إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 4 يونيو 2014

98 الحركة السنوسية في ليبيا المبحث الرابع الجهاد في برقة ثالثاً: معاهدة أوشي وانسحاب الاتراك:


98

الحركة السنوسية في ليبيا

المبحث الرابع

الجهاد في برقة

ثالثاً: معاهدة أوشي وانسحاب الاتراك:

واجهت القوات الايطالية في ليبيا مقاومة عنيفة، والتحم المجاهدون بالأتراك، وشكلوا قوة عسكرية ضاربة، وأدركت إيطاليا عجزها عن اتمام احتلال بقية الولاية، ولذلك قررت أن تهاجم الدولة العثمانية في مراكزها الضعيفة، وتوجهت لهذا السبب نحو الجزر الاثنى عشر التي كانت تؤلف الولاية المعروفة باسم (مجموعة جزر بحر إيجة -الدردنيل-) ، ففي الثامن عشر من جمادى الاولى سنة 1330هـ الموافق 4 مايو سنة 1912م، قامت اساطيل ايطاليا بإحتلال الجزر، ثم قامت بتهديد مدخل الدردنيل، وقصفت ميناء بيروت على ساحل الشام وكأنها بذلك تدعو الى توسيع رقعة الحرب، وهذا ماأثار الدول الأوروبية خاصة بريطانيا العظمى صاحبة الإشراف المباشر على الحركة البحرية المتوجهة الى البحر الأسود وقناة السويس( ).

وقد أقامت ايطاليا ادارة لهذه الجزر، وأصدرت بها طوابع بريد ايطالية، واستبدلت بالبحارة الذين قاموا بعملية الاحتلال حاميات ايطالية من الجنود وحملة البنادق الصغيرة، كما استبدلت الأعلام العثمانية أعلاماً إيطالية، حينذاك سارعت الحكومة العثمانية الى إجراء بعض التحصينات لسواحل آسيا الصغرى خوفاً من هجوم ايطالي جديد على تلك السواحل( ).

في هذه الفترة الحرجة من تاريخ الدولة العثمانية استقالت وزارة الاتحاديين في أواخر شهر رجب 1330هـ، المصادف لشهر يوليو 1912م لتتولى الحكم وزارة أطلق عليها اسم (الوزارة الكبرى) وقد ألفها احمد مختار باشا الغازي( )، وقد استلمت هذه الوزارة الحكم في وقت كانت الحالة السياسية في الدولة العثمانية قد بلغت من الحرج حداً لايمكن لهذه الوزارة أن تخرج منه دون تضحية كبيرة عليها، وهو ما تحقق في معاهدة الصلح مع إيطاليا بعد ذلك ببضعة أشهر حاولت الوزارة الاتحادية التي كان يرأسها سعيد باشا أن تفتح أبواب المفاوضات مع إيطاليا عن طريق بعض الدول الأوروبية، وقد لعب بعض رجال الأعمال اليهود المؤيدين لجمعية الاتحاد والترقي دوراً بارزاً في بدء هذه المفاوضات( )، وكانت محاولات الصلح تجري في طي الكتمان ، بينما تعلن الحكومة شديد تمسكها بوحدة الدولة العثمانية وعدم التفريط في ولاية طرابلس وبنغازي.

ولقد بين وزير خارجية بريطانيا لسفير دولته في الاستانة مدى معارضة الحكومة الايطالية للمقترحات التي طرحها وزير الخارجية العثماني في حكومة الاتحاديين، واقترح الوزير البريطاني بدوره مشروع سلام، يحول دون إراقة ماء الوجه للسياسة التركية كما قال، ويتلخص مشروعه هذا في أن تعترف الدولة العثمانية بسيادة إيطاليا على الأمور المدنية مقابل إعتراف إيطاليا بالسيادة الروحية للسلطان، والسماح للمسلمين بممارسة عباداتهم الدينية بحرية تامة، والبقاء على قوانينهم وعاداتهم، وعلى أن تدفع إيطاليا مبالغ سنوية عن طريق شيخ الاسلام اعترافاً بالخلافة الروحية( ).

وقد حاولت كل من حكومة النمسا - المجر، والحكومة الفرنسية أن تقوما بدور الوساطة لإيقاف الحرب بين كل من الدولة العثمانية وإيطاليا، غير أن مساعيهما لم تلق نجاحاً يذكر في كلا الدولتين( )، وأمام الازمات الخانقة التي تمر بها الدولة العثمانية رأت حكومة مختار باشا الغازي أن تصل بالمفاوضات مع إيطاليا الى نتيجة حاسمة، فأوفدت وزير الزراعة العثماني وزودته بصلاحيات واسعة وقد وصل المسؤول العثماني الى لوزان في 16 شوال سنة 1330هـ الموافق 27 سبتمبر 1912م، ومع وصوله أخذت المباحثات تدخل في دور حاسم ويتفق الطرفان على الخطوط العريضة لتوقيع الصلح بينهما( ).

كانت العقبة التي لاتلتقي فيها آراء الطرفين المتفاوضين هي الاعتراف العثماني بإلحاق طرابلس بإيطاليا، وانتقال جزر الدوديكانيز الى إيطاليا، فالعثمانيون لا يستطيعون الإعلان صراحة عن إلحاق طرابلس بإيطاليا لأن ذلك يؤثر على مكانتهم في العالم الاسلامي والعربي، أما جزر الدوديكانيز أمراً عسيراُ، إلا أن نذر الحرب في البلقان جعل الدولة العثمانية تعقد هدنة للحرب الدائرة في طرابلس( )، وتتبعها بعقد معاهدة الصلح المعروفة بمعاهدة لوزان

-أوشي- مع إيطاليا والتي منحت الدولة بموجبها الاستقلال لولايتي طرابلس وبنغازي، ومن ثم أبدت استعدادها لسحب قواتها من هناك.

لقد تم توقيع معاهدة الصلح بين الدولة العثمانية، والحكومة الايطالية في 8 ذي القعدة 1330هـ الموافق 18 أكتوبر 1912م، وحررت موارده الإحدى عشرة في لوزان - سويسرا ووقعه عن الدولة العثمانية كل من : محمد نابي بك، ورومبيوغلو فخر الدين، وعن الحكومة الايطالية كل من : لبترو بروتوليني، وقويدو فوزيناتو، وجوسبي فولبي( ).

  ومن المفيد هنا أن نشير بصورة موجزة الى مضمون مواد المعاهدة كما وردت في النسخة الاصلية المحفوظة في الأرشيف العثماني في استانبول تحت رقم 335:
المادة الأولى: تعهدت الحكومتان فيها بإيقاف حالة الحرب بينهما وإرسال مفوضين من الجانبين لتنفيذ ذلك حال توقيع هذه المعاهدة.
المادة الثانية: تعهدت الحكومتان بإصدار أمر بسحب القوات الحربية والضباط من جبهات القتال، فالدولة العثمانية تسحب قواتها من طرابلس وبرقة، والحكومة الايطالية تسحب قواتها من الجزر التي احتلتها في بحر إيجة.
المادة الثالثة: يتم تبادل أسرى الحرب بين الدولتين في أسرع وقت ممكن.
المادة الرابعة: تتعهد الحكومتان بمنح عفو شامل لكل من ساهم بأعمال عدائية أو حامت حوله الشبهات أثناء الحرب لصالح أيا من الدولتين.
المادة الخامسة: إلتزام الحكومتين بجميع المعاهدات والاتفاقات التي كانت بينهما قبل الحرب، والعودة بعلاقاتهما الى وضعها السابق.
المادة السادسة: تلتزم حكومة ايطاليا بما تفرضه الدولة العثمانية من زيادة في الجمارك ، وما تقيمه من امتيازات في اطار القانون التجاري الذي تلتزم به جميع الدول الاوروبية تجاه الدولة العثمانية.
المادة السابعة: تتعهد الحكومة الايطالية بإلغاء مكاتب البريد الايطالية في الدولة العثمانية ، إذا علمت الدول الأوروبية ذلك .
المادة الثامنة: تؤيد الحكومة الايطالية الدولة العثمانية في مطالبتها إلغاء نظام الامتيازات واستبداله بنظام القانون الدولي .
المادة التاسعة: استعداد الدولة العثمانية باعادة الموظفين الايطاليين الذين يعملون في الدولة وفصلوا من عملهم أثناء الحرب، على أن تدفع لهم رواتب الفترة التي أوقفوا فيها عن العمل.
المادة العاشرة: تتعهد الحكومة الايطالية بدفع قسط سنوي للدولة العثمانية يعادل المبلغ المستوجب عن إيرادات الولايتين -طرابلس الغرب وبنغازي- لكل سنة من السنوات الثلاثة التي سبقت الحرب، والذي لايقل عن 2 مليون ليرة إيطالية لكل سنة.
المادة الحادية عشرة: تدخل هذه المعاهدة حيز التنفيذ وسريان المفعول في نفس يوم توقيعها، واثباتاً لذلك وقع المفوضون ذوو الصلاحية المطلقة هذه الاتفاقية، وختموها بأختامهم( ).
وقد ألحقت بالمعاهدة الرسمية المشار إليها بعاليه أربعة ملاحق اعتبرها الموقعون على المعاهدة جزءاً مكملاً لها وأهم هذه الملاحق هو المنشور الموقع من السلطان العثماني والذي تم بموجبه منح الاستقلال الاداري التام لولايتي طرابلس وبنغازي( )، على أن تدار بقوانين جديدة من قبل الأهالي الذين يجب أن يساهموا بتقديم الوصايا والارشادات ، وأنه سيعين نائباً للسلطان لمدة خمس سنوات للمحافظة على المنافع العثمانية ، كما يعين قاضي للولايتين من قبل السلطان ليقوم بتنفيذ أحكام الشرع الشريف على أن يعين هذا القاضي بدوره ومن العلماء المحليين نواباً شرعيين له وفقاً للأحكام الشرعية، وتدفع الدولة العثماينة راتب القاضي من خزينتها أما رواتب نائب السلطان والموظفين الشرعيين غير القاضي فتصرف رواتبهم من مداخيل الولاية المحلية( ).

كما أن الملحق الثاني لايقل عن الملحق الأول أهمية، لأنه عبارة عن منشور من ملك إيطاليا على غرار منشور السلطان العثماني، إلا أنه يؤكد فيه خضوع ولايتي طرابلس وبنغازي لايطاليا، وفيه منح ملك إيطاليا العفو العام لمن ساهم في الحرب الى جانب جيوش الدولة العثمانية من أهل الولايتين، وترك لهم الحرية بإقامة شعائرهم الدينية وذكر اسم السلطان العثماني في خطبة الصلوات باعتباره خليفة المسلمين ، وذكر أن هناك لجنة سيتم تشكيلها تضم في عضويتها بعض الأهالي تقوم بوضع الأنظمة المدنية والادارية على النمط الايطالي( ).
إن موافقة الدولة العثمانية على عقد معاهدة الصلح مع إيطاليا على تلك الصورة السالفة الذكر دليل قاطع على أن الدولة العثمانية كانت تعيش أسوأ مراحل تاريخها، وأن الأزمات العنيفة كانت تهدد كيانها( )، وهو ماعبر عنه السفير البريطاني في الاستانة الذي اعتبر شروط الصلح التي تم التوصل إليها بين الدولة العثمانية وإيطاليا من (أفضل مايمكن أن تحصل عليه الحكومة العثمانية في ظل الظروف القائمة)( ) وصدر الأمر من الاستانة الى القائد العام التركي انور بك بأن يغادر برقة فوقع هذا النبأ على نفس أنور وقوع الصاعقة وتوجه الى الجغبوب لمقابلة أحمد الشريف السنوسي والتفاهم معه.

كان موقف احمد الشريف واضحاً قبل توقيع الصلح بين إيطاليا وتركيا، فقد بعث الى أنور باشا في درنة يذكر فيه ماوصله من أن الدولة تعتزم إعطاء ليبيا الى إيطاليا فقد جاء في رسالته: (نحن والصلح على طرفي نقيض، ولا نقبل صلحاً بوجه من الوجوه)( ) إذا كان ثمن الصلح تسليم البلاد الى العدو، وزيادة على ذلك فقد حذره مما سوف يحدثه قبول الصلح في نفوس المسلمين في جميع الاقطار من نفور شديد من الدولة العثمانية وحمل الكتاب أربعون شخصاً من كبار السنوسية المجاهديين الى القائد العثماني( ).

استقبل احمد الشريف أنور بك بسيارته وكانت هذه أول سيارة تدخل صحراء برقة، وقوبل بحفاوة بالغة، وأقام في ضيافة السيد أحمد ثلاثة أيام، وابلغ أنور مضيفه أوامر السلطان وأدلى إليه بتوجيهاته (إسناد أمر الأمة الطرابلسية الى سيادته وإخباره بأن السلطان قد منح الأمة الطرابلسية استقلالها تاركاً لها الحق في أن تقرر مصيرها وتدافع عن نفسها)( ).

وفي هذا اللقاء تم التصديق بين الرجلين على تأسيس الحكومة السنوسية لتسد الفراغ الذي ترتب على انسحاب تركيا من ولاية طرابلس وملحقاتها( )، ولم يطلب أحمد الشريف من أنور بك غير شيء واحد وهو مساعدته بالاسلحة والعتاد الحربي( ) ولم يكن المجاهدون في برقة وحدهم الذين قررواالمضي في القتال ورفض الصلح مع إيطاليا على أساس غير الجلاء من بلادهم، فقد أرسل سليمان الباروني برقية الى مجلس النواب العثماني يعارض فيها باسمه وباسم المجاهدين عقد أي صلح مع ايطاليا لايكفل انسحابها الكلي من أراضي ليبيا العزيزة( ).

أنسحب أنور باشا الى بلاده واستطاع أن يحقق انتصارات للحكومة التركية وللأسف الشديد استطاعت الصهيونية العالمية، والمحافل الماسونية أن تستخدم هذا الرجل في إفساد الخلافة وإسقاط الخليفة السلطان عبدالحميد الثاني ولم ينتبه إنه إلعوبة في يد أعداء الاسلام إلا بعد أن سبق السيف العذل وقد مدح صاحب كتاب الفوائد الجلية، وصاحب كتاب برقة العربية أنور باشا كثيراً.
لقد اعترف أنور باشا بأنه استغل من قبل أعداء دينه، وأمته وشعبه ووطنه ، ولم يكن يدري لقد قال بعد فوات الأوان! إن مصيبتنا قمنا بالانقلاب ونحن آلة في يد الصهيونية ولم نكن ندري كنا أغبياء( ).

إنها لعبرة للضباط والزعماء الذين يريدون خدمة شعوبهم الاسلامية ان يعرفوا اين يضعوا أقدامهم؟ وبمن يثقون؟ وكيف يتصرفون ؟ حتى لايندموا حين لاينفع الندم.



يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق