67
الحركة السنوسية في ليبيا
الفصل الأول
محمد المهدي السنوسي
المبحث الأول
اسمه، وولادته، وشيوخه، ومبايعته، ومواقفه
رابعاً: نمو الحركة السنوسية واسبابه:
نمت الحركة السنوسية في عهد محمد المهدي نمواً كبيراً، وتضاعفت عدد الزوايا أكثر من أربعة أضعاف وانتشرت هذه الزوايا في الصحراء الكبرى، وعلى طريق مصر، وتونس، وفي واداي …وغيرها.
وكان من اسباب هذا النمو السريع، طبيعة الحركة، ونظمها المتطورة بالنسبة لعصرها، وفهمها لطبيعة المجتمعات القبلية، وطول المدة التي قضاها الزعيم الثاني في قيادة الحركة إذ تجاوزت اربعين سنة، فتمكن أثناءها من تركيز العمل الذي بدأه والده وكان يقول: ( إن والدي بدأ عملاً من المنتظر أن يأتي بنتائج عظيمة، وقد أخذت على عاتقي اتمامه وليس على غرض آخر)( )، وكانت سياسته الحكيمة تمنعه من الاحتكاك بالدولة العثمانية، او الدول الأوروبية وحصر جل اهتمامه بنشر الدعوة بين القبائل، وساعدته اخلاق رفيعة، وصفات حميدة تحلى بها في اقبال الناس على الحركة السنوسية، واحتل بها مكانة رفيعة في قلوب الاخوان والأتباع ومؤيدي الدعوة، فكان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبث العلوم في اوساط القبائل متبعاً في ذلك كتاب الله تعالى وسنة رسوله?.
قال احمد رفيق المهدوي:
كانت طريقته القيام بسنــة
نبوية لالاءة الاوضـــــــــــــــاح
فله من الخدمات للاســـلام
مايعلو على متناول الشــــــــراح
يكفيه نشر الدين في الالاف من
أقصى حدود(الشاد)حتى (الواح)
نصر لدين الله بين مجاهـــل
صعبت على الرواد والسيـــاح
فازوا من الفتح المبين بعــزة
الاسلام بعد عبادة الاشـــباح( )
لقد تحلى الامام محمد المهدي بعلم وورع وتقوى، وشخصية جذابة، وبعد نظر، وثاقب فكر، ورأي صحيح، وعزم شديد وحرص أكيد على اتمام البناء الذي شيده والده، والعمل بكل جهد وقوة من أجل نشر الدعوة بين أهل البلاد القريبة والبعيدة في أفريقيا الوسطى خصوصاً حتى ذاع صيته، وتمكن السنوسيون بفضل الله تعالى ثم جهودهم المتواصلة من أن يصلوا بدعوتهم الى قلب الصحراء الكبرى، وأطرافها حتى جهات بحيرة تشاد ومايجاورها من إمارات اسلامية قديمة أو قبائل زنجية وثنية أو قبائل أخرى لم يكن قد صلح حال اسلامها بعد( ).
لقد دخلت عدة قبائل افريقية في الدعوة الاسلامية بفضل الله تعالى ثم جهود الحركة السنوسية ومن أشهر القبائل التي استجابت لدعاة الحركة السنوسية؛ قبيلة بلي التي كانت على الوثنية، ووصلت الدعوة الاسلامية الى شعب التيدا في بلاد تيبستس بالصحراء الكبرى جنوب واحة فزان، فقد كانوا لايعرفون من الاسلام إلا إسمه، وكان دعاة الحركة السنوسية قد توغلوا في افريقيا ووصلوا الى بلاد الجَلا في الحبشة، فيرسلون إليها في كل عام من هَرَر، حيث تتمتع السنوسية بنفوذ كبير، وتكاد تجد كل الرؤساء منهم في بلاط الأمير بلا استثناء، وكانت الحركة السنوسية، تفتح المدارس وتبنى المساجد، والمراكز الاصلاحية وتشتري العبيد ثم يعلمونهم مبادئ الاسلام ثم يعتقوهم ويرسلونهم الى أوطانهم وقبائلهم ليدعوا اقوامهم الى الاسلام( ).
واستفادت الحركة السنوسية من هجرة القبائل العربية القديمة في افريقيا وجددت الصلة معها ونسقت معها في الدعوة وفي الجهاد ضد فرنسا ومن اشهر هذه القبائل؛ أولاد سليمان، أولاد يعقوب، أولاد غنّام ، المحافيظ وغيرها كثير وكانت قد استقر بعضها في مالي، وتشاد، والنيجر، ونيجيريا ، والكمرون( ).
وتمكن الامام المهدي ان يبني علاقات قوية مع الامارات الاسلامية في واداي، وبرقو، وكانم وغيرها، واختط خطة حكيمة كانت مبنية على الحيطة والحذر من النفوذ الصليبي الأوروبي في افريقيا ثم عدم التردد في مكافحة هذه الدول إذا جد الجد، كما فعل مع فرنسا( ).
وواصل المهدي السنوسي سيره في فتح المراكز الاصلاحية، والمدارس القرآنية، وبناء المساجد التي اهتمت بنشر الاسلام، وقام بإرسال دعاة ومبشرين بالاسلام ودين الله، اشتهر منهم العلامة، محمد عبدالله السني، والشيخ حموده المقعاوي، وطاهر الدغماري، وغيرهم كثير.
وقام المهدي، بتقوية الصلات التجارية بين الزوايا وبين مراكز التجارة والاسواق المختلفة، ونتج عن ذلك استتباب الأمن في هذه الربوع وإنتشار الطمأنينة، فقد زاد نشاط القوافل وأقدم المسافرون والتجار على قطع الفيافي والصحارى من غير تردد، فظهرت بوادر العمران في الطرق الصحراوية وأصبح من الميسور على دعاة الحركة أن يصحبوا هذه القوافل وهؤلاء المسافرين والتجار في رحلاتهم وأسفارهم ويدعون الى الاسلام، ويقضون على الوثنية، ويعطلون بذلك أعمال التنصير الذي تدعمه الدول الأوروبية في أفريقيا، وبالفعل حققت الحركة انتشاراً عظيماً في أوساط أفريقيا مثل بلاد النيجر ، والكنغو، والكامرون، وجهات بحيرة تشاد، وذاع خبر الحركة السنوسية في افريقيا من خلال طريق واداى وبرنو وكانم واداموا والداهومي( ) وغيرها، وبدأت الدول الأوروبية تشعر بخطر الحركة السنوسية وشرعت في حبك دسائسها ومؤمراتها وتأليب الدولة العثمانية عليها، لقد صدمت الدول الأوروبية بالنتائج التي حققتها الحركة السنوسية، واشتاطت غضباً وحقداً على الاسلام وهي ترى قبائل وثنية مثل التبو، والبرقو، الندى تدخل طائعة مختارة في الاسلام( ).
كان الدعاة السنوسيون يعملون بالليل والنهار، والسر والاعلان، ويقطعون المسافات الشاسعة من أجل دعوة الله تعالى وكان بعضهم يترك أهله وأطفاله في الجغبوب وذات مرة دخلت السيدة صالحة البسكرية زوجة ابن السنوسي على محمد المهدي وكان يجلها ويحترمها، وقالت له: ان نساء الاخوان قد سئمن كثرة اسفار ازواجهن، وطول تغيبهم، وعدم استقرارهم، فابتسم وقال : إن الجهاد طويل وشاق، وان العمل يتطلب الجد، والشيء الذي ينتظرنا وينتظر اخواننا في المستقبل اشق مما هم عليه الآن)( ).
وكان الامام المهدي مهتماً بالبناء الداخلي للحركة ولذلك اشرف بنفسه على إصلاح ذات البين بين القبائل وكان يرى وحدة الصف والتربية الجهادية مهمة في مواجهة المعارك القادمة ضد الاسلام.
وعندما اشتد النزاع بين قبائل الجبارنة وأولاد علي ووصل الى مرحلة اوشك القتال أن يندلع بينهم بسبب حادثة قتل جربوع بن الشيخ ابو سيف الكزة بمصر وكان الشيخ ابو سيف ابن ابي شنيف الكزة من الشخصيات الظاهرة بين شيوخ الجبارنة ومسموع الكلمة وهو والد المقتول، فأصبح داعية كبرى لغزو أولاد علي وأنشد قصيدة باللغة الشعبية مثيرة لما كمن من الاحقاد والضغائن، ومسعرة لشرار الغضب، ومذكية لنار الانتقام يستنجد بها جميع القبائل الموالية له أو التابعة والمرتبطة به، كما جرت العادات ويحثهم في قصيدته بالاستعداد لغزو أولاد علي، وقتل رجالهم، وأخذ أموالهم وسبي نساءهم وكانت مطلع قصيدته تقول:
ياعون من قابلا عـون
وأشرف على رأس عال
أو جنة فراجين وحسون
أوعينت طامية في المشالي( )
وكاد الشيخ ابوسيف أن ينجح فيما أراده للغزو حيث لبي طلبه، وأخذت قبائل أولاد علي تستعد للمعركة وأرسلت الى الشيخ ابي سيف تدعوه للإسراع للقتال وفي هذه الأثناء وصل كتاب من شيخ زاوية مسوس السنوسي الاشهب الى الزعيم محمد المهدي يخبره بالأمر، فأرسل المهدي في طلب الشيخ أبي سيف بسرعة، فأمتثل الأخير أمر السيد المهدي في الوقت الذي تقرر فيه الغزو وارجأه الى أن يعود من الجغبوب ولما وصل الشيخ ابو سيف ومثل امام يدي إمام الحركة السنوسية الذي أخذ ينصحه في الإقلاع عما عزم عليه، ويبين له حرمة هذا الفعل الجاهلي، فأمتثل الشيخ ابو سيف أمر المهدي، واقلع عن فكرته وعاهد إمام الحركة بالعدول عنها وان لايعود لمثلها، بالرغم عمّا في ذلك من المساس بكرامته وكرامة بني قومه وسمعتهم التي يرون حفظها في الأخذ بالثأر ورجع الشيخ أبي سيف وبر بوعده وأمر قومه والنجدات التي استعدت لمساعدته بالرجوع الى مواطنهم، وكتب الى زعيم قبائل أولاد علي وبقية شيوخهم يخبرهم بالعدول عن رأيه وأن يكونوا في مأمن من جهته لا خوفاً منهم ولا خشية من العاقبة ولكن امتثالاً لأمر الشرع وطاعة لزعيم الحركة السنوسية( ).
وكان المهدي يحرص دائماً على ازالة البغضاء والشحناء من نفوس القبائل المتعادية، ويدعوها الى أخوة الاسلام، وشغلها بالطاعة، ودفعها نحو المعالي، والأخلاق الرفيعة، واستطاع أن ينظم من القبائل كتائب للجهاد ساهمت في قتال فرنسا وبعد وفاته قاتلت ايطاليا.
لقد كرّس المهدي جهوده للبناء الداخلي في الحركة واختط طريقاً سلمياً تجنب الاحتكاك فيه جهد المستطاع بالقوى المحيطة به، واستطاع أن يتخذ مواقف تدل على بعد نظره وثاقب فكره من الثورات التي حدثت في السودان وفي مصر، وكذلك الدول الأوروبية.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق