إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 4 يونيو 2014

68 الحركة السنوسية في ليبيا الفصل الأول محمد المهدي السنوسي المبحث الأول اسمه، وولادته، وشيوخه، ومبايعته، ومواقفه خامساً : المنهج التربوي الجهادي:



68


الحركة السنوسية في ليبيا

الفصل الأول

محمد المهدي السنوسي

المبحث الأول

اسمه، وولادته، وشيوخه، ومبايعته، ومواقفه

خامساً : المنهج التربوي الجهادي:

حرص الإمام المهدي على تعميق المنهج التربوي في أتباع الحركة، وكان

-رحمه الله- يدرك تماماً أن العمل بأحكام القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة يقتضي وجود القوة والسلطان، ولذلك جعل من الزوايا مركزاً لتعليم الرماية أيضاً؛ فكان يحث الاخوان والأتباع على إتقانها ويبث فيهم روح الأنفة والنشاط ويحملهم على الطراد والجلاد، ويعظم في اعينهم فضيلة الجهاد، وكان المهدي يمتلك خمسين بندقية خاصة يعتني بتنظيفها وإعدادها دائماً بيده ولا يرضى بأن يؤدى هذا غيره من أتباعه الكثيرين قصداً، وعمداً، حتى يقتدى به الناس ويهتموا بأمر الجهاد، ويحفلوا به( ).

ونشطت الحركة السنوسية في تعبئة اتباعها على الاستعداد للجهاد، ونظمت صفوفها، ورأى السلطان عبدالحميد الثاني في الحركة السنوسية قوة منظمة ومعدة اعداداً مادياً ومعنوياً جيداً يمكن استغلالها في المواجهة العسكرية المتوقعة مع أعداء الدولة العثمانية في شمال أفريقيا، وقد أعرب السلطان عبدالحميد عن ثقته بقوة الحركة السنوسية قائلاً: (واذا كان هناك احد عليه الدفاع عن حقوقنا، فهو الشيخ السنوسي، لأنه قادر على أن يجمع حوله ثلاثين ألفاً من الرجال، ولن يتخلى عن بنغازي إلا بعد قتال ثم إن صلته بمئات الألوف من أتباع الطرق والمريدين قوية، فإذا قام السنوسيون قومتهم؛ فلابد أن يجرون الإيطاليين الى صراع دموي أشد مما شهدته السودان في ثورة المهدي، لقد جهزنا السنوسي بمقدار كافي من الاسلحة والذخائر، فهم قوة لايستهان بهم أبداً)( ).

كان هذا التصريح بعد ما وصلت للسلطان عبدالحميد المخططات الايطالية التي كانت تستهدف ليبيا، لأن ايطاليا كانت تحلم بضم شمال أفريقيا، لأنها تراه ميراث ايطالي هكذا صرح رئيس وزرائها (مارتريني) لكن فرنسا احتلت تونس، وانكلترا احتلت مصر، ولم يبق أمام إيطاليا إلا ليبيا.

واستطاعت مخابرات السلطان عبدالحميد الثاني أن تكشف سياسة ايطاليا في ليبيا التي كانت على ثلاث مراحل:

1.    الحلول السلمية، بإنشاء المدارس والبنوك وغيرها من " مؤسسات خدمية".
2.    العمل على أن تعترف الدول بآمال إيطاليا في احتلال ليبيا، بالطرق الدبلوماسية.
3.    إعلان الحرب على الدولة العثمانية والاحتلال الفعلي.

وكانت السياسة الايطالية لاتلفت النظر الى تحركاتها ، بعكس السياسة البريطانية أو الفرنسية في ذلك الوقت وكان الايطاليون يتحركون بحكمة وهدوء شديدين دون إثارة حساسية العثمانيين.
وكان السلطان عبدالحميد متيقظاً لتلك الأطماع الايطالية وطلب معلومات من مصادر مختلفة عن نشاط إيطاليا في ليبيا وأهدافهم، فجاءته المعلومات تقول: (إن للايطاليين بمدارسهم وبنوكهم ومؤسساتهم الخيرية التي يقيمونها في الولايات العثمانية، سواء في ليبيا أو في ألبانيا، هدفاً أخيراً هو تحقيق أطماع إيطاليا في الاستيلاء على كل من:

1-    طرابلس الغرب.
2-    ألبانيا.
3-    مناطق الأناضول الواقعة على البحر الأبيض المتوسط: أزمير، الاسكندرون، انطاكيا.

وقام السلطان عبدالحميد الثاني بإتخاذ التدابير اللازمة أمام أطماع إيطاليا، ولما شعر أنه سيواجه اعتداءً إيطالياً مسلحاً على ليبيا، قام بإمداد القوات العثمانية في ليبيا بـ (15.000) جندي لتقويتها وظل يقظاً حساساً تجاه التحركات الايطالية، ويتابعها شخصياً وبدقة، ويطالع كل ما يتعلق بالشؤون الليبية بنفسه بواسطة سفير الدولة العثمانية في روما، ووالي طرابلس مما جعل الايطاليون يضطرون الى تأجيل احتلال ليبيا، وتم لهم ذلك في عهد جمعية الاتحاد والترقي، ولذلك حرص السلطان عبدالحميد على تقوية الحركة السنوسية
ودعمها مادياً، ومعنوياً( ).

لقد اهتمت الحركة السنوسية بإعداد أفرادها للجهاد في سبيل الله ضد أوروبا الصليبية التي تهاجم ديار المسلمين في كل مكان، وكانت وسائل التربية عند الحركة السنوسية، روحية، وفكرية، ونفسية، وجسدية، واجتماعية، ومالية، فكان اهتمام الحركة بالتربية الروحية عظيماً، ولذلك تعلق أفراد الحركة السنوسية بالجنة وحرصوا على رضى الله تعالى، وتعمقت مفاهيم القضاء والقدر في نفوسهم، فأصبحوا لايخافون إلا الله، فكانوا يتربون على قول رسول الله ?: ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ به الروح ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه وأجله وعمله شقي أو سعيد...)( ).

فأجل المرء يكتب وهو في بطن أمه قال تعالى: ?الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى الى أجل مسمى? (سورة الزمر،آية 42).

كانت عقيدة القضاء والقدر واضحة المعالم في فكر الحركة السنوسية، فأصبح اتباعها يؤدون واجبهم بكل شجاعة، وهم على يقين راسخ بقوله تعالى:?قل لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون? (سورة التوبة، آية 51).

ولقد ألتقيت بالشيخ الفاضل رئيس المحاكم الشرعية في ليبيا سابقاً في زمن المملكة الليبية، الشيخ منصور المحجوب بمكة المكرمة وحدثته عن حرصي لكتابة تاريخ الحركة السنوسية، فأنساب في الحديث عن رجالات الحركة وحبهم للاسلام، وتعلقهم بالآخرة وجهادهم ضد فرنسا وذكر بعض المجاهدين عندما استعصى عليهم فتح حصن من الحصون التي احتلتها فرنسا بتشاد قاموا بحصاره وتأخر الفتح اقسم احد الأخوان السنوسيين أما الشهادة وإما الفتح، وانقض كالأسد بجواده على الحصن وكان ذلك الهجوم سبباً في الفتح وفاضت عينا الشيخ منصور بالدموع، وشرع في البكاء ثم قال أولئك قوم عرفوا الله وعملوا بهذه المعرفة ثم وجه الخطاب إليّ وقال لي ياصلاّبي اتقي الله في كتابتك واعلم بأن الله سيحاسبك عليها يوم القيامة، وانتفضت من مكاني من شدة تأثير كلامه عليّ، وحثني على الاخلاص والرغبة فيما عند الله وقال لي أنا الآن قد جاوزت السبعين من عمري وقد رأيت الكثير في الدنيا ورفع يده الى فمه ثم نفخ في كفه وقال إن حقيقة هذه الدنيا مثل هذه النفخة.

إن الشيخ منصور المحجوب يعتبر من اتباع الحركة السنوسية وقد تولى مناصب كبيرة من رئاسة الجامعة الاسلامية بالبيضاء، وتولى رئاسة القضاء وهو من مؤسسي رابطة العالم الاسلامي وأخبرني بأنه ماكث في مكة ينتظر الوفاة حتى يدفن في الأراضي المقدسة.

إن الحركة السنوسية اهتمت بتربية اتباعها على الصلاة والقيام، والصوم، والزكاة، والحج، وتلاوة القرآن الكريم الذي هو حبل الله المتين ونوره المبين والذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم.
إن من أعظم العبادات ومن أحسن الوسائل في التربية الروحية التي سلكها السنوسيون هي تلاوة القرآن الكريم والتفقه فيه والعمل به قال تعالى:

?لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون? (سورة الحشر، آية 21).

إن القرآن الكريم يطهر النفوس، ويحي القلوب، ويغذي الأرواح ويصل الافراد بخالقهم العظيم سبحانه وتعالى، ولا تعجب أيها القارئ الكريم اذا علمت أن احمد الشريف السنوسي القائد الثالث للحركة السنوسية -رحمه الله تعالى- كان يشترط في حرسه الخاص حفظ القرآن الكريم وان التعاقب بين جنوده يعرف عن طريق تلاوة الاجزاء من القرآن الكريم.

وكانت الحركة في وسائلها التربوية لأتباعها تهتم بأخبار العالم الاسلامي وتوصيلها الى الأتباع، وكانت الزوايا تقوم بهذا الدور، وكانت القوافل تتوغل في الدول الاسلامية للتجارة، وتأتي بأخبار الاسلام والمسلمين، والأعداء، وكانت تغذي اتباعها بالتربية الفكرية والنفسية للوقوف ضد اطماع النصارى الغزاة المجرمين وكانت تهتم بالتربية الجسدية لأتباعها ولذلك نجدهم يقطعون الفيافي والصحارى على الجمال ثم يجاهدون الأعداء بعد قطع مئات الكيلومترات، وقد وجدت في سيرة عمر المختار -رحمه الله- انه قطع على جواده ثلاثة أيام متواصلة ليلها بنهارها لفض النزاع بين عزير المصري قائد من ضباط الاتراك واحدى القبائل، وهذا يدل على لياقة بدنية عالية، وقوة بدنية متميزة.

كان المهدي السنوسي يسير بخطى ثابتة، ووفق أهداف مرسومة، ويستعد للمستقبل القريب حيث بدأت الأطماع الفرنسية تتوغل في أفريقيا، وبدأت الدول الأوروبية تصطدم مصالحها مع وجود الحركة السنوسية في أفريقيا.



يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق