87
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثالث
الغزو الإيطالي
في خلال فترة 1882-1896م تزايدت النشاطات التبشيرية الإيطالية في ولاية طرابلس، وخاصة في مجال التعليم، وأقبل بعض الضباط العثمانيين على إرسال أبنائهم إلى هذه المدارس، فأصدر الوالي كمال باشا 1893-1908م قراراً في 21يوليو 1898م منع بموجبه أبناء ضباط الجيش العثماني من الانتساب إلى هذه المدارس وضرورة تحويل ابنائهم إلى المدارس الحكومية العثمانية، ومما جاء في القرار على لسان السلطان قوله: (لقد علمت أن الضباط يرسلون أولادهم إلى المدارس الأجنبية، وحيث أن الحكومة قد فتحت العديد من المدارس التي تسير على المنهج السليم، لذلك لم يبق عذر ولامبرر لإرسال أبناء الضباط إلى المدارس الأجنبية ويمنع هذا رسمياً( ).
استمرت ايطاليا بمحاولاتها الرامية لتأكيد مظاهر نفوذها في ولاية طرابلس وساهمت صحافتها في ذلك عن طريق مجاهرتها بالدعوة إلى احتلال الولاية، والتقليل من شأن العثمانيين، والطرابلسيين، برغم عدم أهليتهم لحكم الولاية وإدارتها( )، فاجتمع من أهل الولاية جمع غفير، وأرسل نحو خمسين من أعيانهم رسالة بالتلغراف إلى استانبول يظهرون فيها إستياءهم من لهجة الصحف الإيطالية، ويبدون فيها استعداداتهم للدفاع عن وطنهم تحت راية الخلافة العثمانية، ومما جاء في الرسالة: (أن أهالي طرابلس الذين يتباهون بارتباطهم بمقام الخلافة الإسلامية والسلطنة العثمانية الذي هو أعظم من حياتهم وأنهم لاينثنون عن الدفاع في هذا السبيل، ولو انثنت عنه الحكومة العثمانية نفسها..، وعلى كل حال فإن رجالنا وأولادنا قد عاهدوا الله والشرف والذمة على أن يريقوا، وبكل سرور آخر نقطة من دمائهم قبل أن يدنس وطنهم أعداء السلطة العثمانية( ).
وهذا الخطاب يدل على مدى ارتباط المسلمين في ليبيا بالخلافة الإسلامية وعلى أصالتهم في مكافحة وجهاد عدوهم وعلى حبهم للموت في سبيل الله وصد كل عدو يفكر في الاعتداء على أراضيهم والنيل من مقدساتهم ولازالت هذه المعاني تجري في دماء الأحفاد الذين ورثوها من الأجداد من أصالة وديانة وشرف قال تعالى: , ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم - عينت الدولة العثمانية، رجب باشا (1904-1908) والياً على طرابلس، وكان من أشد الناس وطأة على سياسة إيطاليا، وعهده كان متميزاً بالنشاط والصلاح (ووقف للسياسة الإيطالية في كل طريق، وماسلكت السياسة الإيطالية سبيلاً إلاّ وجدت رجب باشا، واقفاً لها بالمرصاد)( ).
ومع هذا لم تتوقف المساعي الإيطالية للتغلغل في طرابلس وبرقة، وكانت معظم البعثات الإيطالية التي قدمت إليها في تلك الفترة، قد قامت بزيارتها بناء على مبادرة من الجمعية الإيطالية للاستكشاف الجغرافي والتجاري التي كانت مدينة ميلانو مركزاً لها، وبإيعاز من رئيسها (كامبيريو) مدير مبعثات كثيرة منها بعثت (مانفريد كامبيريو)، وجوزيتِّبي هايمان في سنة 1881م ويبيترو عام 1882م،1883م بنيشة في عام 1895م؟ فينا بيّادى ديني، و ( بيدويتى في سنة 1901م، و (هابنهير)، و (دي سانكتيس) في سنة 1910م وغيرهم كثير، وبعض هذه البعثات أحدثت ضجة واسعة، إذ أن أعضائها قد سجنوا من قبل الأتراك الذين لم يطلقوا سراحهم إلا في نوفمبر 1912م( ).
قام أول هؤلاء المبعوثين (كامبيريو) في سنة 1880م برحلة إلى طرابلس وزار خلالها الخمس ومسلاته، وعند عودته إلى ميلانو طلب من جمعية الإستكشاف الإيطالية إرسال جواسيس إلى برقة لإقامة مراكز تجارية في بنغازي، ودرنه كنقط انطلاق، وقامت البعثات الإيطالية بالتجسس على أوضاع ليبيا الإقتصادية، والزراعية، وقامت بدراسة قرى بنغازي وتوكره، والمرج، ودرنة، وشحات، وطلميثة، وطبرق، وأتيحت لهم فرصة الإطلاع على أحوال ليبيا وعادات الشعب، وطريقة حياتهم، ثم عادوا إلى إيطاليا وقد رفعوا أبحاثهم إلى السلطات الحاكمة، وألقوا المحاضرات، والخطب الرنانة لتشجيع حكوماتهم، وشعبهم على إحتلال ليبيا( )، لقد تمكنت إيطاليا من فتح بنك روما في طرابلس وأنشئت فروعه في ليبيا، وبنت المصانع، والمدارس، ودرست الأوضاع بعناية، وأرصدت الأموال لذلك.
يرى الباحث أنهم استمروا أكثر من ثلاثين سنة وهم يجمعون المعلومات ويرسلون الجواسيس ويخططون لغزو البلاد، ويتوغلون في المجتمع بالمؤسسات التجارية، والمدارس العلمية .. الخ لغزو ديار المسلمين، وهتك أعراضهم، وتدمير بلادهم، وقتل أشرافهم، وسبي نساءهم قال تعالى:, ولايزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم ان استطاعوا- (سورة البقرة، آية ).
وفي سنة 1900م قامت شركة (روباتينو) للملاحة بمد خطاً بحرياً منتظماً مع مدينة طرابلس وفي ديسمبر من نفس السنة أبرم بين فرنسا وإيطاليا إتفاق، ثم التأكيد عليه مجدداً في مايو سنة 1902م وهو عبارة عن بروتوكول يقضي بعدم تدخل متبادل بين الدولتين، وبموجبه أعلنت إيطاليا أنها لن تكون لها أي مطامع استعمارية في مراكش، وأعلنت في مقابل ذلك أنه لن تكون لها هي الأخرى أية مطامع استعمارية في طرابلس وفي سنة 1907م فتح مصرف روما فروعا له في طرابلس، فاستثمرت بها رؤوس أموال وأنشئت مصالح إيطالية، كما تم تطوير الخطوط المحلية معها، والمدارس الإيطالية فيها، وأخذت الحكومة تشجع وتدعم مشاريع مواطنيها الذين كانوا يصطدمون باستمرار بالعقبات التي تواجههم في طريقهم( ).
كانت ايطاليا عازمة على احتلال ليبيا، وبذلت في سبيل ذلك جهداً كبيراً على مستوى الولاية نفسها، بتعزيز مظاهر نفوذها أو على المستوى الدولي بالحصول على موافقة أغلب الدول الأوروبية على ذلك إلا أن شدة تمسك الدولة العثمانية بالولاية في زمن السلطان عبدالحميد الثاني، وقوة نفوذ الحركة السنوسية في دواخل ليبيا، وحسن التنسيق القائم بين الطرفين ، كل ذلك أدى الى تأجيل إيطاليا تنفيذ مشروعها الاستعماري العدواني الغاشم عام 1911م.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق