95
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الرابع
الجهاد في برقة
في 24 من شهر شوال 1329هـ الموافق 19 أكتوبر 1911م وقف الاسطول الايطالي بميناء بنغازي الآمنة العزلاء وقذفها بوابل من قنابله في غير شفقة ولا رحمة وفي 22 من الشهر وقف بميدان درنه، وبعد التمهيد بقذف القنابل انزل بها قوة عسكرية وسرعان ما طير الخبر الى الشيخ المجاهد احمد الشريف بالكفرة، فامر بالوقوف في وجه المعتدي ، والاستعداد لقتاله والتضحية في سبيل الوطن بالنفس والنفيس، وكتب الى رؤساء الزوايا في برقة وطرابلس والى شيوخ وأعيان القبائل يأمرهم بالدفاع ويحثهم على الجهاد، وكاتب الملوك ، والأمراء وزعماء العالم الاسلامي طالباً منهم الوقوف مع إخوانهم المسلمين في ليبيا ضد العدوان الصليبي الغاشم ، وفي شهر رجب سنة 1330هـ/1913م تحول من الكفره الى الجغبوب ليكون قريباً من ساحة الوغى.
استطاع الايطاليون احتلال كبريات مدن ليبيا الساحلية، كطرابلس ودرنة وطبرق، وكانت الحامية العثمانية في بنغازي تحت قيادة القمندان شكري بك في منتهى الضعف فلا تستطيع أن تحمي نفسها فضلاً عن كونها تدافع عن البلاد التي كان احتلالها في رأي المحتلين والاوساط السياسية في أوروبا أمراً مفروغاً منه.
أخذ متصرف بنغازي فؤاد مراد بك يعقد اجتماعات مجلس الادارة ويتشاور معهم وكان وقتئذاك رئيس الزاوية السنوسية ببنغازي هو أحمد العيساوي، فطلب منه المتصرف أن يحضر جميع الاجتماعات التي تعقد.
لقد جاهد أسود مدينة بنغازي شيباً وشباباً عن مدينتهم دفاعاً مجيداً، فأظهروا من البطولة والشجاعة النادرة، ماجعلهم محل التقدير من كل المسلمين، وسجلوا صفحات مجيدة خالدة بماء الذهب في سجل التاريخ، وقد ساهمت القبائل القريبة من مدينة بنغازي في الجهاد، وأول من وصل منها قبيلة العواقير ومن معهم، وقام أهالي بنغازي بأكرام المجاهدين، رغم وجود الامتعة والزاد الكافي، فأكرموهم غاية الاكرام، وفتحت الحكومة العثمانية مخازن الاسلحة وكانت جلها بنادق لاتزيد عن أربعة آلاف بندقية وشرع المجاهدون في مهاجمة العدو الغاشم وكلفوه خسائر في الأرواح واستشهد الكثير من ابناء المسلمين وتعرف هذه المعركة بواقعة (جليانه) ثم بعد يومين من ذلك انقض المجاهدون على الايطاليين بموقع الصابري وقاتلوهم قتالاً عنيفاً، وغنموا منهم اسلحة كثيرة، وبعد ذلك بيومين كانت واقعة السلاوي الشهيرة، وكان يقود المجاهدين الشيخ عبدالله الاشهب ، فأظهر شجاعة فائقة، وقدرة نادرة ، ورأياً سديداً في توجيه قوات المجاهدين، وتحميسهم للجهاد، وحقق المجاهدون انتصاراً رائعاً، وغنموا جميع ماكان مع الايطاليين في الميدان من المؤن، والعتاد الحربي، وكان عدد الشهداء كثيراً، وبعد واقعة السلاوي ألتحم المجاهدون في معركة حامية الوطيس مع العدو بقرب البركة بالموقع المعروف بـ (هوى الزرده) فأستشهد فيه الكثير من المجاهدين ومن بين الشهداء مائة وخمسون شهيداً من قبيلة واحدة هي عائلة إبراهيم العواقير عدا شهداء أهل مدينة بنغازي وبقية القبائل الاخرى، ولقد أظهر سكان مدينة بنغازي من أصناف البطولة، والكرم الفياض، والصبر العجيب ، والثبات النادر، والشجاعة العظيمة ما أثار إعجاب اخوانهم من القبائل( ).
وبدأت النجدات العسكرية تتوافد الى مدينة بنغازي بتحريك شيوخ الحركة السنوسية، فوصلت كتيبة قبيلة العرفا، وعددها ثلاثمائة مسلح يقودها الشيخ عمران السكوري، وتلتها بقية النجدات التي جاء بها زعماء القبائل، وشيوخ الزوايا من كل حدب وصوب:
? الشيخ عبدالله الأشهب وكيل رئيس زاوية مسوس، ورؤساء قبائل العواقير.
? الشيخ محمد علي عبدالمولى رئيس زاوية أم شخنب، ورؤساء قبائل ابراهيم العواقير.
? الشيخ الحسن الغماري رئيس زاوية دريانة وقومه من العواقير.
? الشيخ التواتي الكليلي رئيس زاوية طلميثة وقومه من الدرسا.
? الشيخ محمد علي المحجوب، رئيس زاوية الطيلمون مع مطاوع العواقير.
? الشيخ محمد الزروالي رئيس زاوية القطفية ومعه قومه من شوامخ المغاربة.
? الشيخ محمد علي الغماري رئيس زاوية اسقفة وقومه من البراعصة والدرسة.
? الشيخ محمد ابو نجوى رئيس زاوية ميراد مسعود وقومه من الدرسا.
? الشيخ عمر المختار رئيس زاوية القصور وقومه من العبيد.
كانت النجدات مؤلفة من قبائل العرفا، والدرسا، والبراعصة، والعواقير، والمغاربة، والعريبات، وزوية، والقبايل، والمسامير، والجرارة، والفواخر. ومن هذه القبائل، او منتمياً لها أو مجاوراً أو مرتبطاً بها قد وصلت في اسرع مايمكن بقيادة زعماء وشيوخ القبائل، وشيوخ الزوايا وهؤلاء السادة جمعوا الجموع تلبية لنداء القائد الاعلى للحركة السنوسية ، وتقرر أن يكون موقع معسكرهم ومقر قيادتهم في بنينه شرق بنغازي أكثر من عشرين كيلومتر ، فقد صح فيهم قول الشاعر:
تلاميذ لايعدون أمراً أراده
بواد وأشراف تبيد الاعاديا
كتائب أمثال الجبال رزانة
وان حملت خلت الهضاب جواريا
أولئك أقوام على الموت بايعوا
مبايعة أضحى بها الصبر راضيا( )
وشرع المجاهدون في مهاجمة معاقل الايطاليين بشدة، وعنف يقول الأمير شكيب ارسلان: (وفي 12 مارس جرت وقعة الفويهات الشهيرة وكان سببها أن 200 عربي دخلوا بين استحاكمي الفويهات والبركة، فثار في وجوهم الطليان واشتدت الحرب واحاط الطليان بهذه المائتي مجاهد من العرب.. فلبث هؤلاء العرب يقاتلون مستميتين الى الظلام وعند ذلك نجا منهم ولحقوا بالمعسكر العربي بعد قتال استمر طول النهار، ويقال أنه نجا 80 رجلاً من المائتين.
وأما الطليان فقتل وجرح منهم ألف وخمسائة مقاتل منهم 28 ضابطاً برتب مختلفة، وجنرال برتبة لواء واصيب بالجنون عدة ضباط من هول تلك المعركة، وكانت هذه المعركة قد شقت كثيراً على العرب، وقامت النوادب تندب اولئك الابطال التي حالت مدافع الطليان دون إمكان نجدتهم، وبينما العرب في مأتم على قتلاهم ، وردت برقية من انور باشا القائد العام في درنة الى عزيز علي المصري قائد المجاهدين بنغازي عن برقة من الاستانة عن برقية من برلين عن برقية من رومة تفيد أن وقعة الفويهات هذه كانت من أشد المصائب على الطليان خسروا فيها ألفا وخسمائة مقاتل ومنهم ضباط كثيرون قتلى وجرحى ومنهم من أصابهم الجنون من هول ذلك اليوم)( ).
وفي شهر ابريل سنة 1912م خرجت حملة إيطالية بعدتها وعديدها مزودة بجميع أنواع السلاح وهاجمت معسكر بنينه، فأندلعت بين الفريقين معركة عظيمة، استمرت ساعات متتالية، تمكن العدو فيها من احتلال موقع المعسكر انسحب المجاهدون ثم باكر هذه المعركة ألتحم المجاهدون مع القوات الايطالية في معركة بموقع حلق الريح ولم يكن الفوز لأحد من الفريقين، رغم كثرة الأموات من الطرفين ، ومن شهداء تلك المعركة الشيخ موسى قرق عمدة قبيلة العمارنة، والشيخ جبريل العبيدي ثم عقب ذلك ألتحم الفريقان في معركة بموقع (حوش العكب) وذلك يوم 17 رمضان سنة 1330هـ، وكانت القوات الايطالية زاحفة نحو سلوق ولكنها فشلت في تحقيق هدفها، ومن بين شهداء هذه المعركة ابي زيد بن محمد الكزة، ومن بين الجرحى الشيخ عبدالحميد العبار، والشيخ يونس بن مصطفى أبي شنيف( ).
واستمر القتال في جميع انحاء برقة من بنغازي الى طبرق، وقد تمكن الطليان من احتلال بعض المراكز في الدواخل وبعد حصول معارك كثيرة وفي مواقع مختلفة ارسل الجنرال اميليو قائد القوات الايطالية الى شيوخ القبائل يطلب منهم ارسال مندوبين للدخول معهم في المفاوضات، وعندما وصل الوفد الايطالي الذي يحمل الكتاب الى المشايخ وصل السيد احمد الشريف الى موقع رويفع بن ثابت الانصاري المعروف بسيدي رافع، فكان رد شيوخ القبائل على الجنرال الايطالي، كالآتي:
حضرة...
وبعد نخبركم حضرتكم أننا أتصلنا بأعيان بنغازي واطلعنا على شروطكم المسطورة الواردة معهم من حضرتكم وقد أخبروا براحتهم مع دولتكم قبل وصول الأعيان جاءنا رسول من طرف الاستاذ الفاضل سيدنا احمد الشريف يخبرنا انه وصل الى الجبل الأخضر بموقع سيدي رافع ويأمرنا بالحضور عنده بناءً عليه لايمكن الآن حضور أحد منا صحبة أعيان بنغازي حتى نتصل بشيخنا وأستاذنا. إن شيخنا المؤمي إليه نزل بساحتنا وطلب منا الحضور فلا يمكن التأخر عنه، وبعد الاجتماع به سيصدر من طرفه العالي كل مايلزم وبه يكون العمل وهانحن أخذنا كتابكم لعرضه عليه 15 جمادى الثانية سنة 1331هـ.
وكان الموقعون على هذا الكتاب الشيوخ الآتية أسماءهم:
عبدالسلام الكزة، إبراهيم المصراتي، عمر الاوجلي، علي الأوجلي، محمد الكاسح، خليل مصطفى، مفتاح ابو خزيم، علي محجوب، مصطفى خليل، ابوبكر القذافي ، مفتاح حسين ، جاد الله ابوزيد، حبيب الله اللواطي، رويله ابولطيف، مطرود ابو شنيف اللواطي، المبروك اللواطي، المبروك عمر( ).
أما جبهة الجبل الاخضر فقد كانت الكتائب السنوسية يقودها كل من :
? الشيخ محمد الدردفي رئيس زاوية شحات مع رؤساء ومشايخ قبائل الحاسة.
? الشيخ محمد الحسين الحلافي رئيس زاوية المخيلي.
? الشيخ صالح بن اسماعيل رئيس زاوية الفائدية مع رؤساء ومشايخ عائلة فائد.
? الشيخ محمد العربي رئيس زاوية القصرين مع رؤساء ومشايخ قبائل البراعصة.
? الشيخ عبدالقادر فركاش رئيس زاوية بشارة مع رؤساء قبائل العبيدات.
? الشيخ عبدالله ابو سيف رئيس زاوية مارة مع رؤساء قبيلة العبيدات.
? الشيخ الغماري رئيس الزاوية البيضاء مع رؤساء قبيلة البراعصة.
? الشيخ محمد الغزالي رئيس زاوية ترت مع رؤساء قبيلة العبيدات.
? الشيخ الحبيب بن جلول رئيس زاوية المرازيق مع رؤساء قبيلة العبيدات.
? الشيخ المرتضى فركاش رئيس زاوية أم الرزم مع رؤساء قبيلة العبيدات.
? الشيخ محمد العيساوي رئيس زاوية الحنية مع رؤساء قبيلة الدرسا.
? الشيخ السنوسي الغماري رئيس الزاوية الحمامة مع رؤساء قبيلة البراعصة والدرسا.
? الشيخ جاد الله الجبالي رئيس زاوية العرقوب مع رؤساء قبيلة البراعصة والدرسا.
? الشيخ محمد ابو فارس رئيس زاوية أم حفين مع رؤساء قبيلة العبيدات.
? الشيخ محمد بن عمور رئيس زاوية قفنطة مع رؤساء قبيلة البراعصة.
? الشيخ عبدالله سعد فركاش رئيس زاوية مرتوبة مع رؤساء قبيلة العبيدات.
لبت هذه القبائل من السعادي والمرابطين نداء شيخ المجاهدين احمد الشريف وحضرت لقتال العدو تحت قيادة رؤساء زواياها وزعماءها وشيوخها الأسود.
وبالنسبة لمنطقة طبرق جمع شيوخ الزوايا، وزعماء العشائر القوات التي تأسس بها معسكر طبرق:
? الشيخ محمد الشارف رئيس زاوية أم الجرفات مع رؤساء قبائل حبون.
? الشيخ محمد عبدالله رئيس زاوية أم ركبه مع رؤساء قبائل القطعان والشواعر.
? الشيخ مرتضى الغرياني رئيس زاوية جنزور مع رؤساء قبائل العبيدات والمنافا.
? الشيخ صالح الشريف رئيس زاوية المرصص مع رؤساء قبائل العبيدات.
فتم تأسيس أربع معسكرات هي معسكر بنغازي ومعسكر الجبل، ومعسكر درنة، ومعسكر طبرق في وقت قياسي( ).
صممت الدولة العثمانية على المقاومة حفاظاً لماء الوجه، امام الرأي العام الاسلامي، فارسلت نخبة من ضباطها وقوادها المشهورين، لتقوية روح المقاومة والدفاع وتدريب المجاهدين وتعليمهم كيفية استعمال الاسلحة الحديثة والمعدات، وبدأت المساعدات المادية والمعنوية تتوافد على المجاهدين، وكان من ابرز القادة الاتراك الذين ارسلتهم الحكومة العثمانية كل من ، الرائد انور بك، ومصطفى كمال ، فتحي اوفيار، وخليل بك عم انور بك، فؤاد بولجاقاش باشي، سليمان العسكري، وعزيز علي مصري، أدهم باشا الحلبي( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق