111
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الخامس
الحرب العالمية الأولى
سادساً: القافلة ورمضان السويحلي:
راسل محمد صالح حرب نوري باشا في مصراته، ووضح له الحالة التي يمرون بها وطلب منه مدهم بالسلاح، والذخيرة والملابس والمال، حتى يتمكنوا من مواصلة جهاد الإيطاليين ) وكان أحمد الشريف قد راسل رمضان السويحلي، وناشده باسم الأخوة الإسلامية وطالب منه المساعدة والوقوف معه، فوافق السويحلي، وأرسل أحمد الشريف قافلة يرافقها الطبيب عبدالقادر المصري، ومايزيد عن خمسة وعشرين رجلاً من خيار رجاله، يصحبهم الشيخ محمد بوطريف ومعه كتاب وهدية إلى رمضان السويحلي واشترت القافلة لوازمها من شراء بعض الأمتعة والملابس( )، وقام نوري باشا بتزويد القافلة بالسلاح والذخيرة، والمؤن، حتى يؤكد لزعماء طرابلس على أن الدولة العثمانية لايمكن أن تتخلى عن أصدقائها، ومناصريها( ).
وعند رجوع القافلة إلى أحمد الشريف تعرضت لهجوم غادر نتج عنه قتل جميع أفراد القافلة، وسرقت الأموال، والمؤونة والسلاح ويؤكد معظم المؤرخين أن رمضان السويحلي دبر أمر القضاء على هذه القافلة واغتصاب أرزاقها، وقتل أفرادها ويذكر العيساوي: ( إن السويحلي جهز قوة خفية عن نوري باشا قدرها مائة نفر مسلح، وجعل عليها رئيسين أحدهما يدعى محمد سليمان الجطلاوي والثاني عبدالعزيز الدنيخ، وأمر تلك القوة أن تجد في السير لتكمن في وادي
زمزم، وقد نفذت هذه الخطة بدقة)( )، وفاجأة قوة السويحلي القافلة في منطقة تماد حسان قرب تاورغاء( ).
ويرأى المؤرخ المتعاطف مع رمضان السويحلي محمد مسعود فوشيكة إن المعركة التي انتهت بانتصار جماعة الحداد والعودة إلى رمضان بصناديق النقود، إنما تمت بعلم رمضان نفسه مما جعل بعض المخلصين له يلومونه كثيراً بسبب تجاهله ماضي السيد أحمد الشريف في الجهاد ضد الإستعمار الفرنسي، والغزو الإيطالي لبرقة، وفي عدم مبالاته بالظروف الصعبة التي كان يمر بها وحاجته الماسة إلى المساعدة( ).
أما الشيخ محمد بن حسن عبدالملك المصراتي قاضي مصراته عام 1915م فقد أشار لها بقوله: ( كنت أنا ومن معي وقت وقوع هذه النازلة الشنيعة بمعية السيد أحمد الشريف السنوسي، وقد بلغتنا قبل بلوغها بخمسة أيام وكتمنا أمرها حيث أن من حاشيته من يزين له أعمال رمضان، فلو سارعنا بإبلاغها وقتها لقيل لنا أننا مفتنون فوكلنا أمرها للأيام والليالي ...)( ).
أما الشيخ طاهر الزاوي فيرأى: ( .. أن سياسة الترك مجمعة على كراهة السنوسية، إلا أن بعضهم يجاهر بذلك وينادي بقطع الصلة بهم، وفريق يكتم هذه الكراهة في صدره ويريد أن يسلط بعضهم على بعض لينتقم لنفسه منهم بأيديهم. وقد أراد نوري بماله من النفوذ في مصراته - أن يمد السيد أحمد الشريف بإعانة فأرسل إليه إعانة مالية، وبعض البنادق، ولكن الأتراك الذين لايريدون الصلة بالسنوسية دبروا مكيدة ضد هذه المعونة، فأرسلوا من تربص لمن أرسلت معهم فقتلوهم عن آخرهم، وأخذوا مامعهم من المال. ولم يعلم رمضان بشيء من أمر هذه المكيدة إلا بعد وقوعها ..)( ).
ويبدو للباحث أن الفعلة الشنيعة، كانت مؤامرة ضد مساعي الصلح التي حرص أحمد الشريف على نجاحها بينه وبين رمضان السويحلي، وأحمد المريض وغيرهم ولذلك خاف الأعداء من حصول الصلح بين أحمد الشريف ورمضان السويحلي، فدبروا تلك المكيدة، والقرائن الكثيرة تدل على أن رمضان السويحلي ألصقت به التهمة، ولايوجد دليل واحد قوي على إثباتها، بل القرائن تدل على عكس ذلك حيث أن رمضان السويحلي كان في تلك الفترة يتلقى الدعم من تركيا وألمانيا بواسطة الغواصات، وأحمد الشريف نائب الخليفة في إفريقيا، قام بتضحية عظيمة وجهاد جليل، خدم به المصالح التركية، كما أن سيرة رمضان السويحلي تدل على أنه من المجاهدين الذين ذادوا عن هذه البلاد إلا أنه له أعداء كثيرون عملوا على تشويه سيرته الجهادية التي تحتاج إلى من يتفرغ لدراستها، وتحليلها وإلقاء الضوء عليها، ولاننسى أن إيطاليا عملت بواسطة عملائها على إيجاد الفرقة والعداوة بين رمضان والحركة السنوسية وقادة الجهاد في غرب ليبيا، ويبدو أنها نجحت بواسطة مكائدها ومؤامراتها المتوالية لتحقيق هذا الهدف الحقير.
أما رأي أحمد الشريف في رمضان السويحلي يظهر في الرسالة التي أرسلها إلى وصفي بك في المحرم سنة 1340هـ قال رحمه الله مخاطباً وصفي بك:
( نعم أيها الولد الكريم المحترم، فإني والله تأسفت غاية الأسف على ماحصل.. ) إلى أن قال: ( فبالله الذي لا إله إلا هو إني كنت عازماً على إكرام رمضان بك السويحلي وانزاله المنزلة التي ماكان يظنها، والناس الذين سعوا في الفساد مثل أمين وغيره فهؤلاء لاحاجة لهم في صلاح الوطن، بل حاجتهم في إمتلاء جيوبهم ... ) إلى أن قال: ( وقد بلغني ما أساءني جداً وهو قتل المرحوم رمضان بك السويحلي فإني والله تأسفت غاية الأسف، لأنه كانت حاصلة منه رهبة للبلاد، ومنفعة عمومية لأهلها، ونحن كل من سعى في المصالح العمومية فهو حبيبنا ..)( ). لقد اشتد الأمر بأحمد الشريف وأتباعه، وزادت الظروف قساوة عليهم، وأراد المجاهدون أن يهجموا على مصراته إنتقاماً ممن قضى على القافلة، إلا أن أحمد الشريف استطاع بفضل مكانته بين المجاهدين من تهدئة النفوس الثائرة( ).
بعث أحمد الشريف قائده محمد صالح حرب إلى الأمير عثمان فؤاد المتواجد في مصراته، وحمله رسالة هامة إليه، يطلب من الأمير العثماني أن تقوم إحدى الغواصات الألمانية بنقله إلى الأستانة ليقابل صديقه القديم أنور باشا وزير الحربية، وليبحث معه تطورات الموقف في ليبيا، وعلى ضوء ذلك يمكن أن يرجع السيد أحمد مزوّداً بكل مايساعده على الإستمرار في الجهاد في ليبيا، أو أن يبقى في الأستانة مؤقتاً حتى يتسنى له الذهاب إلى الحجاز ( الأراضي المقدسة بمكة والمدينة ) حيث يخلص العبادة إلى الله بعد أن عمل مافي وسعه من أجل قضية بلاده، ولكن الظروف المحلية في ليبيا والعالمية منعته من تحقيق أهدافه الإسلامية.
وقد اجتمع محمد صالح حرب مع الأمير عثمان فؤاد، وأوضح له حالة وظروف السيد أحمد الشريف وبين له معظم آرائه ومطالبه، كما اجتمع برمضان السويحلي مع الكثير من أعيان مصراته، ووجهائه، وعاد مندوب أحمد الشريف بسلام، وكانت نتيجة هذه الرحلة العمل على نقل أحمد الشريف إلى العاصمة العثمانية بواسطة إحدى الغواصات الألمانية، وبالفعل وضعت وزارة الحربية الألمانية تحت تصرف أحمد الشريف غواصة لنقله مع بعض أتباعه إلى النمسا، وأتفق على أن تبقى قواته في منطقة العقيلة في انتظار عودته، على أن تتلقى من القيادة العثمانية في مصراته مايمكن أن تجود به عليها مما كانت تحضره إليها الغواصات الألمانية( ).
ووصلت الغواصة الألمانية إلى برقة وكان بها يوسف باشا شتوان، وحسام الدين بي، وهما عضوان هامان في منظمة تشكيلاتي مخصوصة( )، ويحملان رسالة من السلطان محمد وحيد الدين إلى السيد أحمد الشريف يدعوه فيها لزيارة استانبول ( والسبب الحقيقي لهذه الدعوة هو أن الحالة في تركيا أصبحت تنذر بالخطر العظيم بسبب ثورة أمير مكة الشريف حسين ضدها، ومتابعة القبائل والجيوش العربية له، وانحلال جبهات القتال في فلسطين وسوريا والعراق. وكانت الحكومة العثمانية تثق كامل الثقة في إخلاص السيد أحمد الشريف للإسلام والخلافة، فأرادت أن تقنعه بالدخول في مفاوضات بينها وبين الشريف الحسين بن علي، على أن تعطي الشريف حسين مطالبه، هذه هي الحقيقة التي طلب من أجلها، أما في الظاهر فهو كما ذكر في وقته لتقليد السيف للسلطان عند جلوسه على العرش وللمفاهمة معه في خصوص ليبيا( ).
لبى سيادة أحمد الشريف طلب السلطان محمد وحيد الدين، وأناب عن المجاهدين أحمد بن محمد بن أحمد الريفي وأمره بالإنضمام إلى الأمير محمد ادريس بعد سفره، وسافر من البريقة وركب معه الشيخ محمد عبدالله الموهوب، محمد صالح حرب، عثمان الشائقي، عبدالسلام أبو قشاطة، الدكتور عبدالسلام المسلاتي، وصالح بن محمد أبوعرقوب البرعصي، وركب الغواصة في شهر سبتمبر سنة 1918م الموافق ذي القعدة 1336هـ( ).
وجاء على لسان الأمير شكيب أرسلان قوله: ( قال لي السيد أحمد الشريف قبل ركوبي الغواصة تحادثت مع الضباط الألمان الذين فيهم وسألتهم عن خطر ركوبها فقالوا لي لايخلو الأمر من الخطر، ولكني ما باليت بذلك لأنني كنت رأيت أستاذي سيدي أحمد الريفي في المنام فقال لي: الشيء الفلاني ستأخذه من بولا، ففي اليوم التالي سألت الضابط هل يوجد محل اسمه بولا؟ فقالوا لي نعم إن المرسى الذي ستنزل فيه من بلاد النمسا اسمه بولا، فاعتقدت أننا بالغو هذا المكان بحول الله وقوته)( ).
اضطرت الغواصة أن تبتعد عن الجزر التابعة لإيطاليا خوفاً من الديناميت المزروع في المدخل، وصادف أن اصطدمت بقمة صخرة كبيرة في قاع البحر وتعطلت محركاتها وخاف قبطانها، والبحارة خوفاً شديداً، وكان أحمد الشريف أثناء ذلك منهمكاً في صلاته، وعبادته التي كانت شبيهة بتسبيح نبي الله يونس عليه السلام عندما كان في بطن الحوت، وفي قعر البحر، فلما أخبروه بالواقع واتم صلاته التي كان فيها ثم قام معهم ببساطة ورباطة جأش وبقدرة الله العلي القدير وسبب دعاء أحمد الشريف إذ بالمحركات تشتغل فجأة وسر الجميع وعادت لهم الطمأنينة وحمدوا الله على النجاة( )، ولاشك عندي أن احمد الشريف قد تلى قول الله تعالى: ,وذا النون إذ ذهب مغضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجينانه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين- (سورة الأنبياء، آية 86،87).
وقد عرف عن أحمد الشريف صلته بالله القوية، وكان دائماً يرشد اتباعه الى الالتجاء الى الله القوي العزيز ففي معاركه مع الانكليز وبعد معركة وادي ماجد الثانية انسحبت قوات المجاهدين الى بئر الصريحات ولما لم يجد الجيش ماء بهذا المكان الأخير انسحبت قوات المجاهدين الى بئر يونس على أمل العثور على ماء، ولما لم يجدوا بها ماء كذلك، أشار أحمد الشريف باستسقاء الماء، ففتحت أبواب السماء وانهمر المطر مدراراً حتى رويت قوات المجاهدين ، وظل المطر ينهمر يومين( ).
إن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة بإجماع علماء المسلمين والاستسقاء طلب السقي من الله تعالى عند حدوث القحط والجدب والتضرر من ذلك، ولاشك أن التقرب الى الله وطلب مرضاته والبر والاحسان الى خلقه من أعظم الاسباب الجالبة لكل خير( )، وكان احمد الشريف لصدقه واخلاصه يقيض الله له من يدافع عنه في غيبته، فعندما ماكان أحمد الشريف مخالفاً لرأي نوري باشا وجعفر العسكري في شن الهجوم على الانكليز في مصر ولم يوافق على ذلك ، كانت حركة منظمة تشكيلات مخصوصة تشن حرباً أعلامية على أحمد الشريف في استانبول، فقيض الله شكيب ارسلان للدفاع عنه حيث قال : كنت أشم من معية انور باشا رائحة الوحشة من سيدي احمد الشريف، واسمع بعض رجال الدائرة المسماة بدائرة (تشكيلات) التابعة للحربية يلمزون، السيد، ويعزون إليه أموراً ، كنت على يقين أنها بهتان محض، مثل كونه يريد الخلافة لنفسه، ومثل إنه غير مخلص للدولة وماأشبه ذلك، وكان أنور دعاني مرة للأفطار معه في رمضان فقلت له: (إن بعض بطانتك بدأوا يغمزون السيد أحمد الشريف ويشيعون عنه أراجيف يصعب تصديقها، وهذا الأمر يمس جانبك أنت، ولا ينحصر في السنوسية، لأن أكثر مظهرك كان بهؤلاء الجماعة؛ فإن ظهر بعد ذلك أنهم خائنون ، لاسمح الله، فتكون أنت الملوم، ويستدل الناس بذلك على كونك فائل الرأي. وإن كان عندك شيء راهن بحقهم، فصرح لي به لنعلم درجة الخبر من الصحة.
قال لي انور رحمه الله: (حاشا ، مايقدر أحد أن يتهم سيدي أحمد الشريف بالخيانة ولكن الانكليز كانوا يخدعونه أحياناً). قلت له : (إن سيدي احمد الشريف لم ينخدع للانكليز، وإنما كان يصانعهم كما يصانعونه، وماتلكأ عن محاربتهم إلا خشية الفشل، إذ كان يعلم أن القوة التي لديه غير كافية للدخول الى مصر، أفلا ترى كيف ان الانكليز مجرد زحف الأربعة آلاف مجاهد الى مرسى مطروح، رموهم بثلاثين ألف مقاتل، وبالمدافع والطيارات، والدبابات، ولولا لطف الله بهم لوقعوا جميعاً أسرى وأخوك من الجملة..) قال لي أنور: (أنا أعطيتهم أوامر بأن يتجنبوا المعارك الفاصلة) فقلت له: (ياسبحان الله: أنت عسكري صنعتك الحرب وأدرى مني بهذه الأمور، أفاذا هاجم الانسان من هو أقوى منه مراراً، أفيبقى له الاختيار في الكر والفر؟) وانتهت هذه المحاورة باقتناع أنور، وتركه مؤاخذة السيد( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق