88
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثالث
الغزو الإيطالي
أولاً : الهجوم الايطالي على ليبيا:
كانت الدولة العثمانية تعاني اضطراباً خطيراً في أوضاعها الداخلية والخارجية بسبب الانقلاب الذي قادته جمعية الاتحاد والترقي ضد السلطان عبدالحميد سنة 1908م ، وكان ذلك الانقلاب المشؤوم مدفوعاً من قبل اليهود، والماسونية، والدول الأوروبية ، وكان السطان محمد رشاد ألعوبة في يد جمعية الاتحاد والترقي ، ولم يكن السلطان محمد رشاد بأوفر حظاً من سابقيه، لأن النظم التقدمية الخيالية التي تبنتها جمعية الاتحاد والترقي قيدته، كذلك فإن قادة الانقلاب غالوا في نزعتهم القومية وأفرطوا في سياسة التتريك التي نادوا بها( )، وساهموا في ضياع ليبيا يقول الاستاذ محمود الشاذلي: (لعب (قره صو) أحد قادة الاتحاد والترقي في ايامها الأخيرة (1909-1918م) دوراً رئيسياً في احتلال إيطاليا لليبيا وكان يشغل وظيفة مفتش إعاشة، واضطر نتيجة لخيانته أن يهرب الى إيطاليا ويحصل على حق المواطنة الايطالية واستقر في تريستا حيث مات عام 1934م)( ).
وأما متر سالم اليهودي الماسوني، فيتحدث عن دوره الجنرال جواد رفعت أتلخان في كتابه (أسرار الماسونية، ترجمة : نورالدين رضا الواعظ، سليمان أمين القابلي) : (أن طرابلس الغرب (ليبيا حالياً) التي تعتبر موطن أخلص أبناء الدولة العثمانية، قد وقعت في مخالب الايطاليين بمؤامرة خبيثة، دبرها اليهودي الماسوني (متر سالم) الحائز على الدرجة الثالثة والثلاثين في الماسونية، ورسما الخطط اللازمة ودفعت الخزينة الايطالية الملايين من الليرات الذهبية الى اليهودي (متر سالم) لقاء إقناعه الدولة العثمانية بضرورة سحب الأسلحة والعتاد من طرابلس الغرب الى استانبول بحجة التغيير والاصلاح وبمساعي الماسونيين أيضاً سيقت قطعات الجيش الى اليمن، وهكذا سلمت البلاد الطرابلسية (ليبيا) لقمة سائغة للطليان...)( )، وكانت وزارة إبراهيم حقي الاتحادية متواطئة مع إيطاليا الذي ربطتهم به المال، فضاع كل امل أن تنال ولاية طرابلس الغرب شيئاً من عناية الدولة واهتمامها بها، لقد قامت حكومة السلطان عبدالحميد الثاني بإتخاذ الأهبة لرد أي اعتداء على الولاية، وارسل إليها السلطان قائداً من خيرة قواده، هو رجب باشا الذي : (أطلقت يده في شؤون الولاية الادارية والعسكرية، فمرن أهلها على الأصول الحربية وفرق على شبابها وشيوخها البنادق ومرنهم على استعمالها ، وملئ المستودعات العسكرية بالذخائر، حتى أصبح عدد الجيش المرابط في طرابلس حوالي خمسة عشر الفاً وهذا عدا الفرق غير النظامية، (قول أوغلى، من الأهلين العرب، وهؤلاء بلغوا الأربعين أو الخمسين الفاً ومهمتهم معاونة الجيش النظامي ، فقد ابطل الاتحاديون هذه الاستعدادات وشرعوا ينـزعون البنادق من الأفراد بدعوى أن الأهلين قد يقومون في وجه الحكومة إذا طلب منهم تأدية الضرائب والتكاليف الأميرية، وانتهزت وزارة حقي باشا فرصة استفحال أمر الثورة في اليمن، فسحبت معظم جيشها النظامي من طرابلس الغرب لاستخدامه في اخماد هذه الثورة؛ على أنها لم تكتف بذلك، بل أهملت كل الاهمال الفرق الاهلية، فنقصت قوة الدفاع الطرابلسية الى أقل من خمسة آلاف مقاتل فقط؛ ومع أن أهالي البلاد طلبوا الانتظام في سلك الجندية بعد إعلان الدستور العثماني ، فقد أصم الاتحاديون آذانهم ولم يجيبوا الأهلين الى ماطلبوه إلا قبيل وقوع الاعتداء الايطالي لفترة قصيرة، ولم تبدأ الاجراءات اللازمة لتجنيدهم إلا بعدقيام الحرب ذاتها، وزيادة على ذلك فقد نقلت الحكومة العثمانية حوالي أربعين ألف بندقية كانت الدولة قد درجت على حفظها بالبلاد حتى يستخدمها الأهلون عند الطوارئ، ثم لم تفعل شيئاً من أجل إصلاح الاستحكامات ومراكز الدفاع بالبلاد أو تمدها بالمدافع والذخيرة اللازمة للسهر على سلامتها( )، واستغلت إيطاليا نشوب الازمة المراكشية ، وعمدت الى توقيت البدء بالعمل العسكري ضد ليبيا ، فوجهت انذاراً الى الحكومة العثمانية تضمن التالي:
1. تذكير إيطاليا المستمر للباب العالي بالضرورة القصوى لوضع حد لتلك الفوضى والاهمال اللذين تركت فيها طرابلس وبرقة من قبل الحكم العثماني، وهو وضع ترى إيطاليا ضرورة تعديله وفقاً لمقتضيات المدنية والمصلحة الحيوية لإيطاليا بحكم قرب سواحلها من أراضي الولاية.
2. إن مساندة الحكومة الايطالية الدائمة للامبراطورية العثمانية في كثير من المسائل السياسية حتى في الفترة الأخيرة قوبلت بتجاهل رغبات إيطاليا في ولاية طرابلس وبمعارضة أنشطة الايطاليين فيها.
3. رفض الحكومة الايطالية لاقتراح استانبول بإجراء مفاوضات تمنح بمقتضاها إيطاليا امتيازات اقتصادية في الولاية (وتحتفظ لاستانبول شرفها ومصالحها العليا) لأنها تعتقد بأن تجارب الماضي أوضحت عدم جدوى مثل هذه المفاوضات التي قد تطرح أموراً تصبح محل نزاع أو احتكاك جديد.
4. الادعاء بأن قناصل إيطاليا في طرابلس وبرقة تصور (خطورة الحركة السائدة ضد الإيطاليين والتي خلقها فيما بعد ضباط وهيئات أخرى من السلطات المحلية) ، وهي خطورة ليست قاصرة على الإيطاليين وحدهم بل على جميع الأجانب مما دفعهم لمغادرة البلاد.
5. إن الحكومة العثمانية ترسل الناقلات العسكرية لتزيد من تأزم الموقف في البلاد، الأمر الذي يدفع إيطاليا لإتخاذ التدابير اللازمة ضد هذا العمل.
6. قررت الحكومة الايطالية ، الإقدام على احتلال طرابلس عسكرياً (لأن ذلك الحل الوحيد الذي يمكن أن تقبله إيطاليا).
7. تطلب الحكومة الايطالية إصدار الأوامر للممثلين والسلطات العثمانية في الولاية بعدم مقاومة الغزو، ومن الممكن الاتفاق على تنفيذه دون اية عراقيل وستتخذ بعده القرارات اللازمة لتسوية الحالة التي ستنتج عنه( )، قام السفير الايطالي بتسليم مذكرة الانذار لرئيس الحكومة العثمانية حقي باشا الذي دعا وزارته للانعقاد وبحث الأمر معها ثم عرض الموقف على السلطات، وتضمن الرد العثماني إلقاء مسؤولية التخلف الذي شهدته الولاية على حكومات العهد السابق، ونفى وجود أي عراقيل تحول دون الفعاليات الايطالية في الولاية، وحرصت الحكومة العثمانية على تلبية الطلبات بصورة دائمة، وان الاحتجاجات المقدمة إليها من قبل سفارة دولة إيطاليا نفذت بالكامل، وأعطيت تعليمات مشددة لولاتها العاملين في الولاية، وبينت الحكومة التركية أنه لامانع لديها من العمل على تقديم امتيازات اقتصادية واسعة لدولة إيطاليا في ولاية طرابلس الغرب( )، ومع هذا كله، فقد أدعت الحكومة الايطالية أن رد الحكومة العثماني تأخر، فأعلنت الحرب على ليبيا، علماً بأن بوارجها الحربية تحاصر الشواطئ الطرابلسية منذ منتصف شهر أيلول (سبتمبر) أي قبل ارسال الانذار الى الحكومة العثمانية بثلاثة عشر يوماً، ولهذا كلفت بارجاتها بقصف السراي الحمراء الكائنة في مدينة طرابلس( )، وكانت الاساطيل البحرية، تقصف في مدينة طرابلس.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق