إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 2 يونيو 2014

435 تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها صاحب العظمة السلطان حسين كامل سلطان مصر وعهد مصر الجديد منذ 19 ديسمبر سنة 1914


435

تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها

صاحب العظمة السلطان حسين كامل سلطان مصر

وعهد مصر الجديد منذ 19 ديسمبر سنة 1914


لما ثار المصريون تحت راية عرابي في عهد المغفور له توفيق باشا تدخلت انكلترا فاطفأت الثورة بمعركة التل الكبير في 12 سبتمبر سنة 1882 واحتلت جنودها مصر على أن تخرج منها ريثما يعود إليها النظام ويستتب الأمن . ولكنها ما لبثت أن رات أن مهدي السودان محمد أحمد كان أصعب مراسا وأشد خطرا على الراحة في مصر والسودان معا من عرابي فلم تر بدا من البقاء في مصر ريثما تخمد ثورة المهدي ثم ثورة خليفته عبد الله التعايشي من بعده فانهما استوليا على السودان كله وهددا مصر . فأخذ الانكليز يناوئونها ويسترجعون السودان بلدا بلدا حتى استرجعوا الخرطوم عاصمة السودان عن يد بطلها اللورد كتشنر بعد وقعة أم درمان في 2 سبتمبر سنة 1898 .

ولكنهم لم ينتهوا من مهمتهم في السودان إلا بعد القضاء على التعايشي بيد " بطل جديد " الجنرال السر رجينولد ونجت باشا سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام الحالي في 24 نوفمبر سنة 1899 على ما بينا بالتفصيل في كتابنا تاريخ السودان .

وكان الانكليز قد فاوضوا الباب العالي سنة 7 ـ 1888 بشأن خروجهم من مصر فما لقوا شروطا يطمئنون إليها فقرروا البقاء حتى ينالوا الشروط التي ترضيهم فتولوا المراكز الرئيسية في البلاد وشرعوا في إصلاحها فنظموا ماليتها وريها  وجيشها وداخليتها وسائر مصالحها الحيوية .

ص   727

وتوفي المغفور له توفيق باشا فخلفه ابنه الأكبر عباس باشا في 8 يناير سنة 1892 فلم يطل الوقت حتى ظهر " الحزب الوطني " ونادى بطلب جلاء الانكليز عن مصر وفي حادثة العقبة سنة 1905 أحدثت جرائد هذا الحزب بعض الشغب في البلاد كما مر .

ورأى الانكليز أنهم إذا خرجوا من مصر وسلموها للترك في الآستانة فبناء الإصلاح الذي شادوه يتهدم إلى الأرض بعد خروجهم منها بقليل ويتطرق الخلل إلى جميع مصالحها وتضطرب ماليتها وتعود إليها الفوضى التي كانت قبل الثورة العرابية فيضطرون أن يعودوا إليها للمحافظة على مصالحهم ومصالح أوربا فيها أو تحتلها دولة ِأوربية مكانهم لذلك قرروا استمرار الاحتلال إلى أجل غير معين .

هذا وكانوا عند استرجاع الخرطوم سنة 1898 قد رفعوا الراية الانكليزية بجانب الراية المصرية وجعلوا السودان حكومة مشتركة بين مصر وانكلترا بموجب اتفاق عقد بتاريخ 19 يناير سنة 1899 ولكنهم لم يتعرضوا لسيادة تركيا على مصر ولا للجزية السنوية التي تدفعها مصر إلى تركيا

فلما كانت هذه الحرب وضارب الاتحاديون بالسيادة العثمانية على مصر بدخولهم الحرب في جانب الألمان ضد انجلترا رأى الانكليز إنه لم يعد لهم بد من إزالة السيادة التركية عن مصر فأزالوها وبسطوا حمايتهم على البلاد .

واتفق أنه عند نشوب الحرب الحاضرة كان سمو الخديوي عباس باشا في الآستانة فطلب من الحكومة الانكليزية مساعدته على العودة إلى مصر . ولم يكن في ماضيه معهم ما يشجعهم على إجابة الطلب فإنهم كانوا قد مارسوه طويلا من قبل وبدلوا عليه ثلاثة من كبار ساستهم : اللورد كرومر ثم السرالدن غورست ثم اللورد كتشنر وكان لكل من هؤلاء الساسة أسلوب خاص وكل منهم في اسلوبه وبذل جهده للإتفاق معه فلم يفلحوا . فخاف الانكليز أنه إذا عاد الخديوي إلى مصر في هذا الوقت العصيب الذي كانت تشتغل فيه دسائس الألمان والاتحاديين بإفساد العقول وإذاعة الأراجيف ضد الحلفاء . زاد مركزهم في مصر حرجا فنصحوا له أن يقيم مؤقتا في الأستانة فاستاء من ذلك . قالوا " ولم يمض على الحرب شهر حتى كان     ص    728

يبحث مع الوزراء وكبار القواد في غزو مصر .. فاقترح عليه سفير انكلترا في الآستانة أن يقيم مدة في إيطاليا فأبى . فكان إباؤه بمثابة إمضاء نفيه السياسي " . وقال اللورد كرومر عنه في كتابه : " أنه فضل الانضمام إلى أعداء بريطانيا العظمى ظنا منه على الأرجح أنه مع الفريق الذي يفوز أخيرا في الحرب . وبإختياره هذه الخطة ارتكب الانتحار السياسي "

على أن الاتحاديين والألمان بعد أن تملقوه كل التملق وورطوه بالانضمام إليهم قلبوا له ظهر المجن ولم تنقض على دخول الاتحاديين الحرب بضعة أسابيع حتى طلبوا إليه أن يتحمل ويغادر الاستانة فذهب إلى سويسرا وأقام فيها .

وكان الانجليز قد أقروا على خلعه واختيار خلف له من بيت محمد على باشا بالنظر لما لهذا البيت الكريم من الفضل العظيم على مصر فوقع اختيارهم على البرنس حسين كامل عم الخديوي وأكبر أعضاء البيت المالك وأحسن من يمثل هذا البيت . فلما عرض المركز عليه لم يبد الرغبة في قبوله لأنه لم يشأ أن يظهر أمام أمته كمن جلس في سرير ابن أخيه المخلوع ولكنه في الوقت نفسه حشي إن هو رفض المركز بتاتا أن يخرج الحكم من أسرته أو يتولى أمته وبلاده اللتين اشتهر بحبهما والغيرة عليهما من لا يحسن خدمتهما أو يقصر بواجبهما . فتخلصا من هذين المحذورين طلب إنشاء سرير في مصر غير سرير الخديوية وأرفع منه ليأتي أمته بشئ جديد وفي ذلك من الشهامة وعزة النفس وسمو المطلب والرغبة في رفعة شأن الوطن ما فيه . فدارت المفاوضات بينه وبين نائب الحكومة البريطانية في القاهرة السر ملن شيتهام . يعاونه النبيل المسبر ستورس السكرتير الشرقي لدار الحماية فاستقر الرأي على أن يتبوأ البرنس حسين عرش مصر " بلقب سلطان " وأن يتقدم هذا اللقب كلمتا " صاحب العصمة " تمييزا له عن أمراء الأسرة المحمدية العلوية الذين يلقبون بأصحاب السمو . وأن تكون راية الأسرة العلوية المعروفة راية وطنية لمصر وهي مؤلفة من ثلاثة أهلة بيضاء متجة محدبها نحو عصا الراية وفي كل هلال نجمة بيضاء ذات خمسة أشعة والكل ملقى على ديباجة حمراء .    ص  729

وقد عينت الحكومة البريطانية معتمدا انكليزيا ساميا لمصر وهو السر هنري مكماهون من كبار موظفي حكومة الهند الممتازين , وبدل اسم " الوكالة البريطانية " " بدار الحماية البريطانية " وقد بسط السر ملن شيتهام رأي الحكومة الانكليزية في عهد مصر الجديد في بلاغ أرسله إلى البرنس حسين كامل هذه ترجمته :

صورة التبليغ الوارد إلى الحضرة السلطانية من قبل الحكومة البريطانية

" يا صاحب السمو " " كلفني جناب ناظر الخارجية لدى جلالة ملك بريطانيا العظمى أن أخبر سموكم بالظروف التي سببت نشوب الحرب بين جلالته وبين سلطان تركيا وبما نتج عن هذه الحرب من التغيير في مركز مصر .

كان في الوزارة العثمانية حزبان أحدهما معتدل لم يبرح عن باله ما كانت بريطانيا العظمى تبذله من العطف والمساعدة لكل مجهود نحو الإصلاح في تركيا ومقتنع بأن الحرب التي دخل فيها جلالته لا تمس مصالح تركيا في شئ ومرتاح لما صرح به جلالته وحلفاؤه من أن هذه الحرب لن تكون وسيلة للإضرار بتلك المصالح لا في مصر ولا في سواها . وأما الجزب الآخر فشرذمة جنديين أفاكين لا ضمير لهم أرادوا إثارة حرب عدوانية بالاتفاق مع أعداء جلالته معللين أنفسهم أنهم بذلك يتلافون ما جروه على بلادهم من المصائب المالية والاقتصادية . أما جلالته وحلفاؤه فمع انتهاك حرمة حقوقهم قد ظلوا إلى آخر لحظة وهم يأملون أن تتغلب النصائح الرشيدة على هذا الحزب . لذلك امتنعوا عن مقابلة العدوان بمثله حتى أرغموا على ذلك بسبب اجتياز عصابات مسلحة للحدود المصرية ومهاجمة الأسطول التركي بقيادة ضباط ألمانيين ثغورا روسية غير محصنة . ولدى حكومة جلالة الملك أدلة وافرة على أن سمو عباس حلمي باشا خديو مصر السابق قد انضم انضماما قطعيا إلى أعداء جلالته منذ أول نشوب الحرب مع ألمانيا . وبذلك تكون الحقوق التي كانت لسلطان تركيا وللخديو السابق على بلاد مصر قد سقطت عنهما وآلت إلى جلالته .   ص    730

ولما كان قد سبق لحكومة جلالته أنها أعلنت بلسان قائد جيوش جلالته في بلاد مصر أنها أخذت على عاتقها وحدها مسؤولية الدفاع عن القطر المصري في الحرب الحاضرة فقد أصبح من الضروري الآن وضع شكل للحكومة التي ستحكم البلاد بعد تحريرها كما ذكر من حقوق السيادة وجميع الحقوق الأخرى التي كانت تدعيها الحكومة العثمانية .

فحكومة  جلالة الملك تعتبر وديعة تحت يدها لسكان القطر المصري جميع الحقوق التي آلت أليها بالصفة المذكورة وكذلك جميع الحقوق التي استعملتها في البلاد مدة سني الإصلاح الثلاثين الماضية ولذا رأت حكومة جلالته أن أفضل وسيلة لقيام بريطانيا العظمى بالمسؤولية التي عليها نحو مصر أن تعلن الحماية البريطانية إعلانا صريحا وأن تكون حكومة البلاد تحت هذه الحماية بيد أمير العائلة الخديوية طبقا لنظام وراثي يقرر فيما بعد .

بناء عليه قد كلفتني حكومة جلالة الملك أن أبلغ سموكم أنه بالنظر لسن سموكم وخبرتكم قد رئي في سموكم أكثر الأمراء من سلالة محمد علي أهلية لتقلد منصب الخديوية مع لقب سلطان مصر . وإني مكلف بأن أؤكد لسموكم صراحة عند عرضي على سموكم قبول عبء هذا المنصب أن بريطانيا العظمى أخذت على عاتقها وحدها كل المسؤولية في دفع أي تعد على الأراضي التي تحت حكم سموكم مهما كان مصدره . وقد فوضت إلى حكومة جلالته أن أصرح بأنه بعد إعلان الحماية البريطانية يكون لجميع الرعايا المصريين أينما كانوا الحق في أن يكونوا مشمولين بحماية حكومة  جلالة الملك .

وبزوال السيادة العثمانية تزول أيضا القيود التي كانت موضوع بمقتضى الفرمانات العثمانية لعدد جيش سموكم وللحق الذي لسموكم في الأنعام بالرتب والنياشين . أما فيما يختص بالعلاقات الخارجية فترى حكومة  جلالته أن المسؤولية الحديثة التي أخذتها بريطانيا العظمى على نفسها تستدعي أن تكون المخابرات منذ الآن بين حكومة سموكم وبين وكلاء الدول الأجنبية بواسطة وكيل جلالته في مصر .

ص    731

وقد سبق لحكومة جلالته أنها صرحت مرارا بأن المعاهدات الدولية المعروفة بالامتيازات الأجنبية المقيدة بها حكومة سموكم لم تعد ملائمة لتقدم البلاد ولكن من رأي حكومة جلالته أن يؤجل النظر في تعديل هذه المعاهدات إلى ما بعد انتهاء الحرب . وفيما يختص بإدارة البلاد الداخلية علي أن أذكر سموكم أن حكومة جلالته طبقا لتقاليد السياسة البريطانية قد دأبت على الجد بالاتحاد مع حكومة البلاد وبواسطتها في ضمان الحرية الشخصية وترقية التعليم ونشره وإنماء مصادر ثروة البلاد الطبيعية والتدرج في إشراك المحكومين في الحكم بمقدار ما تسمح به حالة الأمة من الرقي السياسي . وفي عزم حكومة جلالته المحافظة على هذه التقاليد بل أنها موقنة بأن تحديد مركز بريطانيا العظمة في هذه البلاد تحديدا صريحا يؤدي إلى سرعة التقدم في سبيل الحكم الذاتي . وستحترم عقائد المصريين الدينية احتراما تاما كما تحترم الآن عقائد نفس رعايا جلالته على اختلاف مذاهبهم . ولا أرى لزوما لأن أؤكد لسموكم أن تحرير حكومة جلالته لمصر من ربقة أولئك الذين اغتصبوا السلطة السياسية في الآستانة لم يكن ناتجا عن أي عداء للخلافة فإن تاريخ مصر السابق يدل في الواقع على أن إخلاص المسلمين المصريين للخلافة لا علاقة له البتة بالروابط السياسية التي بين مصر والآستانة .

وإن تأييد الهيئات النظامية الإسلامية في مصر والسير بها في سبيل التقدم هو بالطبع من الأمور التي تهتم بها حكومة جلالة الملك مزيد الاهتمام وستلقى من جانب سموكم عناية خاصة ولسموكم أن تعتمدوا في إجراء ما يلزم لذلك من الاصلاحات على كل انعطاف وتأييد من جانب الحكومة البريطانية . وعلي أن أزيد على ما تقدم أن حكومة جلالة الملك تعول بكل اطمئنان على إخلاص المصريين ورويتهم وإعتدالهم في تسهيل المهمة الموكولة إلى قائد جيوش جلالته المكلف بحفظ الأمن في داخل البلاد وبمنع كل عون للعدو . وإني أنهز هذه الفرصة فأقدم لسموكم أجل تعظيماتي .

تحريرا في 19 ديسمبر سنة 1914    " ملن شيتهام "       ص     732

وفي اليوم نفسه انتشر في القاهرة ثم في جميع مراكز الديريات المنشور الآتي : " يعلن وزير خارجية بريطانيا العظمى أنه نظرا إلى حالة الحرب الناشئة من عمل تركيا وضعت مصر تحت حماية جلالته وستكون من الآن محمية انكليزية . وبذلك انتهت سيادة تركيا في مصر . وستتخذ حكومة جلالة الملك جميع التدابير اللازمة للدفاع عن مصر وتصون سكانها ومصالحها " اه

هذا وكان صاحب الدولة حسين رشدي باشا رئيس الوزراء قد استعفى هو وسائر أعضاء الوزارة حالما أبلغ رسميا عزل الخديوي فكان أول عمل رسمي أتى به السلطان حسين هو أنه أصدر الأمر الآتي :

" الأمر الكريم السلطاني الصادر لصاحب العطوفة حسين رشدي باشا

عزيزي رشدي باشا . " إن الحوادث السياسية التي وقعت في هذه الأيام أدت إلى بسط بريطانيا العظمى حمايتها على مصر وإلى خلو الأريكة الخديوية . وبهذه المناسبة أرسلت الحكومة البريطانية إلينا رسالة نبعث بصورتها إليكم لنشرها على الأمة المصرية , موجهة فيها نداءها إلى ما أنطوى عليه فؤادنا من عواطف الإخلاص نحو بلادنا لكي نرتقي عرش الخديوية المصرية بلقب " السلطان " وستكون السلطنة وراثية في بيت محمد على طبقا لنظام يقرر فيما بعد . وقد كان لنا بعد أن وقفنا حياتنا كلها إلى اليوم على خدمة بلادنا أن يكون الإخلاد إلى الراحة من عناء الأعمال مطمح أنظارنا , إلا أننا بالنظر إلى المركز الدقيق الذي صارت إليه البلاد بسبب الحوادث الحالية قد رأينا مع ذلك أنه يتحتم علينا القيام بهذا العبء الجسيم وأن نستمر على خطتنا الماضية فنجعل كل ما فينا من حول وقوة وقفا على خدمة الوطن العزيز . هذا هو الواجب المفروض علينا لمصر ولجدنا المجيد محمد على الكبير الذي نعمل على تخليد الملك في سلالته . وبما فطرنا عليه من الاهتمام بمصالح القطر سنوجه عنايتنا على الدوام إلى تأييد  ص  733

السعادة الحسية والمعنوية لجميع أهاليه . مواصلين خطة الاصلاحات التي بدئ العمل فيها . لذلك ستكون همة حكومتنا منصرفة إلى تعميم التعليم وإتقانه بجميع درجاته وإلى نشر العدل وتنظيم القضاء بما يلائم أحوال القطر في هذا العصر وسيكون من أكبر ما تعني به توطيد أركان الراحة والأمن العام بين جميع السكان وترقية الشؤون الاقتصادية في البلاد . أما الهيئات النيابية في القطر فسيكون من أقصى أمانينا أن نزيد اشتراك المحكومين في حكومة البلاد زيادة متوالية .

ونحن على ثقة بأننا في سبيل تحقيق هذا المنهاج سنجد لدى حكومة صاحب الجلالة البريطانية خير انعطاف في تأييدنا , وإننا لموقنون بأن تحديد مركز الحكومة البريطانية في مصر تحديدا واضحا بما يترتب عليه من إزالة كل سبب لسوء التفاهم يكون من شأنه تسهيل تعاون جميع العناصر السياسية بالقطر لتوجيه مساعيها معا إلى غاية واحدة . وإننا لنعتمد على إخلاص جميع رعايانا لتعضيدنا في العمل الذي أمامنا . ولو توقونا بكما خبرتكم وبما تحليتم به من الصفات العالية واعتمادا على وطنيتكم نطلب منكم مؤازرتنا في المهمة التي أخذناها على عاتقنا , وندعوكم بناء على ذلك إلى تولى رياسة مجلس وزرائنا وإلى تأليف وزارة تختارون أعضاءها لمعاونتكم وتعرضون أسماءهم على تصديقنا العالي . ونسأل الحق جلت قدرته أن يبارك لنا جميعا فيما نبتغيه من نفع الوطن وبنيه " اه

تحريرا بالقاهرة في 2 صفر سنة 1333 " 19 ديسمبر سنة 1914  " حسين كامل

  فقبل حسين رشدي باشا ما عهد إليه ورفع الكتاب الآتي : 

مولاي : " أقدم لسدة عظمتكم السلطانية مزيد الشكر على ما أوليتموني من الشرف السامي إذ تفضلتم علي بأمركم الكريم الذي فوضتم به إلي تأليف هيئة الوزارة . نعم إنني كنت وكيلا عن ولي الأمر السابق , ولكنني مصري قبل كل شئ . وصفتي مصريا قد رأيت من المفروض علي أن اجتهد تحت رعايتكم السلطانية في     ص   734

أن أكون نافعا لبلادي , فتغلبت مصلحة الوطن السامية التي كانت رائدي في كل أعمالي على جميع ما عداها من الاعتبارات الشخصية . لهذا فإني أقبل المهمة التي تفضلت عظمتكم السلطانية بتفويضها إلي ولما كان زملائي بالأمس الموجودون الآن بمصر متشربين بنفس هذه العواطف وهم لذلك مستعدون للإستمرار على معاونتهم لي . فإني أتشرف بأن أعرض على تصديق عظمتكم السلطانية رفق هذا مشروع المرسوم السلطاني بتشكيل هيئة الوزارة الجديدة . وإنني بكل احترام وإجلال لعظمتكم السلطانية العبد الخاضع المطيع المخلص     حسين رشدي  تحريرا في 2 صفر 1333 " 19 ديسمبر 1914 "

ولقد أظهر صاحب الدولة رشدي باشا رئيس الوزراء في هذه الأزمة السياسية الحرجة من المقدرة النادرة المثال في السياسة والإدارة وحسن الاسلوب مع الغيرة على مصلحة الوطن والصراحة التامة في القول والعمل ما خلد له أجمل الذكر في عهد مصر الجديد . وبقى جميع الوزراء في مناصبهم ما عدا محب باشا وزير الأوقاف فإنه أقيل وربما كان السبب في إقالته حسن انعطاف الخديوي إليه فسافر إلى ايطاليا . وتولى مكانه الفريق السر ابراهيم باشا فتحي وهو من الضباط الممتازين . ثم إن بسط الحماية البريطانية على مصر أوجب إلغاء وزارة الخارجية لأن أعمالها تحولت إلى دار الحماية . وفي 20 ديسمبر سنة 1914 احتفل رسميا بجلوس السلطان حسين فقصد عابدين من منزله قرب قصر النيل بموكب حافل كانت الجماهير التي ملأت الطرقات وشرفات المنازل تحييه بالتصفيق عرى طول الطريق . وكان جمع غفير من أعيان البلاد ووجوهها وكبار موظفي الحكومة ينتظر الموكب في رحبة عابدين فلما أقبل السلطان هتفوا له هتافا عظيما . ثم استقبل عظمته الجماهير استقبالا دام ست ساعات القى عليهم فيه كثيرا من درر نصائحه الغوالي في الزراعة والاقتصاد السياسي والأخلاق الراقية وذم الخصومات المذهبية والعائلية وحث الجميع على الاتحاد وجمع الكلمة على مافيه خير وطنهم ورقيه وسعادته .

وحقا إن حظ مصر كبير بسلطانها الجديد . إنه سلطان عرك الزمان وعرف      ص  735

كيف تساس البلدان . سلطان يتفانى في حب بلاده كما تتفانى بلاده في حبه . سلطان لا هم له إلا خير أمته ولا مطلب إلا راحتها ورقيها . سلطان يعرف الشقاق في عناصر أمته وطوائفها وأسراتها وهو دائب على جمع كلمتهم إلى ما فيه مصلحتها وكرامتها . حقا إن الشرق ليغبط مصر على سلطانها الجديد لأن الشرق لم ير مثله منذ عهد بعيد . أطال الله أيامه كلل بالنصر أعلامه ماكر الجديدان وتعاقب النيران وقام في الشرق سلطان .

حديث لعظمة السلطان عن مصر ومستقبلها

ولا شئ أدل على أخلاق عظمته السامية وحبه المتناهي لمصر والمصريين ونياته الشريفة نحو أمته وبلاده من حديث لعظمته عن مصر ومستقبلها مع الدكتور هربرت آدم جيبون مراسل جريدة النيويورك هرلد الأميركية بعد أن كان لعظكته نحو سنة على عرش مصر . وهذا هو الحديث مترجما بجريدة الأهرام في 27 فبراير سنة 1916 " قال المراسل : استقبلني السلطان حسين كامل حفيد محمد علي وصافحني بيد مبسوطة على الطريقة الأميركية قال عظمته : " لم أذهب إلى أميركا ولكني أعرف الشعب الأميركي إذ قابلت الأميركيين في كل مكان في أوربا ورأيت كثيرين منهم في مصر . وإني لأحب أساليبهم الحرة الطليقة من القيود والتكلف وامتدح النشاط والدأب الأميركيين وهي صفات نريدها لمصر . وأنت كلما أطلت وجودك في بلادنا ازددت حبا لها فهي ساحرتك بطلاقتها وجمالها وستتحمس أشد التحمس لمسائلها الاقتصادية . ولقد خصت مصر بأربع مزايا جعلتها بلد الله المبارك : نيلها الجواد الفياض وشمسها الدائمة الإشراق . وأرضها الغنية المخصاب . وفلاحها العامل الكدود . وإن الفلاح المصري لعون للطبيعة على استدرار الثروة لنا ولهذا كنت دائما كلفا بالفلاحين وخصصتهم بأوقاتي وعنايتي لتحسين حالهم . ولما كنت الأمير حسينا كانوا يسمونني أبا الفلاح وإني لأفضل أن أكون الأمير حسينا فإذا كنت الآن السلطان فلأن الواجب كان يدعوني أن   ص     736

لا أرفض الدعوة التي كانت تستفزني لأن أوسع نطاق عملي ولا أقصره على أملاكي الخاصة لينال فلاحو مصر نصيبهم من العناية والاهتمام . فأنا لم أكن قط ذا مطامع شخصية بل كنت مؤثرا مصلحة بلادي على مصالحي الخاصة .

وهنا نهض السلطان وأومأ إيماءة دل بها على أن ترف عابدين لا قيمة له عنده . وكنا نتمشى بهدوء وكانت جوقة عسكرية تعزف خارج القصر والحراس على صهوات خيولهم كتماثيل ثابتة في مدخل الأبواب . وتابع عظمته الكلام فقال : " هذه مظاهر لا تهمني ولقد كنت أكثر حرية وهناء لما كنت الأمير حسينا ولم تكن علي هذه المشاغل والعمل المستمر الذي يستنفد كل وقتي ولكن لما دخلت تركيا الحرب هل كان لي أن أرفض ؟ أكان في مقدوري أنا أحد أمراء بيت محمد علي أن أتنحى عن الواجب الذي يحول دون هدم العمل المجيد الذي بدأ به جدي الخالد الذكر لترقية المصريين واسعادهم . لقد كان  الحكم التركي مصيبة على مصر حتى جاء محمد على إليها . وكذلك كان حكم الأتراك في كل أرض نزلوها وحكموها حينا من الدهر . ويكفيك برهانا أن تقابل بين رومانيا واليونان وبلغاريا وبلاد الأتراك . ويكفي أهل العواطف الذين يقولون ببقاء السلطنة العثمانية إقناعا وتخطئة لآرائهم أن يركبوا القطار من فينا إلى الآستانة فإنهم يمرون بهنغاريا والسرب وبلغاريا هذه البلاد التي أنقذت من حكم الأتراك فيرون المدن الجميلة والمزارع الخصبة والشعوب الرغيدة العيشة . ثم تعال إلى تركيا وتغلغل فيها بعد حدودها القديمة وعرج يمينا عند مصطفى باشا فإنك لا ترى إلا الانحطاط والقذارة والأرض البوار المهملة والبيوت المشيدة من صفائح البترول الفارغة . خذ طريقك من اسكندرية إلى أزمير وقابل بين المينائين والبلدين . فإذا كان الألمان يعتقدون أننا مغتبطون بفكرة الرجوع إلى حكم الأتراك وأننا نرحب بهم إذا أقبلوا علينا كمحررين لنا برجالهم الرحل المختلفي اِلأزياء اذن لشد ما أضاع الألمان قواهم العاقلة ولشد ما فقدوا مزية النظر إلى الأمور كما هي . وإنها لفرصة طيبة لنا إذا جازف الألمان والأتراك وعملوا على تحقيق هذه    ص    737

الفكرة ففي تحقيقها ولا شك تعجيل بسقوطهم . أما وأنت ستنشر كتاباتك بين الأميركيين البعيدي النظر والذكاء فإني أقول بملء الصراحة أننا نحن المصريين ننظر إلى الانكليز كأصدقاء لنا ومحامين عنا وإننا لموقنون بأن بلادنا كانت ولا شك ضائعة في العام الفائت لو لم يخف الانكليز لمساعدتنا . والانكليز بركة لمصر الآن وكذلك كانوا من قبل . وإني لمعجب بالأساليب والوسائط التي اتخذت للدفاع عن بلادي وشعبي وهذه الأساليب هي كافية كل الكفاية . ثق أن بريطانيا العظمى ستبذل أكبر الجهد لتحمي قناة السويس وتدافع عن مصر لأجل سلامة امبراطوريتها فهي لا تضن بالتضحيات في هذا السبيل من الرجال والمال . إذا كان الأمر حيويا خطيرا ولهذا فإني لا يخامرني أقل تصور في غزوة خارجية أو اضطراب داخلي " . قال المراسل : وما هي آمال عظمتكم في مستقبل مصر ؟ فابتسم عظمته وقال :

" إن سؤالك لمتطلب أجوبة كثيرة ولكني مجيبك صراحة وبدون تعجل , ولك أن تنظر إلى الجيوش الانكليزية في مصر وتتعرف البلاد التي أقبلت منها فتتيقن أن هذه الحرب برهنت على متانة الامبراطورية الانكليزية وعظمتها . أما وقد برهنت انكلترا بتضحياتها التي لا عداد لها هذه التضحيات التي اشتركت فيها أملاكها فلا يمكن أن تكون قناة السويس بعد الحرب أقل منها نفعا وأهمية لها قبل الحرب . وما كنت لأقبل سلطنة مصر في ظل الحماية البريطانية لو لم أكن مواليا منعطفا على الدولة الحرة العظيمة الذي ساتساند معها في إنجاح شعبي اقتصاديا وأدبيا . ولقد علمني الاختبار الشخصي الطويل بأن الانكليز هم أصدقاء شعبي وعائلتي الخلص وهذا العام الذي مر علي وأنا سلطان على مصر وفيه عاشرت كبار رجال الحكومة الانكليزية ونوابها واشتركت معهم في العمل يوما بعد يوم جعلني أيقن تماما أهم أشد ولاء لي ولمصر وأنا متابع للعمل معهم ما داموا على ثقة من ولائي وإخلاصي . ولولا هذه الثقة والولاء لاعتزلت منصبي بدون تردد وإن في طبعي ولاء وإخلاصا ولهذا فإني مستطيع العمل مع هؤلاء الخلص الأوفياء , وأنا الآن وقد أوفيت على الرابعة والستين وخيرت الانكليز الخبرة الطويلة فإني ارتضيت العمل معهم على      ص  738

انهاض بلادي وتحقيق آمال مصر وشعبها , هذه الآمال التي انتهت إلي من جدي الخالد العظيم مؤسس عائلتي في مصر . ولا تنس أن تذكر الفرح العظيم الذي يهزني للعمل لأجل المصريين فهم شعب حقيق بأن يسعى الانسان لأجله . نعم إن في مصر أناسا أخيارا وكذلك عرف محمد علي من قبلي وهم خلقاء أن يحبوا وأن يعطف الانسان عليهم . وإلا فأي شعب آخر أحق منهم بالمحبة والعطف " اه


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق