفك دم رجل واحد لكن الله تعالى أعطى الشهداء في الآخرة أكثر من ذلك.
فقال البطريق: أنا أصالحكم على ألف أوقية من الفضة البيضاء وألف ثوب من الديباج.
قال الواقدي: فتبسم الأمير أبو عبيدة من كلامه وأقبل على المسلمين وقال لهم: أما تسمعون ما يقول هذا البطريق.
قالوا: نعم قال: فما رأيكم فيما شرط على نفسه.
فقالوا: يزيد عليه وشرطه يرضينا فأقبل الأمير على البطريق وقال له: أنا أصالحكم على ألفي أوقية من الذهب الأحمر وألفي أوقية من الفضة البيضاء وألفي ثوب من الديباج وخمسة آلاف سيف من مدينتكم وسلاح أصحابك الذين هم في الضيعة محاصرون ولنا عليكم خراج أرضكم في العام الآتي وأداء الجزية في كل عام وأنتم بعد ذلك لا تحملون علينا سلاحًا ولا تكاتبون ملكًا ولا تحدثون حدثًا ولا كنيسة وترون النصح للمسلمين فلما سمع البطريق ذلك من شرط الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه قال: لك ذلك كله علينا إلا أني أريد أن أشرط عليك وعلى أصحابك شرطًا.
فقال له الأمير أبو عبيدة: وما شرطك فقال: لا يدخل إلينا من أصحابك أحد وتنزل صاحبك الذي تستخلفه علينا خارج المدينة بأصحابه ويكون له الخراج والجزية وتدعني أنا من داخل المدينة من قبل الإصلاح بين الناس والنظر في أحوالهم ونحن نخرج إلى من تخلفه علينا من أصحابك سوقًا يكون فيه من جميع ما في مدينتنا ولا يدخلون إلينا مخافة أن يغلظوا بكلامهم على كبرائنا ويفسد الأمر بيننا وبينكم ويكون سببًا للغدر ونقض العهد.
قال أبو عبيدة: فإذا صالحناكم نجاهد عدوكم لأنكم تصيرون في ذمتنا ويكون الرجل الذي نخلفه عليكم مثل الواسطة والسفير بيننا وبينكم.
قال البطريق هربيس يكون خارج المدينة ويفعل ما يشاء أن يفعله من المحاماة.
فقال أبو عبيدة: لكم ذلك وما لنا في الدخول إلى مدينتكم من حاجة.
فقال البطريق: تم الصلح على ذلك ثم سار البطريق إلى المدينة وأبو عبيدة معه فلما وصل إلى الباب حسر البطريق عن رأسه ورطن عليهم بلغة الروم فعرفوه عند ذلك فقالوا له: وأين أصحابك ورجالكم.
.
فقص عليهم قصته وأخبرهم بخبره وخبر أصحابه وأعلمهم بالصلح فبكى القوم وقالوا: تلفت النفوس وذهبت الأموال.
فقال لهم البطريق: يا قوم وحق المسيح ما صالحتهم ولي وجه غير الصلح فقالوا له: اذهب أنت وصالح عن نفسك وأما نحن فلن نصالح العرب أبدًا ولن ندع أحدًا منهم يملكنا ولا يدخل بلادنا ومدينتنا وهي أحصن مدينة في الشام.
.
وكان الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه قد أعلم المسلمين بمصالحة البطريق وأمرهم أن يكفوا عن القتال والحرب.
فلما سمع الترجمان كلام أهل بعلبك لبطريقهم أخبر الأمير أبا عبيدة رضي الله عنه بذلك فأقبل البطريق فقال له أبو عبيدة: هات ما عندك وإلا نرد الحرب كما كان.
فقال البطريق: دعني والقوم فوحق الإنجيل الصحيح وعيسى المسيح لو لم يقبلوا مني لأدخلنك بالكثرة ليهم فتضع السيف فيهم وتقتل رجالهم وتسبي نساءهم وتنهب أموالهم لأني خبير بعورات بلدهم وبطرقاتها.
قال أبو عبيدة رضي الله عنه: ما شاء الله كان.
قال وكان الروم على سورهم يسمعون كلام البطريق لأبي عبيدة رضي الله عنه فدخل الرعب في قلوبهم فعند ذلك أقبل البطريق على الروم وقال لهم: ما تقولون في صلح العرب.
فإني أسير في يديهم ورجالهم وبنو عمكم في قبضتهم فإن لم تصالحوا العرب وإلا يقاتلونا جميعًا ويرجعوا إليكم من بعدنا.
فقالوا: أيها السيد إنا لا نطيق هذا المال.
فقالوا: يا ويلكم علي وحدي ربع ما طلبوا فطابت قلوبهم بذلك وقالوا: إنا لا نفتح الباب إلا لك وحدك ولا يدخل معك أحد ن العرب حتى نصلح مدينتنا ونرفع رحالنا ونخفي حريمنا.
فقال البطريق: ويحكم فإني قد صالحت القوم على أن لا يدخل مدينتكم أحد منهم وإن الرجل الذي يخلفونه عليكم يكون هو وأصحابه خارج المدينة وتخرجون إليه سوقًا يتسوقون منه.
قال لفرحت الروم بذلك وفتحوا له الباب فدخل إليهم وبعث الأمير أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد أن يخلي عن الرجال الذين هم في الضيعة محاصرون فخلى سعيد بن زيد سبيلهم وجاء بهم عند الأمير أبي عبيدة وأخذ سلاحهم وتركهم عنده رهائن على المال الذي عندهم لأنه خاف إن تركهم أن يرجعوا إلى المدينة ويغدروا بالمسلمين فتركهم عنده في عساكره هذا والبطريق في المدينة يجبي المال بعد اثني عشر يومًا وهم مع ذلك يحملون إلى عسكر المسلمين الزاد والميرة والعلوفة حتى كملت الأموال والثياب والسلاح وحملها البطريق إلى أبي عبيدة رضي الله عنه وقال له: تسلم الأموال على ما وافقتك عليه وخل عن الرجال وانظر إلى من تخلفه علينا من أصحابك فأحضره لنا حتى نشرط عليه بحضرتك أن لا يجور علينا ولا يطالبنا بما لا نطيق ولا يدخل مدينتنا.
قال فدعا أبو عبيدة برجل من سادات قريش اسمه رافع بن عبد الله السهمي وقال له: يا رافع بن عبد الله استعملتك على هذه المدينة وضم إليك خمسمائة فارس من بني عمك وعشيرتك وأربعمائة فارس من أخلاط المسلمين وإني آمرك بما أمرك الله به فاتق الله حق تقاته ولا تكن إلا من الولاة العادلين وإياك والظلم والجور فتحشر مع الظالمين.
واعلم أن الله تعالى سائلك عنهم ومطالبك بما تصنع بغير الحق.
واعلم أنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى موسى بن عمران عليه السلام: أن يا موسى لا تظلم عبادي اخرب بيتك من نفسك). فأقم الأرصاد في أطراف البلاد فإنك بين أعدائك وبعد هذا ما عرفتك إلا استيقاظًا وأحذرك من السواحل وشن الغارة عليهم ولتكن غارتك في المائة والمائتين ولا تمكن أحدًا من المدينة يختلط بأصحابك في غارة حتى يطمع عدوكم فيه وأحسن معاملة من ساعدك وأصلح بينهم وأمرهم بالعدل وكن بينهم كأحدهم وأمر أصحابك ومن معك أن يكفوا أيديهم عن الفساد والظلم للرعية والله تعالى خليفتي عليك والسلام عليك.
حديث نزول المسلمين على حمص قال الواقدي: ثم هتم أبو عبيدة رضي الله عنه بالرحيل إلى حمص وإذ قد ورد عليه صاحب عين الجوز يطلب منه الصلح فصالحه على نصف ما صالحه عليه أهل بعلبك وولى عليهم سالم بن ذؤيب السلمي وأوصاه بمثل ما أوصى به رافع بن عبد الله ورحل الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه يطلب حمص فلما وصل إلى بين الرأس والكفيلة لاقاه صاحب الجوسية ومعه هدية كثيرة فقبلها منه وجدد معه صلحًا وسار الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه حتى نزل على حمص.
قال الواقدي: حدثنا حبان بن تميم الثقفي.
قال: كنت فيمن أقام مع رافع بن عبد الله السهمي في جملة أصحابه وذلك أننا نصبنا بيوت الشعر على العمد وأقمنا خارج المدينة لا يدخل إليها أحد منا ونحن مع ذلك نشن الغارة على سواحل الروم ونكبس على العرب التي لم تكن في صلحنا وكنا إذا خرجنا في سرية نبيع الغنائم في بعلبك ففرح أهلها ببيعنا وشرائنا ووجدونا قومًا ليس فينا كذب ولا خيانة ولا نريد ظلم أحد وطابت قلوبهم وربحوا في تلك المرة اليسيرة مالًا عظيمًا فلما نظر البطريق هربيس إلى ما ربح أهل بعلبك منا في تجارتهم ورخص ما يشترونه منا جمعهم إليه في كنيسة المدينة وهي الجامع اليوم وكان ذلك بميعاد وعدهم فيه الاجتماع فلما اجتمعوا عنده أقبل عليهم وقال للتجار والباعة والسوقة: لقد علمتم أني قد اجتهدت في أموركم وحرصت على سلامة نفوسكم وأهاليكم وأولادكم وأنتم تعملون ما ذهب مني من المال وأنا اليوم واحد منكم وقد سلمت مالي وسلاحي وقتل أكثر غلماني ورجالي وبنو عمي وأنتم قوم قد أصبتم مع هؤلاء العرب خيرًا كثيرا في هذه التجارات وقد أديت وحدي ربع المال فقالوا: صدقت أيها البطريق وقد عرفنا كل ما وصفت فما الذي تريد الآن.
فقال: يا قوم إنما كنت قبل هذا اليوم بطريقكم وأنا اليوم واحد منكم وأريد أن تردوا علي بعض ما بذلت من المال للعرب.
فقالوا: أيها البطريق وأتى لك بذلك فقال البطريق: يا قوم لست أكلفكم أن تخرجوا من أموالكم ولا مما حوته منازلكم شيئًا وإنما أريد أن تجعلوا في هذه البيوع والأشربة العشر مما تأخذون وتعطون.
قال فاضطرب القوم ضطرابًا شديدًا لذلك وعظم عليهم وأقبل بعضهم على بعض وقالوا: يا قوم هذا رجل منا وصاحب ملكنا وقد اجتهد في أمورنا وحامى بماله ونفسه عنا وما عسى يصيب منا في مالنا.
قال فأجابوه إلى ذلك وجعلوا له عليهم العشر فنصب عليهم من قبله عشارًا فأخذ منهم أعشارهم ويجمعها ويحملها إليه فأقام على ذلك أربعين يومًا فلما نظر هربيس إلى كثرة ما قد اجتمع له من المال العشر قال: أنا أعلم أن هذه المدينة في كسب عظيم وتجارة رابحة ما رأى أهل بعلبك مثل هذا أبدًا ثم جمعهم في الكنيسة مرة ثانية وقال لهم: يا قوم قد علمتم ما بذلت من المال على صلحكم وهذا الذي تعطوني إياه من العشر ليس يجزيني فإن أردتم أن تردوا علي مالي وتجعلوني كأحدكم اجعلوا لي الربع في أموالكم حتى يرجع إلي مالي سريعًا وإلا فمتى أخلف من هذا العشر مالي وسلاحي وغلماني.
قال الواقدي: فأبى القوم وضجوا عليه وأشهروا علاهم ووقفوا في الطريق بغلمانه قطعوهم إربًا إربًا وارتفع ضجيجهم فجزع المسلمون لذلك وهم لا يعلمون بالقصة اجتمعوا إلى أميرهم رافع بن عبد الله السهمي وقالوا: أيها الأمير أما تسمع أصوات هؤلاء القوم في مدينتهم.
فقال: يا قوم قد سمعت كما سمعتم فما عسى أن أصنع بهم لا يحل لنا الدخول إليهم وبهذا جرى الشرط بيننا وبينهم ونحن أحق بمن أوفى بعهد لله تعالى فإن هم خرجوا إلينا وأعلمونا بأمرهم صالحنا بينهم ونظرنا في أمورهم.
قال الواقدي: فما استتم الأمير رافع بن عبد الله كلامه حتى خرج أهل بعلبك يهرعون إليه فلما وقفوا بين يديه قالوا: إنا بالله وبك أيها الأمير ثم أعلموه عصتهم وما فعل البطريق بهم أول مرة وما فعل بهم ثاني مرة.
قال رافع بن عبد الله: إنا لا نمكنه من ذلك فقالوا: أيها الأمير إنا قد قتلناه وجميع غلمانه فصعب ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال لهم رافع: فما الذي تريدون.
فقالوا: نريد أن تدخلوا إلى المدينة فإنا قد أطلقنا لكم الدخول إليها.
فقال رافع بن عبد الله: أنا لا أقدر أن أدخل المدينة إلا بإذن الأمير أبي عبيدة لأنه ما أذن لي بذلك ثم كتب رافع بن عبد الله إلى الأمير أبي عبيدة يعلمه بالقصة وبحديث البطريق وبحديثهم الذي قالوه فكتب له بالدخول إلى المدينة كما قد أذنوا له فدخل رافع وأصحابه.
قال الواقدي: حدثنا موسى بن عامر قال حدثنا يونس بن عبد الله قال حدثنا سالم بن عدي عن جده عبد الرحمن بن مسلم الربيعي وكان ممن حضر فتوح الشام أوله وآخره.
قال لما فتح الله بعلبك على يد المسلمين وترك أبو عبيدة رافع بن عبد الله وتوجه إلى حمص للحوق بخالد بن الوليد فلما قرب من حمص وموضع يقال له الزراعة وجه على مقدمة جيشه ميسرة بن مسروق العبسي وعقد له راية سوداء معلمة بالبياض وضم إليه خمسة آلاف فارس من المسلمين فلما سار ميسرة حتى وصل إلى حمص خرج خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى لقائه وسلم عليه وعلى من معه من المسلمين ثم بعث أبو عبيدة بعده ضرار بن الأزور في خمسة آلاف فارس وبعث بعده عمرو بن معد يكرب الزبيدي وقدم أبو عبيدة رضي الله عنه ببقية الجيش فلما أشرف أبو عبيدة على حمص قال: اللهم عجل علينا فتحها واخذل من فيها من المشركين وأستقبل المسلمون بأجمعهم وسلموا عليه وعلى من معه ونزل أبو عبيدة رضي الله عنه على النهر المقلوب فلما استقر به القرار كتب إلى أهل حمص وبطريقها الجديد وهو هربيس كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي عبيدة عامل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الشام وقائد جيوشه: أما بعد فإن الله تعالى قد فتح علينا بلادكم ولا يغرنكم عظم مدينتكم وتشييد بنيانكم وكثرة رجالكم فما مدينتكم عندنا إذا أتاكم الحرب إلا كالبرمة قد نصبناها في وسط عسكرنا وألقينا اللحم فيها وجميع العساكر يتوقع الأكل منها وقد داروا بها ينتظرون نضجها وأكل ما فيها ونحن ندعوكم إلى دين ارتضاه لنا ربنا عز وجل فإن أجبتم إلى ذلك ارتحلنا عنكم وخلفنا عندكم رجالًا منا يعلمونكم أمر دينكم وما فرض الله تعالى عليكم وإن أبيتم الإسلام قررناكم على أداء الجزية وإن أبيتم الإسلام والجزية فهلموا إلى الحرب والقتال حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين ثم طوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين وكان ذلك الرجل يحفظ بالعربية والرومية وقال له: انطلق إلى حمص وائتنا بالجواب فأخذ المعاهد الكتاب وسار حتى وصل إلى السور فهم أهل حمص أن يرموه بالسهام والحجارة.
فقال لهم بالرومية: يا قوم أمسكوا عليكم فأنا رجل معاهد وقد جئتكم بكتاب من هؤلاء العرب.
قال الواقدي: فدلوا له حبلًا فربط وسطه به وشالوه إليهم وأتوا به إلى بطريقهم فلما وقف بين يديه خضع له وناوله الكتاب.
فقال له البطريق: أرجعت عن دينك إلى دين هؤلاء العرب.
قال: لا ولكني في ذمتهم وعهدتهم أنا وأولادي وأهلي ومالي وما رأينا من القوم إلا خيرًا والصواب عندي أن لا تقاتلوهم فإن القوم أولو بأس شديد لا يخافون ولا يرهبون الموت قد تمسكوا بدينهم والموت عندهم أفضل من الحياة وقد أقسم القوم بدينهم لا يبرحون عن مدينتكم حتى تسلموها إليهم أو يفتحها الله على أيديهم وحق ديني إنكم أحب إلي من العرب وأريد النصر لكم دون القوم ولكني خائف عليكم من بأسهم وسطوتهم فسلموا تسلموا ولا تخالفوا تندموا.
قال الواقدي: فلما سمع البطريق هربيس كلامه غضب غضبًا شديدًا وقال: وحق المسيح والإنجيل الصحيح لولا أنك رسول لأمرت بقطع لسانك على جراءتك علينا فلما قرأ الكتاب وعلم ما فيه أمر كاتبه أن يكتب إلى الأمير أبي عبيدة بجواب كتابه فكتب كلمة الكفر.
ثم قال: يا معاشر العرب إنه وصل إلينا كتابكم وعلمنا ما فيه من التهديد والوعد والوعيد ولسنا كمن لاقيتم من أهل الشام ولم يزل الملك هرقل يستنصر بنا على من عاداه وعلى من قصد إليه من العساكر والآن فلا بد لنا من الحرب والقتال فإن سورنا شديد وأبوابنا حديد وحربنا عتيد والسلام.
وطوى الكتاب وسلمه إلى المعاهد وأمر غلمانه أن يدلوه بالحبال من السور وسار حتى وصل إلى الأمير أبي عبيدة وسلمه الكتاب ففضه وقرأه.
.
.
فلما سمع المسلمون ما فيه عولوا على الحرب والقتال وقسم الأمير أبو عبيدة عسكر المسلمين أربع فرق فبعث فرقة مع المسيب بن نجية الفزاري فنزل بهم على باب الجبل مما يلي باب الصغير وبعث فرقة أخرى مع المرقال بن هشام بن عقبة بن أبي وقاص فنزل بهم على باب الرستق وبعث فرقة أخرى مع يزيد بن أبي سفيان فنزل على باب الشام ونزل الأمير أبو عبيدة وخالد بن الوليد على باب الصغير وزحف المسلمون إليهم من كل مكان وقاتلوهم بقية يومهم هذا وسهام الروم تصل إليهم فيلقونها بالحجف ونبال العرب تصل إليهم وإلى من بأعلى السور فأثرت لأجل ذلك ضرًا فانفضوا عند المساء فلما كان الغد جمع خالد بن الوليد كل عبد كان في عسكر المسلمين وأمرهم أن يتقلدوا بالسيوف ويتنكبوا بالحجف ويزحفوا إلى سور حمص ويضربوا السور بأسيافهم ويتلقوا السهام بحجفهم.
فقال الأمير أبو عبيدة: وما عسى أن يغني عنا هنا يا أبا سليمان فقال خالد رضي الله عنه: على رسلك أيها الأمير ولا تخالفني فيما صنعت فإني عزمت أن أقاتلهم بالعبيد ونعلمهم أن ليس لهم عندنا من القدر شيء فما نقاتلهم بأنفسنا إلا أن يخرجوا إلينا فقال أبو عبيدة رضي الله عنه: افعل ما شئت فالله تعالى يوفقك فعند ذلك أمرهم خالد بن الوليد رضي الله عنه بالزحف على الأسوار وكانوا أربعة آلاف عبد وأمر خالد ألفًا من العرب أن تترجل معهم ففعلوا ذلك وزحفوا على السور وقد استتروا بالحجف والعرب من ورائهم فرموا بالنبل وضربوا بسيوفهم فمنها ما تثلم ومنها ما انكسر.
قال الواقدي: وأشرف عليهم هربيس صاحب حمص وقد دارت بطارقته وأصحاب الرتب فجعلوا يتأملون إلى أفعالهم فقال هربيس: يا معاشر البطارقة وحق المسيح ما ظننت أن العرب بهذه الصفة وإذا هم كلهم سودان.
فقال له بعض من لحقه بأجنادين وسائر المواطن: لا أيها السيد بل هؤلاء عبيدهم وهذه من بعض مكايد العرب في الحرب وقد قدم هؤلاء السودان والعبيد إلى حربنا وقتالنا معناه أن ليس لنا عندهم من القدر أن يلقونا بأنفسهم أو نخرج إليهم فقال هربيس: وحق المسيح إن هؤلاء أشد من العرب بأسًا وأقوى مراسًا واعلموا أنه ما لزق قوم بسور مدينتنا ولا دنوا منها إلا وقد هان عليهم أمرها واقترب على أيديهم فتحها.
قال الواقدي
: ولقد بلغني أن العبيد قاتلوا يومهم قتالًا شديدًا وهجموا على الأبواب مرارًا ولم يزالوا بقية يومهم حتى أقبل الليل ورجعت الموالي إلى عسكر المسلمين وبعث هربيس من ليلته رسولًا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه فأقبل الرسول والظلام معتكر فأحس جيوش المسلمين به فهموا به فقال: أنا رسول من البطريق هربيس صاحب حمص وأريد الجواب عن هذا الكتاب فسلم إليهم كتاب هربيس فأخذه أبو عبيدة رضي الله عنه وقرأه فإذا فيه: يا معاشر العرب أنا ظننا أن عندكم عقلًا تدبرون به الحرب وتستعينون به على الأمور وإذا أنتم بخلاف ذلك لأنكم في أول حربكم لنا تفرقتم على الأبواب فقلنا: هذا أشد ما يكون من الحصار وأعظم ما يقدرون عليه من الإضرار.
.
فلما كان الغد تأخرتم عن حربنا وبعثتم هؤلاء المساكين إلى حربنا يقطعون أسيافهم ويكسرون سلاحهم فيا ليت شعري هل تصبر سيوفهم على فساد سورنا وقد بان لنا عجز رأيكم وتدبيركم في القتال وملاقاة الرجال والآن فأنا أشير عليكم بأمر فيه الصلاح لنا ولكم وهو أن تسيروا إلى الملك هرقل وتفتحوا ما بين أيديكم كما فتحتم ما وراءكم وإياكم واللجاج والبغي فإنهما قاتلان لمن اتبعهما وراجعان على من بدأ بهما أو نحن نخرج إليكم صبيحة هذه الليلة والله ينصر من يشاء منا ومنكم ممن على الحق.
قال فلما قرأ الأمير أبو عبيدة كتاب هربيس صاحب حمص استشار المسلمين فيما يصنع وكان قد حضر عنده رجل كبير من أكابر خثعم وسيد من ساداتهم اسمه عطاء بن عمرو الخثعمي وكان كبير السن قديم الهجرة سديد الرأي قد قاد الرجال وولى أمر الجيش وحزم العساكر فلما سمع كتاب هربيس وثب قائمًا على قدميه وقال للأمير أبي عبيدة رضي الله عنه: أقسمت عليك أيها الأمير برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما سمعت مقالي فإن فيه صلاحًا للمسلمين فالله وفقني لمقالة وأيد المسلمين بها قال أبو عبيدة رضي الله عنه: قل يا أبا عمرو فأنت عندنا ناصح للمسلمين.
قال فدنا من الأمير أبي عبيدة وسارره وقال له: أصلح الله الأمير اعلم أن خبرك عند هؤلاء منذ نزلت على هؤلاء اللئام وهذا البطريق أشد منعة وأعظم جولة ممن كان قبله وقد علم بفتوح بعلبك وأنك لا بد أن تنزل على حصارها وقد استدعى بالطعام والعلوفة وآلة الحصار وقد شحنها بالرجال وما ترك في رساتيقها وقراها طعامًا إلا وقد خزنوه عندهم ما يكفيهم أعوامًا وإن نحن حاصرناهم يطول الأمر كما طال أمرنا على دمشق والرأي عندي أن تخدعهم بخديعة ولحتال عليهم بحيلة.
فان تمت لنا عليهم الحيلة فتحنا المدينة عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال أبو عبيدة رضي الله عنه: وما الحيلة عندك يا ابن عمرو.
فقال: الرأي عندي أن نكتب إلى هؤلاء القوم أن يجبرونا بالزاد والعلوفة ونضمن لهم أن نرتحل عنهم إلى أن يفتح الله تعالى عليك غير مدينتهم ونرجع إليهم وقد قل زادهم وانتشروا في سوادهم وتفرقوا في أمصارهم وتجاراتهم ونشن عليهم غارة فنملك ما ظهر منهم ويهون عليك أمر من بقي في حمص مع قلة الزاد والعلوفة فقال أبو عبيدة: أصبت الرأي يا ابن عمرو إني سوف أفعل ما ذكرته ونرجو من الله التوفيق والعون.
ثم دعا أبو عبيدة رضي الله عنه بدواة وبياض وكتب جواب الكتاب يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد فإني رأيت في قولك صلاحًا لنا ولكم ولسنا نريد البغي على أحد من عباد الله عز وجل.
وقد علمت أن عسكرنا كثير وخيلنا وإبلنا كثير فإن أردتم أن نرتحل عنكم فابعثوا لنا ميرة خمسة أيام وأنتم تعلمون أن الطريق الذي أمامنا بعيد وما نلقي بعدكم إلا كل حصن منيع وأبواب حديد فإذا مرتمونا رحلنا عنكم إلى بعض مدائن الشام فإذا فتح الله علينا بعض مدائن الشام رجعنا عنكم كما زعمتم فإن فعلتم ذلك كان صلاحًا لكم.
وطوى الكتاب وسلمه إلى الرسول وسار إلى حمص فلما قرأ هربيس الكتاب فرح بذلك وجمع الرؤساء والرهابين وقال لهم: اعلموا أن العرب قد بعثوا يطلبون منكم الزاد والميرة حتى يرحلوا عنكم فإن العرب مثلهم كمثل السبع إذا وجد فريسته لم يرجع إلى غيرها وهم قد لحقهم الجوع في مدينتكم وإذا أشبعناهم انصرفوا عنا.
فقالوا: أيها الأمير نخاف من العرب أن يأخذوا الزاد والعلوفة ولا يرحلوا عنا.
فقال: إنا نأخذ لكم عليهم العهود والمواثيق أنكم إذا أمرتموهم يرحلون عنكم.
فقالوا: افعل ما بدا لك واستوثق لنا ولك.
قال فبعث هربيس وأحضر القسوس والرهبان وأمرهم أن يخرجوا إلى الأمير أبي عبيدة رضي الله عنه ويأخذوا عليهم العهود والمواثيق إذا مرناهم يرحلون عنا.
قال فخرجوا وقد فتح لهم باب الرستق فساروا حتى وصلوا إلى الأمير أبي عبيدة وأخذوا عليهم ميثاقًا وعهدًا أن يرحلوا عنهم إذا هم ماروهم ولا يرجع عليهم حتى يفتح الله على يديه مدينة من مدائن الشام شرقًا أو غربًا سهلًا كان أو جبلًا فقال الأمير أبو عبيده رضي الله عنه: قد رضيت بذلك وتم الصلح على ذلك وأخرج لهم أهل حمص مما كانوا قد ادخروه من الزاد والعلوفة شيئًا عظيمًا له ولعسكره ما يكفيهم مدة خمسة أيام فأقبل أبو عبيدة عليهم وقال: يا أهل حمص قبلنا ما حملتموه لنا من الزاد والعلوفة فإذا رأتهم الآن أن تبيعوا من الزاد والعلوفة فقالوا: نحن نفعل ذلك فعندها نادى الأمير أبو عبيدة بشراء الزاد والعلوفة ولتكثروا من ذلك فإن قدامكم طريقًا واسعًا قليل الزاد والعلوفة فقالوا: أيها الأمير بماذا نشترى الزاد وعلى أي شيء نحمله فقال أبو عبيدة: من كان معه شيء من الذي غنمتموه من الروم فليشتر به الزاد والعلوفة.
قال حسان بن عدي الغطفاني خفف الله عن أبي عبيدة الحساب كما خفف عنا ما كنا نحمله من البسط والطنافس مما كان قد أثقلنا وأثقل دوابنا فأخذنا به الزاد والعلوفة من القوم وكانت العرب تسمح لهم في البيع والشراء ويشتري منهم أهل حمص ما يساوي عشرين دينارًا بدينارين ورغب أهل حمص في شراء الرخيص ولم يزل أهل حمص كذلك ثلاثة أيام وأهل حمص فرحون برحيل العرب عنهم.
قال وكان للروم في عسكر العرب جواسيس وعيون يأخذون لهم الأخبار فلما نظرت الجواسيس إلى أهل حمص وقد فتحوا مدينتهم وهم يميرون العرب ظنوا أنهم دخلوا في طاعتهم فسارت الجواسيس إلى أنطاكية طالبين وجعلوا كلما اجتازوا ببلد من البلد أو حصن من الحصون يقولون: إن أهل حمص قد دخلوا في طاعة العرب وفتحوا مدينتهم صلحًا فكان يعظم ذلك على الروم ويزيدهم خوفًا ورعبًا وكان ذلك توفيقًا من الله عر وجل للمسلمين وكانت الجواسيس أربعين رجلًا فدخل ثلاثة رجال منهم إلى شيزر فأشاعوا ذلك وأشيع فيها ذلك.
ذكر فتح الرستن قال الواقدي: وسار الأمير أبو عبيدة بالعسكر حتى نزل على الرستن فراها حصنًا منيعًا وماؤها غزير وهي مشحونة بالرجال والعدد والعديد فبعث إليهم رسولًا يأمرهم أن يكونوا في ذمته فأبوا ذلك وقالوا: لا نفعل حتى نرى ما يكون من أمركم مع الملك هرقل وبعد ذلك يكون ما شاء الله تعالى فقال الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه: فإنا متوجهون إلى قتال الملك هرقل ومعنا رجال وأمتعة وقد أثقلتنا واشتهينا أن نودعها عندكم إلى وقت رجوعنا قال: فأتى أهل الرستن إلى بطريقهم وكان اسمه نقيطاس وشاوروه في ذلك فقال: يا قوم ما زالت الملوك والعساكر يودع بعضهم بعضًا وما يضرنا ذلك ثم بعث إلى الأمير أبي عبيدة يقول له: مهما كان لك من حاجة فنحن نقضيها ونريد منكم المراعاة لأهل سوادنا حتى نرى ما يكون من أمركم مع الملك هرقل فقال الأمير أبو عبيدة: ونحن نفعل إن شاء الله تعالى.
قال الواقدي: عن ثابت بن قيس بن علقمة.
قال: كنت ممن حضر عند أبي عبيدة رضي الله عنه فعند ذلك دعا أهل الرأي والمشورة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم: إن هذا حصن شديد منيع ليس لنا إلى فتحه سبيل إلا بالحيلة والخديعة وأريد أن أجعل منكم عشرين رجلًا في عشرين صندوقًا وتكون الأقفال عندهم من باطنها فإذا صاروا في المدينة فثوروا على اسم الله تعالى فإنكم تنصرون على من فيها من المشركين فقال خالد بن الوليد: فإذا عزمت على ذلك فلتكن الأقفال ظاهرة ويكون أسفل الصناديق أنثى في ذكر من غير شيء يمسكها فإذا حل أصحابنا في حصن من هؤلاء القوم يخرجون جملة واحدة ويكبرون.
فإن النصر مقرون بالتكبير فأجابه أبو عبيدة إلى ذلك وأخذ صناديق الطعام المنتخبة عند الروم ففض أسافلها وجعلها ذكرًا في أنثى فأولى من دخل في الصناديق ضرار بن الأزور والمسيب بن نجية وذو الكلاع الحميري وعمرو بن معد يكرب الزبيدي والمرقال وهاشم بن نجية وقيس بن هبيرة وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ومالك بن الأشتر وعوف بن سالم وصابر بن كلكل ومازن بن عامر والأصيد بن سلمة وربيعة بن عامر وعكرمة بن أبي جهل وعتبة بن العاص ودارم بن فياض العبسي وسلمة بن حبيب والفارع بن حرملة ونوفل بن جرعل وجندب بن سيف وعبد الله بن جعفر الطيار وجعله أميرًا عليهم وسلموا الصناديق إلى الروم فلما حطت الصناديق في الرستن ألقاها نقيطاس في قصر إمارته وارتحل الأمير أبو عبيدة رضي الله عنه وسار حتى نزل في قرية يقال لها السودية فلما أظلم الليل بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه بجيش الزحف إلى الرستن ينظر ما يكون من أصحابه وما فعلت الصحابة رضي الله عنه فسار خالد بن الوليد برجاله حتى وصل القنطرة وإذا بالصياح قد علا والتهليل والتكبير من داخل مدينة الرستن.
قال الواقدي: كان من أمر الصحابة أنه لما تركهم نقيطاس في دار إمارته ركب إلى البيعة مع بطارقته وأهل مدينته ليصلوا صلاة الشكر لأجل رحيل المسلمين عنهم وارتفعت أصواتهم بقراءة الإنجيل وسمع أصواتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجوا من الصناديق وشدوا على أنفسهم وشهروا سلاحهم وقبضوا على امرأة نقيطاس وحريمه وقالوا: نريد مفاتيح الأبواب فسلمتها إليهم فلما حصلت المفاتيح في أيديهم رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير وكبس القوم على أبواب مدينتهم فلم يجسروا عليهم لأنهم بدون عدة وسلاح وبعث عبد الله بن جعفر الطيار ربيعة بن عامر والأصيد بن سلمة وعكرمة بن أبي جهل وعتبة بن العاص والفارع بن حرملة وسلم إليهم المفاتيح وقال: افتحوا الأبواب وارفعوا أصواتكم بالتهليل والتكبير فإن إخوانكم المسلمين من حول المدينة كاملون فتبادر الخمسة إلى الباب القبلي وهو باب حمص وفتحوه ورفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير ودخلوا المدينة وإذا هم بعسكر الزحف وعلى المقدمة خالد بن الوليد رضي الله عنه فأجابوهم بالتهليل والتكبير ودخلوا المدينة وسمع أهل الرستن أصوات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلموا أنهم في قبضتهم وأن مدينتهم قد أخذت من أيديهم فاستسلموا جميعًا وخرجوا إليهم وقالوا لهم: إنا لا نقاتلكم ونحن الآن أسرى لكم فاعدلوا فينا فأنتم أحب إلينا من قومنا.
قال: فعرض خالد بن الوليد رضي الله عنه الإسلام عليهم فأسلم منهم كثير وبقي الأكثر يؤدون الجزية وأما أميرهم نقيطاس فإنه قال: لا أريد بديني بدلًا.
فقال له خالد بن الوليد: الآن فاخرج بأهلك عنا وحدث قومك بعدلنا فأخرجوه من الرستن فتوجه بأهله وأمواله إلى حمص وأعلم أهلها بفتح الرستن فصعب ذلك على أهل حمص وعلموا أن العرب تصبحهم أو تمسيهم بالغارة وبعث عبد الله بن جعفر الطيار إلى أبي عبيدة يخبره بالفتح والنصر فسجد لله شكرًا وبعث إليهم ألف رجل من اليمن ووصاهم بحفظ الرستن وأمر عليهم هلال بن مرة اليشكري فلما استقروا بالرستن رحل خالد بن الوليد رضي الله عنه وعبد الله بن جعفر وأهلهم وعساكرهم وتوجهوا إلى حماة وكان أهل حماة في صلح المسلمين كما ذكرنا وكذلك أهل شيزر إلا أن بطريق أهل شيزر مات وبعث إليهم الملك هرقل بطريقًا عاتيًا جبارًا اسمه نكس ففسخ الصلح وأذاق أهل شيزر ضرًا وشرًا وكان يصادرهم ويأخذ أموالهم ويحتجب عنهم لاهيًا في أكله وشربه فلما بلغ الخبر الأمير أبا عبيدة بعث خيلًا جريمة إلى شيزر فغارت الخيل على بلدهم ووقعت الضجة بشيزر وسمع البطريق نكس الضجة فنزل إليهم من قلعته وأظهر لهم بعض حجابه وجلس في بيعتهم المعظمة عندهم وجمع الرؤساء منهم وقال لهم: يا أهل شيزر أنتم تعلمون أن الملك هرقل قد استخلفني عليكم لحفظ مدينتكم وأمنع عن حريمكم وأموالكم ثم فتح خزانة السلاح وفرق عليهم العدد وأمرهم بالحرب والقتال فبينما القوم كذلك إذ أشرف عليهم خالد بن الوليد في أصحابه ومعه جيش الزحف فنزلوا بإزائهم وأشرف بعده يزيد بن أبي سفيان بأصحابه فنزل عليهم وأشرف بعده الأمير أبو عبيدة في عساكره جميعهم فلما نظر أهل شيزر تلاحق العساكر بهم هالهم ذلك وعظم عليهم وحارت أبصارهم.
قال الواقدي: فلما نظر أبو عبيدة رضي الله عنه كتب إلى أهل شيزر كتابًا يقول فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أهل شيزر فإن حصنكم ليس بأمنع من حصن بعلبك ولا من الرستن ولا رجالكم أشجع فإذا قرأتم كتابي هذا فادخلوا في طاعتي ولا تخالفوني فيكون وبالًا عليكم وقد بلغكم عدلنا وحسن سيرتنا فكونوا مثل سائر من صالحنا ودخل في طاعتنا من سائر بلاد الشام والسلام.
وطوى الكتاب وسلمه إلى رجل من المعاهدين وبعثه إليهم فلما وصل الكتاب إليهم أعطوه بطريقهم نكس فقرئ عليه فلما فهم ما فيه قال: ما تقولون يا أهل شيزر فيما ذكرت العرب.
فقالوا: صدقت العرب أيها البطريق الكبير فإن حصننا ليس بأمنع من الرستن ولا بعلبك ولا دمشق ولا بصرى وأنت أعلم شدة أهل حمص وحدة شجاعتهم وقد صالحوا العرب وكذلك أهل فلسطين ومدنها والأردن وحصنها فكيف تمنع عنهم شيزر وهي حصن لطيف فإن عصيت هؤلاء العرب فإنك معول على هلاكنا وخراب مدينتنا.
قال الواقدي: وكثر فيهم الخطاب وعلا الكلام وأقبل البطريق نكس يسب أهل شيزر وأمر غلمانه بضربهم فلما نظر أهل شيزر ذلك غضبوا وأظهروا سلاحهم عليه وعلى غلمانه ووقع القتال بين الفريقين فعرف المسلمون ذلك وقالوا: اللهم أهلكهم ببأسهم.
.
.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق