إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 2 يونيو 2014

436 تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها سيناء والحرب الحاضرة سنة 14: 1916م



436


تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها

سيناء والحرب الحاضرة سنة 14: 1916م


ما أشد هول هذه الحرب وأعظم ويلاتها وأكثر ضحاياها . لقد شاهد العالم في زمن نوح " طوفان الماء " ونحن نشاهد الآن " طوفان الدماء " . أما طوفان الماء فقد عم بعض جها الشرق وأما طوفان الدماء هذا فقد عم الشرق والغرب واضطرمت نار الحرب في البر والبحر والهواء والماء وتحت الماء وفوق الأرض وتحت الأرض . إنها لحرب التاريخ فإذا ذكرت الحرب بعد الآن مجردة عن الوصف والتعريف انصرف الذهن إلى هذه الحرب والعياذ بالله .

لما طير البرق خبر هذه الحرب في أواخر يوليو سنة 1914 كنت مع القائلين أنها لا تقع وإنها وإن اضطرمت نارها فلا تلبث أن تطفأ لأن شدة هولها وجسامة خسائرها وويلاتها تحمل القائمين بها على قتلها في المهد . ولكن ما لبثنا أن رأينا أن علمنا بغايات المثيرين لها وأخلاقهم ودرجة رقيهم الانساني كان قاصرا جدا . فإنه لم يكن إلا القليل حتى اشتعلت نار الحرب في شرق أوربا وغربها وصار البرق يطير لنا من أخبار ويلاتها كل يوم ما تقشعر له الأبدان وتتفطر لهوله القلوب . وما زال هذا الحال المحزن المخيف المخجل للإنسانية إلى اليوم فويل لمثيري هذه الحرب من حكم التاريخ وويل لهم ثم الويل يوم الحساب الأخير . هذا ولما انقطع رجاؤنا من إيقاف الحرب بقي لنا رجاء حار وهو أن الفئة القائمة    ص   739

أمر الدولة العثمانية تتخذ خطة الحكمة والسداد فلا تتعرض لهذه الحرب الطاحنة بل تحافظ على الحياد التام مع الميل قلبا إلى الحلفاء إذ مصلحتها في مصافاتهم وتنتفع من هذه الفرصة النادرة فتلم شعثها وتنظم أمورها الداخلية وتحكم شعوبها المختلفة بمبدإ اللامركزية وتؤلف منهم دولة قوية متضامنة تعيد الشرق إلى سابق عزه ومجده .

ولكن هذا الرجاء ما لبث أن تبدد ورأينا والأسف ملء افئدتنا أن الاتحاديين القائمين الآن بالأمر في تركيا قد زجوا بأنفسهم وبالدولة في هذه الحرب الضروس في جانب الألمان . وكان الحلفاء قد بذلوا منتهى الجهد لإقناعهم في البقاء على الحياد وأن ذلك في مصلحتهم فلم يقتنعوا لأن لمعان ذهب الألمان كان قد بهرهم حتى لم يعودوا يبصرون . فاللهم صبرك . اللهم رأفتك بالأبرياء من أبناء سوريا والعراق وآسيا الصغرى الذين يضحي بهم الاتحاديون على مذبح الألمان . اللهم اشفق على خلائقك أجمع وأرح العالم شر هذه الحرب الطاحنة المخيفة إنك الحكيم القدير الرؤوف المتعال .

أما غرض الألمان من إدخال تركيا في هذه الحرب فهي أن تجيش منها جيشين : جيشا من آسيا الصغرى وتركيا أوربا قاعدته ارضروم لمهاجمة الروي في القوقاس . وآخر من سوريا والعراق قاعدته دمشق الشام لمهاجمة الانكليز في مصر . والألمان عالمون حق العلم أن الأتراك غير مفلحين في القوقاس ولا مصر وإنما أرادوا أن يشغلوا قسما كبيرا من جيوش الروس والانكليز ويمنعوه من الذهاب إلى ميدان الحرب في شرق أوربا وغربها كما قدمنا . وموضوعنا الآن الجيش الذي أعدته تركيا من سوريا والعراق في دمشق الشام لمهاجمة مصر .

" جيش سوريا والعراق " تجند الدولة من سوريا والعراق في زمن الحرب أربعة فيالق على الأقل :

1- فيلق حلب ثلاث فرق : فرقة من حلب وفرقة من كلس وفرقة من أدنة .

2- فيلق الشام ثلاث فرق : فرقة من الشام وفرقة من بيروت وفرقة من القدس

3- فيلق الموصل فرقتان : فرقة من الموصل وفرقة من كركوك

4- فيلق بغداد فرقتان : فرقة من بغداد وفرقة من البصرة .    ص   740

وجملة الفرق عشر . والفرقة ثلاثة آلايات . والآلاي أربعة طوابير أو أورط في زمن الحرب وثلاثة في زمن السلم . ومتوسط عدد الأورطة ألف رجل . فجملة ما يمكن جمعه من سوريا والعراق مئة وعشرون ألف رجل .

" سكك الحديد في سوريا وضواحيها " وتمتد سكة حديد من حيدر باشا تجاه الآستانة فتخترق آسيا الصغرى مارة بأزميد . فافيون قره حصار . فقونية . فبوزانتي وهنا قطع تحدثه جبال طورس يجاز بالعربات إلى طرسوس . ومن طرسوس تمتد سكة الحديد إلى أدنة . فالحميدية وهنا قطع آخر تحدثه جبال اللكام يجاز بالعربات إلى راجون . ومن راجون تمتد سكة الحديد إلى حلب فحماه فحمص فالرياق فبعلبك . فدمشق الشام . ومن حلب خط يمتد شرقا إلى رأس العين في الطريق إلى نصيبين فالموصل ومن حمص خط يمتد غربا إلى طرابلس الشام على البحر المتوسط .

ومن الشام يتفرع ثلاثة خطوط : خط يمتد غربا مارا ببعلبك فالرياق ومخترقا لبنان إلى بيروت وآخر بمتد جنوبا إلى المزيريب . وآخر يمتد جنوبا مارا ببصرى حوران فدرعا . فمعان فالعلاء فمداين صالح إلى المدينة . ومن درعا على خط المدينة يتفرع خط إلى حيفا على البحر المتوسط مارا بتل شهاب فسماخ فالسيلي فحيفا . وهناك خط يمتد من يافا على البحر المتوسط إلى القدس مارا باللد .

ومن محطة السيلي في خط حيفا خط يمر بعفولة فسباستيا . فنابلس فاللد فبئر السبع وقد بدئ بهذا الهط بعد دخول تركيا الحرب فتم السبت 30 أكتوبر 1915

" تنظيم الحملة على مصر " ولما أعلن الاتحاديون الدخول في الحرب كان قومندان الجيش الرابع في سوريا الفريق زكي باشا الحلبي فقاوم فكرة الحملة على مصر مصرحا بأن أمل النجاح فيها ضعيف جدا خصوصا بعد أن فشل في جمع الإبل وإثارة القبائل للإنضمام إلى الجيش . فعين ياورا لامبراطور ألمانيا ونقل إلى برلين وسمي مكانه الفريق أحمد جمال باشا قائدا عاما للحملة على مصر .  ص  741

وكان زكي باشا قد بعث بفيلق حلب إلى الآستانة فلما حضر جمال باشا أتى بفيلق الموصل إلى حلب وجعله جيشا احتياطيا وحاميا للسواحل . وأعد فيلق الشام العربي كله ثلاث فرق للحملة على مصر وعززه بفرقتين تركيتين أتى بهما من أزمير والآستانة والمجموع خمس فرق في كل فرقة 12 ألفا والكل ستون ألفا . أضاف إليها من المتطوعة تسعة آلاف من سوريا وألفا من الحجاز فكان مجموع رجال الحملة على مصر سبعين ألف مقاتل ومعها المقرر لها من الطوبجية والفرسان والمهندسن والأطباء.

وكان مع الطوبجية من المدافع الكبيرة البعيدة المدى أربعة أتوا بها من الآستانة . وكان مع الحملة 8 آلاف جمل ؛ ألفان منها لجر الأحمال التي وضعت على مركبات زحافة على الرمل و 6 آلاف لحمل الزاد والذخيرة والماء . وكان معها أيضا جسر مؤلف من 36 زورقا حديديا لمده على الترعة . وهذه الزوارق يمكن استخداها أيضا أرصفة عائمة لمد الجسور ونقل المؤونة فهي بذلك زوارق ومركبات معا . وقد شاهدنا بعض هذه الزوارق في محل عرضها بالقاهرة بعد الواقعة فإذا هي مخرقة بالرصاص كالشباك .

هذا وبينما كان جمال باشا يعد جيشه للزحف على مصر كان الألمان والنمساويون والأتراك الاتحاديون وأشياعهم في مصر يدسون الدسائس لإحداث ثورة في البلاد ضد الانكليز . وكان القصد أنه عند تقدم الجيش المهاجم من الشرق يهاجم السنوسي من الغرب وتثور العربان في قلب مصر فيقع الانكليز في الارتباك ويملك الجيش المهاجم مصر . وقد أحدثوا فعلا بعض الشغب في البلاد .

ولكن السلطة العسكرية تنبهت لهم ونفتهم إلى مالطة أو غيرها أو اعتقلتهم في مصر فلم تأت سنة 1915 حتى كانت مصر قد تنقت منهم . وكانت انكلترا قد طهرت البحار من سفن الأعداء فأخذت ترسل إلى مصر الجند بعشرات الألوف بل بمئاتها من انكلترا من التريتوريال واستراليا ونيوزيلاند والهند حتى ملأت جنودها البر والبحر وأصبح لسان حالها ينشد قول الشاعر العربي :

ملأنا البر حتى ضاق عنا    وظهر البحر نملأه سفينا          ص   742

وانتشر الجند على حدود مصر وفي أمهات مدنها وأخذوا ينثرون الذهب في أسواقها فارتفعت الضائقة المالية عنه وعوضت أضعاف ما خسرته من نزور أسعار أقطانها . وأخذت السلطة العسكرية تستعد لصد الحملة على مصر فأمرت بإخلاء سيناء لتجعل الصحراء بينها وبين الجيش المهاجم كما مر . وفتحت سدا في البحر المتوسط على زاوية سيناء الشمالية الغربية فأغرقتها إلى قرب القنطرة . وحفرت الخنادق أيضا على ضفة الترعة الشرقية من القنطرة فجنوبا وعززتها بالجيوش القوية . وحفرت الخنادق أيضا على الضفة الغربية وبالغت في إتقانها وعززتها بخمسين ألف جندي . واجتمع وراءها من الاحتياطي 40 ألف رجل في الزقازيق وغيرها . وعضدت الجيوش ببعض مدرعات حربية في بحيرة التمساح وقطارات سكة حديد مسلحة تمر بين بوتسعيد والسويس وأحضرت الطيارات للأستكشاف واستعدت لكل طارئ . ومع ذلك فقد توهم البعض أن في استطاعة الجيش المهاجم اختراق الترعة . ولكن العارفين صحراء سيناء وصعوبة تسيير الجيوش فيها والواقفين على معدات الدفاع على القنال أكدوا لهؤلاء المتخوفين فشل الحملة لأن أمامها من العقبات الطبيعية والحربية ما يستحيل على أي جيش من جيوش العالم التغلب عليها . وأول تلك العقبات وأصعبها " الطريق " ولقد عرف غزاة مصر منذ القديم صعوبة تسيير الجيوش في برية سيناء القاحلة لذلك لم يجسر أحد منهم أن يهاجم مصر من أيام سنحاريب الأشوري إلى قمبيز الفارسي إلى اسكندر المقدوني وانتيغونس اليوناني وغيرهم إلا بعد أن امتلك سوريا وموانيها وتمكن من الانتفاع ببحرها ومراكبها كما مر . وكان الاسكندر يقول " لا بد لنجاح الحملة على مصر من امتلاك فينيقية " لذلك رأيناه في زحفه على مصر قد ثبت على حصار صور سبعة أشهر وعلى حصار غزة شهرين وأضاع قدرا كبيرا من المال والرجال في فتحهما ليتمكن من الانتفاع بمراكب الفينيقيين فسيرها بالزاد والمهمات في البحر وسار هو محذيا لها بجيشه في البر . وكان يطليموس الأول خليفة الاسكندر على مصر يرى أنه لا بد لامتلاك فينيقية من امتلاك جزية قبرس فبذل كل ما عز وهان حتى امتلكها كما مر      ص  743

وكذلك نابليون عند مهاجمته سوريا من مصر أرسل الجيش في البر والمثقلات وأدوات الحصار في البحر ولما كان البحر المتوسط إذ ذاك بيد الانكليز قسم أدوات الحصار قسمين وأرسلهما إلى سواحل سوريا في عمارتين عمارة من الاسكندرية وعمارة من دمياط حتى إذا ما صادف العدو احداهما وأهلكها سلمت الأخرى ثم إن ابراهيم باشا عند مهاجمته سوريا سنة 1893 أمن جانب البحر فأرسل الجيش في البر وسار هو بالمثقلات في البحر . أما الآن فجزيرة قبرس التي هي مفتاح فينيقية بل سواحل فينيقية كلها والبحر المتوسط بيد المتولين الدفاع عن مصر فلم يبق طريق للحملة من سوريا إلا صحراء سيناء .

ولا يخفى أنه ليس في صحراء سيناء كلها مكان واحد يصلح لأن يكون قاعدة أو أساسا للحملة على مصر تحشد فيه الجند فتستريح وتأخذ الأهبة قبل مباشرة الهجوم ثم تلجأ إلى الأساس إذا قدر لها الفشل . فكان لابد من حمل الزاد والماء والذخيرة والأسلحة والمدافع وسائر المهمات الحربية ذهابا وإيابا في فلاة جرداء لا يقل اتساعها عن 150 ميلا . والمسافة بين ماء وماء في طرقها تختلف من يومين إلى أربعة . ثم إنه ليس في أي الطرق ماء إلا لعدد محدود من الجند قد لا يزيد على 20 ألف رجل . هذا إذا كان السفر في فصل الشتاء واتفق نزول الأمطار بغزارة في سيناء وقاضت الينابيع وامتلأت الخيران كما حصل في سنة مجئ جمال باشا وإلا فالعدد الممكن تسييره من الجند في تلك الفلاة  ينقص بنسبة نقص الماء في الينابيع والخيران . ثم إن هذا الجيش الصغير يضطر أن يوالي السير  في تلك الرمضاء وهو مثقل بأحماله فلا يقف إلا ريثما يتنفس خوفا من نفاد الماء والزاد حتى يصل القنال تعبا منهوكا ليهاجم جيشا مستريحا أكبر منه عددا وأفضل عددا وارقى نظاما معتصما بخنادق على أحدث طرز ومحميا من الوراء بالطرادات في البحر والقطارات المسلحة في البر والنجدات العظيمة على رؤوس السكة الحديدية في المدن المجاورة . وعنده من الزاد والماء والذخيرة ما يكفيه سنين . وفوق ذلك كله فإن الجيش المدافع شاعر في نفسه أنه يدافع عن كرامته وكرامة أمته وبلاده وحرية الأمم   ص  744

" واقعة القنال في 3 فبراير سنة 1915 "

واقعة الطور في 12 فبراير سنة 1815

" السيد أحمد الشريف بن السيد محمد الشريف السنوسي "

علي دينار سلطان دارفور وحكومة السودان

صاحب المعالي الجنرال السر رجينولد ونجت باشا والسلام مع السودان


يتبع

  [IMG]http://img137.imageshack.us/img137/913/w6w20060221105143ce8876fe3aa9j.gif[/IMG]

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



437

تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها

سيناء والحرب الحاضرة سنة 14: 1916م

" واقعة القنال في 3 فبراير سنة 1915 "

هذا وأسهل الطرق وأقربها إلى مصر من سوريا طريق الساحل المشهورة . وأول موضع في هذه الطريق يصلح أن يحشد فيه الجيوش بعد الدخول في سيناء مدينة العريش لكثرة مائها ولكن لم يكن في وسع جمال باشا تسيير الجيوش بهذه الطريق ولا حشدها في العريش لأن الطريق والمدينة معرضتان لبوارج الحلفاء فكان لا بد لجمال باشا من اتخاذ طريق داخلية بعيدة عن مرمى القنابل باتخذ طريق القدس إلى بئر السبع واتخذ هذه البئر أساسا للحملة على مصر . وهناك قسم جيشه ثلاثة جيوش وسير كل جيش في طريق : 1- جيش صغير بقيادة ممتاز بك وفيه متطوعة سوريا والبدو يحتل " العريش " مختبئا في الوادي ثم يسير في طريق العريش وقطية لمهاجمة القنال عند كوبري القنطرة .

2- وجيش صغير آخر وفيه متطوعة الحجاز واورطة من فرقة الشام يحتل " نخل " ثم يسير في طريق السويس لمهاجمة الكبير بقي بقيادته وفيه فرقة الشام العربية المعروفة بالفرقة ال 25 تسير في المقدمة ووراؤها فرقتا أزمير والآستانة التركيتان ووراء هؤلاء الفرقتان العربيتان الباقيتان من فيلق الشام . وقد سار هذا الجيش في طريق الاسماعيلية لمهاجمة الترعة عند كوبري الاسماعيلية مارا بالأمكنة الآتية : بئر السبع . فالخلصة فبئر العوجة فبئر الروافعة في وادي العريش . فجبل البني فمحطة السر بقرب بئر المر تجلب إليها الماء على الإبل من آبار المقضبة والروافعة والحسنة وبئر أولاد علي واللجمة . فحمة الركاب فروض سالم وهناك ثميلة يستخرج منها الماء بالطلمبات . فالجفجافة كذلك . فالخبرة شمالي جبل أم خشيب وهناك غدير شهير . وعند وصول جمال باشا إلى الخيرة قسم جيشه قسمين : قسما صغيرا سيره بقيادة كمال بك إلى بئر المحدث لمهاجمة الاسماعيلية عند الكوبري . والقسم الأكبر بقي بقيادته فسار به إلى كثيب النصارى على نحو 3 ساعات بسير الإبل من القنال تجاه محطتي سرابيون وطوسون . هذا وفي أثناء زحفه على الاسماعيلية زحف الجيش   ص   745

الذي أرسله بطريق العريش لمهاجمة القنال عند القنطرة والجيش الذي أرسله بطريق نخل لمهاجمة القنال عند السويس فهاجم القنال في القنطرة والاسماعيلية وسرابيوم وطوسون والسويس في وقت واحد . ولكنه لم يصل من جيش جمال باشا إلى القنال إلا نحو عشرين ألفا ومعهم جماعة من الضباط الألمان أركان حرب . وهذا الجيش الصغير على ما كان عليه من التعب وسوء الحال هاجم في فجر 3 فبراير سنة 1915 ذلك الجيش العظيم الذي كان مرابطا على القنال على كمال دربته واستكمال عدته واتقان خنادقه ورباطة جأشه وثقته بنفسه .

وقد كانت النتيجة ظاهرة للعيان لا يشوبها ريب ولا ظل ريب وما من قائد يعمل بأوليات الفن الحربي يقدم على الهجوم الذي أقدم عليه جمال باشا . وظاهر أن الألمان الذين يديرون دفة الجيش العثماني على ما يوافق أغراضهم هم الذين أمروا بالهجوم متكلين على حسن البخت وغفلة الخصم وأمل حصول الثورة في مصر . قالوا فإذا فاز الجيش العثماني بلغنا غاية ما نتمنى وإلا فإن الغرض الأصلي الذي نرمي إليه وهو حجز قوي من جيوش الانكليز عن الميدان الغربي في أوربا حاصل في كل حال . ومما يدل على أن جمال باشا مأمور بالهجوم على كل حال أنه لما دنا من الترعة أول فبراير لم يبعث بالجند لاستطلاع قوة أعدائه وجس نبضهم كما تقتضيه الأصول الحربية إذ لا سبيل إلى أخذهم على غرة وعندهم الطيارات وقد اقتفت خطواته في الصحراء على ما يعلم . ثم ِإن جمال باشا بعد وصوله إلى كثيب النصاري لم يهاجم بكل قوته بل ألقت  فرقته الأمامية بأيديها ِإلى الخنادق الانكليزية ووقفت فرقة أخرى احتياطية وراءها  وعلى بعد 3 أميال منها مما دل على أن جمال باشا لما أمر بالهجوم قرر الهجوم بجزء من قوته تخلصا من إلحاح الألمان وتفدية للكل بالبعض . وقد كانت الفرقة المهاجمة كلها أو جلها من أبناء العرب الذين لم يتعب الألمان ولا الترك بدق ريحانهم . وقد شهد لهم الانكليز أنهم حاربوا حرب الأسود وأقدموا على الموت بكل شهامة وبسالة كما اشتهر عن العرب في كل زمان ومكان .

أما الجيش المدافع فإنه ترك الجيش المهاجم يدنو منه حتى بات ضمن مرماه   ص   746


 فأصلاه نارا محكمة صائبة وفي بعض الجهات ترك المهاجمون ينزلون زورقين من زوارقهم إلى الترعة قبلما شرع المدافعون في إطلاق النار عليهم . وكان أشد هجوم العثمانيين في سرابيوم وقد بدأوا بضرب مواقع الانكليز والمدرعات التي في بحيرة التمساح بأكبر مدافعه عيار 6 بوصة وكانت ناره فعالة فأصابت السفينة هاردنج بقنبلتين وجرحت قائدها الكبتن كارو . ولكن لم يكن إلا القليل حتى أسكتته إحدى المدرعات . وفي الساعة السادسة مساء كان المهاجمون يتقهقرون ولم ير من الحكمة مطاردتهم في الصحراء . وقال بعض النقاد الحربيين أنهم لو طوردوا لما رجع منهم إلى سوريا أحد وقبض أكثرهم قبض اليد   وكان بعض الجنود العثمانيين قد لجأوا إلى جهة على ضفة الترعة الشرقية وحفروا خندقا ولما أظلم الليل جعلوا يصطادون المدافعين فرادى بنار بنادقهم . وفي صباح اليوم التالي 4 فبراير أرسل عليهم المدافعون فصيلتين فقوبلتا بنار حامية فأرسل أليهما نجدة قوية فاستولوا على الخندق برؤوس الحراب بعد أن قتلوا من قتلوا وأسروا الباقين وعددهم 250 رجلا من نخبة الجنود . وقد اطلع القراء على وصف القتال في البلاغات الرسمية فرأيت أن ألخص هنا وصف القتال كما حدثني به أحد الأسرى العثمانيين وكان ممن هاجم القنال في سرابيوم قال : " صحبت الحملة من دمشق الشام وسرت في المقدمة فاخترقنا صحراء سيناء في     ص   747

 طريق الاسماعيلية وما لقينا أحدا من عربان سيناء فإنهم فروا من طريقنا ولجأوا إلى الجبال . وبقينا سائرين حتى أتينا كثيبا مشرفا على القنال على 3 ساعات منه " وهو كثيب النصارى " فانقسمنا قسمين قسما للهجوم وقسما للنجدة وكنت مع القسم المهاجم وقد صدر لنا الأمر بالهجوم في الساعة الثالثة من صباح 3 فبراية وحالما دنونا من القنال بادرنا الجيش المرابط بإطلاق النار لكننا ظللنا نتقدم بزوارقنا حتى تمكنا من إنزال بعضها في القنال تحت وابل من الرصاص . غير أن إطلاق النار من القنار أخذ يشتد علينا حتى أن جنودنا بعد قتال يوم شديد اضطرت إلى التقهقر تاركة عددا من القتلى والجرحى وكنت أنا في جملة الجرحى . وقد جرحت في ساقي الساعة الرابعة صباحا وإذ كان جرحي بعد حاميا تكنت من الانسلال تحت جنح الظلام حتى بلغت كثيبا من الرمال فاختبأت وراءه . وبعد ظهر ذلك اليوم في أثناء تقهقر جنودنا رآني بعض الجنود الأتراك وحملوني مسافة قصيرة وإذ أعياهم حملي تركوني وحيدا في ذلك القفر بعد ما سلبوني نظارتي وكيس زادي أما قربتي فكانت فارغة .وبقيت هناك أقاسي الجوع والعطش والبرد والحر وألم الجراح إلى صباح الجمعة 5 فبراير حين جاء رجال الصليب الأحمر الانكليز فحملوني إلى مستشفى الاسماعيلية واعتنوا بي عناية أذكرها لهم بالشكر أبد الدهر . "

وقد حدثت كثيرا من الأسرى السوريين فقالوا : " إننا أتينا على رغمنا وكان الألمان يقولون لنا إن قوة الانكليز على القنال ضعيفة لا يعتد بها وإننا حالما نشرف على القنال يزحف السنوسي من الغرب على مصر وتثور عرب مصر على الانكليز حتى صرنا تعتقد أننا حالما نهاجم القنال نجتازه ونستولي على مصر ولكننا علمنا الآن أن الألمان خدعونا وأن اختراق القنال ضرب من المحال " اه

وكانت خسارة العثمانيين في ذلك اليوم : 1250 من القتلى و 2000 من الجرحى . و 750 من الأسرى . وأما الخسارة التي اعترفوا بها في نشراتهم فهي : 600 من القتلى و 500 من الجرحى و 400 من الأسرى . وأما خسارة الانكليز فلم تتجاوز الستين بين قتيل وجريح .   ص   748

وقد قاست حملة جمال باشا الشدائد في اختراقها برية سيناء لذلك صمم جمال باشا ألا يهاجم القنال مرة ثانية إلا إذا أعد حملة قوية وجهزها بالجمال والمدافع والعدد الكافي من الأتراك والألمان بعد مد سكة الحديد بقدر المستطاع في الصحراء . أما الآن وقد استولى الروس على حصون ارضروم وبلاد أرمينيا كلها واستولى الانكليز على العراق إلى كوت الامارة وهم والروس يهددون بغداد فلا يحتمل أن يعيد الترك الكرة على مصر . ومع ذلك فإن الجيش الانكليزي المدافع عن مصر قد حصن القنال بالمدرعات وحفر صفوفا من الخنادق القوية شرقيه وزاد الخنادق الغربية تحصينا وعززها بالمدافع والرجال فأصبح القنال أمنع من عقار الجو حتى لقد يقال أنه لو هاجمته جيوش الألمان والترك برمتها لما نالت منه مأربا وعادت عنه كما عادت في المرة الأولى بالخيبة والخسران .

واقعة الطور في 12 فبراير سنة 1815

هذا وكان الجيش الذي أرسله جمال باشا إلى نخل بعد وصوله إليها بقليل بعث بشرزمة من العساكر مؤلفة من نحو 70 رجلا اكثرهم من المتطوعة لحصر مدينة الطور بقيادة ضابط ألماني يدعى " جورج قندس " ومعه البكباشى حسين نوري من أهل بني غازي . فوصلوا ضواحي مدينة الطور يوم 18 يناير سنة 1915 واتخذوا موقعا حصينا في سفح جبل الحمام . وكان في مجئ هذه الشرزمة إلى الطور على بعد سبعة أيام للهجان من قاعدتهم الخاصة في نخل وعشرين يوما من قاعدتهم العامة في بئر السبع . ونزولهم في قفر لا زاد فيه ولا مأوى مجازفة فاقت مجازفة جمال باشا بمهاجمة القنال فإنهم ما لبثوا أن وصلوا إلى ضواحي الطور حتى نفد الزاد القليل الدي حملوه من نخل فبعثوا إلى الدير يطلبون انجادهم بالزاد ويتهددونه إذا لم يجب طلبهم . فأرسل لهم الدير بعض المؤنة في قافلتين خوفا من بطشهم ولكن قبل وصول القافلة الثانية إليهم . كان الجيش المدافع قد بطش بهم وأراح الدير وسيناء شرهم وتفصيل ذلك : أنه لما بلغ القائد العام في مصر خبر هذه الشرزمة أمر أهل مدينة الطور والمنشية والحمام فهاجروها إلى السويس ومصر وكان قد حصن جانبا من المحجر على شاطئ  ص  749

البحر وجعل فيه نحو 200 رجل من الأورطة الثانية المصرية فأنجدهم من السويس بنحو 300 رجل من جنود الجوركة الهنود .وفي 12 فبراير سنة 1015 بعد نصف الليل زحفوا على العدو في الوادي يقودهم المقدام النبيل الكولونيل باركر مدير سيناء الأسبق فساروا حتى أتوا شمالي محلة الأعداء . وكان قد انحز إلى العدو نحو مئة نفس من أهل المنشية ونزلوا بالقرب من محلته على ماء في الوادي . فلما طلع الفجر أنقسم جيشنا المهاجم قسمين : الجنود المصرية ارتدوا جنوبا ورصدوا للعدو من الإمام وجنود الجوركة زحفوا عليه من الوراء فهاجمت فصيلة منهم محلة الأهلين في الوادي فأسرتهم وقبضت عليهم قبض اليد ثم زحف الجوركة كلهم على العدو فحصروه هو والجنود المصرية بين نارين وفتحوا عليه أفواه البنادق فشوته شيا فباد أكثره ووقع من سلم من فعل الرصاص أسرى في يد الجيش وهم البكباشي حسين نوري و 15 رجلا . وكان قد انضم إلى العدو بعض بدو سيناء فقتل منهم : عيد محمد من العليقات . وحسين مبارك من الزهيرات العوارمة وعامر خضر أخو خضر عامر شيخ قبيلة مزينة وغيرهم .

وكان دليل العدو صباح أغا أحد عساكر نخل الباشبوزق فقتل في الواقعة وأما جورج قندس الألماني فإنه كان قد ذهب قبل الواقعة بيوم إلى أبي زنيمة ومعه سليمان غنيم شيخ العوارمة ومنصور أبو قرمة من قبيلته فحرقوا مخازن شركة المنغنيس هناك وبذلك نجوا من القتل . ولم يقتل من جند الحكومة إلا جهدي واحد من الجوركة . وهكذا انتهت حملة باشا بالفشل ولم يكن منها إلا تخريب ما قام به المديرون من الاصلاح في سيناء . واضطر المدافعون على القنال إلى هدم مدينة القنطرة ونقل أهلها إلى مصر . وضربت الوابورات الحربية بعض قنابلها على قلعة العريش فخربتها فأصبحت سيناء كلها خراب في خراب والعياذ بالله . ولكن لا بد من استرجاع سيناء وإعادة الاصلاح إليها قريبا إن شاء الله

 ص  750          

" السيد أحمد الشريف بن السيد محمد الشريف السنوسي "

لم يكتف الألمان بان زجوا بالاتحاديين والدولة في هذه الحرب الضروس بل أنفذوا رسلهم إلى السيد أحمد الشريف السنوسي كبير السنوسية الحالي في صحراء ليبيا الغربية وأغروه بالدخول فيها أيضا . وكان بين الذين أرسلوهم إلى السنوسي ألماني يدعى مانسمان ونوري باا أخو أنور باشا وضابط عربي من بغداد يدعى جعفر باشا العسكري . وكان القائد العام وأركان حربه برئاسة النبيل الكولونل كليتون مدي المخابرات قد بذلوا منتهى الجهد واستخدموا كانل الصبر وخالص النصيحة  وانا شاهد عيان , لمنع السنوسي عن الدخول في هذه الحرب وبينوا له بالرسائل والرسل الذين يثق بهم أن مصلحته غير مصلحة الألمان والترك وأن سلامته وملامة أنصاره وكرامته تقضي بالتزامه الحياد التام فأما أنه لم يقتنع بالنصيحة وطمع بامتلاك مصر كما قيل أنه ثابت عنده في علم الجفر " أنه يدخل مصر ضحوة يوم الخميس بعد ما يحمى الوطيس ويقل الأنيس ويمل الجليس " . وأما إنه اقتنع بالنصيحة ولم يستطع التغلب على دسائس الترك والألمان فورطوه على رغمه ووقع ما كنا نخشاه وحصلت بين عرب الغرب والجيش البريطاني على الحدود ست وقعات متوالية أشهرها ِ" وقعة بئر ماجد " في 25 ديسمبر سنة 1915 . ووقعة العقاقير " على 15 ميلا شرقي " براني " في 26 فبراير سنة 1916 وكانت هذه الوقع فاصلة قتل فيها عدد كبير من العرب وأسر جماعة من ضباط الترك والعرب بينهم قائدهم جعفر باشا مجروحا واحتل الجيش البريطاني السلوم وخرب معسكر السنوسي فيها في 14 مارس سنة 1916 وعاد عرب مصر الغربيون نادمين وطالبين العفو .

هذا وفي أول الشتاء كان قد غرق في البحر المتوسط قريبا من ساحل السلوم باخرتان انكليزيتان "تارا . ومورينا " فتمكن بعض بحارتهما من الوصول إلى الساحل فأسرهم السنوسي وجعلهم في زاوية العزيات على نحو أربعة أيام بسير الإبل غربي السلوم . فلما كانت واقعة العقاقير هاجم الدوق أوف وستمنستر بقطار من السيارات المدرعة وسيارات النقل وأنقذ البحراة الانكليز المذكورين وعددهم 91 نفسا وعاد بهم إلى السلوم فالاسكندرية وكان فعله هذا من أجمل ما جاءت به هذه الحرب من فعال الشهامة والإقدام

ص   751

ونحن لا نذكر تفاصيل هذه الوقائع لأنها ليست من موضوعنا ولكنا إنما نشير إليها هنا لنبدي مزيد الأسف عمن ذهب ضحية من أبطال العرب والانكليز الأشاوس وعما وقع بين الأسرة السنوسية وجارتهم الكريمة مصر من الجفاء بعد الذي كان بينهما من المودة والصفاء . وأملنا بعد الآن أن السيد أحمد الشريف وهو ابن أخي السيد محمد المهدي كبير السنوسية السابق وحفيد السيد محمد علي السنوسي مؤسس الطريقة السنوسية الكبير يتبع خطة سلفية فلا يعكر الصفاء الذي أسسه دانك الفاضلان النبيلان مع مصر وأن لا يصغلا إلى دسائس ولا يعمل إلا ما فيه مصلحة العرب والأسرة السنوسية عموما إن شاء الله .

علي دينار سلطان دارفور وحكومة السودان

أما علي دينار سلطان دارفور فإنه سلك في هذه الأثناء مسلكا مغايرا لرضى الحكومة وتحدى سلطتها جهارا فسيرت من النهود قوة من الجيش المصري بقيادة الكولونل كلي قائد الفرسان المصريين فاحتلت " آبار أم شنقة " في 20 مارس سنة 1916 وفي اليوم التالي احتلت " جبل الحلة " وكلاهما من بلاد دارفور بجوار الحدود . وقد لقيت مقاومة ضعيفة في جبل الحلة ولكنها تغلبت عليها وشتت شمل المقاومين ولم يلحق بجنودنا خسارة ما . ولهذين الموقعين شأن عظيم من الوجهة الحربية لوجود الماء فيهما ولوقوعهما في الطريق بين النهود في مديرية كردفان وبين الفاشر عاصم دارفور  فباحتلالها أدركت القوة الغرض الأول من التقدم وهو حماية موارد الماء التي يستقى منها أهل البلاد بين الههود والفاشر من كل سوء واعتداء .

صاحب المعالي الجنرال السر رجينولد ونجت باشا والسلام مع السودان

أما السودان نفسه فقد خيم عليه السلام والأمن والراحة إلى الآن ولولا الجرائد لما علم فيه أن في الدنيا حربا طاحنة تذهب في كل يوم عشرات الألوف من النفوس ذلك كله بفضل الاحتياطات الحكيمة الفعالة التي اتخذها بطله العظيم الجنرال السر رجينولد ونجت باشا ورجاله المنتخبون الكرام وولاء اهالي السودان على اختلاف الأجناس لحكومتهم الجديدة الشفيقة العادلة .     ص   752


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق