185
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثاني
الحرب العالمية الثانية
ثالثاً: أثر الليبيين في القتال:
لعب الجيش الليبي دوراً نشيطاً في حملات 1940-1943 وساعد المدنيون الليبيون جيوش الحلفاء المقطوعة خلف خطوط المحور. وترك المجندون الجيش الإيطالي كلما واتتهم الفرصة، والتحقوا بالبريطانيين وقد انتقد بعض القادة من الليبيين سياسة إدريس في تأييد بريطانيا قبل أن يحصل على ضمانات أكيدة باستقلال ليبيا. وزاد ضغطهم لدرجة إن بعض القادة اضطر أن يهدد بالانسحاب من التعاون مع بريطانيا وكان كل ماوعد به البريطانيون علانية هو أن أعلن ايدن وزير الخارجية في مجلس العموم في 8 يناير 1942 (بأن حكومة صاحب الجلالة مصممة في نهاية الحرب على أن لايرجع السنوسيون في برقة بأي حال تحت السيطرة الإيطالية).
وإعلان (ايدن) المذكور لم يعد حتى باستقلال برقة، فضلاً عن عدم ذكره لمنطقة طرابلس. والواقع يمكن أن يفهم منه الانذار المسبق بنية السيطرة البريطانية وقوة أخرى. ومع ذلك، وبعد الرفض البريطاني لحق ادريس في المطالبة باستقلال ليبيا في فبراير 1942م قنع ادريس بالوعود الشفوية التي أعطت له( ) ومعلوم أن الضعيف لايستطيع أن يملي شروطه في عالم السياسة والهيمنة على الشعوب ولكن الضعيف ان دخل في هذه اللعبة عليه أن يسمع ويطيع وينفذ ويرضى بالفتات على الموائد.
لقد اعترفت بريطانيا بالدور الخطير الذي قام به الليبيون في الحرب العالمية الثانية ضد المحور، وتحدثت الصحافة في تلك الفترة عن دور الليبيين في تلك الحرب، فبعنوان (صفحة جديدة في تاريخ ليبيا للمستر هـ.م فوت H.M.Foot، مساعد المعتمد البريطاني في عمان، ونائب الحاكم العسكري البريطاني في برقة سابقاً (مجلة المنتداء الفلسطينية العدد السابع (أكتوبر سنة 1943م) قال:
قليل من الناس يذكر حملة الصحراء الغربية المصرية في الحرب الماضية أيام كنا نحارب عدواً غير جيش ألمانيا الافريقي وغير الجيوش الإيطالية. نعني بهذا العدو جماعة صغيرة من الأعراب كانت تركب الإبل وليس لديها من السلاح إلا النذر اليسير، ولكنها مع ذلك شغلت جزءاً هاماً من القوى البريطانية طول الحرب الماضية تقريباً، ولم يكن بين هؤلاء الليبيين وبين بريطانيا العظمى خلاف، ولكنهم عقدوا النية على طرد الإيطاليين من بلادهم فتصدوا لمنازلة قوى الحلفاء الجبارة.
إن المقاومة التي أبداها هؤلاء العرب القلائل ضد الفرق الإيطالية تلك المقاومة الطويلة الباسلة، لهي قصة رائعة من قصص البطولة، فقد أمضوا في كفاحهم ثلاثين عاماً بين تلال برقة وصحاريها، وفي أثناء ذلك علق زعماؤهم على أعواد المشانق وصودرت أملاكهم وقتلت مواشيهم.
أما الأهالي أنفسهم فانهم سيقوا مع أطفالهم إلى معتقلات كبيرة في صحراء العقيلة ومع كل ذلك لم يدب اليأس في قلوبهم، وإنه ليتسنى للذين خالطوا هؤلاء العرب منا واستمعوا في مضاربهم إلى حديث الثورة التي أشعلوا نيرانها ضد الطليان أن يتفهموا قوة كفاحهم وماينطوي عليه من مجد وفخار، فكثير من رجالهم مازالوا يحملون آثار جراح بليغة، ويندر أن تجد عائلة منهم لم تصب في فرد من أفرادها على يد الإيطاليين.
إن تلك الشجاعة التي اشتهر بها الليبيون عن جدارة واستحقاق وقد تبدت مرة أخرى في الحملات الأخيرة، فنحن لانزال نجهل قسطاً كبيراً من المساعدة التي قدموها لنا خلف خطوط الأعداء، كما أن مساعدتهم الفردية لكثير من الضباط البريطانيين شواهد ناطقة على الكرم العربي وحب العرب للمجازفة.
يقول هؤلاء الضباط إن كل خيمة عربية كانت بمثابة ملجأ وأن كل عربي كان بمثابة دليل. ومن طريف مايروى أن أحد المدفعيين البريطانيين أصيب بجرح فأواه عربي إلى أحد الكهوف وسهر على راحته ستة أشهر. فلما تماثل للشفاء حمله فوق جمله مسافة 400 ميل وأوصله إلى العلمين. قام العربي بكل ذلك وسلم الجندي الجريح إلى إحدى الوحدات دون أن يعلن عن اسمه أو يطلب مكافأة، وليس هذا الحادث الوحيد من نوعه، فإنه ماكان ليتسنى لمئات من جنودنا أن يعودوا الى وحداتهم دون مساعدة العرب، تلك المساعدة التي كانوا يقومون بها عن طيب خاطر والتي كانت تعرض حياتهم لخطر الموت، ولم يتطرق الوهم الى قلوب العرب حين كنا نتراجع تراجعاً كلياً وحين ظن الناس أن الدائرة قد دارت علينا، بل كانوا أبداً على استعداد لتقديم المساعدة.
وقد جرى اثناء احتفال عظيم في درنة أقامه الطليان على أثر استيلاء المحور على طبرق أن كان بين النظارة ضابط بريطاني متخف، فلم يفكر واحد من الاهلين أن يكشف أمره ويفضحه.
ومن الطبيعي أن تتضاءل قوة العرب بعد كفاح دام ثلاثين سنة، فقد انتهت ثورتهم بسقوط كفرة عام 1929م ، وكانت النتيجة أن انتشر الليبيون المنفيون في أنحاء الشرق الادنى، أما الذين بقوا منهم في برقة فقد أرغموا على قبول حكم الموظفين الطليان والقانون الايطالي أيضاً. وشر من هذا أن اللغة الايطالية حلت محل اللغة العربية في المدارس وأخذ الجيل الناشئ ينسى العربية.
ولقد كنت أخشى أن نجد فيهم شعباً متخاذلاً جباناً، ولكن الأمر كان لحسن الحظ عكس ذلك، فالشيوخ والزعماء مستقيمون في معاملاتهم، عادلون في أحكامهم، يتصفون بالشجاعة والصراحة. نعم إن وقت التخلص من الاضطهاد قد جاء وكان مجيئه في الوقت المناسب -قبيل فوات الأوان- فلو تأخر الخلاص نصف جيل لتمت عملية تحويل الشباب العربي الى خدم أذلاء لايطاليا.
ولو سئلت عن أهم ما يستلفت النظر في برقة لقلت انه النشاط العجيب والعزيمة الماضية يتحلى بها قوم يجمعهم دين واحد، وتجمعهم شجاعة يمتاز بها كل واحد منهم ومقاومة مستمرة للاضطهاد، فقد مضى عليهم ثلاثون عاماً وهم يقاسون الأهوال، وترك ذلك في نفوسهم أثراً سيئاً فهم لايتحلون باللطف الزائد والدماثة التي يتحلى بها العرب في سائر الاقطار، وتنقصهم خبرة الآخرين ومعارفهم، أما التقاليد العربية القديمة وأعني بها الكرم والشجاعة فلا ينازعهم فيها منازع( ).
وأما الاستاذ (ف.بنيكوف) فقد القى محاضرة أذيعت في محطة لندن اللاسلكية في 31 مايو 1947م بعنوان عرب ليبيا الكرام جاء فيها: اشتركت في القتال أثناء الحرب الماضية بين بلدان مختلفة مدة خمس سنوات متوالية ومازلت أستعيد ذكراها جميعاً بالغبطة والسرور لا لشيء سوى لأني رجل حرب وقتال ونزال ولكن المدة التي أحمل لها أطيب الذكريات هي تلك التي قضيتها في برقة بين الاحتلال البريطاني الثاني للجبل الاخضر وتحرير البلاد نهائياً بعد معركة العلمين ومن أسباب ذلك أنني وإن كنت إنكليزياً وربيت في انكلترا على الطريقة الانكليزية إلا أني أجد الحياة مع العرب في الجبل الاخضر أخف ظلاً واسعدها حالاً من الحياة في إحدى المدن الغربية الكبيرة، وهناك سبب آخر هو أني وثقت عرى الصداقة مع بعض رجال القبائل العربية هناك، وهم رجال يمتازون بذكاء ووقار وشجاعة عظيمة وخلال سامية وأخلاق فاضلة ولا تقل منزلتهم في نفسي عن منزلة أي شخص آخر من بنى وطني وجلدتي.
ولعلي أحمل للجبل الأخضر هذه الذكريات الطيبة لسبب ثالث وهو أن العرب هناك علموني طرقاً جديدة في فنون الحرب والقتال علمتها بدوري فيما بعد لزملائي الجنود ومارسناها على نطاق واسع في إيطاليا وغيرها بنجاح وتوفيق.
زرت الجبل الأخضر لأول مرة عندما احتللنا مدينة درنة في سنة 1941م، وهناك وثقت عرا الصداقة والمودة مع كثيرين من العرب، أخص بالذكر منهم الشيخ عبدالقادر بوبريدان والشيخ علي بو حامد وكلاهما من قبيلة العبيدات وبعد بضعة شهور منيت الجيوش البريطانية بنكسات متوالية، واحتل العدو برقة مرة اخرى حتى بلدة غزالة غربي طبرق، وكانت هيئة القيادة البريطانية العليا في القاهرة في حاجة ماسة الى معلومات عن حركات العدو، فأرسلت بناء على طلبي لجمع تلك المعلومات بمساعدة العرب في منطقة تمتد من بني غازي الى غزالة، ومن المهام الاخرى التي كلفت بها أن أنسف مستودعات العدو وطائراته.
أنزلتني إحدى الدوريات مع جماعتي في إحدى الامسيات بالقرب من (بلدة الزلخ) ومن هناك امتطيت صهوة الخيول والجمال الى المكان الذي نقصده، وكان بين أفراد جماعتي عربيان: أحدهما الملازم سعد علي رحومه وهو من الجيش السنوسي التابع للشيخ السيد ادريس السنوسي والآخر جندي عادي، وزرت في المرحلة الاولى معظم قبائل العبيدات الغربية وبعض قبائل البراعصة والدرسة، وقوبلنا في كل مكان بالترحيب الودي وكرم الضيافة رغم أن البلاد بأسرها كانت في قبضة العدو رغم مايتعرض له العرب من أخطار محققة، إذا علم أنهم كانوا يأوون ضابطاً بريطانياً ، وآمل أن يكون كل من السيد عبدالقادر بوبريدان والسيد علي بوحامد مازالا على قيد الحياة الى ألان، وأن يذكرا مجلساً عقدناه في ذلك الوقت مع مشايخ قبيلة العبيدات الآخرين في مكان لايبعد كثيراً على درجة عظيمة من الخطورة والأهمية، بل ويمكنني أن أقول الآن أن الحرب في الصحراء ربما اتخذت شكلاً آخر بدون تلك المعلومات، ويرجع معظم الفضل في ذلك الى اخلاص العرب الذين يرقبوا بعين لا يغمض لها جفن طريق مرتوبة، وأولئك الذين أخذوا يتنقلون من بني غازي الى المرج الى القبة الى درنة الى المخيلي العزيات للحصول على المعلومات عن حركات العدو وخططه الحربية.
وكان جمع المعلومات جزءاً يسيراً من واجباتنا، فمن عملياتنا الهجومية الموفقة العديدة غزوة قمنا بها في شهر يوليو سنة 1942م بمساعدة العرب الذين وضعوا خطتها بدقة ومهارة لنسف مستودع كبير للبترول خارج بلدة العقبة مباشرة، وكانت تدور في ذلك الوقت معركة هامة في عين غزالة، وكان لخسارة العدو تلك الكمية الهائلة من البترول في هذا الوقت الحرج أكبر الأثر في عرقلة عملياته الحربية.
وأصبنا بعد ذلك بنكبات متوالية وفقدنا (طبرق) ولو لم تكن للعرب قلوب قدت من الصلب جرأة وشجاعة لاعتقدوا أننا فقدنا كل شيء ولحاولوا الفرار بأنفسهم، ولكن أصدقاءنا العرب وقفوا الى جانبنا قلباً وقالباً، ولم يخن من سكان الجبل الاخضر باسره سوى شخص واحد يجدر بي أن لا أذكر اسمه لينطوي في زوايا العار والنسيان. وقد ذهب الى الجنرال بياتي القائد الايطالي وأطلعه على أمرنا وأمر محطتنا اللاسلكية، ولكن خيانته لم تجده فتيلاً لأن القبائل ناصرتنا، وطافت بدوريات الجنرال الايطالي في كل مكان إلا المكان الذي كنا فيه فجعلت منهم أضحوكة الصحراء بأسرها.
ولقد غررنا بالعدو مرات عديدة لا يتسع بي المقام لذكرها الآن، ولكن اريد ان اتحدث عن مغامرة لنا قدر لها النجاح والتوفيق بمساعدة اخواننا العرب ، وقد ذهبت في احدى ليالي الصيف الى درنة عقب سقوط طبرق وهناك رسمنا انا والشيخ علي البرعصي خطة لتهريب عدد كبير من الاسرى البريطانيين الموجودين في قبضة الطليان وكان بعضهم في المستشفى وبعضهم الاخر في المعسكر خارج المدينة التي كانت تعج بالجنود والالمان والطليان وأنها كانت تضم بعض العناصر المعادية لبريطانيا في ذلك الوقت وكنت اثناء تلك الغارة ارتدي ملابس عسكرية كضابط محارب ، فلم يكن عقابي اذا وقعت في يد العدو يتجاوز الاعتقال حتى نهاية الحرب ، ولكن اذا قدر سؤ الطالع لأحد زملائي العرب ان يقع في قبضة العدو لكان جزاؤه الموت على حبل المشنقة .
إن انسى لن انسى مأدبة العشاء التي اقامها لي السيد علي قبل رحيلي حيث كنا على احسن ما يكون من البهجة والسرور فيمكنني اذا ان اخفي ما أشعر به من سعادة لذكريات الجبل الاخضر وأنا أعلم ان الاخطار والمشاق والاهوال لم توهن من عزائم رجاله قيد شعرة، بل أطلقت ألسنتهم بالفرح والفكاهات .
ولم اكن الشخص الوحيد الذي نعم في ظل العناية العربية الكريمة بالراحة والامن والطمأنينة فإن مئات من الطيارين والاسرى الفارين وغيرهم ممن ضلوا عن وحداتهم كانوا موضع عناية العرب وحسن ضيافتهم الى ان اعادوهم سالمين الى صفوفهم ، وتتجلى قيمة هذه المعونة اذا عرضنا ان العرب انفسهم في ذلك الوقت كانوا يعانون نقصاً فادحاً في جميع ضروريات الحياة، فلم يكن لديهم ما يكفي من الملابس، وكان الشاي والسكر أثمن من الذهب، ومع ذلك كانوا لا يتاونون عن التضحية بالقليل الذي لديهم عن رضى وطيب خاطر .
ولعلي اكون مبالغاً اذا قلت ان جميع جنود الجيش البريطاني الذي قاتلت في الجبل الاخضر يدينون بالشكر للعرب، فكثير منا مدينون لهم بحياتهم، وسوف لاننسى كيف مهد ولاء العرب و إخلاصهم وتضحياتهم طريق النصر الاخير الحاسم .
لقد مر عرب برقة على وجه خاص بوقت عصيب حقاً، فقد خاضوا غمار حروب مستمرة متواصلة مدة ثلاثين عاماً فقدوا فيها نصف عددهم ولكن روحهم المعنوية ما زالت قوية جبارة، وما زالوا يعيشون كما عاش آبائهم وأجدادهم من قبل رجال محاربين احراراً .
لقد اتيحت لي فرصة المعيشة مع هؤلاء القوم القليلين في العدد الاقوياء بالروح ، واستطيع أن أقول إني لا أثق في شعب آخر مثل ثقتي بهم وأرجو أن تتاح لي فرصة زيارة أصدقائي في الجبل الأخضر، مرة أخرى، وآمل أن أراهم جميعاً في أحسن صحة وأسعد حال، وقد اتسعت مضارب خيامهم، وزادت أنعامهم، وأصلحت آبارهم ونشر السلام جناحيه على ربوعهم اليانعة الخضراء( ).
هذه بعض الوثائق التاريخية المهمة من بعض ضباط الجيش البريطاني من الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية ضد دول المحور تدلنا على الدور العظيم الذي قام به المجاهدون لتحرير بلادهم من إيطاليا.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق