137
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثالث
الجمهورية الطرابلسية
إن تاريخ الجهاد الليبي ملئ بالمحطات المهمة التي ينبغي الوقوف عندها درساً للوقائع واستجلاء للحقائق واستفادة من العبر قال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} (سورة ق، آية: 37).
لقد كان إعلان الجمهورية الطرابلسية محاولة مبكرة لإقامة دولة مستقلة لها دستورها، ومؤسساتها، وهياكلها، وبذلك أصبحت لهذه الحادثة سبقاً تاريخياً في عالمنا الإسلامي والعربي، ولذلك لابد من تسليط الأضواء عليها والتعريف بها، ونستطيع القول إن بداية الفكرة ظهرت مع ظهور ورجوع سليمان الباروني في ساحة الجهاد الليبي مرسلاً من قبل الخلافة العثمانية التي خولته الولاية على طرابلس والقيادة، ونقصد بظهوره بعد غيابه المفاجئ من ساحة الجهاد وذهابه إلى الأستانة عاصمة دار الخلافة، حيث نزل عن طريق غواصة ألمانية بقصر (حمد) بمصراته في 16 أبريل 1916م( ). كان رجوع سليمان الباروني بعد أن مهد الأتراك لهذا الإلحاق فاستصدروا (فرماناً) مرسوماً سلطانياً من جلالة السلطان بإلحاق طرابلس بتركية.
وقد جاء هذا القرار في وقت كان الطرابلسيون محتاجين فيه إلى المساعدة، ففرحوا به، وكانت سياسة الترك والألمان تستهدف لإذكاء نار الثورة في طرابلس واستئنافها في برقة إن أمكن من طريق وجودهم في طرابلس من شغل أكبر عدد ممكن من الجيوش الإنجليزية والإيطالية( ).
وقام الشيخ سليمان الباروني بمجموعة من الإجراءات الإدارية والمالية للإشراف على قيادة وتنظيم المجاهدين لمواجهة تحركات الجيوش الإيطالية وفي إطار التنظيمات الإدارية للولاية قام بتشكيل المجلس العرفي الشرعي- وكان يتكون من مجموعة من العلماء ليتمكنوا من حل القضايا الجنائية والشرعية المعلقة بسبب الحرب، وقد ضم ذلك المجلس كلاً من:
1- الشيخ عمر المنصوري مفتياً للولاية.
2- الشيخ علي الهمالي قاضياً لمصراته.
3- الشيخ محمد سعيد المسعودي قاضياً للجبل.
4- الشيخ الزروق أبو رخيص قاضياً للمنطقة الغربية.
5- الشيخ الشكشوكي قاضياً للنواحي الأربعة.
6- الشيخ عبدالرحمن زبيدة قاضياً لورفلة( ).
وفي تلك المرحلة كانت الأوضاع العسكرية تميل إلى صالح المجاهدين، فقد تصاعدت حركة الجهاد ضد إيطاليا، وقام سليمان الباروني بالإتصال بقادة البلاد، وزعمائها وعمل على نبذ الخلاف، وتوحيد الصف ويحفظ لنا التاريخ بعض الرسائل التي أرسلها سليمان الباروني من مصراته إلى الأعيان والمشايخ يخبرهم فيها بقدومه ومن هؤلاء المشايخ الشيخ سوف رئيس المجاهدين في العزيزية: ( انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: عدنا ولله الحمد - والعود أحمد - إلى وطننا العزيز من دار الخلافة العظمى تحملنا عفاريت البحر السابحة فوق جبال الأمواج تارة، وتحت عمق خمسين ذراعاً في لجج اليمّ أحياناً إلى أن قال: عدنا ولله الحمد، ومعنا كل مايلزم، واستقبلنا أهل مصراته الكرام بكل سرور وابتهاج، هذا وقد تفضل أمير المؤمنين أيده الله - فأمر حكومته بإلحاق طرابلس الغرب بلادنا بالولايات العثمانية، واقتضت إرادته السنية إرسالي لأجل إجراء الترتيبات اللازمة ملكية وعسكرية وتعهد أن يوالي المدد إلى النهاية كما تطلعون على ذلك في منشوره العالي الشأن.
وسنعرفكم من مركز مسلاته بعد المذاكرة مع البطل الغيور رمضان بك ومن معه من الأبطال عن المكان واليوم الذي يصير فيه الاجتماع العمومي إن شاء الله، فانتظروا جوابنا والسلام الأسنى على العلماء الأفاضل والمشايخ ورجالكم الكرام( ).
19 ذي الحجة سنة 1334هـ
من أخيكم سليمان الباروني
وقبل سفره إلى مسلاته أرسل كتاباً إلى محمد إدريس السنوسي يطلب منه الإنسحاب من سرت قطعاً للفتنة والنزاع. وهذا نصه بعد الديباجة:
هذا وقد وصلت مصراته مرسلاً من لدن حكومتنا السنية بطلب من الأهالي بعنوان والي قومندان طرابلس. ولدى وصولي المركز وصل الخبر بأن قوة قدمت من جهة برقة تحت قيادة القائمقام موسى بك واحتلت قصر سرت بعد أن بارحتها قوة الزاندرمة التي هناك من طرف رمضان بك السويحلي باسم الدولة العثمانية، فبادرت بإرسال جواب إلى موسى بك والشيخ صالح الأطيوش لأنه بلغني أنه مع القوة المذكورة، فجاء الجواب من الشيخ صالح مبيناً فيه أنه ماقدم إلا بأمر من سيادتكم ومن نوري باشا بعنوان (متصرف سرت) فتأسفت لأنه كان أول أمر أصدرته متعلقاً بتجهيز قوة لمقابلة تلك القوة المنسوبة إليكم إلا أنني أمرت قومندان القوة أن يتحاشى - ما أمكن - الدخول فيما يكدر الخواطر بين بني وطن واحد ودين واحد رجاء أن تتخلى القوة مختارة عن القصر بعد أن يبلغها المنشور السلطاني الذي أرسلناه إليكم.
بناء عليه أرجو المبادرة إلى تسوية هذه المسألة إن كان أمر حركتها صادراً منكم( ).
27-28 ذي الحجة سنة 1334هـ.
فرد عليه السيد محمد أدريس برسالة قال فيها:
(... وذكرتم نزول عساكرنا بسرت فصحيح ذلك قبل قدومكم، اذا كانت الفتن مشتعلة بين السويحلي وترهونة، فأجبرنا الحال على ان نطفأها بأي كان ، قال تعالى : {وإن طائفتان} وذكر الآية، فأرسلنا الجيش ونزل بسرت من دون اذن أحد .. وها نحن امرناهم بأن يقفوا بالقصر .
ونحن لاغرض لنا الا اتحاد الإسلام وتخليص رقاب المسلمين فقط، كما اننا نأمل من جانبكم معاونتنا على اطفاء الفتن .. ونحن وأنتم لا فرق بيننا، كلنا قصدنا شريف ومحارب تحت الراية الاسلامية العثمانية( ).
8 محرم سنة 1335هـ
محمد ادريس بن السيد المهدي
كانت تركيا حريصة على دعم ثورة ليبيا في تلك الايام ولذلك ارسلت الامير عثمان فؤاد قائداً عاماً بدل الباروني في مارس 1918م وكان في صحبته البارون فريد فون توندروف الالماني الذي جاء معه فريق فني لتسيير التلغراف اللاسلكي، وكان الأمير عثمان يحمل لقب (القائد الأعلى للقوات الافريقية)( ).
جاء الأمير عثمان فؤاد إلى مصراته في مارس سنة 1918م لتنفيذ سياسة متفق عليها بين الترك والألمان لتغذية الثورة في طرابلس ضد الطليان، حتى إذا ماوافقوا حاولوا أن تمتد الثورة إلى برقة للإغارة على الإنجليز في مصر مرة ثانية.
وكان مما تنطوي عليه هذه السياسة إحياء فكرة جمهورية شمال إفريقية التي قامت من أجلها ثورة الحامة بتونس عام 1915م، وقد وجدوا من نشاط الطرابلسيين ما شجعهم على المضي في العمل من أجلها.
كان الاستعمار الفرنساوي في شمال إفريقية مضرب المثل في الاستبداد بالمسلمين والإساءة إليهم، وكان الأحرار من التونسيين، والجزائريين والمراكشيين يفكرون دائماً في التخلص من هذا الكابوس الذي جثم على صدورهم وسلب حقوقهم، وقد انتهزوا فرصة نشوب الحرب في عام 1914م فألف جماعة منهم في الأستانة وفداً أخذ يعمل لإنشاء (جمهورية شمال افريقية) ينضوي تحت لوائها من حدود مصر إلى حدود بحر الظلمات، وكان في مقدمة هؤلاء السادة المجاهدين السيد علي باشا حنبه، والشيخ صالح الشريف، والشيخ إسماعيل الصفايجي، وهؤلاء الثلاثة من تونس، ومعهم جماعة من الجزائريين والمراكشيين، وزار الوفد ناظر الخارجية العثمانية، وأبلغه رغبة سكان شمال إفريقية في الاستقلال، وإنشاء جمهورية افريقية متحدة، وطلبوا منه إبلاغ ذلك إلى ألمانيا والنمسا رسمياً، وأن يسمح لهم بالسفر إلى برلين وفيينا لبسط مطالبهم والحصول على الوعود والمساعدات اللازمة.
وعرض اقتراح الوفد على سفير إلمانيا في تركية، فأبلغه بأن حكومته لاتتعهد لأبناء شمال أفريقية بالاستقلال إلا إذا ثاروا على الفرنساويين الذين يحتلون بلادهم، وغادر الوفد الأستانة عقب ذلك إلى برلين وزار وزارة الخارجية الألمانية، وقدم طلباته فقبلتها وسجلتها رسمياً، كما اعترفت بها النمسا وتركية أيضاً، فكان ذلك أول اعتراف دولي بالجمهورية الإفريقية المتحدة في شمال إفريقية. وقصد الوفد بعد ذلك إلى لهاي (مقر المحكمة الدولية)، فسجل هذا الاعتراف في سجلاتها، لأن عصبة الأمم لم تكن أنشئت إذ ذاك.
وتنفيذاً لرغبة الألمان في الثورة على الفرنساويين، ورجاء الوفاء بما وعدوا به الوفد من المساعدة، وإمداد الثورة بما يلزمها من المال وآلات الحرب وإنشاء جمهورية شمال افريقية قامت ثورة الحامة سنة 1915م، فاضطرت فرنسا إلى أن ترسل من جيشها ثلاثين ألفاً لإخماد الثورة. وقد اختيرت الحامة مكاناً للثورة لقربها من الحدود الطرابلسية، وليسهل الإتصال بها والاستناد إليها، وكانت إذ ذاك على أشدها، وقد قام بهذه الثورة الشيخ سعيد دبان من أعيان جنوب تونس وممثله في الجمعية الشورية، فأغار على مراكز الفرنساويين في الحامة، وقد تداركها الفرنساويون بجيوشهم فأخمدوها في مدة خمسة أيام، وأسفرت عن قتل الشيخ سعيد وابنه وخادمه، وجماعة من رجاله، وعن نحو مئة قتيل من الفرنساويين. وانتقم الفرنساويون ممن وقعوا في أيديهم من أنصار الشيخ سعيد بالقتل والشنق والسجن. والتجأ كثير منهم إلى الحدود الطرابلسية، وجاهدوا مع الطرابلسيين، وكانوا يسمونهم المهاجرين وكان كبيرهم الشيخ الوحيشي رحمه الله( ).
إن هذه الثورة، وهذه الدعوة لقيام جمهورية شمال إفريقية تحتاج إلى دراسة واعية، متأنية، عميقة، لعل الأجيال تستلهم دروساً من الماضي وتجعلها نبراساً لها في المستقبل.
كانت الحرب إذ ذاك قائمة في جزيرة العرب بين الإنجليز والعرب من ناحية، وبين الترك من ناحية أخرى، ولم يطل الأمر حتى رجحت كفة الإنجليز على الترك، ثم اشتد الضغط عليهم من الجيوش العربية والإنجليزية في الشام، وتلاحقت عليهم الهزائم، وتحطمت جيوشهم، وضعفت عزائمهم، واضطروا للاستسلام وعقد الترك والحلفاء معاهدة جزيرة (موندروس) في 31 أكتوبر سنة 1918م تعهدت فيها بسحب جيوشها من جميع البلاد ومما جاء في هذه المعاهدة مما يتعلق بطرابلس في المادة 17 (يجب على جميع الضباط الترك في طرابلس الغرب أن يسلموا أنفسهم إلى أقرب مركز إيطالي. ويجب على تركية أن تقطع الأرزاق والمساعدات وكل صلة مع هؤلاء إذا لم يذعنوا ويسلموا).
وجاء في المادة 19 (تسلم جميع الموانئ في طرابلس ومصراته إلى أقرب قائد لجيوش الحلفاء).
وكانت هذه المعاهدة آخر سلاح استعمله الحلفاء لقطع صلة الترك بالعرب، كما كانت آخر عهد العرب بدولة آل عثمان التي تفككت أوصالها، وتراخت بها الحياة، وزال ظلها بعد أن حكمتها 416سنة، من عام 922هـ إلى 1338هـ لم تنقطع صلتها بها. حتى وصلت في آخر عهدها إلى أحط الدركات، وطوى التاريخ صفحاته على مالها وما عليها( ) ولقد تعرضت للدولة العثمانية في كتابي السادس (الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط).
إن لله سبحانه وتعالى سنناً ثابتة في حركة الإنسان في هذا الكون وهذه السنن، كما عرّفنا عليها القرآن الكريم ذات ارتباط وثيق بقضية الإيمان، والكفر والعدل والظلم، وقضايا السلوك الإجتماعي والأخلاقي للمجتمعات البشرية، والذي يحدد لنا اتجاهات السنن الربانية هو القرآن الكريم فهو الذي عرفنا بالخير والشر وبالحق والباطل، والعدل والظلم( )، وقد بين لنا القرآن الكريم أن الحياة الهادئة المباركة الآمنة لاتكون إلا في ظل الإيمان والتقوى والاستقامة على منهج الله تعالى قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (الأعراف:96).
وإن الإعراض عن منهج الله وترك العمل بشريعته يؤدي بالأمة إلى مدارك الهلاك وضنك الحياة المادية منها والنفسية، ويرفع التمكين والنصر، وتنزل الهزيمة والخذلان بسبب المعاصي، والذنوب، والكبائر والابتعاد عن صراط الله المستقيم وحبله المتين.
لقد كان لسقوط تركيا في الحرب العالمية الأولى أثر سيئ على حركة الجهاد بطرابلس، وساهم خبر سقوطها في إخماد جذوة الحماس، وبث في قلوب الطرابلسيين الوهن، وأفزعهم كثيراً على مصيرهم المظلم.
وسرعان ما انتشر خبر هزيمة تركيا في مصراته وامتد منها إلى غيرها، فاضطربت أحوال الناس، وهاجت نفوسهم، وتشوشت أفكارهم.
كان لسقوط تركيا سبب رئيسي في ظهور فكرة الجمهورية الطرابلسية وطرحت على بساط البحث، واشترك فيها رمضان بك، وعزام بك، والباروني باشا، والأمير عثمان، ومختار بك كعبار وانتهت نتائج المباحثات بالموافقة على فكرة تأسيس الجمهورية، وأرسلت الدعوة إلى رؤساء القبائل وزعمائها وشيوخها باسم الأمير عثمان لعقد اجتماع عام في مسلاته لإعلان الجمهورية، وفي يوم السبت الثالث عشر من صفر سنة 1337هـ الموافق 16 من نوفمبر سنة 1918م اجتمعت الوفود الطرابلسية في جامع المجابرة بمسلاته، وهو أكبر جامع فيها، وحضر الامير عثمان فؤاد، وأخبر المؤتمرين أن الاستاذ عبدالرحمن عزام بك سيخطب فيهم بالنيابة عنه، وأنه سيتحدث نيابة عنه وطلب منهم الموافقة على ماسيطلبه منهم.
وخطب الاستاذ عزام خطبة مؤثرة حث فيها الناس على وحدة الصف، ونبذ الخلاف، وعلى العمل الجاد للوصول الى استقلال البلاد، وطرد الغزاة ثم طرح عليهم فكرة انشاء حكومة وطنية تتوحد فيها الكلمة وتتولى امور البلاد، وتنظر في شؤون الامة، فلقت الفكرة استجابة من الجميع، واجماعاً بدون خلاف وسميت الجمهورية الطرابلسية( ). واجريت الانتخابات في الحال لاختيار أعضاء الجمهورية، فأسفرت الانتخابات عن الآتي:
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق