إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 يونيو 2014

182 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الثاني الحرب العالمية الثانية


182

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الثاني

الحرب العالمية الثانية

إن الحرب العالمية الثانية آية من آيات الله في تصريف أمر الدول والشعوب والأمم وفق سننه وقوانينه في المجتمعات البشرية ومن السنن الواضحة في حياة الأمم أنه عندما تتجبر أمة من الأمم وتعلو في الأرض ويصيبها البطر والكبرياء يهيأ الله لها أسباب الانهيار والزوال قال تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد?إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد?وثمود الذين جابوا الصخر بالواد?وفرعون ذي الاوتاد?الذين طغوا في البلاد?فأكثروا فيها الفساد?فصب عليهم ربك سوط عذاب?إن ربك لبامرصاد?} (سورة الفجر، الآيات من 6-14).
وقال تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (سورة الاسراء، آية:16).
أي أمرناهم بالامر الشرعي من فعل الطاعات وترك المعاصي؛ فعصوا وفسقوا فحق عليهم العذاب والتدمير جزاء فسقهم وعصيانهم. وفي قراءة {أمرّنا}( ) بالتشديد أي جعلناهم أمراء. والترف وإن كان كثرة المال والسلطان من اسبابه إلا أنه حالة نفسية ترفض الاستقامة على منهج الله وليس كل ثراء ترف( ).
إن هلاك الأمم يكون كذلك بفشو الظلم وعدم إقامة العدل فلقد أمر سبحانه وتعالى بالعدل وحرم الظلم عن نفسه وجعله بين العباد محرماً كما في الحديث القدسي: (ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حرماً فلا تظالمو)( ).
لقد اختلت الموازين وانعدمت القيم وتحكم الجبابرة الطغاة في المسلمين المستضعفين ووزع المجتمع بين سادة ( الايطاليين ) و عبيد (الليبيين) وأرادت حكمت الله ومشيئته أن يخلص الشعب المظلوم من القوى الباغية فجائت الاسباب التي قادت الامم المتجبرة الى الحرب العالمية الثانية .
بدأت الحرب العالمية الثانية في سبتمبر 1939 م بالهجوم الالماني النازي على بولندة ، وحرصت ايطاليا في بداية الامر على عدم الدخول فيها حتى اذا رأت فرنسا تسقط أمام الجيوش الألمانية ؛ أعلنت الحرب على انكلترا وفرنسا في 10 يونيه 1940م فمهدت بذلك العمل الى زوال امبراطوريتها الافريقية وانهيار دولتها الفاشيستية في النهاية، وكان دخول ايطاليا الحرب الى جانب المانيا فرصة ثمينة بالنسبة لليبيين في المهاجر وفي أوطانهم ينتظرونها للتحرر والخلاص، واسترداد حقوقهم التي اغتصبها العدو في أعوام طويلة، فما دخلت ايطاليا الحرب حتى شرع الليبيون في العمل، واتصل فريق منهم بالمفوضية الفرنسية بالقاهرة وغادروا مصر فعلاً الى الجزائر حيث اتصلوا بالجنرال (نوجس) واتفقوا معه على أن يجهزوا حملة من الليبيين الموجودين في الجزائر وتونس للعمل ضد إيطاليا في ليبيا إلا أن هذا المشروع لم ينفذ بسبب استسلام فرنسا للزحف الألماني.
وكان الأمير ادريس في مصر يتحين تلك الفرصة بمجرد أن تحقق بأن الحرب العالمية لا محالة واقعة شرع بجمع زعماء الليبيين والتشاور معهم ودراسة احتمالات الموقف، ووضع الخطط المناسبة التي يجب أن يسيروا عليها وعقد الزعماء الليبيين اجتماعاً تاريخياً في منزل الامير ادريس السنوسي بالاسكندرية لبحث المستجدات واتخاد قرار نهائي وكان تاريخ ذلك الاجتماع 6 رمضان 1358هـ/20 اكتوبر 1939م اجتمع فيه حوالي اربعين شيخاً من رؤساء الليبيين وزعمائهم الموجودين بمصر في منزل الامير ادريس في جهة فكتوريا برمل الاسكندرية ، وظلوا يبحثون ثلاثة أيام بتمامها، واسفر تبادل الرأي عن اتخاذ قرار بتفويض الامير في ان يقوم بمفاوضة الحكومة المصرية او الحكومة الانكليزية بشأن تكوين جيش سنوسي مهمته الاشتراك في افتتاح الاقطار الليبيية واسترجاع ارض الوطن عند دخول ايطاليا الحرب الى جانب ألمانيا ووقعوا على وثيقة تاريخية مهمة في يوم 9 رمضان 1358هـ/23 اكتوبر 1939م جاء فيها:  ( بعد حمد الله والصلاة والسلام على رسول الله، قد اجتمع زعماء ومشايخ الجالية الطرابلسية البرقاوية المهاجرين بالديار المصرية في اليوم السادس من شهر رمضان المعظم 1358هـ بالاسكندرية وتشاوروا في حالتهم الاستقبالية وقر قرارهم على انتخاب من يمثلهم في كل الامور ويعرب عن آرائهم وبذلك وضعوا ثقتهم في سمو السيد محمد ادريس السنوسي الذي يمثلهم تمثيلاً حقيقياً لما له من المكانة الرفيعة في نفوسهم حيث يرونه أحسن قدوة يقتدى بها. وقد قبل منهم ذلك على أن تكون هيئة منتخبة شورية مربوطة به ومربوط بها لتكون الاداة المبلغة والمعربة عن منتخبيها وهي التي تمثل جميعهم تمثيلاً صحيحاً وأن يعين وكيلاً لها يقوم مقامه في حالة الغياب ويكون من أفراد الهيئة في حالة حضوره وللهيئة الحق في تثبيت هذا الوكيل او رفضه بأغلبية الأصوات وعليه حرر هذا التوقيع رؤساء القبائل الطرابلسية البرقاوية. والمولى سبحانه وتعالى يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه)( ).
وكان عدد الذين وقعوا على هذا التفويض من ترهونة مصراته، وبنغازي، وورفلة، وغريان والقصور، والمنفة، والعواقير، والبراعصة ، والعبيد، والمغاربة، والحاسة وغير ذلك من القبائل الطرابلسية والبرقاوية واحد وخمسين شيخاً منهم من المجاهدين القدماء، عبدالسلام الكزة عن قبيلة العواقير، وصالح الاطيوش رئيس قبيلة المغاربة، عبدالحميد العبار، وعون محمد سوف، وأحمد شتيوي ، وعبدالحميد أبو مطاري، ومحمد توفيق الغرياني، وابراهيم احمد الشريف وغيرهم( ).
وبادرت (جمعية الدفاع الطرابلسي البرقاوي) بعقد اجتماع في دمشق في يوم 29 شوال 1358هـ واطلعت على صورة القرار الموقع عليه من زعماء ورؤساء المجاهدين في مصر بتاريخ 9 رمضان 1358هـ/ 23 اكتوبر 1939م ووافقت عليه وقالت في بيان لها: (أن جميع الزعماء ورؤساء القبائل وكبار المجاهدين بدون استثناء اتفقت كلمتهم وتعاهدوا جميعاً على أن يدينوا بالولاء والطاعة والاخلاص لسمو الامير ادريس المهدي السنوسي وأنهم عقدوا عليه الآمال في حالهم ومستقبلهم ليمثل أمام الحكومات والسلطات والهيئات آماني القطر الطرابلسي البرقاوي تمثيلاً حقيقياً صحيحاً، ويتكلم باسم الجميع على أن تكون هيئة منتخبة منهم وله نائب يقوم مقامه عند مسيس الحاجة ، وتليت التوقيعات فتبين أنها هي توقيعات من بأيديهم الحل والعقد في القطر الطرابلسي البرقاوي من الاحرار الذين عاهدوا الله على الدفاع عن الوطن وحقوق الأمة، فكان ماجاء فيه من الغاية السامية ابلغ الأثر في نفوس الجميع لأنه حقق رغباتهم الصادقة في توحيد الكلمة وبرهن على ثبات هذه الامة في المطالبة بحقوقها وولائها بالامارة أولاً وآخراً وهو محط آمال الجميع في الحاضر والمستقبل لإخلاصه للوطن ودفاعه المجيد عنه ولايوجد من يشذ عن آرائه الصائبة ولا من يخالفه في التضحية بالنفس والنفيس في سبيل سعادة الوطن والأمة واعلاء كلمة الله ، قرر الجميع تأييد قرار إخوانهم الطرابلسيين البرقاويين في القطر المصري بدون قيد ولا شرط، وكلفت الهيئة تنظيم هذا القرار الاجماعي للأعراب لسمو الأمير السيد محمد ادريس المهدي السنوسي في الثقة التامة به والولاء الكامل له مادام متمسكاً بكتاب الله وسنة رسوله ? متخذاً التأهبات اللازمة للقيام بعمل جدي حين تدعو الظروف إليه، وهذه تواقيعنا تشهد أمام الله والوطن بعهدنا هذا، ومن ينكث فإنما ينكث على نفسه، والله ولي الجميع)( ).
وشرع ادريس السنوسي في مفاوضة الانكليز، فأسفرت مباحثاته عن السماح له بتشكيل فصائل من القبائل الليبية المهاجرة لاسترداد حريتها واستخلاص بلادها من العدو الايطالي، وإعادة الاستقلال للبلاد، ودعا الأمير ادريس مشايخ القبائل وزعماء المجاهدين الموجودين بمصر أو اولئك الذين كانوا في خارجه وذلك للاجتماع في مكان بالقاهرة في يوم الخميس 8 اغسطس سنة 1940م من اجل دراسة الأحداث والتطورات الأخيرة.
وانعقد الاجتماع قبل الموعد المعين بيوم واحد في احد أحياء القاهرة واستمر البحث طيلة يومي 7، 8 أغسطس، وفي يوم 9 أغسطس سنة 1940م وصلت الجمعية الوطنية الليبية الى القرارات التالية:
1- وضع الثقة في بريطانيا العظمى التي مدت يد المساعدة لتخليص الوطن الطرابلسي البرقاوي من براثن الاستعمار الايطالي الغاشم.
2- إعلان الامارة السنوسية والثقة التامة بالأمير السيد محمد ادريس السنوسي المهدي المبايع له بالامارة على القطرين.
3- تعيين هيئة تمثل القطرين طرابلس وبرقة تكون مجلس شورى للأمير المشار إليه.
4- خوض غمار الحرب ضد إيطاليا بجانب الجيوش البريطانية وتحت علم الامارة السنوسية.
5- تعيين حكومة سنوسية تدير الشؤون اللازمة في الوقت الحاضر مؤقتاً.
6- تعيين هيئة للتجنيد يكون مقرها ضمن مقر الحكومة السنوسية.
7- التوسل لدى الحكومة البريطانية بواسطة الامير المشار إليه بطلب المخصصات اللازمة للتجنيد وإدارة الحكومة وتعيين ميزانية خاصة ونظام مؤقت مستمد من الميثاق الوطني حسب عوائد وتقاليد العرب.
8- تفويض سمو الامير بمراجعة الدولة البريطانية لعقد الاتفاقيات، والمعاهدات السياسية، والمالية، والحربية التي توفي هذه الغاية وتضمن للوطن حريته واستقلاله( ).
وفي يوم 9 أغسطس حضر الجنرال ويلسن الى مكان الاجتماع فأستقبله سمو الامير وألقى الجنرال كلمة على الحاضرين قال فيها: (إن اشتراككم مع قوات صاحب الجلالة في سحق العدو المشترك هو تحرير لوطنكم واسترداد أملاككم وحريتكم واستقلالكم) ثم أضاف أنه على استعداد لتزويد الجيش بكل مايلزمه من أسلحة وعتاد( ).
وقد تحدث الأمير ادريس السنوسي بنفسه عن تلك الأحداث فقال: (عندما أعلنت ايطاليا الحرب على بريطانيا بتاريخ 10 يونيه 1940م اتصل بي في مقر اقامتي بمنطقة الحمام الجنرال ويلسون ، آمر القوات البريطانية في مصر تحت قيادة الجنرال ويفل، وطلب مني المساعدة في المجهود الحربي ضد الايطاليين، فدعوت الزعماء الليبيين الى عقد اجتماع بالقاهرة خلال شهر أغسطس، لمناقشة الاجراء الذي ينبغي لنا اتخاذه لتحديد موقفنا من الحرب، ولم يبد البرقاويون أي اعتراض على انتهاز الفرصة لاستئناف الجهاد ضد الطليان، باعتبار أنه لايمكن أن يعود علينا إلا بالكسب، فنحن لن نخسر اكثر مما خسرنا على أي حال.
ولكن موقف الطرابلسيين كان أكثر حرجاً بسبب الخوف من أن تنتهي الحرب بانتصار دول المحور، فيأخذ عليهم الطليان أنهم حاربوا في صفوف الأعداء، وكنت شخصياً على يقين كامل من أن النصر النهائي سوف يكون من نصيب الحلفاء لأيماني بحتمية انتصار الحرية على الطغيان، وعملت جهدي لاقناع الحاضرين بأن يضعوا ثقتهم في قدرة بريطانيا بحيث نوحد كلمتنا في مساندتها في الحرب.
وجاء قرار الأغلبية (باستثناء بعض الطرابلسيين) معبراً عن الثقة في الحكومة البريطانية، والاعتراف بي مفوضاً عن الليبيين في علاقتهم مع بريطانيا، والاتفاق على انشاء جيش ليبي يسمى (القوة العربية الليبية) للقتال الى جانب القوات البريطانية ضد الايطاليين، فأصدرت تعليمات فورية بالبدء في تجنيد جيش من الليبيين المقيمين بمصر، وعين قائد للجيش ضابط بريطاني برتبة كولونيل (اي عقيد) يدعى بروميلو سبق له العمل في خدمة القوات العربية العراقية، بينما أقيم مركز القيادة بفندق سميراميس في القاهرة. بينما أقيم ضابط الاتصال الكولونيل آندرسون من خيرة المتخصصين في الدراسات العربية، وقد امضى في مصر فترة من الوقت، فخبرته بالشؤون المحلية ساعدت كثيراً في تسهيل انشاء الجيش.
وكان مكتبي في شارع بركات ومحل سكني شقة بالدور الارضي في مبنى من طابقين بشارع حشمت باشا في حي الزمالك... والقوة العربية الليبية تكونت في معظمها من البرقاويين اللاجئين بمصر، ومن ضمنهم بعض المجاهدين الذين فروا بعد اشتراكهم في مقاومة الايطاليين، ولم يلبث الجيش أن وصل الى قوة قوامها أربع كتائب قتالية وكتيبة أركان. وكان مستودع السلاح والذخيرة ومعسكر التدريب يقع عند الكيلو تسعة بجوار الأهرام،  استغرقني العمل في الاشراف على تجنيد المتطوعين ومعالجة المشاكل العديدة المتعلقة برفع مستوى القدرة القتالية للجيش الذي كان على أحر من الجمر لخوض المعركة وبعد أول هزيمة لحقت بجيش غراسياني قرب سيدي براني في ديسمبر 1940م وقع في الاسر آلاف الليبيين المجندين بالجيش الايطالي ونقلوا الى معسكرات أسرى الحرب في منطقة قتال السويس؛ فأخذت أتردد على تلك المعسكرات لمحاولة اقناعهم بالانضمام الى القوة العربية الليبية وامتنع أغلب الطرابلسيين خوفاً من تعريض عائلاتهم لانتقام الطليان من جهة ولأنهم من جهة اخرى كانوا سعداء بمجرد الخروج من خضم الحرب، وفي الوقت نفسه كانت وحدات الجيش الليبي الناشئ ترسل الى خطوط القتال أولاً بأول حالما ينتهي تدريبها، ومنها كتيبتان شاركتا في معركة الدفاع عن طبرق عام 1941م)( ).
ووجه الامير ادريس نداءً نقلته أمواج الأثير الى شعبه في ليبيا بين لهم فيه تحالفه مع بريطانيا ضد ايطاليا وحثهم على الجهد والعمل للتخلص من الاستعمار الايطالي البغيض( ).


يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق