إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 4 يونيو 2014

94 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الثالث الغزو الإيطالي سابعاً: معركة القرضابية:



94


الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الثالث

الغزو الإيطالي

سابعاً: معركة القرضابية:

جمع الطليان قوات كبيرة وأرغموا سكان السواحل، التي يحتلونها بالانضمام الى قواتهم، وكان على رأسهم رمضان السويحلي زعيم مصراته، فالتقوا بالمجاهدين عند القرضابية، أو قصر بوهادي، وكان رمضان السويحلي على مايبدو قد اتفق مع السنوسيين على أن يندس بقواته مع الجيش الايطالي الذي كان يقوده الكلونيل (ماني) يقول الشيخ الطاهر الزاوي: (وقد تواترت الأخبار عمن لهم صلة برمضان بأنه كان يعتزم الانقلاب على الجيش الإيطالي إن لم يوافق المجاهدون على الصلح، وقد صرح رمضان بهذا للشيخ محمد بن حسن حينما قال له -والجيش على أهبة الخروج من مصراته- كيف تحارب اخوانك المسلمين؟ فقال له رمضان : أنا ذاهب لدعوتهم الى الصلح، فإن امتنعوا فسأنقلب معهم على الطليان ، واعتـزام رمضان الانقلاب على الطليان لايشك فيه إلا مكابر)( ).

وبدأت المفاوضات بين الجيش الايطالي والسنوسي، من أجل الصلح، وقام العقيد مياني بإرسال وفد من زعماء العرب يتكون من اربعين فارساً، ولما وصل الوفد الى الجيش السنوسي رفض الرجوع ، وكان ذلك في 11 جمادى الثاني سنة 1333هـ ورجع بعض الافراد الى القوات الايطالية.

خدعة حربية من المجاهد الكبير صفي الدين:

أمر صفي الدين حمد بك سيف النصر بأن يعلن جهاراً بأنه سيغزو ورفلة، وسرعان ما وصل الخبر الى العدو بواسطة الاشخاص الذين عادوا من المعسكر ، وبعض الجواسيس ، فاتفق رأي القائد الايطالي وأركان حربه أن يرجع عبدالنبي بالخير بقواته للدفاع عن ورفلة قبل أن يصلها سيف النصر وبذلك خسر القائد الايطالي هذا القسم من قواته وقائده عبدالنبي ، وقبل اندلاع المعركة اعلن صفي الدين بأن الليبيين الذين مع الجيش الايطالي هم مع المجاهدين وسوف ينقلبون على القوات المعتدية، وارتفعت الروح المعنوية لدى المجاهدين السنوسيين، وعندما سمع (مياني الخبر) جرد الليبيين من السلاح وكلفهم بنقل المؤن فقط، ووضع الاعيان بسيارات خاصة، وبذلك خسرت القوات العربية، اضافة الى جيش وروفله وتقدمت قوات احمد سيف النصر يقتفي أثرها خلسة، فكان يختفي بالنهار ويقتفوا أثرها ليلاً وكان من المؤكد عند الطليان أن أحمد سيف النصر ذهب بقواته ليغزو ورفله وقدر الله تعالى وصول قوات جهادية الى المعسكر السنوسي بعث بها صالح باشا الاطيوش من جهة الخشة، كما وصل عبدالجليل سيف النصر وأخيه عمر بنجدات أخرى، واشتبك الفريقان في معركة طاحنة يوم 14 جمادى الثانية 1333هـ، وقد سيطر بادئ الأمر الطليان حتى كادوا أن يحوزوا الراية السنوسية، وعندها باغتهم احمد سيف النصر من الخلف واشتدت المعركة حول العلم السنوسي، فأنقذ بعد أن استشهد الكثير من المجاهدين حول البيرق السنوسي( )، واستطاع رمضان السويحلي في تلك اللحظات الحرجة أن يصل الى جنوده من مصراته وأصدر أوامره بإطلاق النار على الطليان، فأطلقوها عليهم من الخلف، فكانت بداية النهاية، فحاص الجيش في بعضه حيصة الحمر، ورجعت اولاه على أخراه، واختلطت خيله برجله، وارتكس بعضه في ذلك الجيش ولم ينج منه إلا 500 جندي( )، ونجا العقيد امياني الى سرت مجروحاً مع من بقي من جيشه ، وبقي في مكان المعركة كل ماكان مع الجيش من معدات الحرب وعتادها: من إبل وخيل، وبنادق ، ومدافع، ورشاشات( )، ومن بين ماغنمه المجاهدون صحيحاً اثنى عشر مدفعاً من مدافع الميدان، وعشرين مدفعاً رشاشاً ، وسبع سيارات ، وعشرون ألف بندقية، وقسماً عظيماً من الذخيرة وقسم المستشفى العسكري بجميع معداته، وجميع المؤن( ).

وكان أفظع مايقع عليه نظر الانسان تلك الأكوام من الجثث البشرية، وبمجرد وصول إمياني الى سرت جرد جميع العرب من الاسلحة وعقد مجلساً عسكرياً وحكم بالاعدام على كثير من السكان ومن أبناء العرب الذين ألتجأوا الى سرت وفي مقدمتهم من الاعيان والرؤساء ، والحاج محمد القاضي من مسلاته، والحاج محمد بن مسعود من قماطة، وحسونة بن سلطان، وأبوبكر النعاس، وأحمد بن عبدالرحمن من ترهونة، وقتل من غيرهم نحو سبعمائة، وأصدر أمراً بالقتل العام، فصار الجند يقتلون الناس في الشوارع وعلى أبواب البيوت، ويربطون العشرة والعشرين في حبل واحد ثم يقتلونهم، ورمى كثير من الناس بأنفسهم في البحر فراراً من التمثيل بهم، فكان منظراً مريعاً، وبعثوا الى روما نحو ألف أسير أكثرهم من السكان والحمالين الذين استأجروا جمالهم( )، وبدأت قوات المجاهدين في تطهير البلاد من الأنجاس المعتدين، وتركت الحاميات الايطالية، حصونها بسهولة وهامت على وجهها عبر التلال والسهول المحرقة الجافة، وحررت مزدة، والقصبات، وسرعان ماوصل المجاهدون الى بن غشير، على بعد 15 ميلاً من طرابلس، وصدرت الأوامر للايطاليين بالانسحاب الكامل الى الساحل وقضي على حامية ترهونة كلها أثناء هروبها الى البحر، واستسلم ألف إيطالي في بني وليد بدون مقاومة، وانسحبت حامية غريان الى العزيزية ، ثم اجبرت على الانسحاب بسرعة الى طرابلس وأخليت مصراته وزوارة( ).
لقد كانت القيادة الفعلية لمعركة القرضابية للسيد المجاهد الشهير صفي الدين السنوسي والقادة السنوسيين الذين معه وقد ساندهم مساندة فعّالة المجاهد رمضان السويحلي بجنوده وانضم معهم في الوقت المناسب.

وقد تفجرت ملكات الشعراء بسبب انتصار المجاهدين في القرضابية، فهذا الشاعر محمد عبدالله معتوق المصراتي يصف شجاعة المجاهدين في القرضابية ويمدح رمضان السويحلي على موقفه البطولي في المعركة فقال :

وقفت وقفة ابطال وشُجعان
تجابه الغزو في صبر وإيمـــــــــــان
يوم الخليج وماسددت من خطط
كانت دماراً لمن عن أرضنا جـــــان
لما وضعتم حشود الخصم في قفص
مابين بحر وصحراء ونيران
حمى الوطيس وطيس الحرب ملتهباً
والنار تلفح من قاص ومــــــن دان
وللعزائم من آلامها خَورُ
يستوي عزائم الابطال وشجعــــان
خاضوا المعارك في صبر وفي جلد
وقاوموا في حماس كل طغيــــــــان
سدوا المنافذ عن أعداء أمتهم
فصيروهم حيارى شبه قطعـــــــان
البحر يحجزهم والنار تلفحهم
والخصم يطحنهم في غير إمعـــــان
خرت جحافلهم في مأزق خطر
لم يبق منهم سوى اشباح إنســـان
ناموا على جثث الأموات يدفعهم
حبّ الحياة الى خزي وخـــــذلان
عادوا (لمصراته) والحقد يدفعهم
شنوا عليها هجوما غير إنســــان
كم أحرقوا من ضعاف من ملاجئهم
ويوم ماطوس عنها خير برهــــان
كم علقوا من بريْ فوق مشنقة
وقتلوا من شهيد فوق كثبــــــان
وفي السجون رجال مالهم
والشعب يرزح من ظلم وعدوان
كذلك ترايخ يامن له جهلوا
وذاك تاريخ ليث الحرب رمضان( )

لقد حقق المجاهدون انتصاراً عظيماً على ايطاليا ولولا الشقاق، والخلاف، والنزاع الذي وقع بين رمضان السويحلي وصفي الدين السنوسي لأصبح الجهاد أمراً آخر، ولهزم الايطاليون عن بكرة أبيهم ، وأسباب الصراع المذكور تحتاج الى تقصي وبحث يصعب على مثلي الوصول إليه، ولهذا أعرضت عنه صفحاً، أن الخوض في هذه النزاعات يخالف النهج الذي سرت عليه (من توسيع النقاط البيضاء في تاريخنا وتضييق النقاط السوداء)، ولقد تعرض بعض المؤرخين لهذا الخلاف منهم، الطاهر الزاوي، ومحمد مسعود فشيكة، ومحمد الطيب الاشهب، وبعد اشتداد الخلاف والنزاع بين رمضان وصفي الدين، اصدر الوكيل العام للسيد احمد الشريف (سمو الامير) إدريس السنوسي أمراً الى صفي الدين بالعودة من طرابلس الى برقة وأن يترك الأمر بعد تطهير اكثر البلاد من الطليان أطفاءً للفتن وحقناً للدماء( ).

وأما بالنسبة لجهاد الجنوب في فزان والجفرة والنواحي الغربية من فزان، فقد تولى قيادتها محمد عابد السنوسي نائب احمد الشريف، وقد اتخذ مركزه بزاوية (واو) ويتبع هذه القيادة ثلاث معسكرات احدهما يراسه وكيل محمد عابد وكبير مستشاريه الشيخ محمد الاشهب، أما المعسكر الثالث بالجهات الغربية الشمالية من فزان يراسه الشيخ السني، ويشرف على الادارة العامة محمد علي الاشهب، فاشتركت هذه المعسكرات في المعارك الدموية مع الطليان بالجفرة وفزان وقد كانت هذه الجهات بيد العدو( )، واهتم احمد الشريف بأمر فزان واتخذ من (زلة) قاعدة للإغارة على إمدادات الايطاليين بفزان وحدث أول هجوم في 26 اغسطس عندما أبيد طابور كان يسير عبر حمادة، وكانت تلك الحادثة بداية النهاية لاحتلال فزان الذي دام قليلاً وبإنقطاع ، الامدادات عن القوات الايطالية في فزان احاطت بها القوات الاسلامية الليبية المجاهدة، وشاركت في تلك المعارك قوات المجاهدين من قبائل التبو والطوارق، واستطاعت قوات المجاهدين أن تقضي على حامية (ادرى) و(أبارى) وفتحت قلعة سبها، وسقطت مرزق، ولجأت قوات الايطاليين في غات الى جنوب الجزائر وطلبت حماية الفرنسيين، ثم تراجعت القوات الايطالية الى سوكنة ثم مصراته، وتخلوا عن غدامس، وغريان، وأعلنت طرابلس حالة الطوارئ( )، وكان من أعيان فزان الذي قاد الجهاد المقدس ضد إيطاليا المجاهد الكبير محمد بن عبدالله البوسيفي ، ونازل أهل فزان القوات الايطالية في ثلاث معارك مشهورة في (الشبب) و(أشكدة) و(المحروقة) واستشهد فيها محمد بن عبدالله البوسيفي رحمه الله تعالى( ).

وقاد سالم بن عبدالنبي الزنتاني حرب عصابات ناجحة في ولاية فزان، واثخن في أعداء الله، وهاجم القاهرة وهي ربوة عالية في سبها يوجد بها حصناً، وسياجاً من المدافع والاسلاك الشائكة وأصبحت تلك القلعة منيعة جداً، واستطاع سالم عبدالنبي فتحها بقواته عام 1914م، لقد أبلى أهل الجنوب من مسلمي ليبيا بلاءً حسناً في جهادهم البطولي ضد إيطاليا ، مما يدل على آصالتهم، وحبهم لدينهم وبغضهم لكل محتل عنيد.

ونتيجة للفتنة التي ذكرتها أمر السيد محمد ادريس محمد عابد أن ينتقل بقواته نحو الكفره( ).


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق