إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 5 يونيو 2014

208 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الخامس نظرة في كتاب الملك إدريس رحمه الله في اتحاد العرب وائتلاف الموحدين وبعض المقابلات الصحفية سابعاً: مكانة الصحافة في زمن الملك إدريس، وحرية الكلمة في مجلس النواب:


208

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الخامس

 نظرة في كتاب الملك إدريس رحمه الله في اتحاد العرب وائتلاف الموحدين وبعض المقابلات الصحفية

سابعاً: مكانة الصحافة في زمن الملك إدريس، وحرية الكلمة في مجلس النواب:

إن كثيراً من الحكام والملوك والقادة لايتحملون النقد، ولاكلمة الحق الموجهة إلى حكوماتهم أو ذواتهم ويقتدون بفرعون مصر الذي قال الله فيه: { ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} (سورة غافر، الآية  ) ويستعملون كافة الأساليب الوحشية لتكميم الأفواه، ومصادرة الحريات ويبررون مواقفهم أمام شعوبهم عند قمع الأخيار والمصلحين كما قال تعالى: {وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} (سورة غافر، الآية: 26).
وهكذا كل الطغاة يقولونها عندما يواجهون المصلحين، وكلما تواجه الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح، والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان.
وهكذا الطغاة في كل زمان ومكان يقدمون أنفسهم على أنهم الحريصون على الفضائل، الغيورون على الأخلاق، الراغبون في التعمير والتقدم، والأمن والإزدهار، بينما يقدمون أهل الخير والصلاح على أنهم مفسدون مخربون، ضالون، مضلون، أعداء الله والأمة والوطن، وحلفاء الشيطان ورؤوس الفتنة، ودعاة الضلال، ولهذا يجب القضاء عليهم قبل تحقيق أهدافهم الخبيثة( ).
إن الملك إدريس رحمه الله سمح للمصلحين أن يتكلموا وينقدوا الدولة والحكم وشجع الصحافة، والنواب على قول كلمة الحق وحتى الذين يتجاوزون حدود القانون من المعارضة يعترفون بالمعاملة الحسنة التي يلاقونها من الشرطة فقد ذكر الأستاذ محمد بشير المغيربي في كتابه وثائق جمعية عمر المختار مايدل على ماذهبت إليه فقد قال: (لابد أن أقول بعد كل ذلك أننا طيلة تلك المرحلة ونحن نعارض ونواجه بحدة وبشدة وتتخذ ضدنا إجراءات بالسجن والاعتقال والنفي وتحديد الإقامة إننا لم نتعرض لإهانة أو إذلال معنوي أو جسدي بل أن كل ماطبق علينا من تلك الإجراءات كان في جو من الإحترام وبما لايجرح كرامتنا أو يحط من أنسانيتنا..)( ).
إن من يدرس دور الصحافة في فترة الملك يلاحظ أنها كانت حرة ولكل شخص الحق في حرية التعبير عن رأيه وفي إذاعة الآراء والأنباء بمختلف الوسائل وذلك في حقوق الحق الدستوري المنظم لقانون المطبوعات الذي ظهر عام 1959م.
كان قانون المطبوعات يشترط موافقة مجلس الوزراء على وقف إصدار الصحيفة مما أعطاها منعة وحصانة ضد أي قرار تعسفي في حالة تفرد جهة معينة بذلك وأعطت الحكومة الليبية زمن الملك السابق رحمه الله حرية للصحف في مباشرة نشاطها دون تدخل أو تعويق إداري، ورغم أنه بدرت من الحكومة بعض الممارسات التعسفية في حق بعض الصحف إلا أن طبيعة النظام الحاكم كانت دائماً تعطي مجالاً وبراحاً للأخذ والعطاء، كما أن دستورية المؤسسات تضمن للصحف والمجلات حقوقها، وعندما قامت الحكومة في عام 1952م بإغلاق صحيفة التاج عارضت الصحيفة ذلك القرار، ورفعت دعوى ضد الحكومة وألقى الشاعر أحمد رفيق المهدوي قصيدة في تجمع لرفض القرار جاء فيها:
التاج يشكو لرب التاج مالاقى
            من الوزارة تعطيلاً وإغلاق
وزارة جاوزت مالا يطاق فأكثرت
            على الشعب اعناتاً وإرهاق
وقد نشرت القصيدة في اليوم التالي في جميع الصحف ولم يتعرض الشاعر لأي أذى ويوم تعرضت صحيفتي البلاغ والميدان للإغلاق ودخلت هذه الصحف في معارك قضائية عنيفة ضد وزارة الإعلام كانت هذه الصحف تدافع عن وجهة نظرها علانية أمام الجميع وفي المحاكم وكانت هناك نوعان من الصحافة حكومية وأهلية: فالصحافة الحكومية من أشهرها (ليبيا الحديثة، برقة الجديدة، فزان، طرابلس الغرب) ومع كونها حكومية إلا أنها لم تخل في مرات عديدة من نقد واضح للسلطات الحاكمة، رغم كونها من أدواتها الإعلامية، ونذكر هنا بالقصيدة الشعبية التي نشرتها صحيفة حكومية:
(وين ثروة البترول ياسمسارة        اللى ع الجرائد نسمع بأخباره)
وقد تضمنت القصيدة رسالة جرئية وعنيفة في مهاجمة الحكومة( ).
ب- أما الصحافة الأهلية وهي قائمة على الشكل التجاري فكانت تتلقى دعماً غير مباشر من الحكومة على هيئة (إعلانات - اشتراكات) وبقدر ماكان ذلك يشكل دعماً مالياً عُد بمثابة ضغط غير مباشر وربما قيدها أحياناً عن التمتع بحرية كاملة وقد ساهمت في انضاج الرأي العام المحلي وتوعيته سياسياً، وقد عرفت صحف كالبلاغ والرقيب بمقالاتها المنتقدة للحكومة، كما اشتهرت صحيفة (الحقيقية) بأسلوبها الساخر في تناول الحكومة والتعريف بمساوئها، ولم تتوان الصحف بما فيها الحكومية عن نقدها وفضحها لبعض مشاريع الدولة حتى تلك التي كان وراءها مقربون كعبدالله عابد السنوسي (مشروع طريق فزان)، حيث نشرت القصة لأول مرة في صحيفة المساء في 20/8/1960م تقدمت المعارضة على أثرها بطلب إسقاط حكومة عبدالمجيد كعبار عن طريق البرلمان وهو ماحدث في 16/10/1960م.
وأهم الصحف والجرائد التي ظهرت في زمن المملكة الليبية وقبلها بقليل هي:
1- صحيفة الوطن أنشأها مصطفى بن عامر 1943م.
2- صحيفة (التاج) لصاحبها عمر الأشهب ظهرت عام 1951م.
3- مجلة (ليبيا) أنشأها مصطفى بن عامر 1951م.
4- صحيفة (شعلة الحرية) أنشأها أحمد زارم 1951م.
5- صحيفة (الصريح) أسسها إبراهيم أحمد البكباك 1951م.
6- صحيفة (الليبي) أنشأها علي محمد الديب سنة 1951م.
7- صحيفة (المنار) مؤسسها عمر الأشهب 1952م.
8- صحيفة (الدفاع) أسسها صالح بويصير 1952م.
9- صحيفة (اللواء) أسسها علي رجب 1952م.
10- صحيفة (البشائر) مؤسسها علي زاقوب 1953م.
11- صحيفة (الزمان) أسسها عمر الأشهب 1954م.
12- مجلة (طرابلس الغرب) أصدرها مكتب المطبوعات والصحافة والنشر الحكومي سنة 1954م.
13- صحيفة (طرابلس الغرب) رئيس تحريرها فخر الدين عبدالسلام ابو خطوة 1954م.
14- مجلة (صوت المربي) صدرت عن اللجنة الثقافية لرابطة المعلمين ظهرت عام 1955م.
15- مجلة (النور) صاحب الامتياز عقيلة بالعون العدد الأول 1/5/1957م.
16- مجلة (الأفكار) ورئيس تحريرها راسم قدري 1955م( ).
17- صحيفة (الرائد) أنشأها بشير يوسف الطويبي سنة 1956م.
18- مجلة (الضياء) صاحب الامتياز عمر الأشهب أول عدد 1/3/1957م.
19- صحيفة (العمل) أحمد حسين أبو هدمه 1958م.
20- صحيفة (الطليعة) سالم علي شيته 1958م.
21- صحيفة (الرقيب) رئيس تحريرها رجب المغربي 1961م.
22- مجلة (الهدى الإسلامي) الشيخ محمد أمين هلال رجب 1381هـ - 1961م.
23- صحيفة (البلاغ) لصاحبها علي وريث 1963م.
24- صحيفة (الأمة) رئيس تحريرها عبدالله عبدالمجيد 1963م.
25- صحيفة (الميدان) فاضل المسعودي 1964م.
26- صحيفة (الحرية) رئيس تحريرها محمد عمر الطاشاني 1964م.
27- صحيفة (الحقيقة) صاحبها محمد بشير الهوني 1966م.
28- صحيفة (الديلي نيوز) رئيس تحريرها عبدالرحمن خليفة الشاطر.
29- صحيفة (الريبوتاج) رئيس تحريرها عبدالقادر طه الطويل 1967م.
30- صحيفة (الشعلة) رئيس تحريرها حسين الكيلاني الضريريط 1967م.
31- صحيفة (الفجر) محمد فريد سيالة .
32- صحيفة (ليبيا الحديثة) رئيس تحريرها صالحين عبدالجليل عمر.
33- مجلة الإذاعة، الكشاف، صحف برقة، طرابلس، الرأي العام، ليبيا تايمز( ).
وهذا العرض لإسماء الصحف والجرائد يدل على نهضة فكرية وسياسية جيدة للغاية، كما يدل على مرونة الملك وحكومته وبعدهم عن مصادرة الأصوات المعارضة لسياسة الدولة.
الاستاذ مصطفى بن عامر وكلمة حول الميزانية العامة في مجلس النواب:
كانت العناصر الحية، والحريصة على مصلحة شعبنا تستطيع أن تتكلم بكل وضوح وصراحة في مجلس الأمة ويحفظ لنا التاريخ مرافعة مهمة في مجلس الأمة الليبي عام 1955م وقد تكلم الكثير ممن نقدوا سياسة الحكومة من أمثال الشيخ عبدالعزيز الزقلعي وغيره إلا أن مرافعة الاستاذ مصطفى بن عامر كانت أقوى بياناً وأوضح حجة، وادق عبارة، واسهل اسلوباً، ومرافعته التاريخية يلاحظ الباحث وجود حرية في القول والنقد، والتعبير تمتع بها نواب الشعب وتلك الحرية حسنة من حسنات ذلك النظام الذي كان يقوده الملك ادريس رحمه الله.
وقد جاء في كلمة مصطفى بن عامر في مرافعته: (لقد سبق لي وأنا لست عضواً في المجلس حين وضعت المعاهدة البريطانية والاتفاقية الامريكية أمامكم لتقولوا كلمتكم فيها، أن ابلغتكم آرائي عن هذين القيدين الحديدين اللذين صيغا للبلاد وأعدا لمنع تقدمها من طريق العزة والكرامة والحرية رغم ماقدمته بريطانيا وأمريكا الى خزينة الحكومة من فتات الاعانات، وفضلات المساعدات التي ظهرت ارقاماً ضخمة في الميزانية الحالية والميزانيات السابقة ، ولكن أي أثر احداثته تلك الأرقام الضخمة في النهضة الاقتصادية ، وفي العدالة الاجتماعية  اللهم إلا إذا احدثنا تعريفاً جديداً لحقيقة النهضة ، وحقيقة العدالة وفسرناهما تفسيراً يتمشى مع الاوضاع السائدة التي تقوم على ترف الاقلية، وبؤس الاغلبية ، واعتبار الفساد ضرورة لا بد منها، والاصلاح حلماً من أحلام الطيش والغرور، لقد مددنا أيدينا للانكليز والأمريكان وأخذنا منهم الشلنات والدولارات، واعطيناهم أعز مانملك وأكرم مانحرص عليه فماذا عملنا بما أخذنا لاشيء، .. أين موقفنا هذا من ذلك الموقف الذي كنا نقفه في وجه الادارة البريطانية السابقة عندما كانت تدعي وجود عجز في الميزانية وما كان يبلغ نصف مليون جنيه وكنا نعتبر هذا العجز مفتعل نتيجة الاسراف المقصود لإقامة حجة علينا ومع ذلك فقد عاشت ليبيا تحت حكم الادارة البريطانية تسعة اعوام تخللتها سنون عجاف كان الجفاف فيها أشد من الجفاف الآن لكننا لم نشاهد بؤساً كما نشاهد اليوم ولم يمت احد من الجوع مثلما حدث في هذا الوقت كما أعلن ذلك أحد النواب المحترمين في قاعة هذا المجلس بالرغم من وجود القمح الامريكي الذي ظن أنه لن يترك بيتاً جائعاً. ولآن نريد أن نعرف مامعنى أن نصبح دولة مستقلة ذات سيادة. معنى ذلك أن نضخم ارقام الميزانية حتى يقال أنها ميزانية دولة لا ميزانية مستعمرة ونبني المنازل لسكنى الوزراء ونقيم العمارات ونؤثثها وننشيء المكاتب الفاخرة ونستورد السيارات والسخانات وآلات التدفئة والمكانس الكهربائية ومكيفات الهواء ونتقل من عاصمة الى عاصمة ونبعث بالسفراء والوزراء الى امريكا والشرق.
أمعنى ذلك أن يصبح جميعاً وزراء ونظاراً وأعضاء مجالس نيابية وتشريعية ورؤساء دوائر ومتصرفين ومدراء ومستشارين وسكرتيرين وكتاباً وطباعين ومباشرين ونتقاضى الرواتب والمكافآت والعلاوات ونتطاحن على التعينات والترقيات والدرجات. . أمعنى ذلك أن نشمخ بأنوفنا حينما نقلد منصباً حكومياً ونمشي في الارض مرحاً ونأبى أن نخاطب إلا بالعرائض ومن وراء حجاب ونمسي ونصبح وإذا هنا خلق لا عهد له بهذه الدنيا ومن فيها؟ لعل هذا هو المعنى الذي ادركه المسؤولون من إعلان الاستقلال وقيام دولة وممارسة السيادة لعل هذا هو المعنى الذي أدركوه وطبقوه وتفهموا فقراته على من تصرف الاموال وعلى من تنفق؟
لا بل انظروا حواليكم ايها السادة كم كلفكم هذا الاثاث الفخم الذي يحيط بكم ألم تكن هناك مقاعد صالحة ولائقة قبل هذه وإن كانت غير جميلة ولا أنيقة ولكنها كانت كافية بل فوق الكافية.
لما أنفقتم آلاف الجنيهات في هذه المظاهر والمناظر وميزانيتكم تئن من العجز والاجنبي يحتل بلادكم وشعبكم يرزح تحت أثقال عيشة بائسة؟ أريد أن أعرف اهذا هو معنى الاستقلال أم هو الاسراف والتبذير والأبهة والترف، وأين الاقتصاد والإنتاج والعمل والاجتهاد. اريد الجلوس على الكراسي العادية والمناضد الخشبية قليلة التكاليف، فماذا يلحقنا من ضرر لو أننا فعلنا ذلك اللهم إلا الأجر عند الله والذكر الحسن عند الشعب ومن وراء ذلك خير الوطن ونفع البلاد بل إني استطيع أن أتطرف في التوفير وعدم التبذير الى أبعد من ذلك. وأتصور عندما أعلن استقلال ليبيا وقيل إن في ميزانيتها عجزاً يحتاج تغطية من المساعدات الاجنبية واجتمع اول مجلس نيابي يمثل البلاد أتصور أن هذا المجلس رفض أن يكلف ميزانية الدولة الناشئية أي شيء لحساب اثاث قاعة وفضل اعضاؤه المحترمون البساطة على كل ماعداها وأن يأتي الزوار من هنا وهناك لينظروا الى ممثلي الشعب وهم يضربون أروع الأمثلة في التقشف والعزوف عن المظاهر على حساب الامة الفقيرة هم يباشرون أعمالهم لمصلحة أمتهم على هذه الصورة الرائعة الخالية من الزخرف والبهرجة كأنهم في بيت من بيوت الله يعبدون الله بالعمل لصالح المجموع فنحن مسلمون وشعار الاسلام في كل عمل عبادة.
أيكون ذلك لو كان دليلاً على تأخر وانحطاط؟ لم لا يكون دليلاً على وعي كامل وشعور رفيع بالمسؤولية وتفهم عال لحقيقة الاستقلال وبداية سليمه قوية في تشييد الكيان السليم القويم؟ ولعل عشاق المظاهر يرون في ذلك عاراً ومهزلة لايليق أن توصم بهما دولتنا الفتية وليس من الكرامة والشرف أن يجتمع مجلس الامة على تلك الصورة. وإلى اولئك أذكر أن العار الذي يطمس الشرف هو أن نسمح لأقدام المحتلين أن تدوس أرضنا وهي عرضنا مقابل حفنة من المال ننفقها على مظاهر كاذبة ومناظر زائلة والمهزلة التي تطيح بالكرامة هي أن نتجاهل قدر أنفسنا وحقيقة وضعنا وظروفنا وإمكانياتنا.
إني أشعر وأنا أتصفح الميزانية بأسى عميق وأسف شديد، إذ أن ذاكرتي تعود بي الى الماضي القريب المليء بالآمال واستعرض الذكريات وأقارن بينها وبين الحاضر المشحون بالآلام واتطلع الى المستقبل فلا أملك إلا التوجه الى الله ان يلطف بنا ويهئ لنا من أمرنا رشداً.
أذكر ايها السادة ذلك اليوم الأغر الذي صدر فيه قرار هيئة الامم المتحدة التاريخي بالاستقلال ليبيا (مساء 21 نوفمبر 1949) وأذكر أن جريدة كتبت في اليوم التالي تعليق على هذا القرار: (منذ البارحة سيكون علينا أن نعمل وننتج أكثر مما قاتلنا وكافحنا وسيكون علينا أن نكد ونجد حتى يفوق مانصبه من عرق وماذرفناه من دموع وأهرقناه من دماء أمامنا تركة عهدين يتطلبان التصفية النهائية حتى لانكون بعد ذلك مطالبين بميراث عهد الايطاليين الذين خرجوا من ديارنا بعد صراع عنيف وضحايا جمة وخلفوا ممتلكات مدمرة وعامرة ولكنها كلها ملك شرعي في ارض الوطن لأهل الوطن... وعهد البريطانيين الذين قسموا البلاد الواحدة واقتسموها سلباً حلال، وضيعوا عليها الفرص وشوهوا معالمها ووضعوا في طريقها نهضتها كل معرقل وعائق. أمامنا هذه التركة أو هذه المشكلة التي يجب أن يوضع لها حد، ثم أمامنا ما أمام كل شعب مثلنا من الحاجة الى إحصاء كل ماله وما عليه وتفهم كل دقيقة من لوازمه وضرورياته وتنسيق جميع متطلباته في جدول تراعى فيه الأهمية والاسبقية ثم المباشرة في العمل بما يستحق من العناية والاتقان في صغير الامور وكبيرها.
هذا الكلام قالته الجريدة منذ خمسة أعوام وكأنها تلخص برنامجاً يجب أن تسير عليه الدولة الجديدة إذا أرادت أن تكون دولة. قالت هذا وقلوب الجميع مفعمة بالآمال. والآن أعود لتلاوة ماقلت ونفسي مليئة بالآلام، كيف لا أيها السادة ، ونحن بدل أن نكد ونجد تخاذلنا وتكاسلنا، وبدل أن نقتصد ونجتهد أسرفنا وبذرنا وبدل أن نصفي التركة المتروكة لنا جعلنا نحن من أنفسنا تركة في الحاجة الى تصفية.
وبدل أن نحل المشكلة التي تواجهنا زدنا عليها مشاكل لا يمكن حلها وبدل أن ننتج أصبحنا نستجدي الاغاثة ونجلس في طلب الصدقة بدل من أن نحصي ونتفهم ضرورياتنا ولوازمنا صرنا نفرط في الكماليات حتى جعلناها ضرورة لازمة.
والاستقلال معناه أن نعيش في بلادنا ونملك أمر نفوسنا ولا نكن عالة على غيرنا في أي أمر من الأمور.. من أجل هذا الاستقلال بذلنا الأرواح وأهرقنا الدماء وذرفنا الدموع ولكي نحافظ على هذا الاستقلال، بهذا المعنى كان يجب أن نعصر اجسامنا عرقاً نتيجة الكد والجهد حتى نوفر المبالغ التي تسدد عجزنا ولكننا عكسنا الأمر وقلبنا الوضع:- فلابد من التضحية ولابد من نكران الذات وضرب الامثال للأجيال القادمة في الخلاص والتفاني الى أبعد الحدود( ).
لقد كانت مرافعة الاستاذ مصطفى بن عامر في مجلس الامة في سنة 1955م مفخرة تاريخية للاجيال حيث أن من اجدادنا من هو بهذه الشجاعة والاخلاص والحرص على تحرير البلاد من الغاصبين والدعوة الى الأخذ بالاسباب التي تؤدي الى هذا السبيل، وإن شعبنا في هذه الفترة الحرجة من تاريخه الجهادي لهو احوج الى أمثال الاستاذ مصطفى بن عامر لخوض معارك التحرير الفعلية في كافة مجالاتها التشريعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية....الخ.
فنحو أسلمة بلادنا الحبيبة وأرجاع عز الأمة التليد نحن ساعون وعلى ربنا متوكلون.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق