209
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الخامس
نظرة في كتاب الملك إدريس رحمه الله في اتحاد العرب وائتلاف الموحدين وبعض المقابلات الصحفية
ثامناً: استقالة الملك عام 1965م الاولى واستقالته الثانية قبل الانقلاب العسكري باشهر عام 1969م:
مع مرور الزمن وتقدم السن رأى الملك ادريس ان يتخلى عن الملك وأن يقدم استقالته، ويترك الى الشعب أو ممثيله اسناد الامر الى من احق منه او أقدر على حمل الامانة والقيام بالواجب المطلوب ولذلك لم يتردد الملك ادريس في عام 1965م في عهد حكومة السيد محمود المنتصر الثانية ان يقدم استقالته بسبب التقدم في العمر، وخشيته نتيجة لذلك من التقصير في القيام بماعليه من الواجب والمسؤوليات الى البرلمان الليبي تاركاً له أن يتخذ مايراه مناسباً من نظام للحكم لصالح البلاد، ومن رئيس للدولة فيها؛ ولكنه عندما تقاطرت الى مدينة طبرق، حيث كان يقيم الملك الجماهير الغفيرة من مختلف اطراف البلاد، وفي مقدمتهم الكثيرون من كبار قادة البلاد بما في ذلك قادة المعارضة فيها، واحاط الآلاف منهم بالقصر عدة أيام يطالبون بالحاح الملك المحبوب بالعدول عن استقالته، وبقائه ملكاً لبلاده الى ماشاء الله، فإنه لم يكن بوسع الملك سوى الرجوع عن هذه الاستقالة، موضحاً إن استقالته هذه كان قد تحدث بشأنها من قبل مع بعض رؤساء الحكومات الليبية، الذين كان من بينهم السيد مصطفى بن حليم، والسيد محمد بن عثمان الصيد، وهي كانت فقط بسبب تقدمه في السن، وخشيته من يؤدي ذلك الى التقصير في حسن القيام بما عليه من المسؤوليات ، ولم تكن هذه الاستقالة بسبب خلاف مع الحكومة الليبية أو البرلمان الليبي، حيث كان كل منهما كما ذكر الملك قائماً بواجبه، وباذلاً جهده في خدمة البلاد، ولكنه امام معارضتهم لهذه الاستقالة فلا يسعه إلا العدول عنها، على أن يكون لهم الحق في رفع يده عن الحكم إذا ماشعروا، مستقبلاً بعجزه عن حمل ماعليه من الواجبات وتكليف من هو أقدر منه على حملها( ).
وقد كانت استقالة الملك ادريس الثانية والاخيرة هي تلك المؤرخة في 4/8/1969م ، والتي وجهها أثناء رحلة استشفائية الى تركيا ثم اليونان الى كل من رئيس وأعضاء مجلس الشيوخ ورئيس وأعضاء مجلس النواب، ورئيس الوزراء ورئيس مجلس الشيوخ عبدالحميد العبار ورئيس مجلس النواب مفتاح عريقيب، عندما جاءا الى تركيا في ذلك الوقت للاجتماع بالملك بناءً على طلبه وفي هذه الاستقالة أكد الملك ادريس أنه وقد تقدم به العمر حتى وهن العظم منه، وبلغ من العمر عتياً ولهذا فهو قد قرر التخلي عن العرش الى الامير ولي العهد الحسن الرضا السنوسي مشترطاً موافقة البرلمان على ذلك، ومن ثم عليه حلف اليمين واعتلاء العرش، ومطالباً في هذه الاستقالة الشعب الليبي بتقوى الله ومخافته وحمد الله تعالى وشكره على ماأكرم بلاده من النعم، وأفاض عليها من الخير، وأن عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك خوفاً من أن يرفع الله تعالى عنها نعمه وخيره ويوليها الأشرار من عباده، وكان نص هذه الرسالة:
بسم الله الرحن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصبحه أجمعين.
أما بعد؛
ياأخواني الاعزاء رئيس وأعضاء مجلس الشيوخ واعضاء مجلس النواب ، يعني مجلس الامة الليبية، ورئيس الحكومة الليبية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أقدم لكم هذا الخطاب قائلاً: منذ أن قلدتني هذه الامة الكريمة الليبية ثقتها الغالية بتبوئي هذا المقام الذي شغلته بعد اعلان استقلال بلادنا العزيزة ليبيا.
قمت بما قدر الله لي مما اراه واجب عليّ نحو بلادي واهلها وقد لا يخلو عمل كل انسان من التقصير، وعندما شعرت بالضعف قدمت استقالتي قبل الآن ببعض سنوات فرددتموها فطوعاً لأرادتكم سحبتها، واني الآن نسبة لتقدم سني وضعف جسدي اراني مضطراً ان أقول ثانية اني عاجز عن حمل هذه الامانة الثقيلة، ولا يخفى انني بليت في سبيلها خمسة وخمسين سنة قبل الاستقلال وبعده قد اوهنت جلدي مداولة الشؤون وكما قال الشاعر:
(سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم)
وقد مارست هذه القضية وعمري 27 سنة والآن في الثانية والثمانين ولله الحمد اتركها في حالة هي احسن مما باشرت في بلائي بها، فاسلمها الآن لولي العهد السيد الحسن رضا المهدي السنوسي الاول) على أن يقوم بعبئها الثقيل امام الله وامام اهل هذه البلاد الكريمة على نهج الشريعة الاسلامية والدستور الليبي بالعدل والانصاف فاعتمدوه مثلي مادام على طاعة الله ورسوله والاستقامة.
وبعد اعتماده من مجلس الامة يحلف اليمين الدستورية امام مجلس الامة قبل أن يباشر سلطاته الدستورية، واني ان شاء الله عقدت العزم الاكيد على اجتناب السياسة بتاتاً والله على ما أقول وكيل.
والذي اختتم به قولي بأن اوصي الجميع من ابناء وطني بتقوى الله في السر والعلن، وانكم جميعاً في ارغد عيش وانعم النعم من الله تبارك وتعالى.
فأحذروا من ان يصدق عليكم قوله تعالى: {وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بانعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} فالله الله مما يغضب الله. وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ولا تفرقوا ، قال ? لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته( ).
محمد ادريس المهدي السنوسي
في 21 جمادى الاول 1389هـ
الموافق 4 أغسطس 1969م
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق