إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 3 يونيو 2014

18 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الثالث إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة ثالثاً: الأخوان السنوسيون الذين حملو مع ابن السنوسي الدعوة:



18


الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الثالث

إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة

ثالثاً: الأخوان السنوسيون الذين حملو مع ابن السنوسي الدعوة:

كان ابن السنوسي في تجواله بين الأقطار الاسلامية يقوم بدعوة الناس وتعريفهم بالاسلام، وسلك منهج القرآن الكريم في دعوته، فكان يقوم بوظيفته الدعوية امتثالاً لقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون} (سورة البقرة، آية 151).

وتمثل هذه الواجبات الأمور التالية:

أ- تبليغ وحي الله الى الناس، وتعريفهم به { يتلو عليكم آياتنا} وكان يقوم بالتبليغ بالأمور الآتية :
    شرح أصول الاسلام وقواعده للناس.
    تفسير نصوص القرآن والسنة تفسيراً لمنهج السلف، وملائماً لعصره من حيث الأسلوب والوسيلة .
    جمع الناس على الاسلام ومبادئه وأخلاقه، وتوجيههم نحو الفهم والعمل.
    استهدف كل الناس بالدعوة سواء كانوا مشركين أو نصارى أو يهود أو ملاحدة، أو منافقين....الخ.
    بيان الأخطار التي تواجهها الأمة الاسلامية من أعدائها.
ب- تزكية الناس: حيث قام ابن السنوسي بتربية الناس على الصفات المحمودة، وتذكيرهم بخطورة الاخلاق الذميمة.
ج- التعليم، حيث قام ابن السنوسي بتعليم الناس القرآن والحكمة، ونقلهم من ظلام الجهل الى نور العلم، ومن ظلال الباطل الى هداية الحق.

واستطاع أثناء تحركه بدعوته أن يختار من بين المسلمين مجموعة خيرة من العلماء والفقهاء والدعاة، ممن اتصفوا، بالتميز الايماني ، والتفوق الروحي، والرصيد العلمي، والزاد الثقافي ، ورجاحة العقل ، وقوة الحجة، ورحابة الصدر، وسماحة النفس وأصبحوا من أعمدة الحركة السنوسية أثناء حياته وبعد وفاته، فبعضهم أصبح مشرفاً ومعلماً في الزوايا المنتشرة في ليبيا وتشاد، والحجاز، ومصر ، وبعضهم أصبح من أعضاء هيئة التدريس العلياء في الجغبوب، وكان هؤلاء الأخوان الذين ساندوا الحركة السنوسية منهم من هو من الحجاز، كالشيخ فالح الظاهري، ومحمد بن الصادق الطائفي؛ ومنهم من هو من الجزائر، كأبي القاسم التواتي؛ ومنهم من هو من تونس، كعلي بن عبدالمولى؛ ومنهم من هو من السودان، كالسيد محمد بن الشفيع؛ ومنهم من هو من برقة ، كعبدالرحيم المحبوب، ومنهم من هو من طرابلس كعمران بن بركة الفيتوري( ).

واختار ابن السنوسي من كبار علماء الحركة للتفرغ للتدريس في معهد الجغبوب (...وجلس كبار العلماء للتدريس بمعهد الجغبوب، حيث تدرس جميع أنواع العلوم( )، فلا ينحصر التعليم على حفظ القرآن  (وهذا شرط اساسي)، وبعض العلوم الدينية والعربية، كما هو الحال في كثير من المعاهد وقتذاك، وحتى الآن؛ بل إن التعليم قطع بالجغبوب شوطاً بعيداً وسار خطوات واسعة، فتناول أهم العلوم العقلية والنقلية، وكان يجلس للتدريس فطاحل العلماء والأعلام تحت اشراف السيد ابن السنوسي نفسه الذي يضع برامج التعليم ويقرها، فتخرج من هذا المعهد العدد الكبير بقسط وافر من العلوم...فمنهم العلماء والكتّاب والمصنفون( ).

وقد ذكر محمد الطيب أسماء بعض العلماء الذين قاموا بإلقاء الدروس في معهد الجغبوب تحت إشراف ابن السنوسي فمنهم: عمران بن بركة الفيتوري، أحمد عبدالقادر الريفي، فالح الظاهري، أحمد التواتي، عبدالرحيم أحمد المحبوب، محمد بن أحمد الشفيع، أبو سيف مقرب حدوث البرعصي، حسين الموهوب الدرسي، محمد صادق الطائفي، أحمد الطائفي، محمد مصطفى المدني، محمد القسطيني، محمد حسن البكري( ).

لقد قام عدد كبير بنصرة وتأييد الحركة السنوسية من العلماء والفقهاء والقادة، والشيوخ ومن أشهر هؤلاء الإخوان الذين ساندوا ووقفوا مع ابن السنوسي في حركته الواسعة:
    محمد عبدالله التواتي، وهو من أوائل اخوان ابن السنوسي وتلاميذه، وقد قام بعدة أعمال كلفه بها ابن السنوسي في كل من الحجاز واليمن وليبيا، وقتل في الحجاز ودفن بزاوية بدر وقد مرّ ذكره .
    أحمد أبو القاسم التواتي من الجزائر وقد تولى مشيخة زوايا سيوة والزيتون وزوايا فزان ، وكان أحياناً ينتدبه ابن السنوسي للتفتيش على الزوايا ومراقبة أحوالها ومما قاله ابن السنوسي في حقه في كتاب أرسله الى أعيان واحة سيوة قوله: (وولدنا الشيخ احمد التواتي قد أقمناه مقامنا، وماأرسلناه إلا لمنفعتكم خاصة ، وإلا فغيره يقوم مقامه، وأسمعوا لنصيحته فإنه نصوح أمين وقد هدى الله به أمماً عديدة)( ).

    توفاه الله بزاوية الطيلمون وقد رثاه زميله العلامة فالح الظاهري بقصيدة عصماء مطلعها:

    على مثل من أوقاته حلية الدهر
                بصالح أعمال ، دموعك فتلجري

    كما رثاه شاعر السنوسية أبوسيف مقرب بقصيدة مماثلة جاء فيها:

    سل الدهر هل يبقي سعيد مخلداً
                ولو كان أبقاه لأبقى محمداً
    يكر علينا ليله ونهاره
                شجاعين لا يثنيها من تجلداً( )
    ومنها :

    ألا ليت شعري كيف صاروا بنعشه
                    الى القبر وهو الطود ذو المجد والندى
    حوى نعشه علماً وفخراً وسؤدداً
                    وحلماً وتقوى ماسواها تزودا

    علي بن عبدالمولى من تونس، تولى مشيخة الجغبوب، وكان وكيل خاصة بن السنوسي واستمر في عهد محمد الثاني، وكان معروف بالصلاح والتقوى توفي بالجغبوب.
    أحمد بن فرج الله من طرابلس، وهو والد أم محمد المهدي ، ومحمد الشريف وقد توفاه الله بالبيضاء ودفن بمقبرة الصحابي الجليل رويفع بن ثابت الانصاري ولم يترك عقباً من الذكور.

    محمد بن الشفيع من سنار السودان، كان من بين تلاميذ العلامة احمد بن ادريس الفاسي دفين (صبيا)، تعرف على ابن السنوسي أثناء حضوره عند أحمد بن ادريس وسمع ماشهد به ابن ادريس لإبن السنوسي، وقد تولى أعمالاً كثيرة منها مشيخة زاوية المدينة، والقيام بالتفتيش على الزوايا في كل من الحجاز وليبيا وكانت آخر اعماله مشيخة زاوية سرت (خليج سدرى) ، وكان من أجل العلماء علماً وتقى وشدة في الحق وشجاعة( ) وكان يهابه حكام الاتراك وزعماء العرب لشدة تحرشه معهم في الحق رغم جميع المجاملات وكانت له مواقف مشهورة مع الفريق الحاج رشيد باشا عندما كان هذا الأخير حاكماً لبرقة وكان يحترم ويجل ابن الشفيع، وذات مرة سافر رشيد باشا الى الجغبوب وكان يصحبه بن الشفيع وشرع رشيد باشا يتلو القرآن وبن الشفيع يستمع حتى وصل القارئ لقوله تعالى: {إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآبا} فقال ابن الشفيع أتعلم يارشيد أن جهنم خلقت لمن؟ فقال رشيد الله أعلم ياسيدي فاجابه قائلاً: انها لك ولأمثالك مالم تأخذوا بكتاب الله ، فضحك رشيد وقبل يد ابن الشفيع، وتوفي بن الشفيع بسرت سنة 1324هـ( ).

    أحمد المقرحي، وقد سماه ابن السنوسي بالمفرحي من بادية طرابلس وكان من طليعة علمائها الذين يرجع إليهم على باشا اشقر الحاكم العثماني، وفي بعض الروايات أنه تولى الافتاء في ولاية طرابلس، وقد مر ذكر المناظرة التي قامت بين علماء طرابلس وابن السنوسي وقد توفي المقرحي بالزاوية البيضاء عام 1263هـ ودفن بمقبرة رويفع الانصاري ولم يترك عقباً.

    عمران بن بركة الفيتوري ، من زليطن، اسندت إليه مشيخة الزاوية البيضاء، وقام بالتدريس في معهد الجغبوب، وكان مدرساً لمحمد المهدي السنوسي، وكان يتمتع بمكانة مرموقة بين زملائه وتلاميذه توفي بالجغبوب عام 1310هـ ورثاه شاعر الحركة السنوسية أبوسيف مقرب البرعصي بقوله:

    لقد سرت يامولاي للقبر نيراً
                    ولا عجب فلنيرات تسير
    وان جار دهر في انتهابك واعتدى
                فما زال قدماً يعتدى ويجور
    له كلف بالاكرمين فكاسه
                تدر عليهم عاجلاً وتدور
    ويعتامهم بين الانام فنبله
                يصيب وأما خليه فتغير
    ألا أن للدنيا مصائب جمة
                ولكن مصابي بالكبير كبير
    مصاب له فاضت نفسيات أنفس
                ولان له (رضوى) ولان (ثبير)
    فيا واحداً ضج الجميع لفقده
                وعج كبير بالبكاء وصغير
    قضيت حميداً وانقضى العلم والتقى
                وآضى جناح الدين وهو كسير( )

    وقد تزوج الامام محمد المهدي كبرى بناته وتزوج محمد الشريف بالثانية، فأنجب منها المجاهد الاسلامي الكبير أحمد الشريف( ).

    عبدالله بن محمد السني -من سنار السودان- كان من تلاميذ العلامة احمد بن ادريس ، وتولى أعمالاً كثيرة منها إلقاء الدروس في مختلف العلوم وتولى مشيخة زاوية مزدة حيث توفاه الله بها.

    فالح الظاهري - من الحمراء بالحجاز- ينتسب لبني حرب التحق بأبن السنوسي سنة 1243هـ في مكة وتفرس فيه ابن السنوسي نجابة وذكاء، كان من طليعة المدرسين بالمعهد الجغبوبي ، زار استانبول مندوباً عن ابن السنوسي، كما زارها في عهد السلطان عبدالحميد ونزل في ضيافته معززاً مكرماً، ثم زار الهند، وجلس للتدريس في جميع البلاد التي زارها، ومما يلي نذكر بعض ماورد في رسالة منه الى العلامة احمد الريفي رحمها الله: (وفي هذه السبع سنين، بعد قدومي من البلاد الرومية حصل لي من إفادة العلوم غطوس ما أفقت منه إلا وأعضائي بها خلل من طول الجلوس، لكنني ولله الحمد حصلت من تبليغ العلم الى أهله غاية الأرب؛ ولم يبق قطر من الأقطار إلا وحمل عني إليه دفتر (مفالحه) شيخنا الأستاذ، وهذا أقصى أمنيتي من كوني جعلت في الخافقين لشيخنا المذكور أعلا صيت حتى في الهند والسند..)( ) كان العلامة فالح الظاهري متضلعاً في العلوم الدينية والفقهية والحديثية والتاريخية واللغوية وكان شاعراً يقرض الشعر، توفاه الله سنة 1327هـ بالحجاز( ) وله عدة تآليف لم تطبع منها، انجح المساعي ، وحسن الوفا لأخوان الصفا، وصحائف العامل بالشرع الكامل( ).

    عبدالرحيم بن أحمد المحبوب (البنغازي) تتلمذ على يد ابن السنوسي، وتولى مهاماً كثيرة أسندت إليه منها، مصاحبة محمد المهدي من الحجاز الى الجغبوب ، وكان مفتشاً على الزوايا، وتولى مشيخة زاوية بنغازي ، وانتدب لزيارة استانبول في عهد ابن السنوسي، كما زارها في عهد محمد المهدي، وقام بإلقاء الدروس بمعهد الجغبوب توفاه الله بزاوية بنغازي 1305هـ( ).

    حسين الغرياني ، تتلمذ على يد ابن السنوسي وانضم الى مجلس الاخوان وعرف عنه الصدق والاخلاص والحزم في جميع اعماله وتولى رئاسة الزاوية البيضاء ثم عين لرئاسة زاوية جنزور وعرف عنه الصلاح والتقوى والتفاني في عمله وتوفي بزاوية جنزور المعروفة باسم زاوية دفنه( ).

    أحمد بن عبدالقادر الريفي، من تلمسان بالجزائر، التحق بابن السنوسي سنة 1267هـ فلازمه ملازمة صادقة وقام بكثير من أعمال الحركة السنوسية وأخذ عنه محمد المهدي السنوسي الكثير من العلوم، ثم أصبح المستشار الخاص لمحمد المهدي، وكان معروفاً بالحلم والورع ولين الجانب وذكر بعض المؤرخين أن محمد المهدي السنوسي كان يتلو القرآن الكريم، وعندما مر بقوله تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما والذين يبيتون لربهم سجداً وقياما} قال : إن معنى هذه الآية ينطبق على السيد أحمد الريفي( )، وكان مستشار الحركة السنوسية الخاص، وتولى رئاسة مجلس الاخوان بالجغبوب توفى عام 1329هـ/1911م ، فشق موته على افراد البيت السنوسي وجميع الاخوان وعامة أهل برقة ورثاه الشعراء والعلماء ومن بينهم تلميذه أحمد ادريس الأشهب حيث قال:

    صبرت وماقلبي عليك بصابر
                فانت امام الاولياء الاكابر
    تركت دموع العين تجري صبابة
                وسرت الى أهل العلى والمقابر
    مكثت بجغبوب وتاج ومكة
                وأنت تفيد القوم أهل المحابر( )

    محمد الصادق -من الطائف- التحق بابن السنوسي بالحجاز واسندت إليه أعمال كثيرة، وقد أرسله ابن السنوسي الى الجزائر أكثر من مرة بمهمات خاصة تتعلق بدعم حركة الجهاد في الجزائر، وتولى مشيخة زوايا الجريد بتونس كما كان حلقة الوصل بين المجاهدين في الجزائر والزوايا السنوسية، وقد توفى بالجريد.

    محمد بن مصطفى حامد المدني - من تلمسان- التحق بابن السنوسي في الحجاز عام 1267هـ، وتولى اعمالاً كثيرة في الحركة السنوسية منها تعليم القرآن الكريم ، وإلقاء الدروس، والاشراف على شؤون الطلبة والعمال في الجغبوب، ثم مشيخة زاوية تازربو حيث توفاه الله هناك.

     عمر محمد الأشهب من زليطن - تعرف على ابن السنوسي مع زميله عمران بن بركة، تولى زاوية درنة، ومشيخة زاوية مارة، ثم مشيخة زاوية مسوس توفاه الله بها.
     مصطفى المحجوب من مصراته، وقد تعرف على ابن السنوسي والتحق به في الزاوية البيضاء سنة 1258هـ تولى مهام كثيرة آخرها مشيخة زاوية الطيلمون.
     أحمد بن علي أبو سيف من بادية طرابلس، تولى أعمالاً كثيرة منها التدريس ومشيخة زاوية مسوس، وزاوية مارة، وتوفي بالحجاز 1294هـ.
     أبو القاسم العيساوي - جبل طرابلس - تولى مشيخة زاوية الرجبان، وانتدب إلى دار الخلافة.

     محمد ابراهيم الغماري من المغرب الأقصى (مراكش) تولى أعمالاً كثيرة منها مشيخة الزاوية البيضاء والأشراف على صناعة تجليد الكتب الخاصة بمكتبة الجغبوب وتنظيمها.
     إبراهيم الغماري - مراكش - تولى مشيخة زاوية دريانة ضمن الأعمال المناطة به.
     مصطفى الغماري - مراكش - تولى أكثر من زاوية بالحجاز حيث توفاه الله هناك.
     محمد حسن البسكري، كان يقوم بالسكرتيرية لمحمد المهدي فيما بعد.

     عمر أبو حواء الفضيل الأوجلي كان من أوائل رفاق ابن السنوسي، وقد اشتهر بالصلاح والتقوى والاستقامة، وقد ندبه ابن السنوسي إلى أكثر من مهمة في كل من الحجاز وليبيا والسودان وشمال إفريقيا، وقد تولى مشيخة زاوية الجوف بواحة الكفرة التي توفاه الله بها.
     مصطفى الدردفي - من مصراته - كان من رفاق ابن السنوسي تولى مشيخة زاوية شحات.

     محمد بن حمد الفيلالي - من المغرب - كان من رفاق ابن السنوسي، وقد انضم إليه من الجزائر، وتولى أعمالاً كثيرة منها رئاسة مجلس الإخوان في برقة وقد وصفه ابن السنوسي بالرئاسة( ) إلا أنه بعد سفر ابن السنوسي الأخير إلى الحجاز انفرد (بن حمد) في عمله وأساء التصرف واستبد عن رأي مجلس الأخوان، كما أخذ يهددهم ويهينهم بمختلف الإهانات وهم يتحملون ذلك ويرون طاعته مع الصبر على المكاره شيئاً ضرورياً لأنه الوكيل عن ابن السنوسي، ولما ظهرت تصرفاته لابن السنوسي أمر بفصله ثم سافر إلى الحجاز وهناك استقبله ابن السنوسي وقال له :( اتعبتنا يا أخينا بن أحمد فما من كلمة سوء وجهتها لأحد إخواننا إلا وقد وجهت لنا بالذات وما من ضربة سوط أصابت جسم أحدهم إلا وقد أصابتنا مباشرة )( ).
     محمد أحمد السكوري - من صنهاجة بالمغرب، تولى مشيخة زاوية الواحات البحرية وأوفده ابن السنوسي في مهمة إلى الحجاز ثم ولاه مشيخة زاوية المرج، ورث عن أبيه ثروة ضخمة ومحبة البدو الذين عرفوا والده وأحبوه( ).

     المرتضى فركاش: ينتسب إلى نوح المسماري الشريف الحسني كان من كبار الشخصيات المحترمة بالجبل الأخضر يمتاز بين قبائل العرب بالدهاء وكثرة التجارب والمرونة وكرم الأخلاق وحسن التصرف وله شهرته الاصلاحية وقد ساعدته ثروته الطيبة وقتذاك على الاحتفاظ بمركزه الاجتماعي والأدبي وكان يعيش الحضر والبادية فيأوي مدينة درنة في وقت الصيف ويختلف إلى سكنى البادية في موسم الشتاء والربيع وعندما وصل ابن السنوسي إلى الزاوية البيضاء التحق به وأخذ في خدمته بكل إخلاص فنال حظوة عند سيادته وكان يلازمه في تنقلاته داخل برقة وحج معه البيت الحرام، وحفظ القرآن وتفقه في الدين بقدر الامكان، انجب أولاداً كانوا جميعاً في خدمة الحركة السنوسية، وكان لأمر هؤلاء الأولاد دوراً بارزاً في الجهاد ضد ايطاليا، وتميزت عائلة فركاش من بين قبيلة المسامير بخدماتها الجليلة للإسلام من خلال الحركة السنوسية، وارتبطت بصلات المصاهرة مع كثير من الإخوان منهم الأشهب، المحجوب، عبدالمولى الغرياني( ).

    أبوسيف مقرب: هو من أشهر بيوتات السعادي ينحدر من عائلة طامية البراعصة وفي بيته رياسة قبائل البراعصة وهو من خيرة رجال الحركة السنوسية سلمه والده طفلاً لإبن السنوسي ، وكانت تبدو عليه امارات الذكاء والنجابة، وكان من بين العمال الذين قاموا ببناء زاوية البيضاء فزلقت رجله وتصادم رأسه بالحجر فشج حتى قيل أن دماغه ظهر للعيان فجيء الى ابن السنوسي، فضمد رأسه بقطعة من عمامته قائلاً هذا الرأس سيملؤه الله علماً وحكمة) وصدقت فراسة ابن السنوسي ونبغ المصاب الذي كان اقرب الى الموت منه الى الحياة وأصبح من أبرز العلماء كما كان في طليعة أدباء الأخوان، وكان من كبار المدرسين في معهد الجغبوب توفى رحمه الله بزاوية الجوف (الكفرة) وصلى على جثمانه محمد المهدي الزعيم الثاني للحركة السنوسية وكان ذلك عام 1315هـ( ).

    الحسين الحلافي - من المغرب- تولى من الأعمال مشيخة زاوية المخيلي.
    المختار بن عمور - من أشراف الجزائر- كان من تلاميذ ابن السنوسي ، تولى مشيخة زاوية قفنطه.
    محمد حيدر الهوني، اشتهر باجادة تلاوة القرآن ترتيلاً حتى روى عن ابن السنوسي أنه كان يقول: (ياهوني قراءتك للقرآن تقول اسمعوني).
    عمر جلغاف حدوث، من زعماء قبائل برقة -أخلص للحركة السنوسية، وكان ضمن الوفد الذي ألتمس من ابن السنوسي عندما كان في الحجاز أن يرجع الى برقة، وكان ضمن مجلس الاخوان في البيضاء وأوفده ابن السنوسي لتفتيش الزوايا والقيام ببعض المهام فيها.
    الفضيل أبو خريص الكزة - أحد زعماء قبائل برقة- انضم الى ابن السنوسي ، وكان حظه من التعليم قليلاً إلا أنه قام بمهمات كبيرة في السودان والحجاز والجزائر( ).
    بالإضافة الى هؤلاء مجموعة طيبة من أعيان وزعماء برقة من الحضر والبادية ومن بينهم الأمين بك شتيوي متصرف بنغازي، ومحمد بك كاهية وجميع افراد اسرته، والشيخ علي القزيري ، والحاج عبدالله بن شتوان، والشيخ محمد الاسمع والحاج سالم عثمان، وكبار عائلة منينة وبن زبلح، وهؤلاء من وجهاء وعيون بنغازي أما من درنة فقد انضم إليه جميع اعيانها ورؤسائها منهم وقتذاك عائلة جبريل، وعائلة ساسي وستيته، ومن شيوخ البدو علي بك الاطيوش، والحاج محمد قادربوه، والشيخ حمد اللواطي، وابوبكر بك حدوث وعمر جلغاف وعبدالله سويحل عمدة عائلة مريم واضرابهم من الشيوخ والعمد والاعيان وعامة الاهالي هؤلاء جميعاً كانوا من انصار الحركة السنوسية انصهروا في بوتقتها، وتبنوا تعاليمها ، واصبحوا من دعاتها.
    كان هؤلاء الاخوان من شتى بقاع المعمورة، فآخى بينهم ابن السنوسي وهم لم يتعارفوا قبله إذ لا صلة تربطهم غير الاسلام، فأصبحوا كجسد واحد غير قابل للتجزأة ، جاءوا من تونس، والجزائر، ومراكش والريف وسوس الاقصى، وطرابلس الغرب وباديتها وبرقة وباديتها ومصر وصعيدها والسودان والحجاز واليمن ونجد، فأصبحوا لاهم لهم إلا خدمة الاسلام( ).

رابعاً: الأخذ بأصول الوحدة والاتحاد والاجتماع عند ابن السنوسي:

لقد استطاع ابن السنوسي بتوفيق الله تعالى أن يجعل من الأخوان والقبائل في الصحراء الكبرى مجتمعا ًمتماسكاً، متوحداً في عقيدته وتصوراته ومنهجه، فانعكس ذلك في توادهم وتراحمهم فيما بينهم وأصبحوا كالجسد الواحد، الذي يخفق فيه قلب واحد، وتسري فيه روح واحدة ويتأثر كل عضو فيه بما يصيب بقية الأعضاء، أو هو كالجدار المتين الذي تجتمع لبناته لتشكل فيما بينها وحدة واحدة متماسكة متراصة.

قال تعالى : { واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} (آل عمران، آية 103).
إن طريق الوحدة والتعاون والتآخي والاجتماع على البر والتقوى الذي سلكه ابن السنوسي هو طريق أهل السنة والجماعة الذي التزموا في كافة أمورهم بما كان عليه رسول الله ? وأصحابه، في العقائد والأخلاق، والعبادة، والمعاملات، وكافة شؤون الحياة، إن المنهج الذي اجتمع عليه الاخوان السنوسيون هو كتاب الله وسنة رسول الله ? ، لأن ذلك طريق الاعتصام بحبل الله وهذا الأصل من آكد الأصول في هذا الدين العظيم ولذلك أمر الله تعالى ورسوله ? بكل مايحفظ على المسلمين جماعتهم وألفتهم، ونهياً عن كل مايعكر صفو هذا الأمر العظيم.

إن ما حصل من فرقة بين المسلمين وتدابر وتقاطع، وتناحر بسبب عدم مراعاة هذا الأصل، وضوابطه مما ترتب عليه تفرق في الصفوف، وضعف في الاتحاد، وأصبحوا شيعاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم فرحون.

وهذا الأمر وإن كان مما قدره الله عز وجل كونا، ووقع كما قدر، إلا أنه سبحانه - لم يأمر به شرعاً ، فوحدة المسلمين واجتماعهم مطلب شرعي ، ومقصد عظيم من مقاصد الشريعة، بل من أهم عوامل النهوض ، ونحن مأمورون بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر قال تعالى: {إن الله لا يغير مابقوم حتى يغير مابأنفسهم} (سورة الرعد، آية 11).

لقد تضافرت جهود دعاة الحركة السنوسية وقاداتها وعلمائها وطلابها لإصلاح ذات البين إصلاحاً حقيقياً لا تلفيقياً، لأن أنصاف الحلول تفسد أكثر مما تصلح، وكأنهم اعتقدوا أن : (الجهاد نوعان: جهاد يقصد به صلاح المسلمين ، وإصلاحهم في عقائدهم وأخلاقهم وآدابهم، وجميع شؤونهم الدينية والدنيوية، وفي تربيتهم العلمية، وهذا النوع هو الجهاد وقوامه، وعليه يتأسس النوع الثاني، وهو جهاد يقصد به دفع المعتدين على الاسلام والمسلمين من الكفار والمنافقين والملحدين وجميع أعداء الدين ومقاومتهم وهذا نوعان: جهاد بالحجة والبرهان واللسان، وجهاد بالسلاح المناسب في كل وقت وزمان)( ) (إن من أعظم الجهاد السعي في تحقيق هذا الأصل في تأليف قلوب المسلمين واجتماعهم على دينهم ومصالحهم الدينية والدنيوية)( ).

إن الأخذ بالأسباب نحو تأليف قلوب المسلمين وتوحيد صفهم كانت من أهداف الحركة السنوسية؛ لأن قادة الحركة ايقنوا بأهمية هذه الخطوة في إعزاز المسلمين، وتحكيم شرع ربهم، وتقوية دولتهم إن ابن السنوسي عمل على  وضع منهج سار عليه علماء الحركة من أجل توحيد المجتمع على كتاب الله وسنة رسوله ولذلك اهتم بالآتي :

أ- وحدة العقيدة:

أيقن ابن السنوسي أنه لايمكن أن تقوم وحدة للمسلمين مالم تجمعهم عقيدة واحدة، وكان يعلم بأن العقيدة تشكل أساساً مهماً في البناء الفردي والاجتماعي، وهي القاعدة التي تقوم عليها الأعمال والعلاقات فإن البناء لايستقيم ، ولايستطيع أن يواجه الأعاصير والفتن حتى ينهار. وإن العقيدة تصلح لجمع شتات المسلمين هي ماكان منبعها كتاب الله وسنة رسوله ? ويمكن التدليل على كل أصل من أصولها، أو جزئية من جزئياتها، ثم إن السلف الصالح الذين استقاموا على عقيدة الإسلام الحق دونوا هذه العقيدة تدويناً يميزها عن عقائد أهل الفرق والضلال( ).
إن سلامة الاعتقاد وصحته هي الطريق الوحيد لإقامة المجتمع المسلم المترابط المتآلف، ولاسبيل إلى إجتماع الأمة الإسلامية قاطبة، ووحدة صفها، وعزها وسعادتها في الدنيا والآخرة، إلا بالعودة الصحيحة إلى الإسلام الصافي النقي، الخالص من شوائب الشرك والبدع والأهواء والتعصب واتباع العوائد الفاسدة.
إن طريق النهوض بالأمة لابد فيه من وحدة الصف الإسلامي، ووحدة الصف ليس لها من سبيل إلا الإسلام الصحيح، والإسلام الصحيح مصدره القرآن الكريم والسنة النبوية، والطريق لفهم القرآن الكريم والسنة المطهرة هي طريق رسول الله ? وأصحابه الكرام، والتابعون بإحسان، ومن سار على نهجهم وطريقتهم إلى يوم الدين.
قال تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا } ( سورة النساء، الآية: 115).
وقال تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه } ( سورة التوبة، الآية: 100).
فوعد من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد متبعهم بالجنة والرضوان( ).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ? : " خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته "( ).
وعن ابن مسعود ? قال: " اتبعوا ولاتبتدعوا فقد كفيتم "( ) وعنه ? : " من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله ? فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم "( ).
لقد اهتمت الحركة السنوسية بجانب العقيدة وكانت رسالة أبي زيد القيرواني العلمية ضمن مقررات مناهج الحركة، وتعتبر هذه الرسالة من أنفع التآليف في الفقه المالكي قاطبة، وذلك لمكانة مؤلفها العلمية من ناحية، ولسهولتها ويسرها وجمعها لأصول العقيدة والفقه والآداب من ناحية أخرى.
وهي كما وصفها مؤلفها ابن أبي زيد في مقدمتها: " جملة مختصرة من واجب أمور الديانة، مما تنطق به الألسنة، وتعتقده القلوب، وتعمله الجوارح، وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن من مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها، وجمل من أصول الفقه وفنونه على مذهب الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وطريقته، مع ماسهل سبيل ما أشكل من ذلك من تفسير الراسخين وبيان المتفقهين لما رغبت فيه من تعليم ذلك للولدان كما تعلمهم حروف القرآن ليسبق إلى قلوبهم من فهم دين الله وشرائعه ماترجى لهم بركته وتحمد لهم عاقبته"( ).
وهذا النص الكامل لمقدمة أبي زيد القيرواني في العقيدة: ( باب ماتنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات:

من ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان بأن الله إله واحد لا إله غيره ولاشبيه له ولانظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة ولاشريك له. ليس لولايته ابتداء ولا لآخريته انقضاء لايبلغ كنه صفته الواصفون ولايحيط بأمره المتفكرون ، يعتبر المفكرون بآياته ولايتفكرون في ماهية ذاته ولايحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض، ولايؤده حفظهما وهو العلي العظيم .. العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير، وإنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو بكل مكان يعلمه خلق الإنسان ويعلم ماتوسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وماتسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين: على العرش استوى وعلى الملك احتوى وله الاسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع أسمائه وصفاته، تعلى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لاخلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكاً من جلاله، وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد، والإيمان بالقدر خيره وشره.. حلوه ومره.. وكل ذلك قدرة الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه، علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لايكون من عباده قولاً ولا عمل إلا وقد قضا وسبق علمه به {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} يضل من يشاء فيخذله بعدله، ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله، فكل ميسر بتيسيره الى ماسبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد، تعالى أن يكون في ملكه مالا يريد أو يكون لاحد عنه عنا خالقاً لكل شيء إلا هو رب العباد ورب اعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل فيهم لاقامة حجة عليهم ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ? فجعله آخر المرسلين بشيراً ونذيراً وداعياً الى الله بإذنه وسراجاً منيراً وأنزل عليه كتابه الحكمي وشرع بدينه القويم وهدى به الصراط المستقيم، وان الساعة آتية لا ريب فيها وان الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون ، وان الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن الكبائر وجعل من لم يَتُب من الكبائر صائراً الى مشيئته {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء} ومن عاقبه الله بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخلها به جنته {ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره} ويخرج منها بشفاعة النبي ? من شفع له من أهل الكبائر من أمته.. وأن الله سبحانه قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر الى وجهه الكريم وهي التي هبط منها آدم نبيه وخليفته الى أرضه بما سبق في سابق علمه، وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته وإن الله تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة والمـلك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابهم.

وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد {فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون} ويؤتون صحائفهم بأعمالهم {فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً ومن أوتي كتابه وراء ظهره فاولئك يصلون سعيراً}. وان الصراط حق يجوز بقدر اعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم، والإيمان بحوض رسول الله ? ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويداد عنه من بدل وغير وان الايمان قول باللسان واخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون بها النقص وبها الزيادة ولايكمل قول الإيمان إلا بعمل، ولا قول ولا عمل إلا بنية، ولا قول ولا عمل ونية إلا بموافقة السنة. وإنه لايكفر أحد بذنب من أهل القبلة، وان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة الى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاوة معذبة الى يوم الدين. وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم  ويُسألون {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة} وان على العباد حفظة يكتبون اعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم وان ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله وآمنوا به ثم الذين يلونهم.
وافضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم أجمعين.
وان لايذكر أحد من صحابة الرسول إلا باحسن ذكر والامساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس ان يلتمس لهم المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب، والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم والاستغفار لهم وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ماأحدثه المحدثون وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وأزواجه وذريته وسلم تسليماً كثيراً)( ).

هذه العقيدة السنية البهية كانت تدرس في مناهج الحركة السنوسية، ويتربى عليها القادة، والجنود، وكان علماء الحركة السنوسية يحاربون العقائد الفاسدة بين القبائل في الصحراء الكبرى، ويرشدون الناس الى حرمة الغلو في تقديس المشايخ الأحياء والأموات، ولا تأذن لأتباعها أن يذكروا ميتاً عند قبره بغير الدعاء له والترحم عليه( ) ويعلمون الناس أوامر القرآن والسنة الشريفة وأصول التوحيد، ويحرمون التضرع للأولياء، ويربون الناس على أن يكون التعبد لله وحده( ) كانت بعض القبائل في الصحراء الكبرى وافريقيا قد انحرفت عن عقيدتها الصحيحة، فجاء إليهم علماء الحركة السنوسية يبينون لهم عقيدتهم ويتلون عليهم آيات الله التي تبين أن النافع والضار هو الله وحده ويفسرون لهم ذلك كقوله تعالى {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك من الظالمين} (سورة يونس، آية 106).

وقال تعالى {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} (سورة يونس، آية 107).
وقال تعالى : {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لايستجيب له الى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين} (سورة الاحقاف: آية 46).
وقال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أأله مع الله} (سورة النمل، آية 62).
كما قامت الحركة السنوسية بمحاربة عقائد الصوفية المنحرفة، كالاتحاد، ووحدة الوجود، والحلول؛ إن عقيدة الاتحاد من عقائد الصوفية الفاسدة المتأثرة بالنصرانية المنحرفة، والديانة الهندية القديمة، ومعنى ذلك أن المخلوق يتحد بالخالق تعالى الله عن قولهم علواً عظيماً قال تعالى: {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل لاتدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير} (سورة الانعام، آية 102،103).
أما وحدة الوجود، فإنهم يعتقدون أن كل شيء في الوجود هوالاله سواء كان حيواناً أو جماداً، أو انساناً أو غير ذلك ، وهي عقيدة فاسدة مضمحلة لا أساس لها من عقل ولا شرع ولكنها من وحي الشيطان، إن الحركة السنوسية حاربت هذا المعتقد الفاسد الباطل، وسارت على مذهب أهل السنة والجماعة الذي يقول بأن الله سبحانه بائن من خلقه لايشبهه شيء من مخلوقاته متصف بصفات الكمال فله الأسماء الحسنى والصفات العلى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} فهو المتفرد بالجلال المتصف بصفات الكمال المنزه عن النقائص والعيوب فمن اعتقد أن الله سبحانه تعالى متحد بمخلوقاته وأن العبد عين الرب، والرب عين العبد فقد كفر بما أنزل على محمد ? وخالف الفطر والشرائع وقد كفّر الله تعالى النصارى الذين قالوا: إن الله اتحد بعيسى عليه السلام فقال سبحانه : {لقد كفر الذين قالوا أن الله هو المسيح ابن مريم}، فكيف بمن يقول إن الله متحد مع جميع مخلوقاته فهو أولى بأن يكون كافراً لأنه يعتقد إن الله متحد بجميع ما في هذا الكون( ).

إن عقيدة وحدة الوجود عقيدة إلحادية بحته ليست من الاسلام في شيء، وأن علماء الحركة السنوسية، وقفوا ضدها بكل حزم وعزم قال تعالى:{قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد} (سورة الاخلاص، آية 3).
وحاربت الحركة السنوسية عقيدة الحلول التي تقول بأن الله يحل في الاشخاص تعالى الله عن قول الحلوليين علواً كبيراً.
(والحقيقة أن القول بالاتحاد بين الخالق والمخلوق يأباه العقل الذي سلم من الشبهات ويدل دلالة واضحة على أنها باطلة لأن أي إنسان تسمح له نفسه أن يدعي بأنه دخل به الإله وصار مع الله وحدة واحدة ولايمكن أن يخرج مثل هذا الادعاء الباطل من انسان له عقل سليم أو به ذرة من ايمان)( ).
لقد حاربت الحركة السنوسية العقائد الفاسدة، ودعت الى العقائد الصحيحة، لتجتمع القبائل والشعوب الاسلامية عليها ، كما حرصت على تحكيم كتاب الله وسنة رسوله على نفسها، ودعت غيرها بالالتزام بذلك.

ب- تحكيم الكتاب والسنة:

أيقن ابن السنوسي وأخوانه من العلماء أن المسلمين لايكون لهم شأن، ولا عز، ولا نصر، ولا فلاح في الدنيا، ولا نجاة في الآخرة، إلا بتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ?، على مستوى الافراد، والأسر، والجماعات، والقبائل، ومن ثم على مستوى الدولة.

واسترشد ابن السنوسي فيما ذهب إليه بقوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلاً} (سورة النساء، آية 59).
وبقوله ? في حجة الوداع: (يا أيها الناس: إني تركت فيكم ما أن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنتي)( ).

إن ابن السنوسي حرص على تحكيم شرع الله تعالى على نفسه واسرته ، ومجتمعه، وكان يرى أن ذلك خطوة اصيلة نحو وحدة الأمة واقترابها من نصر الله تعالى، وأن للتحاكم الى كتاب الله وسنة رسوله ?؛ آثار دنيوية، كالاستخلاف، والتمكين ، والأمن والاستقرار، والنصر والفتح، والعز والشرف، وبركة العيش ورغد الحياة، والهداية والتثبيت ، وانتشار الفضائل، وانزواء الرذائل، وأما الآثار الأخروية؛ كالمغفرة، وتكفير السيئات ، والثواب العظيم عند الله تعالى، والحياة الحقة الدائمة وعلو المنزلة ومعية التكريم، وإليك هذه الرسالة التي ارسلها ابن السنوسي الى أهل وجنقة في تشاد لتدلنا على ماذهبنا إليه. قال -رحمه الله- بعد البسملة: (إنه من عبد ربه سبحانه محمد بن علي السنوسي الخطابي الحسني الإدريسي. الى المكرم الأجل العمدة الأفضل الفقيه النبيه ولدنا الشيخ فرج الجنقاوي وكافة جماعة بلد وجنقة كبيراً وصغيراً ذكر وأنثى سلم الله جميعهم وأنالهم من خير الدارين مرامهم آمين السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وتحياته ومغفرته ومرضاته وبعد فالقصد المطلوب والأمر المرغوب هو السؤال عنكم وعن كلية أحوالكم جعلها الله جارية على منهاج كتابه وسنة نبيه محمد ? وشرف وكرم وعظم، وثانياً فإنا ندعوكم بدعاية الاسلام من طاعة الله ورسوله، قال تعالى في كتابه العزيز: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} وقال تعالى {من يطع الرسول فقد أطاع الله}. وقال تعالى: {من يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً} والطاعة هي امتثال أمر الله ورسوله من إقامة الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان، وأداء زكاة الأموال، وحج بيت الله الحرام، واجتناب مانهى الله عنه من الكذب والغيبة والنميمة وأكل أموال الناس بالباطل وشرب الخمر وقتل النفس بغير حق. وشهادة الزور، وغير ذلك مما حرم الله ورسوله فبذلك تنالون الخير الأبدي والربح السرمدي الذي لايعتريه خسران ولا يحوم حول حماه حرمان، وقد طلب منا أناس من ذلك الطرق أن نبعث معهم بعض إخواننا يذكرون عباد الله ويعلموهم مافرض الله ورسوله عليهم، ويهدوهم الى سبيل الرشاد، وعزمنا على ذلك لكون هذه الوظيفة هي التي أقامنا الله عليها، ننبه الغافل، ونعلم الجاهل، ونرشد الضال. ولكن نحن الآن بالحرمين الشريفين، وعندما قدمنا لهذه النواحي اشتغلنا بدلالة العباد الى الله، ومارأينا أحداً من ناحيتكم حتى نوجه معه من يعلم الناس دينهم الذي ارتضاه، والآن فإن أتباعنا -جماعة زوية- الذين هم أهل تزور (موقع) المعلومة عندكم قدموا إلينا وتابوا على أيدينا وطلبوا منا بناء زاوية بموقع تزر المذكورة. وقصدنا في ذلك مجاورتكم وتعليمكم أنتم وأبناءكم كتاب الله وسنة نبيه محمد ? وإصلاح ذات البين. بينكم وبين هؤلاء العربان الذين يغيرون عليكم ويأخذون أبناءكم وأموالكم عاملين بقوله تعالى : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ذات بينكم} {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين}. وبقوله تعالى : { لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك  ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً}. فبذلك يحصل التعاون على البر والتقوىكما أمر الله بذلك في قوله : {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان}. وبقوله ?: (كونوا عباد الله إخوانا وعلى الدين أعوانا) وأما الفتنة والمنازعة لاخير فيها بل لقد نهى الله عنها في كتابه العزيز بقوله : {ولا تنازعو فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين}، وإن شاء الله إذا امتثلتم أمرنا وتبعتم نصيحتنا فسيقدم عليكم بعض أبنائنا يعلمون أبناءكم كتاب الله ، ويعلمون رجالكم سنة رسول الله ? ولاتخافون بعد ذلك إن شاء الله من أحد، وترون فضل الله ورحمته ماليس عليه من مزيد. وبلغوا سلامنا وكتابنا هذا الى كل من حولكم ممن يريد طاعة الله ورسوله وأتباع الكتاب والسنة، وربنا تبارك وتعالى يجعلكم هادين مهديين دالين على الخير وبه عاملين بمنه وكرمه آمين. ودمتم بخير عافية . ونعم متواترة ضافية)( ).

وهذه الرسالة تعطينا منهجية ابن السنوسي في دعوته واسلوب عرضه، وطريقة خطابه، وجزالة ألفاظه، ورعة بيانه.

ج- صدق الانتماء الى الاسلام:

أيقن ابن السنوسي أن من أسباب جمع صفوف الأمة وتحقيق الوحدة بينها الدعوة الى الالتزام بالاسلام عقيدة وشريعة ومنهج حياة، والاعتزاز بالانتساب الى هذا الدين ، ونبذكل مايخلفه ويضاده.
لقد تربى اتباع السنوسية على أن الاسلام منهج للحياة، والعبودية لله معلم كبير في حياة المسلم، والمسلمون، وفق هذا المنهج والفهم يشكلون أمة واحدة في مقابلة التجمعات البشرية ، ولقد تربى أتباع السنوسية على الاعتزاز بالانتساب الى الاسلام: {ومن أحسن قولاً ممن دعا الى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين} (سورة فصلت:آية 33).
لقد كان الأنتماء الى الاسلام في التربية السنوسية فوق الانتماء للأوطان، والأقوام، والنعرات الجاهلية،.

د- طلب الحق والتحري في ذلك:

إن هذا الأصل العظيم ألا وهو طلب الحق والتحري للوصول إليه، يقوي وحدة صف العاملين لتحكيم شرع الله ، وهي من أهم سمات الربانيين الذين صفت نفوسهم وتطهرت قلوبهم بكتاب الله وسنة رسوله ?. إن الله تعالى في كتابه الكريم، يبين أنه لاتوجد منزلة ثالثة بين الحق والباطل، فقال سبحانه وتعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} (سورة يونس، آية 32).
قال القرطبي -رحمه الله- : ("قال علماؤنا" : حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى، وكذلك هو الأمر في نظائرها ، وهي مسائل الأصول فإن الحق فيها في طرف واحد)( ).
ولذلك نجد ابن السنوسي وهو المالكي المذهب والثقافة يخالف مذهب مالك في بعض المسائل عندما تبين له أن الحق خلاف مذهب الامام مالك، فكان يقبض في صلاته، ويقنت بعد الركوع، ويقصر في الصلاة اثناء السفر...الخ وقد حذا اتباعه حذوه وهذا يدلنا على تحري ابن السنوسي واتباعه للدليل الشرعي والتمسك به، ونقد كثيراً من آراء التصوف المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ?، وكانت وسائل الوصول الى الحق، تقوى الله، والتجرد والاخلاص.

هـ- تحقيق الأخوة بين أفراد المجتع:

أيقن ابن السنوسي أن بتحقيق الأخوة بين القبائل، واتباع الحركة، تتحقق وحدة الصف ، وقوة التلاحم، ومتانة التماسك بين أفراد الحركة، كما كان على علم بأن الأخوة منحة من الله عز وجل، يعطيها الله للمخلصين من عباده والأصفياء والأتقياء من أوليائه وجنده وحزبه قال تعالى : {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين? وألف بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (سورة الانفال: آية 62-63).
إن الأخوة في الله بين اتباع الحركة السنوسية أورثتهم شعوراً عميقاً، وعاطفة صادقة، ومحبة ووداً واحتراماً فيما بينهم قال تعالى : {إنما المؤمنون إخوة} (الحجرات ، آية 10).
إن الأخوة في الله ملازمة للإيمان ، ولايذوق حلاوة الايمان إلا من أشرب هذه الأخوة ولذلك حرص عليها السنوسيون واتباعهم قال رسول الله ?: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وان يحب المرء لايحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار)( ).
لقد حرص السنوسيون أن يطبقوا تلك الصورة الجميلة لأصحاب رسول الله ? ، قال تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوهم من أثر السجود} (سورة الفتح، آية 29).
إن الأخوة في الله من أهم الاسباب التي جعلت الحركة السنوسية تصمد في وجه أعتى المحن التي تعرضت لها.

يتبع
 يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق