إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 يونيو 2014

127 الحركة السنوسية في ليبيا المقدمة



127


الحركة السنوسية في ليبيا

المقدمة

إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حَق تقاتِهِ ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون} (سورة آل عمران:آية 102).
{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطعِ الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً} (سورة الأحزاب، الآية70).
أما بعد؛
يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى.
هذا الكتاب السابع في سلسلة صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الافريقي يتحدث عن سيرة الزعيمين محمد ادريس السنوسي، وعمر المختار، فالسيد محمد ادريس السنوسي تولى زعامة الحركة السنوسية في ظروف دولية واقليمية ومحلية شديدة الصعوبة واستطاع أن يقود قبائل برقة بحكمة وسياسة وحزم، ودخل في مفاوضات مع بريطانيا وإيطاليا لكي يحقق بعض المصالح لشعبه وبلاده، فيتحدث هذا الكتاب عن تلك المفاوضات بشيء من التفصيل، وعن الاسباب التي جعلته يضطر للمباحثات مع الدولتين البريطانية والايطالية، وعن حكومة برقة التي تزعمها الامير ادريس، وعاصمتها، ومجالسها، والاعمال التي حققتها ، ويتطرق الكتاب للأسباب التي جعلت السنوسيين يصطدمون بالأتراك، ويشير الكتاب الى الأسباب التي جعلت ليبيا في الحرب العالمية الاولى تنقسم الى شطرين شرقي وغربي، ولماذا تحالف الطرابلسيون مع تركيا وألمانيا ضد الحلفاء؟ ولماذا تحالف البرقاويون مع بريطانيا ضد المحور؟ وما أثر ذلك الانقسام الخطير على ليبيا؟ وماموقف الطرابلسيون من الاحداث بعدهزيمة تركيا وألمانيا في الحرب العالمية الاولى؟ وكيف ظهرت الجهورية الطرابلسية الى حيز الوجود؟ ومن هم أصحاب هذه الفكرة؟ وماهي العوامل التي ساعدت على ظهورها؟ وماحقيقة مجالسها الشورية، والشرعية والرئاسية والاستشارية؟ وهل استجابت الدول الكبرى لبلاغاتها؟ وماهو القانون الاساسي الذي اتفق عليه الايطاليون والطرابلسيون؟ وماهو أول حزب سياسي اقامه الطرابلسيون؟ وماهي أول جريدة في طرابلس تؤيد الجمهورية الطرابلسية؟ وماهي قرارات مؤتمر غريان؟ ولماذا كان اجتماع سرت بين زعماء طرابلس وبرقة؟ وماهي القرارات التي توصل إليها المجتمعون؟ ولماذا بايع أهل طرابلس الأمير ادريس السنوسي؟ وهل وافق الأمير على تلك البيعة؟ وماهي الاسباب التي دفعت الامير محمد ادريس لمغادرة البلاد الى مصر؟ ولماذا عاد القتال بين ايطاليا والليبيين؟ وماهي العوامل التي ساعدت إيطاليا على إخماد حركة الجهاد في غرب ليبيا؟
ويتحدث الكتاب عن المقاومة التي قادها احمد السويحلي وسعدون وصفي الدين السنوسي، وبشير السعداوي في غرب ليبيا حتى سكنت حركة الجهاد في غربها واستمرت جذوتها في برقة وكيف قاد كتائب المجاهدين الشيخ الجليل عمر المختار؟
فيترجم الكتاب سيرة الشيخ عمر المختار منذ مولده حتى استشهاده، وعبادته وتلاوته للقرآن الكريم ، وشجاعته وكرمه، ودعوته وجهاده قبل الاحتلال الايطالي، ومعاركه الاولى ضدها، وسفره الى مصر للتنسيق مع الأمير ادريس في أمور البلاد والقبائل واستمرارية الجهاد، ويعيش القارئ الكريم مع عمر المختار في معاركه التي خاضها كمعركة بئر الغبي، وعقيرة الدم، وعن وسائله في تموين المجاهدين، وعن تشكيلاته وخططه وقيادته لحرب العصابات التي أصبحت مَعْلَماً لمن جاء بعده من قيادات حركة التحرير.
ويتحدث الكتاب عن فقد عمر المختار لكبار المجاهدين وآثار ذلك على مشاعره واحاسيسه وموقفه من تلك الصدمات المتكررة، كاستشهاد أخيه في الدين حسين الجويفي البرعصي، وابن اخيه المختار بن محمد وعن حرصه للشهادة وأخلاصه لقضية الجهاد، وعزيمته النافذة، وصبره العظيم، وحكمته في القيادة، وفهمه للأمور ببصيرته النافذة ونظره البعيد.
ويوضح الكتاب حرص إيطاليا في دخول المفاوضات مع عمر المختار لكسب الوقت، وتفريق المجاهدين وكيف كان عمر المختار منتبهاً لأغراضهم الخبيثة؟ فكان في تلك المفاوضات واسع الأفق بعيد النظر، فاتخذ مواقف صحيحة وقوية فرضت الاحترام على اعدائه قبل اصدقائه.
ويبين الكتاب حقيقة الجنرال غراسياني الذي كان عند قومه معظماً ومقدماً والذي اسندت إليه الحكومة الايطالية بزعامة الدوتشي (موسليني) مهمة القضاء المبرم على حركة الجهاد مهما كلف ذلك بكل الطرق وكافة الوسائل، ولذلك أنشأ المحكمة الطائرة التي كانت تحكم على الأهالي بالموت وتصادر الاملاك لأقل شبهة وتمنحها للمرتزقة الفاشيست، فكانت تلك المحاكم تنعقد بصورة سريعة وتصدر احكامها وتنفذ في دقائق بحضور المحكمة نفسها لتتأكد من التنفيذ قبل أن تغادر الموقع الذي انعقدت فيه لتنعقد في نفس اليوم بموقع آخر، وفتحت أبوب السجون في كل مدينة وقرية ببرقة ونصبت أعواد المشانق في كل من العقيلة وإجدابية، وبنغازي، وسلوق ، والمرج، وشحات، ودرنة، وعين الغزالة، وطبرق، ولأتفه شبهة وأقل فرية يصدر حكم الاعدام وينفذ شنقاً أو رمياً بالرصاص، وقام الجنرال غراسياني بعزل الاهالي الخاضعين لهم عن المجاهدين وأدخلهم المعتقلات الرهيبة، فيجد القارئ في هذا الكتاب حقيقة تلك المعتقلات.
وتحدث الكتاب عن عمر المختار كقائد عسكري له القدرة على تغيير خططه وتطوير اساليبه القتالية مع ما يتمشى مع المراحل التي يخوضها حتى أن عدوه غراسياني اعترف بذلك فقال: (بالرغم من أبعاد النواجع والسكان الخاضعين لحكمنا يستمر عمر المختار في المقاومة بشدة ويلاحق قواتنا في كل مكان).
وقال أيضاً: (عمر المختار قبل كل شيء لن يسلم أبداً لان طريقته في القتال ليست كالقادة الآخرين فهو بطل في إفساد الخطط وسرعت التنقل بحيث لايمكن تحديد موقعه لتسديد الضربات له ولجنوده، ... عمر المختار يكافح... الى أبعد حد لدرجة العجز ثم يغير خطته ويسعى دائماً للحصول على أي تقدم مهما كان ضئيلاً بحيث يتمكن من رفع الروح العسكرية مادياً ومعنوياً حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً وهنا يسلم امره لله كمسلم مخلص لدينه).
ويتعرض الكتاب للأسلاك الشائكة التي مدها الايطاليون على طول الحدود الليبية المصرية مايزيد عن 300كم من البحر المتوسط الى مابعد الجغبوب بغية القضاء على حركة الجهاد التي كان يقودها المختار، ويجد القارئ الكريم في هذا الكتاب تفصيلاً دقيقاً موثقاً عن الاعمال الشنيعة القبيحة والمزرية والحاقدة التي قام بها الايطاليون ضد الليبيين عندما احتلوا الكفرة العاصمة السنوسية الشهيرة، وكيف اهتز العالم الاسلامي لتلك الاحداث؟ وكيف كان دور الصحافة الاسلامية؟ ويبين للقارئ الكريم وثائق تاريخية مهمة بقلم شكيب ارسلان ، وجمعية الشبان المسلمين بمصر وقد وقعّ عليها محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار الاسلامية، وتقي الدين الهلالي، الاستاذ الاول للآداب العربية بندوة العلماء بالهند وغيرهم.
ويمضي الكتاب مع عمر المختار حتى الايام الأخيرة من حياته، فيصف اللقاء الشهير الذي تم بين محمد اسد وعمر المختار وكيف وقع المختار في الأسر؟ ويتحدث عن مواقفه في داخل السجن التي تدل على سلامة العقيدة، ورسوخ مفهوم القضاء والقدر في نفس ذلك الشيخ الجليل، وعن عزة الايمان التي كان يتحدث بها في لقائه مع الجنرال غراسياني وأثناء المحكمة وكيف كان يقاد الى المشنقة وهو يتلوا قول الله تعالى: {يأيتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} (سورة الفجر).
إن هذا الكتاب يثبت بالحقائق التاريخية أن حياة عمر المختار مدرسة تستحق الدراسة والبحث في جوانب متعددة في شخصيته العلمية والدعوية والجهادية وصفاته الخلقية الرفيعة.
ويوضح الكتاب أحوال ليبيا بعد استشهاد عمر المختار، وعن مصير حركة الجهاد التي قادها يوسف بورحيل والمجاهدين، وعن اضطهاد واستعباد الإيطاليين لمسلمي ليبيا بعد القضاء على الحركة.
ويصف الكتاب أحوال المهاجرين الليبيين في مصر والشام وتونس ويدون للأجيال بعض القصائد الرائعة التي نظمها الأجداد شوقاً وحباً لديارهم كالتي قالها الأستاذ بشير  السعداوي رحمه الله:
قالوا تحن إلى البلاد وأهلها
            فأجبتهم هي بغيتي ومرادي
تالله لم أشغف بغير طلالها
            ولامنيتي مالت لغير بلادي
في حب هاتيك الديار وأهلها
            ذابت حشاشة مهجتي وفؤادي
بالله يا ريح الصبا ونسيمه
            إن زرت يوماً منزلاً لسعادي
أبسط لها شوقي وفرط صبابتي
            وأهدي تحياتي لها وودادي
وأخفض جناح الذل عني وقل لها
            أسرفت في هجري وفي ابعادي

حر النوى أوها فؤادي وإنني
            متهك متمزق الأكبادي
مذ غردت بالبين اغربة النوى
            من بيننا ماذاقت طعم رقادي
أمسى سميري في الدجى بدر السما
            والبدر جسم لايجيب منادي
فلطالما ناديت في غسق الدجى
            حبي فتذهب صيحتي في وادي
لهفي على تلك الديار وأهلها
            قوم لهم في المكرمات اياد
لازلت أصبو بحبهم وودادهم
            رغما على أنف الزمان العادي
ويبين الكتاب جهود المهاجرين في ديار المهجر حتى ضاقت بهم إيطاليا ويجد القارئ وثيقة تاريخية مهمة قامت بإعدادها الجمعية الطرابلسية البرقاوية وقدمتها كورقة عمل للمؤتمر الإسلامي في القدس عام 1931م.
ويقف الباحث عند الحرب العالمية الثانية ويتحدث عن كونها آية من آيات الله في تصريف أمر الدول والشعوب والأمم وفق سننه وقوانينه في المجتمعات البشرية ومن السنن التي وقف عندها الكاتب، أنه عندما تتجبر أمة من الأمم وتعلو في الأرض ويصيبها البطر والكبرياء يهيأ الله لها أسباب الانهيار والزوال، كما يكون الزوال والانهيار بفشو الظلم، وعدم إقامة العدل.
ويتحدث الكتاب عن الأمير ادريس في مصر وعن دوره في جمع زعماء ليبيا والتشاور معهم ودراسة احتمالات الموقف ووضع الخطط التي يجب أن يسيروا عليها، وعن جهوده العظيمة في تكوين الجيش السنوسي الذي كان له أثر فعّال في الحرب العالمية الثانية في شرق ليبيا، وكيف ساهم ذلك الجيش في إخراج الطليان من بلادنا؟ ويتكلم الكاتب عن اعتراض الليبيين عن موقف الدول الكبرى وخصوصاً بريطانيا من قضيتهم العادلة بعد الحرب العالمية الثانية ويأتي بوثيقة تاريخية كتبها عمر فائق شنيب عام 1945م وكان عنوان المقالة (ليبيا مهد البطولة) وجاء فيها ... وبصفتي أحد قادة الحركة الوطنية وعضو الجمعية الوطنية التي ارتبطت مع بريطانيا يوم 9 أغسطس 1940م اصرح بأن الوضع الحالي في ليبيا شاذ لايتناسب في شيء مع العدل والإنصاف ولا مع وعود الحلفاء بأي وجه كان، بل أن مايعانيه الشعب الليبي اليوم لايختلف عن الاستعمار البغيض وأن الشعب الليبي يتطلب إقامة حكومة وطنية شرعية تحت إدارة أميره المطاع (إدريس السنوسي) بأسرع مايمكن ليحقق لها اختيار الجهة التي ترغب في الارتباط معها. أقول هذا لدول الحلفاء عامة ولدول بريطانيا العظمى خاصة قبل أن يعم الاستياء الذي أخذ يتسرب إلى النفوس وتتبدل وجهات النظر من الاخلاص والمحبة والتعاون النزيه إلى المقت والبغض والمشاكسة ويطغى اليأس فتنعكس الآية ولاينفع الندم، وإن ليبيا رغم قلة عددها وفقدان عدادها ومعرفتها بأنها لاتقوى على مقاومة الدول العظمى مع أنها جربت في حرب إيطاليا تفضل أن تضرب يومياً بألف بل بمليون قنبلة ذرية حتى ينقطع فيها النسل والذرية على أن يطأ أرضها إيطالي أو أن تمس كرامتها أو ينتقص شيء من حريتها واستقلالها وحقها في الحياة أو يقرر مصيرها الغير بدون ارادتها وهي علمت الشعوب معنى التضحية في سبيل الحرية والاستقلال من سنة 1911م إلى يومنا هذا والتاريخ شاهد عدل ...).
ويتحدث الكتاب عن الجمعيات التي أسست خارج ليبيا، وعن حل الأحزاب وانشاء المؤتمر الوطني في برقة واضطراب الأحزاب في طرابلس، ويأتي بنص قرار الأمم المتحدة بشأن ليبيا، وبأسماء اللجنة التحضيرية المختصة بالإعداد للجمعية الوطنية، وبأسماء الجمعية الوطنية التأسيسية والتي عرفت بلجنة الستين، ويجد القارئ نص مبايعة الجمعية الوطنية التأسيسية للأمير ادريس السنوسي ملكاً دستورياً للمملكة الليبية المتحدة عام 1950م، ونص الخطاب التاريخي الذي ألقاه الملك بمناسبة اعلان استقلال ليبيا يوم 24 ديسمبر  1951م، وقصيدة الاستقلال للشاعر أحمد رفيق المهدوي، وتعرض الكاتب في هذا الكتاب لإهتمامات الملك، فتحدث عن اهتمامه بالدين والعلم والأخلاق، وحبه للشعب وحب الشعب له، ونصحه لزعماء العرب، وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وعن أدب العبارة في خطاباته وسمو معانيها وتواضعها الجم والدعوة إلى الخير والتقوى، واهتمامه بالثورة الجزائرية، وحديثه عن الوحدة العربية وحالة العرب، وعن مفهوم الأخوة الإسلامية والعروبة عند الملك، وعن نظرته للعمل الإصلاحي، وعن الزعيم الأساسي الذي يؤسس حكومة راسخة البنيان، وعن مكانة الصحافة في زمن الملك، وحرية الكلمة في مجلس النواب وعن استقالته الأولى عام 1965م ونقل الكاتب استقالته الثانية قبل انقلاب عام 1969م والتي جاء فيها (... والذي اختتم به قولي بأن أوصي الجميع من أبناء وطني بتقوى الله في السر والعلن، وإنكم جميعاً في أرغد عيش وأنعم النعم من الله تبارك وتعالى فاحذروا من أن يصدق عليكم قوله تعالى :{وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بانعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} (سورة النحل). فالله الله مما يغضب الله وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ولا تفرقوا، قال ?: (لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم).
وتحدث الباحث عن نزاهة ملك ليبيا وعفته وكيف كان حاله في تركيا عند حدوث الانقلاب وكيف اعتذر للمسؤول المالي المرافق له عن أخذ ماتبقى من المال وقال له: (يابني أنا بالأمس كنت ملك ليبيا، ولكني لم أعد كذلك اليوم، وبالتالي فإن هذا المال لم يعد من حقي، ويجب أن يسلم الى خزينة الشعب).
ويتحدث الكتاب عن أقوال المؤرخين في الملك السابق وعن وفاته بمصر ودفنه بالبقيع بالمدينة المنورة في مايو عام 1983م.
هذا وقد تركت مايتعلق بالمملكة الليبية بسبب قلة المصادر وندرة الوثائق التي بحوزتي واقتصرت الحديث على الملك ادريس كزعيم وقائد وإني أشعر بضعف المادة التي أمامي فيما يتعلق بتلك الاحداث لأن قضايا ذلك العهد على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لملابساتها وآثارها الممتدة الى زمننا الحاضر وخصوصاً وإني قد بحثت في اسباب سقوط المملكة بحثاً دقيقاً وطلبت من رجال عاشوا تلك المرحلة المساهمة في دراسة وتتبع الاسباب التي أدت الى سقوط المملكة الليبية، ولكن التفاعل كان ضعيفاً واعتذر البعض لأسباب أمنية وقد علمت بأن بعض الذين عاصروا تلك الاحداث قد كتبوا مذكرات مهمة في تلك المرحلة وينتظرون الوقت المناسب لنشرها، لذلك رأيت من الحكمة والتعقل التريث حتى يأذن الله في نشرها لأنها سوف تساهم بإذن الله تعالى في توفير معلومات تساعد الباحثين على تقصي الحقائق والوصول الى نتائج صحيحة مبنية على معلومات يقينية، فإن كان للعمر بقية واذن الله في مواصلة هذه الرحلة الطويلة التي بدأتها من الفتح الاسلامي الى هذا الكتاب فإنني بإذن الله تعالى سوف أواصل المسيرة وإلا فأقلام الليبيين لم تجف ولن تجف بإذن الله تعالى في تدوين تاريخها لأن شعبنا ليس بعقيم بل يملك الطاقات الكامنة في كافة مجالات الحياة، السياسية ، والتاريخية والادبية، والتربوية والاقتصادية، وكم أتمنى أن يهيئ الله الأسباب لجمع المادة عن المملكة لأحد من ابناء بلادي فيواصل المسيرة المهمة في بناء الشعوب، فيكون البناء تراكمياً ونكون تابعين لمن سبقنا في الكتابة عن تاريخ بلادنا الحبيبة.
إن فترة المملكة الليبية من عام 1951م الى 1969م غنية بالأحداث على المستوى المحلي والاقليمي والدولي تحتاج الى دراسة واعية وباحث مدقق يتوخى العدل والانصاف ويشمر عن سواعد الجد والاجتهاد ويعتمد على القوي العزيز الوهاب ثم على الوثائق والحجج والبراهين.
هذا واني أشيد بالمجهودات القيمة التي قاما بها كل من الوزرين السابقين؛ مصطفى بن حليم ومحمد بن عثمان الصيد في كتابة مذكراتهم ثم نشرها بغية استفادة الاجيال منها إن الجهود التي قاما بها الوزيران السابقان تستحق الثناء، والتقدير لأنها أصبحت مرجعاً مهماً من مراجع تلك المرحلة وتعتبر من المبادرات الرائعة والرائدة لأن اصحابها عاشوا تلك الأحداث وساهموا في صناعة بعضها، كما أنهم حطموا جدار الصمت، وكتبوا تاريخهم السياسي الذي في حقيقته اصبح ملكاً للأجيال الصاعدة بغض النظر عن اختلاف الآراء حول تلك المذكرات.
إن الاعتناء بتاريخ بلادنا وبلاد المسلمين تظهر أهميته في هذا العصر الذي استخدم فيه التاريخ كأداة لتوجيه الشعوب وتربيتها كما يريد القادة والساسة، بل استعان بهذا العلم أصحاب المذاهب الفكرية الهدامة في فلسفة مذاهبهم المادية وتدعيمها حتى أصبح هذا العلم عند الأمم المتقدمة في مكانة سامية لا يعلوها علم آخر.
إن دراسة التاريخ بوجه عام، وتاريخ الامة المسلمة على وجه الخصوص لاينبغي في دراسته تحقيق الرغبات والحاجات الدونية، بل من أجل الوصول الى القمة العلية ألا وهي أحياء الامة بكتاب الله وسنة رسوله ? ومعرفة كيفية التعامل مع سنن النهوض والصعود بالشعوب، واجتناب سنن السقوط والهبوط، قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض} (سورة غافر، آية8).
هذا وقد قمت بتقسيم الكتاب الى مقدمة وثلاثة فصول وخلاصة وهي كالآتي:
المقدمة
الفصل الاول: محمد ادريس ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الاول: اسمه ونسبه وولادته وشيوخه وحجه.
المبحث الثاني: موقف الاسلام من المعاهدات مع العدو.
المبحث الثالث: الجمهورية الطرابلسية.
الفصل الثاني: عمر المختار -رحمه الله- نشأته واعماله واستشهاده ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الاول: نشأته وأعماله.
المبحث الثاني: استمرار العمليات والدخول في المفاوضة.
المبحث الثالث: الايام الأخيرة من حياته ووقوعه في الاسر ثم أعدامه.
الفصل الثالث: الليبيون بين المهجر والاستقلال ويشتمل على خمسة مباحث:
المبحث الاول: الليبيون في المهجر.
المبحث الثاني: الحرب العالمية الثانية.
المبحث الثالث: قرار الامم المتحدة بشأن ليبيا.
المبحث الرابع: الملك ادريس -رحمه الله- وشيء من سيرته.
المبحث الخامس: نظرة في كتاب الملك ادريس في اتحاد العرب وائتلاف الموحدين وبعض المقابلات الصحفية .
هذا وقد انتهيت من كتابة هذه السلسلة التاريخية يوم الثلاثاء 1 ربيع الاول 1420هـ الموافق 15 يونيو 1999م والفضل لله من قبل ومن بعد وأسأله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولاً حسناً وأن يكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قال تعالى:{مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم}(سورة فاطر، آية2).
وبهذا الكتاب أضع سلسلة صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الافريقي بين يدي قارئها، ولا أدعي الكمال فيها قال الناظم :
وما بها من خطأ ومن خلل
            أذنت في إصلاحه لمن فعــل
لكن بشرط العلم والانصاف
            فذا وذا من أجمل الأوصاف
والله يهدي سبل الســـــلام
            سبحانه بحبله اعتصامـــــــي
فلله الحمد على مامنّ به عليّ أولاً وآخراً، واسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل هذه السلسلة التاريخية لوجهه خالصة، ولعباده نافعة، وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكافة مايملكون من أجل إتمام هذا الجهد المتواضع، ونرجو من القارئ الكريم أن لاينسى العبد الفقير الى عفو ربه ومغفرته ورحمته ورضوانه في صالح دعائه.
{سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين}
((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين)).
                    الفقير الى عفو ربه ومغفرته
                       علي محمد محمد الصّلابي



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق