207
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الخامس
نظرة في كتاب الملك إدريس رحمه الله في اتحاد العرب وائتلاف الموحدين وبعض المقابلات الصحفية
سادساً: أيها العرب اتحدوا وكونوا كالبنيان المرصوص:
وقال أيضاً: أيها العرب اتحدوا وكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، فإن الواجب المقدس يدعوكم أن توحدوا صفوفكم وأن تجاهدوا جميعاً في سبيل الذود عن حياض بلادكم ودينكم، وليس الجهاد هو القتال فحسب، بل إن أول الجهاد هو أن تعرفوا معنى الأخوة العربية وتوحيد السبيل، ثم تدافعوا بكل مااستطعتم كلما أمكنكم الدفاع، وأوله باليد، وليس معنى ذلك هو إشهار السلاح فقط، ولكنه التعلم، تعلم كل مايمكن أن تتفوقون به من الصنائع، وباللسان أي ببذل كل ما أوتيتم من النصيحة والإرشاد، وبالقلم، أي بتأسيس الصحف وارتباطها ببعضها لتوحيد الفكرة وتوجيه الرأي العام، وبعمل الملاجئ، والمستشفيات للفقراء واليتامى والمرضى حتى لايضطرون إلى الإلتجاء للمؤسسات الأجنبية التي قد تدس لهم السم من عقائد دخيلة، ومذاهب فاسدة مفسدة، ثم إنشاء المدارس الوطنية وتشجيع التجارة الوطنية والإكتفاء بمصنوعات البلاد.
وبعد أن تحدث في هذا الموضوع بإسهاب قال: والشعب العربي هو الآن على أبواب نهضة عظيمة ستتجاوز بعون الله ماكان عليه قبل قرون، وأن التاريخ سيعيد نفسه - والأحفاد كما قيل هم سر الجدود - .
إن الشعب العربي له مواهبه العظيمة في الحرب والسياسة، وفي العلم والإقدام، هذا مالاينكره أحد، والبلاد العربية في نظر عموم المسلمين متقدمة، ولها المكان المرموق لوجود البيت الحرام وكذلك قبر النبي ? وبيت المقدس( ).
وقال في مكان آخر من البحث: إن الإسلام معناه الاتحاد والإسلام واحد لايقبل التجزئة ولكن مع الأسف الشديد فقد أدى الجدل الكلامي إلى الاختلاف فتفرق المسلمون إلى معتزلة وأهل سنة، وتفرقت المعتزلة شعباً وتفرق أهل السنة في الاجتهاد إلى مذاهب وهذا الاختلاف تجاذبته الأغراض السياسية، ولاسبيل لحسم هذا الخلاف إلا بالعودة إلى الإسلام الذي بينه صاحب الرسالة على بساطة أسلوبه وسمو معانيه وجوهره( ).
فلنفكر قليلاً في إنصاف وتعقل، ولننظر إلى الحقيقة ولنرجع إلى أوامر النبي وكنه الإسلام ونستعرض هذه المصائب التي انتابتنا منذ عصور طويلة، فإنه لايوجد شيء مهلك كمنازعتنا معشر المسلمين ... إلى أن قال: إن هذه الفوضى أفسدت الجماعة الإسلامية جيلاً بعد جيل، أفسدت الثبات والصبر والسعي المضطرد والاجتهاد والتفكير ثم قال: إن المسلمين لعدم تمسكهم بروح الإسلام أصبحوا في ضعف وانحطاط، وقد ذهب استعدادهم الفكري لانكبابهم على المنقولات، فالتقليد في الفكر لم يكن فضيلة، فكيف نقف هكذا صغار أمام الماضي؟ وكيف ننتظر من أسلافنا كل شيء كمن ينتظر الميراث ليعيش به؟( )
هذه بعض النقولات من كتابه اتحاد العرب وائتلاف الموحدين يعطي الباحث خطوطاً عريضة في نظرة الملك إدريس رحمه الله لبعض القضايا التي تتعلق بنهوض الأمة وسعيها نحو التمكين.
وزيادة في إيضاح المنهج السياسي الذي كان يتبناه الملك إدريس ننقل هذه المقابلة الصحفية التي أجريت عام 1942م بين الملك ومندوب جريدة البصيرة التي كانت تصدر في الإسكندرية حيث أجاب على عدة اسئلة تتعلق بالوحدة العربية، ونهوض الأمة فقال: من المشاهد الآن أن العالم يسعى إلى التكتل داخل مجموعات قوية كبيرة، والعرب في بلادهم المختلفة لاحياة لهم أقصد حياة العز والقوة - إلا إذا اتحدوا داخل نطاق من التعاون التام، التعاون الذي يجمع بين الثقافة والصناعة، والاقتصاد، وبذلك تستطيع المجموعة العربية الكبيرة المؤلفة من ثمانين مليوناً أن تحتفظ لنفسها بين الأمم العالمية بمكانة مرموقة محترمة والوحدة العربية عندي أقرب إلى التحقيق في وقتنا الحاضر من اتحاد شرقي اسلامي، فإنه من المشاهد في بقاع الأرض المختلفة أن وحدة الدم واللسان والثقافة هي أكبر العوامل في تقارب الشعوب، واتحاد المصالح، وهذه الأمور جميعها متوفرة في الأمم العربية أكثر من توفرها في العالم الإسلامي، زد على هذا أن الأمم العربية متجاورة الحدود، ومتقاربة التخوم مما يجعل الاتحاد بينها أقوى أثراً وأسرع تنفيذاً وأجاب عن سؤال آخر لنفس المندوب بقوله:
إن الواجب المقدس الذي يحتمه الدين وتفرضه الوطنية على كل عربي هو أن يجاهد الطغيان بكافة الوسائل التي يملكها حتى يزول هذا الرعب الزاحف وتشرق شمس الحرية والكرامة الإنسانية على الأمم العربية والعالم أجمع من جديد( ) وعن سؤال آخر أجاب: إن الأهداف التي ترمي إليها والتي طالما سفكنا دماءنا في سبيل تحقيقها هي الحرية الكاملة، والإستقلال الشامل، ولاننسى نحن الطرابلسيين واجباتنا حيال النهضة العربية الكبرى باعتبارنا وحدة من الوحدات التي تتكون منها المجموعة العربية.
سنعمل كما عملنا في السابق متعاونين مع الأحرار العالميين على أن يسود الشرق العربي روح النهوض في المرافق العلمية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية حتى يؤدي رسالته الإنسانية ويستعيد مجده الغابر( ).
وعندما التقت به مجلة صوت الشرق في فبراير عام 1957م وجهت له بعض الأسئلة فأجاب: إن ليبيا تمد يدها لكل بلد عربي شقيق بإخلاص، واضعة كل مالها وأناسها في سبيل نصرة حرية هذا البلد، وتأييده في الذود عن حياضه وعزته وكرامته، ولن ننسى أبداً نصرة وتأييد البلاد العربية الشقيقة، والبلاد الحرة الصديقة لنا في جهادنا وكفاحنا في سبيل تحقيق استقلال ليبيا وتحريرها من الاستعمار إلى أن قال: أنصح العرب الأشقاء بالتمسك بالدين الكامل، والخلق الفاضل، والإتحاد الشامل، فلن يغلب شعب يحرص على هذه الأمور الثلاثة( ).
إن دراسة كتابه المذكور، وتصريحاته الصحفية تبين للباحث ضعف القول القائل بأن الملك إدريس لايفهم في أمور السياسة وأقرب إلى أهل التصوف من كونه رجل دولة، ولاتوجد لديه رؤية سياسية واضحة ولايعرف كيف تساس أمور الأمم والشعوب؟
إن حياة هذا الرجل لغنية بالعبر والدروس والمواعظ، التي تحتاجها الأجيال الصاعدة التي تستلهم من الماضي مايفيدها في حاضرها ومستقبلها وفق رؤية وتصور نابع من كتاب الله وسنة رسوله ?.
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق