8
مقدمة
فتوح الشام
أبو عبدالله بن عمر الواقدي (الواقدي )
واعلم أن القوم غنيمة لنا.
قال فرتب خالد عسكره ميمنة وميسرة وقلبًا وجناحين فجعل في القلب معاذ بن جبل وفي الميمنة عبد الرحمن بن أبي بكل الصديق وفي الميسرة سعيد بن عامر وفي الجناح الأيسر شرحبيل بن حسنة وفي الساقة يزيد بن أبي سفيان في أربعة آلاف فارس حول الحريم والبنات والأولاد ثم التفت إلى النسوة وهن عفراء بنت غفار الحميرية وأم أبان ابنة عتبة وكانت عروسًا قد تزوج بها في هذا اليوم أبان بن سعيد بن العاص والخضاب في يدها والعطر في رأسها وخولة بنت الأزور ومزروعة بنت عملوق وسلمة بنت زارع وغيرهن من النسوة ممن عرفن بالشجاعة والبراعة.
نصيحة خالد فقال لهن خالد: يا بنات العمالقة وبقية التبابعة قد فعلتن فعلًا أرضيتن به الله تعالى والمسلمين وقد بقي لكن الذكر الجميل وهذه أبواب الجنة قد فتحت لكن وأبواب النار قد أغلقت عنكن وفتحت لأعدائكن واعلمن أني أثق بكن.
فإن حملت طائفة من الروم عليكن فقاتلن عن أنفسكن وإن رأيتن أحدًا من المسلمين قد ولى هاربًا فدونكن وإياه بالأعمدة وأرمين بولده وقلن له: أين تولي عن أهلك ومالك وولدك وحريمك فإنكن ترضين بذلك الله تعالى.
فقالت عفراء بنت غفار: أيها الأمير والله لا يفرحنا إلا أن نموت أمامك فلنضربن وجوه الروم ولنقاتلن إلى أن لا تبقى لنا عين تطرف والله ما نبالي إذا رمينا الروم كله قال فجزاهن خيرًا.
ثم عاد إلى الصفوف فجعل يطوف بينهم بفرسه ويحرض الناس على القتال وهو ينادي برفيع صوته: يا معاشر المسلمين: انصروا الله ينصركم وقاتلوا في سبيل الله واحتسبوا نفوسكم في سبيل الله ولا تحملوا حتى آمركم بالحملة ولتكن السهام إذا خرجت من كباد القسي كأنها من قوس واحدة.
فإذا تلاصقت السهام رشقًا كالجراد لم يخل أن يكون منها سهم صائب {اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200]. واعلموا أنكم لم تلقوا بعد هذا عدوا مثله وأن هذه الفئة جملتهم وأبطالهم وملوكهم فجردوا السيوف وأوتروا القسي وفوقوا السهام.
ثم إن خالدًا أقبل ووقف في القلب مع عمرو بن العاص وعبد الله بن عمر وقيس بن هبيرة ورافع بن عميرة وذي الكلاع الحميري وربيعة بن عامر ونظائرهم.
قال فلما نظر وردان إلى جيش المسلمين قد زحف زحفوا وكانوا ملء تلك الأرض في الطول والعرض من كثرتهم فترامى الجمعان وتلاقى الفريقان وقد أظهر أعداء الله الصلبان والأعلام ورفع المسلمون أصواتهم بالتهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير.
فلما قرب القوم بعضهم من بعض خرج من علوج الروم شيخ كبير وعليه قلنسوة سوداء.
فلما قرب من المسلمين نادى بلسان عربي: أيكم المقدم فليخاطبني وليخرج إلي وعليه أمان.
قال فخر إليه خالد بن الوليد.
فقال له القس: أنت أمير القوم.
فقال خالد: كذلك يزعمون ما دمت على طاعة الله وسنة رسوله وإن أنا غيرت أو بذلت فلا إمارة لي عليهم ولا طاعة.
قال القس: بهذا نصرتم علينا ثم قال: اعلم أنك توسطت بلادًا ما جسر ملك من الملوك أن يتعرض لها ولا يدخلها وأن الفرس دخلوها ورجعوا خائبين وأن التبابعة أتوها وأفنوا أنفسهم عليها وما بلغوا ما أرادوا ولكنكم أنتم نصرتم علينا وإن النصر لا يدوم لكم وصاحبي وردان قد أشفق عليكم وقد بعثني إليكم وقال: إنه يعطي كل واحد منكم دينارًا وثوبًا وعمامة ولك أنت مائة دينارًا ومائة ثوب ومائة عمامة وارحل عنا بجيشكم فإن جيشنا على عدد الذر ولا تظن أن هؤلاء مثل من لقيت من جموعنا فإن الملك ما أنفذ في هذا الجيش إلا عظماء البطارقة والأساقفة.
قال خالد: والله ما نرجع إلا بإحدى ثلاث خصال: إما أن تدخلوا في ديننا أو تؤدوا الجزية أو القتال.
وأما ما ذكرت من أنكم عدد الذر فإن الله تعالى قد وعدنا النصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وأنزل ذلك في كتابه العزيز.
وأما ما ذكرت من أن صاحبكم يعطي كل واحد منا دينارًا وعمامة وثوبًا فعن قريب إن شاء الله نرى ثيابكم وبلادكم وعمائمكم كل ذلك في ملكنا وبأيدينا.
فقال الراهب: إني راجع إلى صاحبي أخبره بجوابك ثم لوى راجعًا وأخبر وردان بما كان من جواب خالد.
فقال وردان: أيظن أننا مثل من لقيه من قبل وإنما هؤلاء لحقهم الطمع إذ تقاصرنا عن قتالهم والملك قد أرسل إليهم أكابر البطارقة وما بيننا وبينهم إلا جولة الجائل ثم نتركهم صرعى ثم رتب أصحابه وزحف وقدم أمامه الرجالة صفا أمام القوم والخيالة وبأيديهم المزاريق والقسي.
قال فصاح معاذ بن جبل: معاشر الناس إن الجنة قد زخرفت لكم والنار قد فتحت لأعدائكم والملائكة عليكم قد أقبلت والحور العين قد تزينت للقائكم فابشروا بالجنة السرمدية ثم قرأ {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111]. بارك الله فيكم الحملة.
فقال خالد: مهلا يا معاذ حتى أوصي الناس ومشى في الصفوف ورتبها وقال: اعلموا أن هؤلاء أضعافكم فطاولوهم إلى وقت العصر فإنها ساعة نرزق فيها النصر وإياكم أن تولوا الأدبار فيراكم الله منهزمين ازحفوا على بركة الله تعالى.
فلما تقارب الجمعان رمت الأروام سهامهم رمية واحدة.
قال فقتلوا رجالًا وجرحوا أناسًا وخالد قد منع الناس من الحملة.
فقال ضرار بن الأزور: وما لنا والوقوف والحق سبحانه وتعالى قد تجلى علينا والله ما يظن أعداء الله إلا أننا قد فشلنا عنهم وجزعنا فأمرنا بالحملة حتى نحمل معك.
قال: فأنت لها يا ضرار فخرج ضرار بن الأزور وقال: والله ما من شيء أشهى إلى قلبي من ذلك.
ثم حمل ضرار وقد تدرع بدرع كان لبطرس أخي بولص وألقى الزرد على وجهه وركب جواده وكان عليه يومئذ جبتان من جلود الفيلة كان قد أخذهما أيضًا من بطرس وقد أخفى نفسه عن الروم بلباسه ذلك وقد أطلق عنانه وقوم سنانه وحمل في صفوف الروم فرشقوه بالسهام فلم يصل إليه منهم أذى وهو يخترق صفوفهم فما كان قدر ساعة حتى قتل من الروم عشرين فارسًا ومثلها رجالة.
قال عنان بن عوف النجبي: كنت ممن يعد قتلى ضرار بن الأزور وكنت كلما قتل فارسًا من الروم أعده فكان جملة قتل ضرار في حملته هذه فرسانًا ورجالًا ثلاثين فارسًا.
قال عمر بن سالم: هكذا حدثني نوفل بن زياد.
ثم إنه رمى البيضة عن رأسه والزرد عن وجهه ونادى بأعلى صوته: أنا الموت الأصفر أنا ضرار بن الأزور أنا صاحبكم أنا قاتل همدان بن وردان أنا البلاء المسقط عليكم وعلى من أشرك بالرحمن.
قال فلما سمعت الروم كلامه عرفوه وتقهقروا إلى ورائهم.
قال فطمع فيهم وحمل على أثرهم فعند ذلك انطبقت عليهم الروم.
فقال وردان: من هذا البدوي فقالوا: أيها الملك هذا الذي بقي طول عمره عاري الجسد ومرة برمح ومرة بنبل.
فلما سمع ذلك وبذكر ضرار بن الأزور تنفس الصعداء وقال: هذا قاتل ولدي ولقد اشتهيت من يأخذ منه بثأري وله مني ما يريد.
قال فبرز إليه بطريق وكان صاحب طبرية وقال لوردان: أنا آخذ لك بالثأر ثم لوى عنانه وحمل على ضرار فجالا أكثر من ساعة ثم طعنه ضرار طعنة صادقة خرق بها كبد عدو الله فتجندل صريعًا فقال وردان لهم: ما أتى به ولو أتى به عينا ما صدقته فإن هذا لا تطيق الإنس أن تقاتله وأنا ما أرى لهذا غيري ثم ترجل وغير لامته وألقى عليه درعًا وجعل على رأسه التاج وركب جوادًا من الخيول العربية وهم أن يخرج إلى ضرار بن الأزور فتقدم إليه بطريق اسمه اصطفان وهو صاحب عمان.
قال وباس ركاب وردان وقال: أيها السيد إن آخذ بثأرك من هذا الذميم أو أسرته لك أتزوجني ابنتك فقال له وردان: هي لك وأشهد عليه من حضر من ملوك الشام.
فلما سمع اصطفان بذلك خرج كأنه شعلة نار وحمل على ضرار وقال له: ويلك قد نزل بك ما لا قدرة لك به.
قال فلم يدر ضرار ما يقول غير أنه أخذ حذره منه وقد أخرج اصطفان صليبًا من الذهب وجعله في عنقه في سلسلة من الفضة وجعل يقتله ويرفعه على رأسه فعلم ضرار أنه يستنصر به عليه فقال ضرار رضي الله عنه: إن كنت تستنصر علي به فأنا استنصر بالقريب المجيب الذي هو ممن دعاه قريب.
ثم حمل عليه وأربًا الناس أبوابًا من الحرب حتى ضج الناس من قتالهما فصاح خالد: يا ابن الأزور ما هذا التكاسل والتغافل والجنة قد فتحت لك والنار قد فتحت لأعدائك وإياك الكسل فإن الله عز وجل يعينك قال فأيقظ ضرار نفسه وانقض من سرجه وحمل على خصمه وتصايحت الروم بصاحبها تشجعه وكلاهما في ضرب عظيم ولد حميت الشمس وتعب الجوادان.
فأشار البطريق إلى ضرار أن ترجل حمى نتقابل فهم ضرار أن يترجل شفقة على الجواد وإذا بصفوف الروم قد خرجت ورجل يقود جنيبًا أمامهم وكان ذلك كلام البطريق فلما نظر إليه ضرار صاح في جواده وقال له: اجلد معي ساعة وإلا شكوتك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: فحمحم الجواد وشمر أجنحته جريًا واستقبل ضرار غلام البطريق بطعنه فقتله وأخذ الجنيب فركبه وأطلق جواده نحو عساكر المسلمين فتناولوه وعاد ضرار نحو البطريق.
فلما رآه أقبل إليه بعد ما قتل غلامه وركب جواده أيقن عدو الله بالهلاك وعلم أنه إن ولى قتله بلا محالة وأن وقف أهلكه.
فلما نظر ضرار إلى عدو الله علم ما عنده فهجم عليه إذ نظر إلى الروم وقد خرج منهم كردوس وذلك أن وردان لما نظر إلى صاحبه وقد أشرف على الموت علم انه إن لم يدركه هلك فقال لقومه.
يا قوم إن هذا الشيطان قد أكل من كبدي قطعة وإذا لم أقتله قتلت نفسي ولا بد لي من الخروج إليه.
قال فخرج في عشرة من البطارقة وهم مدرعون وفي أرجلهم أخفاف من الحديد وسواعد من الحديد وبأيديهم أعمدة من الحديد ووردان قد لبس لامته وعلى رأسه تاج عظيم فخرجوا ووردان أمامهم كأنه شعلة نار ونظر أصطفان إلى من خرج فصرخ بضرار فلم يلتفت إلى من خرج إليه إلا أنه تأهب.
فبينما هم كذلك إذ نظر خالد إلى القوم وخروجهم ونظر إلى التاج وهو يلمع على رأس صاحبهم.
فقال: إن التاج لا يكون إلا على رأس الملك ولا شك أنه صاحب القوم قد خرج إلى صاحبنا فما الذي يقعدنا عن نصرته ثم قال لأصحابه: لا يخرج إلا عشرة حتى نساوي القوم فخرج خالد في عشرة من أصحابه وأطلقوا الأعنة وقوموا الأسنة قال ووصل الروم إلى ضرار فاستقبلهم بقلب أقوى من الحجر الجلمود قال فناداه خالد: أبشر يا ضرار.
فقد أسعدك الجبار ولا تجزع من الكفار فقال ضرار رضي الله عنه: ما أقرب النصر من الله وجاء خالد ومن معه والتقت الرجال بالرجال وانفرد كل واحد بصاحبه وطلب خالد وردان ولم يبرح ضرار عن خصمه اصطفان وقد كل ساعة وارتعدت فرائصه عندما نظر إلى خالد ومن معه فنظر يمينًا وشمالًا ليطلب الهرب فعلم ضرار منه ذلك فهجم عليه بسنانه فلما أيقن بالموت ألقى نفسه إلى الأرض وولى هاربًا فبادر إليه ضرار وألقى نفسه عن جواده وطلب عدو الله حتى لحقه وتقابضا على وجه الأرض وكان عدو الله كالصخر الجلمود وكان ضرار نحيف الجسم غير أن الله تعالى أعطاه قوة الإيمان.
فلما طال بهم العراك ضرب بيده إلى مراق بطنه وقلعه من الأرض بحيلة وجلد به الأرض فصاح عدو الله وجعل يستنجد بوردان وقال بالرومية: أيها السيد انجدني مما أنا فيه فقد هلكت فصاح وردان: يا ويلك ومن ينقذني أنا من هؤلاء السباع الكاسرة فسمع خالد ذلك فسمع فيه وحمل على وردان وهم ضرار بخصمه ونظر إليهما الفريقان وأقبل صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرار فلم يمهل على خصمه دون أن برك على صدره وذبحه مثل البعير وكل واحد مشتغل عن نصرة صاحبه.
قال فأخذ ضرار رأس عدو الله وهو ملطخ بالدماء وركب جواده وحملت الروم على المسلمين ونادى سعيد بن زيد: يا معشر الناس اذكروا الوقوف بمن يدي الله الملك الجبار فإياكم أن تولوا الأدبار فتستوجبوا دخول النار يا أهل الإيمان يا حملة القرآن اصبروا.
قال فزاد الناس بقوله نشاطًا وتزاحم الفريقان.
قال: وجاء وقت العصر فافترقوا وقد قتل من الروم ثلاثة آلاف وعشرة من ملوكهم ومنهم رومان صاحب الأميرة ودمر صاحب نوى وكوكب صاحب أرض البلقاء ولاوي بن حنا صاحب غزة.
قال ثم افترق القوم ورجع وردان إلى مكانه وقد امتلأ قلبه رعبًا مما ظهر له من المسلمين من شدة صبرهم وقتالهم.
فجمع البطارقة وقال لهم: يا أهل دين النصرانية ما تقولون في هؤلاء العرب فإني أراهم غالبين علينا وقد رأيت أسيافهم قاطعة وخيلهم صابرة وسواعدكم بليدة وإن القوم أطوع منكم لربكم وما خذلتم إلا بالظلم والجور والغدر وما مرادي منكم إلا أن تتوبوا إلى ربكم فإن فعلتم ذلك رجوت لكم النصر من عدوكم وإن لم تفعلوا ذلك فأذنوا بحرب من المسيح وبهلاك أنفسكم فإن الله عاقبكم أشد عقوبة إذ سلط عليكم أقوامًا لا نفكر بهم ولا نعدهم لأن أكثرهم جياع وعبيد وعراة ومساكين أخرجهم إلينا قحط الحجاز وجوعه وشدة الضرر والبلاء والآن قد أكلوا من خبز بلادنا وفواكه أرضنا وأكلوا العسل والتين والعنب وأعظم ذلك سبي نسائكم وأموالكم.
قال الواقدي: فلما سمع القوم ذلك بكوا وقالوا: نقتل عن آخرنا ولا يصل إلينا هؤلاء القوم وإنا نرى أن نقاتلهم بالرماح.
قال فلما سمع وردان ذلك منهم صاح بالبطارقة وقال لهم: ما عندكم من الرأي.
فقال رجل منهم: يا وردان اعلم أنك قد بليت بقوم لا تقوم لقتالهم وقد رأيت الواحد منهم يحمل على عسكرنا ولا يبالي من أحد ولا يرجع حتى يقتل منهم وقد قال لهم نبيهم إن من قتل منكم صار إلى الجنة.
ومن قتل من الروم صار إلى النار والموت والحياة عندهم سواء وما أرى لكم من القوم مطمعًا إلا أن نتحيل على صاحبهم فنقتله فإن قتلتموه ينهزم القوم وإنك لا تصل إليه إلا بحيلة توقعه فيها.
فقال وردان: وأي حيلة ندخل بها على القوم والحيل والخداع والمكر منهم.
.
فقال له البطريق: أنا أقول لك شيئًا إن صنعته وصلت به إلى أمير العرب من حيث لا يصل إليك شيء ولا أذى وذلك أنك تنتخب عشرة من الفرسان من ذوي الشدة والبأس ويكمنون في مكمن من جهة العسكر قبل خروجك إليه وبعد ذلك تخرج إليه وتشاغله بالحديث ثم اهجم عليه وأخرج قومك يبادرون من المكمن ويقطعونه إربًا إربًا وتستريح منه وبعد ذلك تتفرق أصحابه ولا يجتمع منهم أحد.
قال فلما سمع وردان ذلك من البطريق فرح فرحًا عظيمًا.
وقال: ما هذا إلا رأي سديد فنعم ما أشرت به وقد أصبت فيما ذكرت غير أن هذا الأمر يعمل في جنح الليل ولا يأتي الصباح إلا وقد فرغنا مما نريد ثم إن وردان دعا برجل من العرب المتنصرة اسمه داود وكان في سكنه.
وقال له: يا داود أنا أعلم أنك فصيح اللسان وإني أريد أن تخرج إلى هؤلاء العرب وتسألهم أن يقطعوا الحرب بيننا وبينهم وقل لهم لا يخرجون لنا بكرة النهار حتى أخرج بنفسي إليهم منفردًا عن قومي ولعلنا نصطلح مع العرب.
فقال داود: ويحك وتخالف أمر الملك هرقل فيما أمرك به من الحرب وتصطلح أنت والعرب فإن الملك ينسبك إلى الجزع والفزع وما كنت بالذي أخاطب العرب في ذلك أبدًا فيبلغ الملك أني كنت السبب في ذلك فيقتلني.
فقال له وردان: يا ويلك إنما دبرت حيلة على أمير العرب حتى أصل بها إليه فأقتله وتتفرق هؤلاء العرب عنا ثم إنه حدثه بما عزم عليه من المكر بخالد بن الوليد.
فقال لوردان: إن الباغي مخول في كل فعل فالق الجمع بالجمع واترك ما عزمت عليه فقال وردان وقد غضب: ويلك أنت تعاندني فيما أمرتك به دع عنك المحاججة.
فقال: حبًا وكرامة ثم إنه مضى وقال في نفسه: إن وردان قد عزم أن يلحق بولده ثم أقبل حتى إنه وقف قريبًا من المسلمين ونادى برفيع صوته وقال: يا معاشر العرب حسبكم من القتل وسفك الدماء فإن الله تعالى يسألكم عن سفكها وأريد أن يخرج إلي أمير العرب حتى أخاطبه بما أرسلت به.
قال فما استتم كلامه حتى خرج إليه خالد رضي الله عنه وهو كأنه شعلة نار.
فلما نظر إليه داود النصراني قال له: يا عربي على رسلك فما خرجت أحارب ولا أنا من رجال الحرب وما أنا إلا رسول.
فلما سمع خالد مقالته قرب منه.
وقال: أذكر مسألتك واستعمل الصدق تنج فمن صدق نجا ومن كذب هلك فقال: صدقت يا عربي إن أميرنا وردان كاره سفك الدماء وقد رأى شدتكم ولا يريد حربكم وقد نظر إلى من قتل من جماعته فكره أن يحاربكم وقد رأى أن يدفع لكم مالًا ويحقن به دماء الناس لكن بشرط أن يكون بينك وبينه كتاب وتشهد عليك كبراء قومك أنك لا تتعرض له ولا لأحد من أصحابه ولا لحصن من حصونه فإن فعلت ذلك وثق بقولك وهو يسألك أن تقطع الحرب بقية يومك فإذا أصبحت فاخرج بنفسك ولا يكن معك أحد ويخرج هو أيضًا منفردًا فننظر ما تتفقان عليه عسى أن تحقنا دماء الناس بيننا وبينكم.
قال فلما سمع خالد ما نطق به داود قال له: إن كان ما أخبر به صاحبكم يريد به حيلة أو مكيدة فنحن والله جرثومة الخداع وما مثلنا يأتي بحيلة ولا بخديعة فإن كان ذلك ضميره واعتقاده فما هو إلا قرب أجله وانقطاع عمره وهلاك جموعكم والانفصال بيننا وبينكم وإن كان ذلك حقًا من قوله فلست أصالحه إلا إذا أدى الجزية عن جماعته.
وأما المال فلست براغب فيه إلا على ما ذكرته لكم وعن قريب نأخذ أموالكم ونملك بلادكم.
فقال داود وقد عظم عليه كلام خالد: ما يكون الأمر إلا كما ذكرت فإذا توافقتم كان الانفصال بيننا وها أنا راجع فأذكر له ما ذكرت ثم لوى راجعًا وقد امتلأ قلبه رعبًا من خالد وفزع منه فزعًا شديدًا ثم قال في نفسه: صدق والله أمير العرب وأنا أعلم والله أن وردان أول مقتول ونحن من بعده وما لي إلا أن أصدق أمير العرب وآخذ لي ولأهلي منه أمانًا ثم رجع إلى خالد وقال له: يا أمير إني قد أضمرت على سر وأريد أن أبديه لك لأني أعلم أن البلاد لكم إن وردان قد نوى على شيء فقال خالد: وما هو فقال: خذ لنفسك الحذر وكن مستيقظًا فإنه قد أضمر لك كيدًا ثم أخبره بالقصة من أولها إلى آخرها ثم قال لخالد: أريد منك الأمان لي ولأهلي.
فقال خالد: الأمان لك ولأهلك ولأولادك إن أنت لم تخبر القوم ولم تغدر قال داود: لو أردت أن أغدر لما حدثتك.
فقال خالد: وأين كمين القوم.
.
قال: عند كثيب عن يمين عسكرهم ثم إنه خلاه ورجع وأعلم وردان ففرح وقال: الآن أرجو أن يظفرني الصليب بهم ثم إنه دعا بعشرة من الأبطال وقال لهم: امضوا رجالة وأكمنوا وأمرهم أن يفعلوا ما دبروه.
وأما خالد فإنه رجع فلقيه أمين الأمة أبو عبيدة فرآه ضاحكًا.
فقال: يا أبا سليمان أضحك الله سنك ما الخبر فحدثه بما جرى.
فقال أبو عبيدة: على ماذا عزمت قال: عزمت أن أخرج إلى القوم وحدي.
فقال: يا أبا سليمان لعمرك إنك لكفء ولكن ما أمرك الله أن تلقي بنفسك إلى التهلكة والله تعالى يقول: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60]. وقد أعد لك عشرة وهو حادي عشر وما آمن عليك من اللعين ولكن اندب له رجالة كما ندب لك رجالة ويكمنون قريبًا من القوم فإذا صرخ اللعين بقومه فاصرخ أنت بقومك ونكون نحن متأهبين على خيولنا فإذا فرغت من عدو الله حملنا جميعًا ونرجو من الله النصر ثم قال: والمسلمون هم رافع بن عميرة الطائي ومعاذ بن جبل وضرار بن الأزور وسعيد بن زيد وقيس بن هبيرة وميسرة بن مسروق العبسي وعدي بن حاتم حتى استتم العشرة وأخبرهم خالد بما قد عزم عليه الروم من الحيلة والمكيدة التي قد دبرها وردان.
وقال: اخرجوا رجالة بحيث لا يدري بكم أحد حتى إنكم تأتون الكثيب الذي عن يمين العسكر فأكمنوا هناك فإذا صرخت بكم فبادروا وانفروا للقوم كل واحد لواحد واتركوني لعدو الله فإنني إن شاء الله تعالى كفء له فقال ضرار: أيها الأمير أخاف أن يكثر عليك الجمع الكثير فلا نأمن أن يصلوا بشرهم إليك وقد كنت أدبر لك حيلة أننا نسير من وقتنا هذا إلى مكمن القوم فإذا وجدناهم رقودًا قتلناهم وفرغنا منهم قبل الصباح ونكمن نحن في مواضعهم فإذا خلوت أنت بعدو الله خرجنا عليكم بغير مقالة.
فقال خالد: افعل يا أبا الأزور ما ذكرت إن وجدت إلى ذلك سبيلًا وخذ معك هؤلاء الذين ندبتهم وأنت الأمير عليهم وأرجو أن الله يبلغك ما تطلبه وخرج هو وأصحابه في جنح الليل رجالة وبأيديهم أسلحتهم وودعوا الناس وكان وقت خروجهم قد مضى ثلث الليل ثم سار ضرار حتى وصل الكثيب فأوقف أصحابه وقال: على رسلكم حتى أستخبر لكم خبر القوم.
فلما أشرف عليهم من بعيد سمع غطيطهم وهم نيام سكرى غرقوا في النوم لما نالهم من التعب والنصب وقد أمنوا من أحد ينظرهم.
فقال ضرار في نفسه: إن أنا دنوت من القوم لأقتلهم خشيت أن يوقظ بعضهم بعضًا.
قال فرجع إلى أصحابه وقال لهم: أبشروا فقد أتاكم الله بما تريدون وأذهب عنكم ما تحذرون فجردوا سيوفكم وسيروا إلى القوم فاقتلوهم كيف شئتم ثم تقدم ضرار أمامهم وهم في أثره إلى أن وصل بهم إليهم فوجدهم نيامًا كل واحد منهم سلاحه عند رأسه فانفرد كل واحد منهم بواحد فلم يلبثوا إلا وقد فرغوا منهم عن آخرهم وأخذ كل واحد سلاح غريمه وأخذوا كل ما معهم من الزاد وغيره فقال لهم ضرارًا: أبشروا فإن هذا أول النصر إن شاء الله تعالى وأقبلوا بقية ليلتهم يصلون ويدكون الله أن ينصرهم على عدوهم ولم يزل كل واحد منم في مصلاه إلى أن أضاء الفجر فصلوا صلاة الفجر.
فلما فرغوا من الصلاة لبس كل واحد ثياب غريمه ولباسه وغيبوا القتلى مخافة أن يرسل إليهم وردان خبرًا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق