139
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثالث
الجمهورية الطرابلسية
ثالثاً: مجلس الجمهورية الشرعي:
وعرفت الهيئة الثالثة باسم (مجلس الجمهورية الشرعي ) وكانت أعماله، وأحكامه القضائية وفقاً لاحكام الفقه الاسلامي، على مذهب الامام مالك، وعرف وتقاليد البلاد، واسندت عضويته الى أربعة من كبار العلماء وهم : الشيخ الزروق بوخريص (من غريان) - الشيخ محمد الإمام (من الزنتان)، الشيخ عمر المساوي (من الزاوية) ، الشيخ مختار الشكشوكي (من مدينة طرابلس)( ).
مؤشرات ودلائل:
كان لاختيار اسم الجمهورية دلالة واضحة على اطلاع الليبيين في ذلك الوقت على أنواع الانظمة السائدة في العالم ومنها النظام الجمهوري، ولإطلاق لفظ الشورى دلالته الخاصة التي توحي بالتأصيل والتمسك بالمصطلح وما يضيفه ذلك المصطلح من أبعاد اسلامية وتاريخية كما تدلنا على معرفة الاجداد لأهمية الشورى وانها من قواعد النظام الاسلامي التي تساهم في إقامة المجتمع المسلم.
قال تعالى : {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون} (سورة الشورى، آية 38). لقد قرنت الآية الكريمة الشورى بين المسلمين بإقامة الصلاة، فدل ذلك على أن حكم الشورى كحكم الصلاة واجبة شرعاً، فكذلك الشورى واجبة شرعاً( ).
إن هذه الاية قد نزلت في سورة سميت سورة الشورى، وهي مكية، ولقد جاءت مؤكدة أن تكون الشورى صفة ملازمة للجماعة الاسلامية، وسلوكاً اجتماعياً لا يغادرهم قبل قيام الدولة الاسلامية وبعد قيامها، فإن كلمة أمرهم من ألفاظ العموم تشمل جميع شؤونهم في الحياة العامة ، والمشتركة( ).
كما أن اعتماد طريقة الترشيح والانتخاب كوسيلة مثلى لتولي المسؤولية والوصول الى المناصب السياسية الهامة في الدولة اشارة ودلالة على اهتمام الأجداد بهذا المبدأ رغم أن الفترة كانت فترة جهاد وحرب ، واستنفار.
كما أن اختيار المسجد (جامع المجابرة) للاجتماع وإجراءات الترشيح، والانتخابات والاتفاق على إقامة الجمهورية والتعهد بإقامة العدل، يؤكد على أن نظرة المجاهدين للجامع لا تقتصر على اعتباره مكاناً للعبادة فقط، وإنما هو محلاً للعمل السياسي، والنشاط الاجتماعي ، والحكم القضائي، كانت مساجد بلادنا عامرة بالنشاطات الشاملة، ونرجو من الله تعالى أن يوفق المسلمين للعمل الدؤوب حتى ترجع المساجد شعلة نور، ومحضن تربية، ومنبراً للدعوة الى الله.
ان المساجد في بلادنا اصبحت في احسن احوالها مقتصرة على اداء الصلوات فيها وجردت من مهامها الاخرى.
إن ماقام به الاجداد من التقاء واجتماع في مسجد المجابرة في مسلاته دليلاً على معرفتهم لوظائف المسجد في الأمة.
لقد كان المسجد في عهد رسول الله ? مكان الاجتماع العام الذي كانت جلسات الشورى تعقد فيه، وكان يتم توزيع العطايا، كما كانت التبرعات تجمع للمحتاجين....الخ.
ومن الأدلة على ذلك:
استشارة النبي ? اصحابه رضي الله عنهم في غزو احد، فقد استشارهم في المسجد بعد صلاة الجمعة، وكان رايه ? أن يبقى المسلمون متحصنين داخل المدينة، لكن الأغلبية من الشباب كانت تفضل ملاقاة المشركين خارج المدينة حتى لايفوتهم اجر الشهادة في سبيل الله الذي فاتهم يوم بدر، وقد فضل النبي ? النزول لرغبتهم اخيراً، فخرج لملاقاة المشركين خارج المدينة( ).
إن الأدلة في هذا المعنى كثيرة ومن أراد التوسع فعليه مراجعة كتاب الدكتور محمد احمد كيف نعيد للمسجد مكانته.
كما أن تشكيل المجلس الشرعي للنظر في قضايا الجمهورية الوليدة، والمخالفات والجنايات بين المواطنين، وتحديد العلماء الذين يشرفون على هذه المهمة لدلالة قاطعة على احترام الاجداد للعلماء والفقهاء، وعلى حرصهم على جعل الشريعة الاسلامية هي الدستور للجمهورية مما يؤكد على اجتهاد الليبيين الأصيل وعدم نجاح الغزو الفكري في ذلك الوقت في التأثير على اختيارات المواطنين النابعة من عقيدتهم ودينهم وتراثهم الاسلامي العظيم.
إن من أخطر عوائق النهوض بالامم غياب القيادة الربانية وذلك أن قادة الأمة عصب حياتها، وبمنزلة الرأس من جسدها، فإذا صلح القادة صلحت الأمة، وإذا فسد القادة صار هذا الفساد الى الأمة، ولقد فطن أعداء الاسلام لأهمية القيادة في حياة الأمة الاسلامية، ولذلك حرصوا كل الحرص على ألا يمكنوا القيادات الربانية من امتلاك نواصي الأمور، وأزمة الحكم في الأمة الاسلامية ففي خطة لويس التاسع أوصى بـ (عدم تمكين البلاد الاسلامية والعربية من أن يقوم بها حاكم صالح) كما أوصى بـ (العمل على إفساد أنظمة الحكم في البلاد الاسلامية بالرشوة ، والفساد، والنساء ، حتى تنفصل القاعدة عن القمة)( ).
إن العمل السياسي عندما يكون خالياً من العلماء الربانيين لاتتحقق ثماره المرجوة، إن العلماء الربانيين هم الذين جعل الله عز وجل عماد الناس عليهم في الفقه ، والعلم وأمور الدين والدنيا والعلماء وهم : أئمة الدين ، ونالوا هذه المنزلة العظيمة بالاجتهاد، والصبر، واليقين {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} (سورة السجدة، آية 24).
إن العمل السياسي في بلادنا خالياً من العلماء الربانيين وكأن العالم الرباني والعمل السياسي طرفي نقيض وهذا فهم خاطئ، بل تاريخ الأمة في صراعها بين الحق والباطل، والهدى والظلال، والنور ، والظلام، لخير دليل على دور العلماء الربانيين في حركة النهوض.
ولابد من التفريق بين العلماء، والمفكرين، والمثقفين، إن مفكري الأمة لهم مكانتهم ، وقد نفع الله بهم نفعاً كبيراً، ولكنهم مع ذلك لن يغنوا عن العلماء شيئاً إلا في حدود علمهم، وقدراتهم كما أن المثقفين وهم ، فئة من الأخيار الصالحين، ذوي تخصصات علمية برزوا فيها، سواء في العلوم التجريبية مثل، الطب والهندسة والكيمياء او في العلوم المسماة بـ(العلوم الانسانية) مثل علم النفس وعلم التربية وعلم الاجتماع، فهؤلاء وإن حمد لهم تخصصهم في مثل هذه العلوم فصاروا مرجعاً فيها، فإنهم غير مختصين في العلوم الشرعية، وهم في الاصطلاح العلمي الشرعي جمهور المسلمين، وعوامهم الذين يجب عليهم أن يكونوا وراء العلماء، ويجب عليهم أن يرجعوا للعلماء في أمور الشريعة ، ويكونوا عوناً لهم في شرح واقع تخصصاتهم، فالطبيب يشرح الأمور الطبية، والاقتصادي يشرح الجوانب الاقتصادية العصرية ، وهكذا ليفهم العلماء والفقهاء الأمور على حقيقتها، ويستخرجوا الحكم الشرعي وفق دراسة واعية ومتفتحة، إن كلام (المفكرين) والمثقفين يجب أن يكون محكوماً بالشرع، وأما إذا بنى هؤلاء المثقفون والمفكرون كلامهم في أمور الشريعة، وأحوال الأمة العامة على اساس من العقول والأهواء، وإطلاق القول بالمصالح دون نظر في كتاب الله، وسنة رسوله ? ، وأقول العلماء الراسخين، فإنهم بذلك يكونون أشبه بأهل الكلام( ).
ولابد من التفريق بين القارئ للعلوم الشرعية والفقيه فيها:
إن القارئ لديه نتف وجزيئات أمسك بها من خلال قراءته لبعض الكتب، واطلاعه على أقوال أهل العلم فهو لم يعان العلم، ولم يشافه العلماء، ولم يزاحمهم بالركب في الحلق.
أما العالم الفقيه فليس كأولئك بل هو ذو فهم شمولي عام للاسلام ، واطلاع على مجمل الأحكام الشرعية، فهو لم يقرأ نتفاً، بل درس العلوم الشرعية دراسة شاملة عامة. فمر على مسائل العلم واستطاع تخريجها على أصولها، وأصبحت لديه ملكة فهم النصوص، وعرف مقاصد الشريعة، وأهدافها العامة.
إن علمه لم يأته من قراءة ليلة بل من سهر الليالي ومعاناة الأيام، فشأن العلماء أنهم لايقفون عند حد في التعلم، بل هم دائمو الطلب ، دائبو التعلم( ).
ولابد من التفريق بين العلماء والخطباء والوعاظ إن العالم قد يكون بطبعه قليل الكلام غير قادر على الخطابة، وقد يكون من العوام من هو بليغ اللسان يقلب الألفاظ كيف يشاء.
هذا التفريق مهم جداً في مابين العلماء الراسخين وممن يشتبه بهم، ولذلك لابد أن يقود العمل الاسلامي القادة الربانيون وعلى رأسهم العلماء الراسخون.
إن الشريعة الاسلامية أعطت اعتباراً للعلماء، وبنته على أمرين مهمين:
1- طاعتهم طاعة لله -عز وجل- ولرسوله ?، فالتزام أمرهم واجب.
2- أن طاعتهم ليست مقصودة لذاتها، بل هي تابعة لطاعة الله ورسوله ?.
والادلة على هذه المنزلة، وهذا الاعتبار للعلماء في الشريعة غير منحصرة ، فمنها:
قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} (سورة النساء، آية : 59).
وقد اختلف المفسرون في أولي الأمر منهم على أقوال:
فقيل هم السلاطين وذوو القدرة.
وقيل : هم أهل العلم.
يقول الامام ابن القيم الجوزية -رحمه الله- : (والتحقيق أن الأمراء إنما يطاعون إذا أمروا بمقتضى العلم، فطاعتهم تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول ? فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، فإن الطاعة إنما تكون في المعروف وما أوجبه العلم، فكما أن طاعة العلماء تبع لطاعة الرسول ?، فطاعة الأمراء تبع لطاعة العلماء، ولما كان قيام الاسلام بطائفتي العلماء والأمراء، وكان الناس لهم تبعاً، كان صلاح العالم بصلاح هاتين الطائفتين ، وفساده بفسادهما)( ).
إن وضع الثقة في العلماء الربانيين لخطوه مباركة في ترشيد الأمة التي تسعى نحو تحكيم شرع الله والتمكين لدينه.
إن القيادة الربانية ، والتي على رأسها العلماء الذين وصلوا الى درجة النظر في فقه الاسلام من كتاب الله وسنة رسوله ? ، هم الذين يجب أن يقودوا الأمة نحو مرضات الله.
إن أعداءنا من اليهود ، والنصارى، والملاحدة والعلمانيين، أيقنوا أن من أسباب قوة المسلمين التفافهم حول علمائهم وقادتهم، ولذلك شنوا هجوماً عنيفاً من أجل زعزعة ثقة الامة في علمائها وقادتها واستعملوا اساليب متنوعة للتشويه والطعن فيهم؛ لأن العلماء هم الوصلة الحقيقية بين الأمة ، وقرآنها، وسنة نبيها ?.
وقد لاحظ الاستعمار الأوروبي الحديث ذلك، وما الثورات التي فجرت الاستعمار إلا بقيادة العلماء، والقادة الربانيين، من المغرب الى المشرق، وفي كل ديار المسلمين ولذلك قام اليهود ، والنصارى، والملاحدة بتشويه صورة القادة والعلماء بواسطة المسرح، والتلفاز، والمجلة، الجريدة، والنوادي، والغناء، وكل وسائل الاعلام، وإذا أردت أن تعرف هجومهم الاعلامي ابتداء من العقود الماضية، فلتراجع كتاب المشايخ والاستعمار للاستاذ حسني عثمان، فإنه أجاد.
إن القيادة الحكيمة وهي تسعى لتحكيم شرع الله تعالى، وإقامة دولة الاسلام توقن إقاناً جازماً أن المجتمع لن يكون اسلامياً بجرة قلم ، أو بقرار يصدر من ملك ، أو رئيس، أو مجلس قيادة، أو برلمان إنما يتحقق ذلك بطريق التدرج، والاعداد ، والتهيئة الفكرية، والنفسية، والاخلاقية، والاجتماعية ، وإقامة البدائل الاسلامية للأوضاع الجاهلية التي تأسست عليها مؤسسات عدة لأزمنة مديدة.
فهي تعين الهدف، وتوضع الخطة، وتحدد المراحل بوعي وصدق، بحيث تنتقل من مرحلة الى مرحلة بتخطيط، وتنظيم، وإرادة قوية، معتمدة على الله تعالى حتى تصل المسيرة الى مرحلة النهوض الشامل لدولة الاسلام المنشودة.
إن القيادة الربانية الحكيمة والتي تسعى لتحكيم شرع الله تعطي للعلوم بأنواعها أهمية، وخصوصاً في علوم الشرع ، وتركز عل علم المقاصد، وفقه الموازنات، وفقه الخلاف وفقه الأولويات، وفقه السنن الربانية، لأهميتها في زماننا هذا، بل هي من أفضل العدة بعد تقوى الله تعالى للعاملين من أجل تحكمي شرع الله( ).
إن القيادة الربانية الحكيمة هي التي تفجر طاقات الأمة ، وهي التي تحتضن الاسلام وتنتهجه قلباً وقالباً، عقيدة وشريعة ، وديناً ودولة، وهي التي تصبح وتمسي وهماها عقيدتها وأمتها، وهي التي تسعى بكل ماتملك لحل المشاكل التي تواجهها، وتعمل بكل جهد، وإخلاص للقضاء على عوائق النهوض الداخلية والخارجية.
إن العمل لبناء الأمة، وأحياء الشعوب يحتاج لمعرفة بالسياسة الشرعية، وأمور الجهاد، والهدنة، والمصالح والمفاسد، وغير ذلك من الاحكام التي تتناول مظاهر الحياة، وهذه العلوم من لها إن لم يكن العلماء الربانيون لها.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق