91
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثالث
الغزو الإيطالي
رابعاً: أحمد الشريف يوجه اتباع الحركة للجهاد:
بعد وصول خبر احتلال إيطاليا لطرابلس، وقصفها لبقية المدن الليبية بأساطيلها، قام احمد الشريف بجمع السادة، والشيوخ والعلماء والقادة، وعرض عليهم الأمر واستشارهم ، وخرج الأمر بتوجيه الشيوخ وعلماء الحركة بقيادة المجاهدين في كافة ساحات الوغى وقال أحمد الشريف: (والله نحاربهم ولو وحدي بعصاتي هذه)( )، كانت القوة الايمانية الدافعة تحرك احمد الشريف ، نحو الجهاد، ولذلك رفض الخنوع والاستسلام للمحتل النصراني مهما كانت قوته وجبروته وعزته، ووصلت أوامر احمد الشريف الى رؤساء الزوايا والشيوخ، والاعيان التابعين للحركة في طرابلس وما حولها، يأمرهم بأن لا يتهاونوا وأن يستميتوا في قتال العدو المهاجم ومن هؤلاء الشيوخ:
• مصطفى احمد الهوني رئيس زاوية هون.
• حامد بركات الشريف رئيس زاوية سوكنة.
• محمد علي الأشهب رئيس زاوية (واو) فزان.
• السني رئيس زاوية مزدة.
• عبدالوهاب العيساوي رئيس زاوية طرابلس.
• محمد علي بن الشفيع رئيس زاوية سرت.
وكتب الى زعماء القبائل المبرزين كالشيخ سيف النصر زعيم قبائل أولاد سليمان، وأورفله، وغيرهم.
وقام الشيخ محمد الاشهب بتنظيم معسكر من القبائل الفزانية، والتوارق، ورياح والعرب المقيمين باقليم فزان، وانضم آمود وكوسا من زعماء التوارق الى معسكر محمد الأشهب، وقام المغاربة بتأسيس معسكر بالنوفليه وكان زعيمه
عبدالله بن ادريس ، وساعدة صالح الأطيوش، وقام أولاد سليمان، وأورفلة، والقذاذفة، بتأسيس معسكر، تزعمه في بداية الأمر سيف النصر نفسه، ثم ابنه احمد بك، ومعسكر من قبائل أولاد أبي سيف يتولى قيادته الشيخ السني، وأبوبكر قرزه( ).
وبذلك أصبحت المعسكرات بالمنطقة الغربية أربع تابعة للسنوسية قامت بدعم اخوانهم ، والمشاركة معهم في الجهاد ضد ايطاليا، وقام الليبيون عموماً بتنظيم المعسكرات بضواحي طرابلس، وغريان والخمس ومصراته كان صدور الدعوة الى الجهاد من زعيم الحركة السنوسية أحمد الشريف بمثابة الشرارة التي أوقدت النار في طول البلاد، وعرضها، فخف المجاهدون من أقاصي طرابلس وفزان، ثم من النيجر، وتشاد، لمؤازرة اخوانهم المجاهدين في الجبل، والغرب وهي الجهات التي ظل زعماؤها حريصين على استقلالهم ولا يريدون منذ ظهور الحركة السنوسية الانضواء تحت لوائها؛ ومع هذا، فقد كان أحمد الشريف صاحب نفس عظيمة همته في الجهاد، والتغلب على العوائق التي تحيل دون وحدة الصف الاسلامي في بلادنا( )، يقول الشيخ الطاهر الزاوي عن أحمد الشريف: (فالسيد احمد الشريف صقله العلم، وهذبته العبادة، فعفت نفسه، وكبرت همته، ..وأخلص عمله لله فتولى الله توفيقه، وأطلق ألسنة الناس بمدحه والثناء عليه)( ).
لقد تدفق أتباع الحركة السنوسية كالسيل الجارف على ميدان القتال في طرابلس، وفي منتصف يناير 1912م قال السيد أحمد الشريف كلمته لأهل طرابلس وجميع العرب، فأصدر نداءه المشهور يحث فيه الطرابلسيين والبرقاويين، وأهل ليبيا على الجهاد ضد العدو المعتدي ويعلن فيه نبأ اعتزامه النزول بنفسه الى الميدان على رأس قوة من المجاهدين كبيرة. وقد نقش نداء أحمد الشريف على راية من الحرير حملها المجاهدون في طرابلس من مكان الى آخر بين القبائل الضاربة في الجنوب خصوصاً، فكان من أثر هذا النداء (النداء) أن تدفقت جموع المجاهدين على المعسكرات العثمانية في العزيزية وغريان، وعلى مراكز العرب في (سنيات بني آدم)؛ فكان المعسكر في (السنيات) بعد ذلك يعج بجموع المجاهدين من الزاوية والعجيلات ، وزنزور، ومصراته، وصرمان، وأولاد يوسف، واورفله، وغريان، والجبل، والعزيزية، وأولاد سليمان، ومجاهدي فزان والتوارق. ثم ولم يكتف احمد الشريف بذلك بل أعد نجدة خاصة لتعزيز قوات المجاهدين في العزيزية، وفي 25 مارس 1912م وصلت نجدات احمد الشريف الى العزيزية مسلحة بالبنادق والحراب والسيوف، وتحمل معها نبأ تحرك نجدات اخرى، لاتزال تجد السير في طريقها الى معسكر المجاهدين، وكان يوم وصولها يوماً مشهوداً في تاريخ الجهاد في طرابلس.
وقد اعترف السلطان العثماني نفسه بهذه الجهود التي قام بها أحمد الشريف السنوسي، فأهداه في هذا الشهر نفسه (مارس 1912م) سيفاً ونيشاناً مرصعاً بالجواهر مكافأة وتقديراً لجهود أحمد الشريف.
بيد ان جهود الحركة السنوسية كانت أكثر وضوحاً وأعمق أثراً في سير الجهاد ضد إيطاليا في برقة وهذا ما سنأتي على بيانه بإذن الله تعالى( ).
لقد اصبح العدو في حيص وبيص، ولم يتمكن من احتلال الدواخل بعد الثغور التي احتلها الاسطول، واضطرت ايطاليا الى إعادة حساباتها ، ولكي لاتظهر إيطاليا أمام المجتمع الأوروبي السياسي منهكة، وأن قواتها غير قادرة على اخضاع ليبيا لسيطرتها، ولإخفاء فشلها لجأت الى إصدار بيان تعلن فيه ضم ليبيا إليها وهدفت من ذلك البيان عدة أمور منها:
• إقناع الدول الأوروبية بأن إيطاليا قد ملكت زمام الأمر في ولاية طرابلس.
• وضع الامبراطورية العثمانية أمام الأمر الواقع، وإجبارها على الاعتراف بسيادتها على ليبيا.
• إيقاف المعارك الحربية لأنها ستصبح غير قانونية، أو شرعية في مواجهة الدولة الايطالية صاحبة السيادة الجديدة( ).
إن قرار الضم الذي أعلنته إيطاليا ، جعل الدولة العثمانية تعلن احتجاجها عليه، وعدت ذلك خرقاً صريحاً، للقانون الدولي، وقد استندت الدولة العثمانية الى نجاح المقاومة الجهادية، وعجز القوات الايطالية عن تحقيق أي نصر( ).
وابرق السلطان في 2 اكتوبر الى ملك انكلترا وإمبراطور ألمانيا وحكومات أوروبا ، ورئيس الجمهورية الفرنسية، وبقية الملوك والقياصرة يطلب منهما فض النزاع القائم، وحقن دماء البشر، ولكن بدون جدوى، فقد اعتذرت كل هذه الحكومات عن التدخل( ) وبذلك تكون الحملة الدبلوماسية المكثفة التي قامت بها الدولة العثمانية قد فشلت.
فقد تخلت الدول الأوروبية كلها عن الدولة العثمانية، بدءً بفرنسا التي أصدرت بياناً أعلنت فيه حيادها وعدم قدرتها على التوسط لإنهاء الحرب في الوقت الراهن، وسارت روسيا على نفس النهج، أما بريطانيا فرغم حساسية موقفها ، لاسيما، أمام رعاياها في العالم الاسلامي ، فإنه لم يطل ترددها لتعلن هي الأخرى ما أسمته بالحياد، ولكنه ليس حياداً بالمعنى الصحيح إذ أنها أرغمت مصر على الحياد، وهذا فيه مساعدة لحكومة ايطاليا المعتدية( ).
لم يتمكن الايطاليون التقدم شبراً إلا بدفع ثمن باهظ، وبعد جهد جهيد ، وتحمل الخسائر الفادحة، والضربات القاسية، ومعاناة الشدائد والأهوال تمكنوا بفضل قواتهم العديدة، والأسلحة الفتاكة ، ومعاونة الأذناب من الاستيلاء على بعض أماكن في دواخل البلاد، كالخمس ، ومصراته وزليتن وورفله، وترهونه، وزواره، ثم تمكنت القوات الايطالية من الوصول الى هون ثم فزان، واستسلم بهذه المحلات المستضعفون من الرجال والنساء والولدان الذين لايستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً، وأما الباقون فقد انسحبوا الى أماكن أخرى أمامية لمواصلة القتال، وقد استعمل الايطاليون كافة الأساليب الوحشية في المواقع التي احتلوها خصوصاً في مدينة طرابلس( ).
ولقد خلد التاريخ المعاصر أسماء المعارك التي قام بها الاجداد ضد ايطاليا في المنطقة الغربية من ليبيا من أهمها؛ معركة طرابلس بتاريخ 8، 9، 10/ 1911م وكذلك في تاريخ 21، 22 يناير 1912م، معارك الخمس بتاريخ 17-21 اكتوبر ، 1 ابريل 1912م معركة الهاني شارع الشط، معركة الهاني ابومليانة، معركة الهاني سيدي المصري، معركة قرقارش، معركة ابي كماش، معركة لبدة، معركة تاجوراء( )....الخ وكانت مابين عام 1911م الى عام 1912م ولاشك أن هذه المعارك تحتاج الى دراسة تفصيلية، ولعل أحد ابناء هذا البلد الطيب يقوم بذلك.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق