إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 4 يونيو 2014

96 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الرابع الجهاد في برقة أولاً : القائد التركي أنور باشا:


96

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الرابع

الجهاد في برقة

أولاً : القائد التركي أنور باشا:

أرسلت تركيا أنور بك (باشا بعد) قائداً عاماً، ببرقة ، فوصل إليها من تركيا عن طريق مصر، ونزل بمنطقة درنة، فاتخذ منها مركزاً لقيادته، واتصل برؤساء الزوايا، وزعماء القبائل، وشرع في ترتيب المعسكرات إدارياً، وعسكرياً، تحت اشراف قادة المناطق، ومجالس من شيوخ الحركة السنوسية، وشيوخ القبائل الليبية، ووزعت القبائل نفسها على معسكرات الجهاد، وتكفلت كل قبيلة بالمؤن والخيل والسلاح، والرجال ، ويتناوب رجال كل قبيلة على المعسكرات بين كل خمسة أشهر أو ستة أشهر ونزل احمد الشريف الى الجغبوب مواصلاً دعمه الكبير لحركة الجهاد بكل مايستطيع. يقول أمين سعيد في كتابه الاستعمار الفرنسي والايطالي في بلاد العرب تحت عنوان السنوسيون في الميدان: (وأسرع السنوسيون في مقاطعة برقة عاصمتهم وسكانها من أتباعهم ومريديهم لتأييد الدولة وشد أزرها، يتقدمهم شيخهم الأكبر السيد أحمد الشريف وجاء شيوخ الزوايا للجهاد يقودون رجالهم فأبلوا البلاء الحسن في الكر والفر، وجددوا عهد المفاخر العربية، وأدهشوا العالم بما أبدوه من بسالة وشجاعة ... فقد اصلى السنوسيون نار هذه الحرب في برقة من الأول الى الآخر فكانوا رجالها وقوادها وكانوا آخر من جلا بعد أن فقدوا الجانب الأكبر من أقطابهم وشيوخهم)( ).

ومع مجيئ انور باشا لقيادة عمليات المجاهدين ضد ايطاليا في شرق ليبيا أصبحت الجبهة الشرقية، البرقاوية تشن هجومات مكثفة على الايطاليين ، وكان علاقة احمد الشريف بأنور بك علاقة قوية ومحترمة وكانت الرسائل لا تنقطع بينهما، ففي شهر ابريل سنة 1912م بعث احمد الشريف برسالة الى أنور بك، يظهر فيها تأييده للدولة العثمانية ، ويشكر أنور كثيراً لجهاده وقتاله للطليان ويعد بالنصر المبين من عند الله تعالى( ) ويذكر أنور بك في مذكراته أن رسالة وصلته في أوائل شهر يوليو من السيد أحمد الشريف يشكره فيها على جهوده وجهاده، ويحثه على المزيد، ويدعو الله لنصرة الاسلام وقهر أعدائه الايطاليين( )، لقد بذل أنور باشا مجهوداً عسكرياً، وأخلص في حربه ضد إيطاليا وأحبه الشعب الليبي لنشاطه، وشجاعته النادرة، فكان محل تقدير الشيوخ وأعجابهم، وأحب أنور باشا المجاهدين الليبيين وأظهر أعجاباً بهم في مذكراته حيث يقول: (القبائل العربية ترسل لي مقاتليها ، ويأتون على شكل جماعات صغيرة، كل واحد يحمل سلاحاً قديماً على كتفه، رابطاً رصاصاته في حزامه وفي يديه بضع كيلوات من الدقيق، وبين القادمين مسنون بيض اللحى، وصبيان لم يبلغوا سن الخامسة عشرة. ان أعمارهم لاتمنعهم من مواجهة الموت مع رفاقهم جنباً الى جنب، لهم ايمان راسخ بأن أقدارهم مرسومة بارادة الله، فمهما يكن لن تتغير ، فاذا حان الاجل لن يتخلص منه أي مخلوق. ولهم قول مأثور رائع:
(إذا أراد الرب فلا مناص من الشهادة؛ فالشجاع يموت مرة واحدة، أما الجبان فيموت كل يوم مائة مرة)( ).

ويتحدث عن تشكيلات المجاهدين ودور المرأة في الجهاد فيقول: (.....وعلى الاغلب يكون هناك جمل واحد من نصيب كل عشرة مقاتلين، وعليه يحملون الخيمة التي يشتركون فيها، وترافقهم امرأتان من العشيرة تعملان على أعداد الخبز وخياطة الملابس، وتنظيف السلاح)( )، ويتحدث عن اشتباك وقع بينهم وبين الايطاليين استمر لمدة تسع ساعات، حقق المجاهدون فيه نصراً عظيماً وكان من بين الجرحى مجاهدة اصيبت بقذيفة في صدرها رغم ذلك رفضت البقاء بالمستشفى وعادت الى الجبهة لتلهب معنويات المجاهدين( ).

ولقد تأثر أنور باشا بالمجاهدين وقال عنهم: مثال رائع وفريد للتفاني بدون قيد أو شرط( ). وقال : تلاشت ذكرياتي عن حياتي الماضية، وأصبحت في طي النسيان، وأشعر كأنني لم أعاشر احداً غير العرب، ولم أشاهد، مكاناً غير الصحراء، رغم مااقضيه من ايام محرومة من كل شيء فإن هذه الحياة تولد لدي احاسيس غريبة، هذه الحياة تتخلها حوادث تسعدني كسعادة الطفل في العيد( ).

ولقد اعترف انور باشا بتأثير احمد الشريف على سير الحرب ضد ايطاليا فقال: (.... رسائله تشكل بصورة واضحة اهمية كبيرة بالنسبة لي كرمز للصداقة، ولأنه الشخص الوحيد الذي يتمتع بتأثير سلبي أو ايجابي في هذه الحرب....)( ).

ويتحدث بإعجاب عن شجاعة قبيلة الحسا وموقفها الصلب من الايطاليين فيقول: (استلمت اليوم الانباء الاولية من درنة، خسارة الايطاليين تفوق توقعاتي بلغت (800) قتيل وجريح، عثر الايطاليون على الجرحى الذين تخلينا عنهم والبالغ عددهم (21) ، اكثريتهم من رجال قبيلة الحسا، من ابناء جبل برقة، فقد أرسل الايطاليون رسولاً ليبلغهم : الموافقة على اطلاق سراح الجرحى اذا تخلى ابناء حسا عن الاشتراك في القتال، وكان رد القبيلة كالآتي: إنكم أتيتم لتدمير بلادنا، سنبقى أمناء لاوامر الله والسلطان، اتحدنا لنحاربكم، اعتبرنا الاسرى موتى منذ فترة وبكيناهم، ولكن كل ذلك مضى، وسواء اطلقتم سراحهم أم لا فسنحاربكم حتى آخر رجل، نوصيكم بمعاملة الاسرى بالحسنى ولاتنسو مافي أيدينا من رجالكم.  أشعر بالفخر لكوني قائداً لمثل هؤلاء الرجال، ولأنني أحارب معهم في صف واحد...)( ).

ويتحدث بفخر عن المجاهدين فيقول: (جنودي شجعان مستمرون في تأدية واجباتهم ، هناك عائلة لم يبق من أفرادها غير الأب، قتل أولاده الاحد عشر، وصهره ؛ عندما قدمت له التعازي قال لي: إنني فخور وسعيد؛ لأنهم قتلوا في المعركة من أجل الوطن والدين)( ) لقد تأثر الضباط الاتراك لما رأو من شجاعة اجدادنا ، فهذا الضابط العثماني أمين بك الذي يبلغ من العمر ثلاثاً وعشرين عاماً يتحدث في رسائله الى زوجته عن مارآه في ليبيا نقتطف منها حديثه عن الشيخ لطيف بن طويلة فيقول: كان خطيبا بارعاً ، ومجاهداً قتل أولاده في طبرق وذكر في رسائله بعض خطبه التي كان يلقيها على المجاهدين فبين أن الشيخ أكد بالحاح على ان الحرب ليست سياسية بقدر ماهي دينية، وفي هذه الحرب لاتجابه امم بعضها البعض وإنما هي أديان تجابه أدياناً، وأن العرب يجب ألا يدافعوا عن ارضهم فحسب، وإنما أيضاً عن عقيدتهم وتقاليدهم... وأقسم على القتال حتى لايبقى في ليبيا أي ايطالي أو اوروبي وقال : (ياإلهي اننا نتعرض للغزو من جانب اهل الظلم والبغي فلنشرب كأس الانتقام ببطء حتى نطفئ غليل ظمئنا...)( ) (...أيها المسكين ، أيها المسكين إنه لمن الأفضل لك أن تسكن خيمة ممزقة حيث يسود الايمان من أن تقطن قصراً تحرسه أسلحة الشيطان. إن حيل الشيطان ضعيفة هذا مايعلمنا أياه القرآن الكريم....)( ) (...أنني أريد شهداء وليس جنوداً إن الخطر والموت في انتظارنا ، إنني أريد مذنبين ولا اريد أولياء، فالرجل النقي نقاوة رمل البحر لن يكون محبوباً، وإذا ماكنتم مذنبين فلتذهبوا معي وتقاتلوا ، ولتخلصوا أنفسكم من الذنوب، إننا ثوار ويجب ان نكون كذلك إذا ماقام العدو على العبث بما أوصانا الله به اننا ندين بالولاء لله وليس للدولة، ولاتقعدوا طويلاً مع القاعدين ولتأتوا اليّ إن الله سريع الحساب، واكرر قولي لكم إن عشرة من المؤمنين سيغلبون مائة من الكفار)( ).

وفي رسالة مؤرخة في 22 سبتمبر 1911م يتحدث امين بك عن اخبار طبرق وعن صديقه حبيب الذي اخبره كيف جرى اجتياح المواقع الايطالية وتخريب عدد من الرشاشات، وكيف أن حبيب حمل رشاشاً الى المعسكر العثماني ثم يمضي قائلاً: (ومما يؤسفني ان الشيخ لطيف بن طويلة وثلاثة من أبنائه المتمرسين في حمل السلاح قد لقوا الشهادة على مقربة من طبرق لقد فقدنا فيه واعظاً ميدانياً مامن احد كان يستطيع أن يتقاعس عن الحرب، عندما يسمع كلماته النارية، وحتى أولئك الذين اعيتهم الحرب، واريد ان ابلغك هنا احدى خطبه النارية الأخيرة التي حضرتها متخفياً بالزي العربي، وقد نقلتها بالكتابة المختزلة، وربما (ياغولدانا) نحتاج في يوم من الايام ان نثير حماس ابنائنا بمثل هذه الكلمات...وقد تحدث الشيخ لطيف واعظاً وهو يلبس رداء الخطيب. ولقد كان مثل اسد تلحف بجلد جمل وقال: أيها المقاتلون في سبيل الرحمن الواحد الاحد لاتحتاجون الآن الى السلاح، واذا ما اعتقدتم انكم تحققون الفتح فلتبقوا حيث انتم إن هذه الحرب ليست حربكم واذا ماكنتم تبغون طرد الايطاليين فقط فلتذهبوا الى بيوتكم إنما يتوجب عليكم هو طرد الشيطان ودولته من بلادنا، وأن تعيدوها الى رحمة الواحد القهار... ولكن يجدر بكم ألا تتوقعوا ليالي ملاحاً وأياماً لطيفة، انكم الآن خدم عقيدتنا ، انها نار حامية في النهار، ومسيرات طويلة في الليل، إنه الجوع والعطش، كل هذا ينتظركم ، على أن المجد والشرف ينتظرانكم أيضاً. فلتودعوا خيمتكم، وإذا ماأراد الله فلن ترو ذويكم ثانية، ....ولاتخافوا شيئاً.

إن المعركة حسب مشيئة الله ، انها ستغسل ذنوبكم بالدم، وإذا ماوضعت الشهادة يوم الحساب سينظر الى ماقمتم به من إعمال، عندئذ ستكون الجنة بانتظاركم، ... فلتأتوا معي باسم الله)( ).
يقول الضابط التركي امين بك : إن وقع صوت الشيخ في نهاية الخطبة كان مثل وقع البوق ، لقد كانت عيون ألف من العرب (المجاهدين) تتوقد حماساً وهي تنظر إليه وقد وقفوا جميعاً في صف الجهاد( ).

يقول عن المجاهدين : إن جرأة هؤلاء الناس لا يعلى عليها ، وأما دوافعهم الى الاستهانة بالموت فهي ذات أساس فلسفي: (أرغب أن أموت في الحرب شاباً على أن أموت على فراشي شيخاً فما من مجد في الموت الناجم عن مرض الشيخوخة)( ).

هكذا كان تأثر الضباط الاتراك بالمجاهدين الليبيين الذين حركتهم عقيدتهم، وحبهم لدينهم، وحرصهم على الشهادة في سبيل الله تعالى.

ولقد تفاعل العالم الاسلامي مع أخبار الانتصارات التي حققها المجاهدون ، فأنشدوا القصائد الجميلة ؛ فمنها قول الشاعر:

حيا الإله ببرقة الابطال
خذلوا العدو وأوسعوه نكالاً
أسد اذا دعت الوغى أبناءها
نفروا خفافاً للوغى وثقـــالاً
الناهضون المقعدون بعزمهم
الضاربون الهام والاوصـــالا
شوس إذا حمى الوطيس تدافعوا
باليأس حزماً والرماح طوالا
دولا السلام على السلام تحية
إن كان تأويل السلام نــــزالا
في أي دين أو كتاب منزل
فيه أتى قتل النفوس حــــلالا
والصلح خير تصلح الدنيا به
وبه عباد الله تنعم بـــــــــالا
لم تقتصد (روما) بخطتها ولم
تترك لعقد الصلح ثم مجـــالا
وطغت وعاثت في البلاد بظلمها
ولكل حال اوجدت أشكالا
هل منصف والحق أبلج واضح
والعدل يملك للزمان عقالا
إن كان بالظلم اتساع ممالك
فالظلم يهدم كل ملك طالا
الى أن يقول :
من كل وضاح الجبين مجاهد
نور اليقين بوجهه يتــــلالا
عرب إذا دفعوا الجياد لغارة
هزوا العباب وخفخفوا الاوشالا
هذي طرابلس وفعل سيوفها
ضرب العدى لاتعرف الاقوالا
هرع الطموع لضمها جهلاً بها
هيهات قد طلب الطموع محالا
أبني طرابلس حفظتم ملككم
يوم النزالا وصغتم الأعمــــال
بيضتم وجه الحمى وملأتم
عين العباد مهابة وجــــــــلالا
الى أن يقول:
قد خلد التاريخ فعالكم
إن الزمان يخلد الافعـــــــــال
من مبلغ عنا الانام جميعهم
ومخبر الايام والاجيــــــــــالا
إن السلامة في سلامة موطن
نقف النفوس عليه والامــولا
وإذا أراد الله بين عباده
اصلاح حال غير الاحـــــوال
ويقول:
(إيطاليا) عشقت فانحلها الهوى
والعشق يجعل من يحب خيالا
عشقت (طرابلساً) وكم من عاشق
يقضى عليه ولا ينال وصــالا
جاءت باسطولا وخالت أنها
تجني به نفعاً فجر وبـــــــــالا
جهلت وماعرفت بأن حروبها
جلبت عليها الحنق والإذلالا( )
أما الشاعر حمزة الفقي الجهيني يقول:
يا أرض برقة عن رجالك خبري
ماذا جرى للظالم المتجبـــــــــــــر؟
أخذوا بثارك أم رضوا بمذلة
عار على الشيخ (السنوسي) وأنور
قالت سلوا زرق الأسنة والضبا
ينبي المهند والقضيب السمهــــري
أسد إذا حمى الوطيس رايتهم
مابين مرتجز وبين مكبـــــــــــــــر
فكأنما الاعداء أعيان الفلا
صكت مسامعها بزأرة قســـــــور
الى أن يقول:
ماذا رأيت من الحروب وشرها
ياجيش رومة لاتمن وخـــــبر
حقاً ذهبت وقد رجعت بنكبة
وعلمت ماعقبى الظلوم المغتر
وبليت من عرب بكل سميدع
يسعى الهيجاء بنفس غضنفر
عصر التمدن أنت أم عصر الشقا
لا كنت يامنهوم بين الاعصر
صيرت موج البحر ناراً والهوى
وجعلت أهلك في لظى متسعر
ياأمة بالبغي أغضبت الورى
كفي عن المظلوم لاتتهوري( )
ومما قال الاستاذ معروف الرصافي عن ملحمة الجهاد في ليبيا:
ويا أهل (بنغازي) سلام فقد قضت
صوارمكم حق المواطن في الذب
حميتم حمى الاوطان بالموت دونها
وذاك بما فيكم لهن من الحــــب
ومن مبلغ عنا (السنوسي) أنه
يمد لهذا الصدع منه يد الـرأب
فإنا لنرجوا أن يقود الى الوغى
طلائع من خيل ومن ابل نجــــــــب
فيحمي بلاد المسلمين من الردى
وينهض كشافاً لهم غمة الخطــــــب
فإن حشا الاسلام أصبح دامياً
الى الله يشكوا قلبه شدة الكــــرب
فقم أيها الشيخ (السنوسي) مدركاً
جنود بني (عثمان) في الجبل الغرب
وكن أنت بين الجند قطب رحى الوغى
وهل من رحى ألا تدور على قطب( )



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق