89
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثالث
الغزو الإيطالي
ثانياً: الجهاد في طرابلس وفزان:
رغم ضآلة وضعف الامكانات العسكرية للولاية، فقد تبنت مدفعيتا القلعتين (السلطنة والحميدية) الرد على القصف لتغطية انسحاب الحامية العثمانية والمجاهدين الى الداخل، وبصعوبة بالغة استمرت مدفعية الولاية تناوش الايطاليين حتى الثالث من شهر تشرين الأول، وتحسباً من تعريض الجاليات الايطالية للأذى وعدم تعرض قواتهم لأي خطر مفاجئ، تأخر الايطاليون في عملية الانزال البري حتى الخامس من الشهر نفسه.
واصدر قائد الحملة الجنرال (كار لوكانيفا) بياناً باللغة العربية يخاطب سكان طرابلس جاء فيه: (ماذا يصدكم عن القدوم إلينا؟ أما يهمكم رعي مواشيكم وتعاطي تجارتكم آمنين؟ نحن اصحاب دين من اهل الكتاب واحرار، وأعلموا أن دولة إيطاليا المعظمة قد اصبحت لكم بمقام الوالد بعد أن أخذت أمكم وهي طرابلس الغرب، فاقدموا إلينا بلا خوف، وبكمال الأمان ونحن نؤكد أنه ليس من يؤذيكم ومامن يسيء إليكم أو يضركم بأدنى شيء فإن المال لا يذكر، واعلموا أن كل من يأتي إلينا ببارودته مع المهمات نحسن إليه بعشرين فرنكاً مع كيس قمح أو شعير كيفما شاء ، أما رؤساوكم الدينيون والسياسيون فإن الحكومة الايطالية تقبلهم وتؤيدهم بالصفة التي كانوا عليها قبلاً، بل يعين لهم رواتب ومعاشات وناهيكم أن الكلام واحد والله سبحانه وتعالى كريم، فاطلبوا إليه عز وجل أن يفتح عيون عقولكم لتعرفوا الحق وهو يخلصكم)( ).
ولم يكتف الجنرال كارلو كانيفابه، بل أصدر عدة بيانات منها:
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على كافة الانبياء والمرسلين وصلى الله عليهم وسلم أجمعين.
يأمر ملك ايطاليا المعظم فكتور عمؤيل الثالث نصره الله وزاد مجده أنا الجنرال كارلوس كافينا قائد العساكر الايطالية الموكل إليه محو الحكومة التركية من طرابلس، وبرقة والمقاطعات التابعة لها بناءً عليه أعلن للشعوب باجمعهم القاطنين في المقطاعات المنوه عنها من شاطئ البحر الى آخره والحدود الداخلية الذين يملكون بيوتاً في المدن وبساتين وحقولاً ومراعي حول المدن نفسها أو بعيداً عنها مايلي: إن العساكر الخاضعة لأمري لم يرسلها جلالة ملك إيطاليا حماه الله لإضعاف واستعباد سكان طرابلس، وبرقة وفزان والبلاد الاخرى التابعة لها التي لاتوجد الآن تحت سيادة الاتراك بل لتعيد إليهم حقوقهم وتقتص من المعتدين عليهم، وتجعلهم أحراراً يحكمون أنفسهم وتحميهم من كل من يعتدي عليهم سواء كان من الاتراك أو أي شخص كان يريد استرقاقهم، وعليه فأنتم ياسكان طرابلس وبرقة وفزان والبلاد الاخرى التابعة لها من الآن سيحكمكم رؤساء منكم موكل إليهم ان يقضوا بينكم بالعدل والرأفة عملاً بقوله تعالى : ,وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل- وستكون هذه الاحكام تحت حماية ورعاية ملك ايطاليا السامي حرسه الله، واعلموا ان ستبقى الشرائع الدينية والمدنية محترمة وتحترم الاشخاص والاملاك والنساء والحقوق وجميع الامتيازات المختصة بأماكن العبادة والبر لان غاية أعمال الرؤساء يجب أن تكون واحدة وهي تحسين حالتكم والعمل على استتباب راحتكم ويجب ان يكون ذلك مطابقاً للشريعة الغراء، والسنة المحمدية السمحاء وسيقضي بينكم بالعدل طبقاً للشريعة الغراء وحسب اوامرها بواسطة قضاة اشتهروا بثقافتهم في الشرع ذوي استقامة وسيرة حميدة، كما أنه لانغض الطرف عمن يظلم من الرؤساء ، ولا نغفر غشاً او خداعاً من أحد من القضاة، فالكتاب والسنة فقط تقضي عليكم، واعلموا جيداً أنه لاتؤخذ منكم ضرائب لتصرف خارجاً عن بلادكم ، والضرائب التي لاتوجد الآن عليكم، ننظر فيها وتنقضي أو تلغى كما يقتضي العدل، واعلموا جيداً أنه لايدعي أحد منكم للخدمة العسكرية، بالرغم عن ارادته وفقط يقبل بها أولئك الذين يرغبون الانضمام تحت اللواء الايطالي باختيارهم لأجل حماية النفوس والاملاك، ولكي يتكفلوا للبلاد السلم والنجاح وأما الآخرون، فيبقون في بيوتهم منعكفين على العمل في الحقول ورعاية المواشي أو معطاة التجارة، الصناعة، والحرف الضرورية، لقيام الحياة، وعلى هذا، فكل أمرئ يمكنه الصلاة في معبده حسب تعليم دينه يلزمكم أن تتضرعوا لله عز وجل أن يرفع مجد الشعب الايطالي، ومجد ملكه لأنه أخذكم تحت ظل حمايته والايطاليون يرمون أن يكون اسمهم مهاباً من جميع أعدائكم وأما منكم فقط، فيكون محبوباً ومباركاً.
وبناءً عليه وحسبما خولني جلالة ملك إيطاليا العادل المنصور وحكومته اعلنتكم بما تقدم، وسيجرى مفعوله من هذا اليوم من شهر شوال سنة 1329هـ، ليبقى كأساس للعلاقات المستقبلية التي ستوجه بين الحامية، والمجتمعين ، وبين الايطاليين وسكان هذه البلاد، والتي واثق بأنكم تقبلون هذا المنشور بسرور قلبي ، لأنه سيكون قانوناً يجب أن يحفظ بأمانة، واستقامة ضمير، وشهامة من كلا الطرفين، واذا وجد من لا يحترم الشرائع ولا يعتبر الاشخاص او يمس حرمة النساء، او يخترق حرمة الملك، او يقاوم، أو يثور على ارادة العناية الالهية التي ارسلت ايطاليا الى هذه البلاد وباسمها صدرت لي هذه الاوامر، قبلها ممن يمتلك حق الامر فسيكون الانتقام منه عظيماً، وسأحافظ على تنفيذها بالقوة الموكلة لعهدتي لنبراس العدل والحق ، فياسكان طرابلس، وبرقة والمقاطعات التابعة لها اذكروا ا، الله قد قال في كتابه العزيز: ,لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين-، وقد جاء أيضاً : ,وإن جنحوا للسلم فأجنح لها وتوكل على الله-، وجاء أيضاً: ,ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون- أي الذين يصلحون الأرض، ويمنعون منها الفساد، ينشروا فيها العدل والعمران، وجاء أيضا: ,وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لايكونوا أمثالكم-( ) أي لاتفسدوا في الأرض إن توليتم أمور الناس وتقاتلوا بعضكم بعضاً، إن الذين يفعلون ذلك يلعنهم الله ويصمهم ويعمي أبصارهم ويستبدلهم بغيرهم وجاء أيضاً : ,قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير-، وجاء أيضاً: ,ومن لم يحكم بما أنزل الله ، فأولئك هم الظالمون-، فأرادة الله ومشيئته سبحانه وتعالى قضتا أن تحتل إيطاليا هذه البلاد لأنه لايجري في ملكه إلا مايرى فهو مالك الملك وهو على كل شيء قدير، فمن أراد أن يظهر في الكون غير ماأظهر مالك الملك رب العالمين المنفرد بتصرفاته في ملكه لاشريك له فيه، فقد جمع الجهل بأنواعه وكان من الممترين، وبناءً عليه يلزم كل مؤمن أن يرضى ويسلم بما تعلقت به الارادة الربانية، وأبرزته القدرة الالهية فالملك لله سبحانه وتعالى يؤتيه من يشاء، فايطاليا تريد السلام وتريد أن تبقى بلادكم اسلامية تحت حماية ايطاليا وملكها المعظم، ويخفق فوقها العلم المثلث "ابيض وأحمر وأخضر" إشارة الى المحبة والايمان( ).
إن للأسف الشديد كان كاتب هذا المقال ، شيخ من العلماء المحسوبين على الازهر الشريف، وكتب ذلك مقابل عرض من الدنيا زائل، ولقد تأثر بهذا المنشور ممن لاعقيدة واضحة في ذهنه، وممن لايعرف ضروريات ديننا الاسلامي العظيم، وغاب عنه حقيقة الصراع بين عقيدة التوحيد الصافية النقية، وبين عقائد النصرانية الفاسدة ، بأنواعها المتعددة.
لقد لجأت ايطاليا الى المكر والخداع، وبثت الفرقة بين أهالي ليبيا ، والأتراك المساندين لهم، ودعت الى الانفصال عن العثمانيين عن طريق المنشورات ، وكانت الطائرات الايطالية تلقيها على المعسكرات العربية، سارع أهالي ليبيا لاثبات ولائهم للدولة وأرسلوا برقية للحكومة في الاستانة نقلتها بالنص جريدة صباح التركية، جاء فيها:
(نحن العرب أبناء هذا الوطن العثماني المقدس نفديه بالمهج ولاننفصل عنه، ولو أراد هو الانفصال عنا، وإنا لمدينون في حياتنا القومية واتحادنا للجنود العثمانيين وضباطهم البواسل، على ان مانبذله وما سنبذله ايضاً من المهج والمال في الذب عن حوضنا لم نبذله طوعاً لأوامر اخواننا الجنود، بل رغبة بالاحتفاظ بكياننا وإننا نجل هذه الرغبة، لأنها كانت سبباً في شد أواصر الاخوة بيننا وبين إخواننا العثمانيين، فلهذا نعلن لحكومة الاستانة وسائر اخواننا العثمانيين أننا مستعدون لبيع أرواحنا وأرواح أبنائنا على بساط هذه السهول ، والرمال المحرقة دفاعاً عن بلادكم التي هي بلادنا لأننا متأهبون للموت حتى لايبقى منا فرد، والله لايهدي كيد الخائنين)( ).
ولقد فاخرت جريدة طنين التركية بهذه البطولات التي تتفجر من العرب في حرب طرابلس، مشيرة الى أن: (أخواننا العرب فعلوا المعجزات، فبيضوا صفحة تاريخنا ، وعجز ايطاليا في الحال وفي الاستقبال بات أمراً محققاً، ... وبعد ما حالف النصر العرب الذين أبلوا بلاء الحسن ، ... فلتعلم أوروبا هذا والسلام)( ).
إن السلطان عبدالحميد الثاني كان يدرك مدى الولاء الذي يحمله العرب في طرابلس للدولة العثمانية، وفي مقدمتهم السيد أحمد الشريف السنوسي، لهذا كان متفائلاً جداً في تصريحه الصحفي الذي أدلى به لمجلة نور اندسون الألمانية ، وأكد فيه أن الايطاليين سيجدون مقاومة عنيفة من قبل السنوسيين واتباعهم، وستكون خسائرهم فادحة وحساباتهم خاطئة، لأن العرب هناك لن يسلموا طرابلس بسهولة، وأن الدولة قد أمنت لهم مايكفيهم من البنادق والمدافع لكي يقووا على المقاومة والدفاع عن وطنهم( )، وهذا القول هو ما أكده السفير البريطاني في الاستانة السير جيرارد لوثر في التقرير السنوي لسنة 1912م الذي بعثه لوزير خارجيته في 17 ابريل 1913م( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق