إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 يونيو 2014

210 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الخامس نظرة في كتاب الملك إدريس رحمه الله في اتحاد العرب وائتلاف الموحدين وبعض المقابلات الصحفية تاسعاً: نزاهة ملك ليبيا وعفته واقوال المؤرخين فيه ووفاته:


210

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الخامس

 نظرة في كتاب الملك إدريس رحمه الله في اتحاد العرب وائتلاف الموحدين وبعض المقابلات الصحفية

تاسعاً: نزاهة ملك ليبيا وعفته واقوال المؤرخين فيه ووفاته:

حينما وقع الانقلاب في سبتمبر 1969م كان الملك في رحلة الى تركيا واليونان ولم يكن معه مال خاص ينفق منه، ومع ذلك فحينما عرض عليه المسؤول المالي للرحلة استلام ماتبقى في عهدته من مخصصات رفض الملك ذلك بعزة نفس وقال له: (يابني أنا بالأمس كنت ملك ليبيا، ولكني لم اعد كذلك اليوم، وبالتالي فإن هذا المال لم يعد من حقي، ويجب أن يسلم الى خزينة الشعب).
تقول الملكة فاطمة في رسالة لها بتاريخ 13 سبتمبر 1969م تصف فيها حالها ومال زوجها الملك بعد وقوع الانقلاب : (إننا نحمد الله على أن تيجان الملكية لم تبهرنا قط، ولا نشعر بالأسف لفقدها ، فنحن كنا دائماً نعيش حياة متواضعة، ولم يغيب عن أذهاننا مثل هذا اليوم، كما نحمد الله كثيراً على أننا لا نملك مليماً واحداً في أي مصرف حتى يشغل بالنا المال، ولم نغير أبداً معاملتنا لاصدقائنا وهي لن تتغير مع الايام)( ).
لقد تحدث الكثيرون عن سيرة ملك ليبيا السابق ويجدر بنا أن نشير الى بعض اللذين عاصروه واتصلوا به شخصياً، واطلعوا عن قرب على الكثير من اخلاقه الرفيعة ففي مقال نشر في صحيفة الشرق الاوسط في عددها بتاريخ 23 يونيو 1983م نعى السيد مصطفى بن حليم رئيس وزراء ليبيا السابق الملك محمد ادريس السنوسي وتحدث عن جهاد ليبيا تحت قيادته وكان ضمن ماقاله عن شخصيته: (لقد عرفت الملك ادريس رحمه الله معرفة حميمة على مدى نصف قرن تقريباً عرفته منذ كنت صبياً وعملت معه وزيراً ثم رئيساً لحكومته ثم مستشاراً له، كما عرفته وأنا مواطن عادي ، وكما عرفته وهو لاجئ في مصر وكنت دائماً التردد عليه في ملجئه في القاهرة وفي طول نصف القرن عرفت فيه المجاهد المسلم الزاهد المتواضع لم يعر مباهج  الدنيا أي اهتمام، وكان الملك المؤمن الورع والاب العطوف والقائد الحكيم المتواضع، كما كان يحن دائماً للهجرة الى مكة والمدينة المنورة ليجاور في الأراضي المقدسة، مرة واحدة رأيته يتلوى ألماً ويبكي دماً ويهدر هديراً، وهو الهادي الصبور كان ذلك يوم سقوط القدس الشريف في ايدي الصهاينة، كان يخشى الله في السر والعلانية كان كريماً ندي اليد، خجولاً طالما صرف مخصصاته الرسمية في أوجه الخير سراً وفي سنة 1955م عندما أنشئت الجامعة الليبية تبرع بقصر المنار في بنغازي ليكون لها المقر وكذلك فعل سنة 1956م تنازل عن قصر الغدير كمقر للكلية العسكرية كان دائماً يتردد على الاراضي المقدسة للحج والعمرة( ).
ويقول الدكتور مجيد خدوري عن دوره في إنشاء الدولة الليبية وتحقيق الوحدة الوطنية: إن الدور الذي قام به الملك ادريس في إنشاء الدولة الليبية بالغ الاهمية إذ انه لم يكتف بأن اقدم على العمل بجرأة لتخليص برقة من ايطاليا في الحرب العالمية الثانية فحسب، بل استعمل نفوذه الشخصي وحنكته السياسية لاقناع أصحاب النفوذ من الزعماء الطرابلسيين بوجوب الالتفاف حول النظام الاتحادي الذي لولاه ماكانت لتتم وحدة ليبيا قط ولما كان حفيداً وخليفة للسيد محمد السنوسي، فضلاً عن ذلك فقد كسب أيضاً ثقة زعماء القبائل البرقاوية وأحاط نفسه بنفر من الرجال المقتدرين الذين تفانوا في تأييده كان بعض هؤلاء الزعماء قد تبعوه الى المنفى، والآخرين الذين ظلوا في البلاد لمقاومة الايطاليين قاموا بذلك بتوجيه، فلما عاد الى برقة بعد الحرب لم يكن ثمة مجال للتساؤل عمن يمكن أن تؤول إليه الرئاسة في برقة، ولم يكن الزعماء الطرابلسيين يجهلون أثر الملك ادريس في توحيد البلاد، إذ أنهم ادركوا أنه الشخص الوحيد الذي يكن له لجميع الاحترام، لكنهم اختلفوا على شكل الحكومة المنوي إنشاؤها ، وعلى الحدود الدستورية لاختصاصاته ... قبل عرش ليبيا بدافع من شعوره بالواجب الوطني ليزود البلاد المقسمة بالزعامة اللازمة لها)( ).
واما المؤرخ دي كاندول صاحب كتاب الملك ادريس عاهل ليبيا فقد قال: (على الرغم من محاولات تشويه صورة الملك في اذهان الناس وتهويل بعض نقاط الضعف التي لاينفرد بها عن بقية البشر، إلا أن الحقبة الطويلة التي قضاها في خدمة بلاده وأمته قد ترسخت في أعماق التاريخ بما يكفي للصمود أمام كل المساعي الخبيثة.
إن الملك ادريس رمز لعهد مضى ولن يعود، لكنه عهد زاهر يجدر بالليبيين جميعاً والعرب عموماً أن يعتزوا به)( ).
وقال ايضاً: (كانت الدعاية التي رافقت الانقلاب كاذبة مفترية في مزاعمها ضد الملك الذي حاولت أن تصوره مثل فاروق فاسقاً متهتكاً فاسد الذمة وهو أبعد مايكون عن تلك الصفات، فسمعته الشخصية كانت فوق مستوى الشبهات سواء في بلاده وفي العالم العربي عامة كرجل شديد الورع والتقوى كرّس حياته لحرية شعبه وكان في سلوكه الخاص مثلاً للاعتدال والاستقامة الكاملة وان الحملة الدعائية التي تواصلت ضده على ذلك النحو كانت من نوع الاسفاف الرخيض الذي لايقوم على أساس)( ).
وفاته:
استقر الملك ادريس رحمه الله تعالى في مصر حيث بقى مدة حياته الأخيرة بها، ولم يغادر مصر إلا مرتين ذهب فيها الى مكة للحج، وكانت وفاته في القاهرة بتاريخ 25 مايو 1983م وهو في سن الرابعة والتسعين( ).
وقد دفن الملك رحمه الله تعالى في المدينة المنورة، وكان قد طلب من جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز في لقاء لهما بموسم الحج سنة 1977م أن يأذن بدفنه متى حانت المنية في البقيع فكفل الملك خالد للملك ادريس رغبته رحمهما الله ثم إن الملك فهد بن عبدالعزيز اجاز ذلك بعد وفاة الملك خالد بن عبدالعزيز، ونقل جثمانه من القاهرة الى المدينة المنورة في طائرة مصرية خاصة( ).
فنسأل الله له الرحمة والمغفرة والرضوان ونقول ماقاله المولى عز وجل: {ربنا اغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا أنك رؤوف رحيم} (سورة الحشر، آية 10).
لقد تركت مايتعلق بالممكلة الليبية متعمداً في ذلك، الى وقت آخر إن كان للعمر بقية واذن الله في مواصلة هذه الرحلة الطويلة التي بدأتها من الفتح الاسلامي الى هذا الكتاب، لأنني أشعر بضعف المادة التي أمامي فيما يتعلق بتلك الاحداث لان قضايا ذلك العصر على جانب كبير من الاهمية بالنسبة لملابساتها وآثارها الممتدة الى عصرنا الحاضر وخصوصاً وأنني قد بحثت في أسباب سقوط الممكلة بحثاً دقيقاً وطلبت من رجال عاشوا في تلك المرحلة ليساهموا معي في تتبع الأسباب التي أدت الى سقوط المملكة الليبية ولكن التفاعل كان ضعيفاً واعتذر البعض لأسباب أمنية وقد علمت بأن بعض الذين عاصروا تلك الأحداث قد كتبوا مذكرات مهمة عن المرحلة وينتظرون الوقت المناسب لنشرها لذلك رأيت من الحكمة والتعقل التريث حتى يأذن الله في نشرها لأنها سوف تساهم في إيجاد معلومات تساعد الباحثين على تقصي الحقائق للوصول الى نتائج صحيحة مبنية على معلومات يقينية ولا يفتوتني في هذه الخاتمة أن أشيد بالمجهودات القيّمة التي قاما بها كل من الوزيرين السابقين؛ مصطفى بن حليم ومحمد عثمان الصيد في كتابة مذكراتهم ثم نشرها بغية استفادة الاجيال منها.
إن الجهود التي قاما بها الوزيران السابقان تستحق الثناء والتقدير لأنها أصبحت مرجعاً مهماً لتلك المرحلة وأخذت قيمتها التاريخية والعلمية وتعتبر من المبادرات الرائعة والرائدة لأن اصحابها عاشوا تلك الاحداث وساهموا في صناعتها، كما أنهم حطموا جدار الصمت ، وكتبوا تاريخهم السياسي الذي في حقيقته اصبح ملكاً للأجيال الصاعدة بغض النظر عن اختلاف الآراء حول تلك المذكرات.
إن فترة المملكة الليبية من عام 1951م الى 1969م غنية بالأحداث على المستوى المحلي والأقليمي والدولي تحتاج الى دراسة واعية وباحث مدقق يتوخى العدل والانصاف يعتمد على الله ثم على الوثائق والحجج والبراهين.
إن الاعتناء بتاريخ بلادنا وبلاد المسلمين تظهر اهميته في هذا العصر الذي استخدم فيه التاريخ كأداة لتوجيه الشعوب وتربيتها كما يريد القادة والساسة، بل استعان بهذا العلم أصحاب المذاهب الفكرية الهدامة في فلسفة مذاهبهم المادية وتدعيمها حتى أصبح هذا العلم عند الامم المتقدمة في مكانة سامية لا يعلوها علم آخر.
إن دراسة التاريخ بوجه عام، وتاريخ الأمة المسلمة على وجه الخصوص لاينبغي في دراستها تحقيق الرغبات، والحاجات الدونية ، بل من أجل الوصول الى القمة العلية ألا وهي إحياء الامة بكتاب الله وسنة رسوله ? ومعرفة كيفية التعامل مع سنن النهوض والصعود بالشعوب، واجتناب سنن السقوط والهبوط ولهذا قال تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثاراً في الأرض} (سورة غافر: آية 8).
هذا وقد انتهيت من كتابة هذه السلسلة التاريخية يوم الثلاثاء 1 ربيع الاول 1420هـ الموافق 15 يونيو 1999م، والفضل لله من قبل ومن بعد وأساله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل قبولاً حسناً وأن يكرمنا برفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين واختم هذا الكتاب بقول الله تعالى: { مايفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ومايمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} (سورة فاطر: آية2).
وبهذه الابيات:
إليك وجهت  يامولاي آمالي
            فاسمع دعائي وارحم ضعف أحوالي
أرجوك يامولاي لا نفسي ولا ولدي
            ولا صديقي ولا أهلي ولا مالي
لما عرفتك لم أنظر الى أحد
            فلا الرعية أرجوها ولا الوالي
فلا تكلني الى من ليس يكلؤني
            وكن كفيلي فأنت الكافل الكالي( )
واسقني كأس حب من ودادك يا
            مولاي فهو شراب سلسل حالي
فلا وحقك ماللقلب من شغف
            إلا بحبك فاشرح لي به بالي
وفيه سلوان قلبي عن علائقه
            وسلسبيلي وسلوائي وسلسالي
ومنه أحيى ومن فقدي له مرض
            ومرهمي أبداً منه وإبلالي( )
أنا الفقير الى مولاي يرحمني
            إذ تقضى بهول الموت إمهالي
أنا الفقير الى مولاي يرحمني
            في بطن لحد وحيش مظلم خالي
هناك لحمي لدود القبر فاكهة
            والعظم مني رميم في الثرى بالي
أنا الفقير الى مولاي يرحمني
            يوم القيامة من عنف وأهوال
أنا الفقير الى مولاي يحشرني
            في زمرة المصطفى المختار والآل
صلى الإله على أرواحهم أبداً
            ضعفاً على قدر زخار وهطال( )


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق