70
الحركة السنوسية في ليبيا
الفصل الأول
محمد المهدي السنوسي
المبحث الأول
اسمه، وولادته، وشيوخه، ومبايعته، ومواقفه
سابعاً : موقف محمد المهدي من الحركة العرابية:
عندما اشتعلت الثورة العرابية عام 1882م اتصل أحمد عرابي طالباً للعون والمدد وعلمت بريطانيا بالأمر، فتدخلت لدى الدولة العثمانية ونشط قنصلها في طرابلس الغرب لمعرفة موقف المهدي. ويتضح من احدى الرسائل التي بعث بها والي طرابلس الى ولاية بنغازي بتاريخ 16 أغسطس 1882م أنه انتشر خبر مضمونه أن عدداً من قبائل برقة تهيأوا للألتحاق بعرابي وان الخبر وصل الى طرابلس من الاستانة، وأن قنصل بريطانيا في طرابلس يستفسر عن صحته. ويقول الوالي: ( في حال أن هذا الخبر صحيح نطلب منكم إجراء التدابير الحكيمة). وقد اتضح لدى تحقيق المسؤولين في بنغازي أن هذه الجماعة التي تريد دخول مصر ماهي إلا حجاج وأن شيخ الركب هو شيخ الحجاج)( ).
إن المهدي السنوسي كان حريصاً على نموه الطبيعي ولذلك ابتعد عن الدخول في حروب لم يستعد لها، ويبدو أن المهدي السنوسي لم يقتنع بجدوى الثورة، كأسلوب لتحقيق مطالب عرابي لأنها تتيج للأجانب التدخل، وقد وضح هذا الرأي في رسالة بعث بها محمد الشريف أخو المهدي الى الشيخ مصطفى المحجوب شيخ زاوية الطيلمون بتاريخ شعبان 1306هـ بمناسبة قيام إحدى قبائل برقة بالعصيان على الدولة العثمانية، إذ قال فيها: (ونرجو أن تكون الفتنة التي بالوطن قد طفئت لأنها مخيفة سيئة العاقبة تشبه الفتنة العرابية التي من أجلها حل بالوطن الشرقي وأهله ماحل، لأنهم يحركونها ويعجزون عنها فتكون العاقبة التسليم للأجانب؛ فلو أنهم سلكوا طريقاً غير هذا لكان أسهل وأمن عاقبة وذلك بأن يلتجئوا للحضرة السلطانية ويلتمسوا من مراحمها الشاهانية التخفيف من هذا المجعول عليهم قائلين إنهم لاقدرة لهم لهذا الأمر الشاق، والتكليف بما لايطاق وان قلتم لابد منه نجلو عن الوطن، لكلية إذ لا قدرة لنا على العطاء ولا على المخالفة...)( ).
إن نظرة المهدي للثورات الغير مدروسة دراسة دقيقة، تتيح للأجانب التدخل، ويرى أن طريق البناء، والتربية، والإعداد العقدي، والوسائل السلمية هي الطريقة المثلى، وتجنب الفتنة حتى لا يتدخل الأجانب في شؤون المسلمين وكان المهدي قد لزم نفسه واتباعه سياسة حكيمة رشيدة، بعيدة عن ردود الأفعال يقول الاستاذ نيقولا زيادة : (طلب العرابيون مساعدته عام 1882م، وتقدمت إليه إيطاليا راغبة في الاتفاق معه على مقاومة التقدم الفرنسي في تونس عام 1881م وحتى السلطان العثماني طلب منه العون في حربه هذه ضد روسيا عام 1876م، وجرب الألمان ان يحصلوا على عون منه، ضد فرنسا في أفريقيا عام 1872م، لكن السيد المهدي رفض جميع هذه العروض والطلبات، وفضل أن يظل بمنأى عن النزاع الدولي ليتم لهم نشر الاسلام وإصلاح أحوال المجتمع المسلم الذي نذر نفسه له، شأن أبيه من قبل)( ).
حاول زعيم الثورة العرابية احمد العرابي ان يثير الاخوان السنوسيين وشرح لهم موقفه وجهاده ومن بين من كتب لهم السادة؛ أحمد الريفي، وفالح الظاهري، محمد البسكري، وأبي سيف مقرب، ومحمد المدني، أحمد بن ادريس الأشهب، أحمد العيساوي، وعندما وصلت الكتب الى أولئك السادة رفع كل منهم كتابه الخاص الى السيد المهدي ورفضوا الرد على عرابي باشا مالم يؤمروا من السيد المهدي إذ لاحق لهم في المخابرات السياسية والاتصال في مثل هذه الأحوال بالعالم الخارجي دون أن يأمرهم زعيم الحركة( ).
وهذا يدل على قوة التنظيم، ومتانة الحركة، وهيبة القيادة، وفهم الاخوان، وتلاحم الصف، ودراسة الأمور بتأني.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق