75
الحركة السنوسية في ليبيا
المبحث الثالث
رحلة المهدي السنوسي الى الكفرة وقرو
ثالثاً: محمد الشريف شقيق الإمام المهدي:
كان محمد الشريف عالماً ربانياً، ومستشاراً عبقرياً، وكان مشرفاً على معهد الجغبوب، وقد تميز بغزارة العلم، ودقة الفهم، والقدرة على التدريس، وتتلمذ على كبار علماء الحركة السنوسية، وتفرغ للطلب والتدريس وساعده على ذلك وجود مكتبة كبيرة احتوت على النشاط الديني، والعلمي، والأدبي وقد تحدث الطيب الأشهب عنها فقال: ( ونظمت بالجغبوب مكتبة كانت من مفاخره، إذ أنها تعد في طليعة المكتبات التي لايمكن للأفراد الإتيان بمثلها، وكانت تضم قسماً كبيراً من المخطوطات النفيسة، ولم يجد الإمام بلداً إسلامياً إلا واستجلب منه الكتب، فمن مصر والحجاز والشام والأستانة وتونس ومراكش، إلى غير ذلك من البلاد الإسلامية الأخرى ) وقال الحشائشي عن هذه المكتبة: ( أما الكتب الموجودة في خزائنها فقد نيفت على الثمانية آلاف مجلد، من تفسير وأحاديث وأصول وتوحيد وفقه، وغير ذلك من كتب العلوم المعقولة والعلوم الطبيعية وغير ذلك، ولا يطبع في العالم كتاب باللغة العربية إلا ويبحثون عنه ويظفرون به، ..)( ).
لقد كانت الجغبوب محلاً لتخريج القادة، وشيوخ الزوايا، ولذلك حرص ابن السنوسي، وإبنه المهدي أن يوفروا كافة أسباب النشاط العلمي، وتتلمذ محمد الشريف على الشيوخ والعلماء، ونهل من الكتب الموجودة، في المكتبة المباركة حتى وصل إلى درجة عظيمة من الفقه والعلم يقول الأستاذ الأشهب: ( سمعت هذه الحكاية الآتية من تلميذه والدي، السيد أحمد بن إدريس. قال: كنا نحضر على السيد الشريف، وكنا ندرس عنه الحديث والتفسير والتصوف ومطولات كتب اللغة، يجلس بكل تواضع، ويضع الكراس الذي بيده فوق منضدة من الخشب توضع أمامه، ويقرر مانحن بصدده، وعندما يمر بمشكلة فقهية أو تاريخية أو لغوية يسرد لنا رضي الله عنه من ذاكرته جميع وجوهها، وما ورد فيها من أقوال العلماء أو الأئمة المصنفين بأسلوب عذب ساحر خلاب، ولايترك قولاً ورد فيها إلا ويأتي به، ثم يوضح الأصح من الأقوال والمتفق عليه. وعندما نقف على أي بيت من الشعر في أي كتاب نقرؤه، أو أي موضوع نتناوله، يقول لنا: إن هذا البيت من قول فلان المولود سنة كذا، والمتوفى سنة كذا، ويبتدئ في قراءة القصيدة من ذاكرته، إلى أن يقف على البيت الذي كان السبب في إعلامنا بقوة حافظة سيدنا وسلامة ذاكرته)( ).
إن هذا العالم الجليل، والحبر العظيم، والبحر الزاخر من العلوم كان من أعمدة الحركة العلمية، فبوفاته اهتزت الجغبوب، وتأثر الإمام المهدي بهذا الحدث الجلل يقول أحمد الشريف عن خبر وفاة والده ( وفي يوم النصف من شوال أتانا رسول خبره فصعب علينا فراقه غاية، وأزعجنا نهاية، ولكن لم نقل إلا ماقاله الصابرون المهتدون إنا لله وإنا إليه راجعون)( ).
لقد تأثر الإمام المهدي لوفاة أخيه وصبر واحتسب، وبكاه الإخوان السنوسيون في كافة الأقطار، وأبّنُه العلماء والشعراء والخطباء ومن بينهم، أبو سيف مقرب، والسيد السني، وهذه القصائد تدل على مدى النبوغ الأدبي الذي وصل إليه أتباع الحركة السنوسية:
قال الشيخ الشاعر العلامة محمد السني في رثاء محمد الشريف:
هجمت علي من الزمان خطوب
ومصائب منها القلوب تذوب
خطب يئن له الجماد وتنثنى
منه متون العزم وهي صلوب
نوب تنوب وحادث زواعج
ترمي الورى بسهامها فتصيب
جلت وجل بها المصائب وغادرت
رحب الفؤاد يئن وهو كئيب
لبس الاساء منه الاساء كما اكتسى
ثوب السواد لاجلها جغبوب
عهدي بربع الحل ملتحف البها
مخضرة أرجاء مرغوب
والشمل مجتمع ونشر البين في
طي وذيل سروره مسحوب
واليوم أصبح مقشعراً نازحاً
وحشى الطلول لاجلهم مخروب
دارت عليه من الزمان دوائر
أبدلهن على السرور وثوب
لادر در البين يوم ترحلوا
وسرت بهم نجب المنون تجوب
وحدي بهم حاد النوى والقلب في
نار الجوى متقلب مرغوب
سقيا لايام مضت لما انقضت
ان البكاء لاجلهم مطلوب
كل الرزايا ان توالت أسليت
إلا مصابك ( ياشريف ) صعيب
رزؤبة ثكل الفضائل كلها
ولوقعه وجه الزمان قطوب
تبكيك أبصار لانك نورها
وبصائر منكم لها تطبيب
ومعاشر أنتم ربيع قلوبهم
ومعاهد أنتم لها أشبوب
وفرائض ونوافل ومحافل
ومشارق ومغارب وجنوب
وبكى عليك الجو يقطر دمعه
وعلاه من أحزانه تثريب
أسفي وتهيامي وحر لواعجي
وقريح جفني بالدموع سكوب
صبر لامر قد قضاه إلاهنا
وعلى الجميع مقدر مكتوب
ناداه إكراماً وتشريفاً له
فغدا يهرول للنداء ويجيب
في ليلة القدر التي قد فضلت
عن ألف شهر خصه الترحيب( )
وأما السيد أبو سيف مقرب فقد قال قصيدة في رثاء محمد الشريف، قال ذلك الشاعر الفحل إذا أخذت كل حرف من أول بيت يظهر لك هذه الجملة الآتية، سيدي ومولاي السيد محمد الشريف ?( ): قال الحشائشي وهذا من أنواع البديع المسمى بالترصيع( ) قال الشاعر رحمه الله:
س سرنا بنعشك خضع الاعناق
سيراً دوين العدو والأعناق
ي يا خير محمول لأعلى جنة
ولحورها يلقينه بعناق
د داء أصاب المكرمات فغالها
واغتال روح مكارم الأخلاق
ي يجري على وفق القضا حتماً فلا
تبقى مواضيه على الأرماق
و والدهر يعتام الأخاير والردى
يعتاد نهب نفائس الاعلاق
م ماضرّه لو أن صارم صرفه
ابقاك للعافين والطراق
و والعلم والحلم الذي شمخت به
أفاق جغبوب على الآفاق
ل لكنه لاينتهي عن قصده
بتطبّب أورقية من راق
أ أودى الشريف ابن الشريف محمد
من للمعالي بعده من راق؟
ي ياجامعاً أصل العلوم وفرعها
جمعاً لمن ناواك غير مطاق
أ أنت الإمام لكل من أم الهدى
والدين بالإجماع والأصفاق
ل لك كنز معارف وعوارف
تحت الصفائح محكم الأطباق
س سرُّ ثوى في روضة موشية
وشي الربا نحبّ الحيا الغيداق
ي يا ثاويا مع أصله في لحده
هذا قران السعد في الأعماق
د دار حوت أصل المكارم والعلا
مع فرعه شبت على الأطواق
م ماتلك جنة قد زخرفت
ورثت يامولاي باستحقاق
ح حزت النعيم بها وكنت منعماً
والله يمنحك النعيم الباقي
م ماعذر من ينعاك إذ لم يرتشف
كأس الردى من دمعة المهراق
د دمع من العين منها مرسل
تهمى بذاك قريحة الآماق
أ إن قصرت يوماً فإن قلوبنا
أسرى لفقدك في أشد وثاق
ل لو كان يفدى الميت بادر كلنا
يفدك بالآجال والأرزاق
ش شرفت ياجغبوب حقباً بالذي
أعلى منارك بالثناء الباقي
ر روت اليك وجوه آمال الورى
عطشاً لورد نواك الدفاق
ي يسعى لأرضك كل جلف مملق
فيثاب بالآداب والأرماق
ف فازت رجال باحتلال رياضه
ورياضه الخلد النعيم الراقي
ر راضي الأنام بعلمه وبحلمه
فتقدموا في حلبة الأسباق
ض ضار إذا ما ربته في دينه
أو رمت نقض العهد والميثاق
ي ياصفة صفوة ياشبل صبراً على
ريب الزمان وخطبة الفراق
أ إن المنايا غاية مادونها
من ناصر كلا ولامن واقي
لا لاتخطئ الأحيا سهام حتوفها
من فاته هذا فذاك يلاقي( )
إن الحركة السنوسية فجرت طاقات الشعراء، وأضفت على شعراء الحركة معاني في الصدق، والمثل الرفيعة، ومبادئ الدعوة، وكونت أدباً رفيعاً خاصاً بها، يستحق البحث والتنقيب، والدراسة والتحليل، وخصوصاً إذا علمنا أن الشعر لم يكن صفتهم الأولى، وإنما كان أمراً لاحقاً، وشيئاً ثانوياً بالقياس إلى صفتهم الأصيلة، وهي كونهم علماء دعاة، اتجهوا في حياتهم إلى نشر العلم بين ذويهم وتهذيب النفوس، وإحياء الشعور الديني، وإصلاح المجتمع بهذه الوسيلة، ثم كانوا مع هذا يتمتعون بالموهبة الأدبية، على أقدار مختلفة( ).
إن القصائد السابقة تساعد الباحث على تصور الأجواء التي كانت أثر وفاة محمد الشريف رحمه الله، وبذلك يستطيع أن يصل إلى تأثير خبر الوفاة على الإمام المهدي وإخوانه في الحركة.
وبعد أسابيع قليلة من وفاة السيد الشريف أرسل السيد المهدي في طلب العائلة من الجغبوب إلى الكفرة فسافر محمد عابد وأفراد بيت والده مصحوباً بالسيد أحمد الريفي، وأبي سيف مقرب، وبهذا الانتقال لم يبقى من أفراد البيت السنوسي أحد بالجغبوب( ).
وفي عام 1314هـ جاء جلة أعيان برقة، ورؤساء القبائل لزيارة الإمام المهدي ليقدموا لسيادته أحر التعازي في وفاة أخيه( ) ويتدارسوا آخر تطورات الأوضاع الدولية، والمحلية، والإقليمية.
رابعاً: رحلة الامام المهدي الى السودان الغربي، والصدام مع فرنسا ووفاته:
كان الامام المهدي يرسل البعثات الاستكشافية في الصحراء، ويحفر الآبار، ويتفقد الطرق الموصلة الى وسط السودان الغربي، وكانت تلك الاستعدادت تجري على قدم وساق، في جو من الكتمان الشديد، وبعد اربع سنوات من المكوث في الكفره شد رحاله الى زاوية قرو في برقو في السودان الغربي، ليشرف بنفسه على تنظيم المقاومة، واتخاذ الأهبة لمواجهة القوات الفرنسية الزاحفة نحو بحيرة تشاد( )، وقد غادر المهدي الكفرة في أواخر جماد الثاني عام 1317هـ ورافقه أفراد أسرته، وكبار الأخوان، وشيوخ الزوايا، وأعيان القبائل وكان ذلك في أواخر جماد الثاني عام 1317هـ( ) وكان عدد رفقائه من الرجال 1066 رجل وهم الأخوان وشيوخ القبائل والحاشية الخاصة والخدم( )، واستغرقت المدة بين الكفرة وقرو السودان الغربي، شهرين تقريباً( )، وبمجرد وصول الامام المهدي الى قرو وحط رحاله هناك أخذ ينشر دعوته الاسلامية الدينية، وأخذت شعوب تلك المناطق تدخل في دعوة الاسلام طوعاً، وتنضوي تحت زعامة الحركة السنوسية مختارة، وكانت فرنسا تراقب تحركات الحركة السنوسية، وتستعد لمعركة فاصلة معها، وخصوصاً بعد أن استطاعت القضاء على مملكة رابح الزبير وهزمته في معركة لختة ثم تم قتله في عام 1900م وخضعت لهم سلطنته وباتوا يهددون كانم( ) وكان زعيمها قد : (ارسل محمد البراني الى كانم فبني زاوية في بير العلالي، وطفق يجمع جيوشاً من قبائل التبو، والطوارق وأولاد سليمان، والزوية، والمجابرة لمواجهة الزحف الفرنسي)( ).
تقدم الفرنسيون نحو كانم في حملة مجهزة بالاسلحة والمعدات الحديثة، واستعد السنوسيون لملاقاتهم فوضعوا حامية كبيرة في بير العلالي، واشتبكت الحملة في معركة حامية الوطيس مع الاخوان السنوسيين، وكان النصر حليف المدافعين برئاسة الشيخ محمد البراني الساعدي فأرتدت الحملة الفرنسية خائبة بعد أن تركت ميدان المعركة زاخراً بأشلاء الموتى، والجرحى، والمعدات واستشهد عدد غير قليل من بينهم، الشيخ عبدالله بن موسى فريطيس ، ووصل الخبر الى الامام المهدي، فأرسل من عنده نجدة لمعاونة المجاهدين واستأنف الفرنسيون زحفهم مرة أخرى، وكان عدد شهداء المعركة الثانية مائة شهيد، من بينهم كل من الشيوخ؛ غيث سيف النصر، ابوبكر قويطين، يونس بدر، السنوسي خيرالله وشقيقه عبدالله، وغيرهم، وقد بلغ عدد الأموات من الفرنسيين مائتين وثمانين منهم خمسون وعشرون ضابطاً. وفي اليوم التالي من هذه المعركة زحف الفرنسيون بعدد كبير من الجيش تعززه قوات احتياطية، فاشتبكت مع المجاهدين في معركة حامية الوطيس نتج عنها انسحاب المجاهدين، واحتلال القوات المعادية لمركز (علالي)، وفي هذه الاثناء وصلت نجدة من المجاهدين يقودها محمد عقيلة، واحتكت بالفرنسيين في مركز لهم اقاموه خارج (علالي)؛ فألتحمت هناك معركة دامية، اسفرت عن احتلال المقر الفرنسي، والاستيلاء على جميع ماحواه وفر عدد قليل من الفرنسيين الى (علالي) ثم قرر القائد السنوسي الزحف على مركز (علالي) وحاول بعض المجاهدين اقناعه ليكون زحفهم بعد تريث، غير ان القائد صمم على تحرير (علالي) من القوات الفرنسية أو أن يسكن (علالي) غرف الجنة، وتم الهجوم بروح جهادية عالية، واستشهد القائد السنوسي، واضطر المجاهدون تحت وابل الرصاص للإنسحاب بعد أن قتلوا من الجيش الفرنسي اضعاف مضاعفة، وفي هذه الاثناء وصل الى المجاهدين خبر وفاة الامام المهدي( )، فخارت العزائم ، وضعفت الهمم وكانت وفاة المهدي بعد أن اشتد المرض عليه، وكان ذلك في يوم الاحد 24 صفر 1320هـ الموافق 2 يونيو 1902م في زاوية قرو. واقترح احمد الريفي نقل جثمان المهدي الى الكفرة فتم ذلك ودفن في زاوية التاج( ).
لقد كان محمد المهدي داعية من الطراز الأول، تجسدت في شخصيته صفات القادة الربانيين، وكان يهتم بأمر المسلمين ، في كل صقع من أصقاع العالم وكان يؤلمه اي خلاف اسلامي او أي مشكلة تقع بين الأفراد، أو بين العائلات، أو بين القبائل، فكان يولي هذه الناحية مجهودات كبيرة في فكره وتفكيره، ويتخذ كل الوسائل لازالة سوء التفاهم بعمله وآرائه وتدبيره، عاملاً على إحلال الصفاء والوئام محل الشقاق والخصام( ) وكان عفيفاً، يحترز من المال العام، فعلى سبيل المثال وصل الى الجغبوب حاكم برقة العثماني الفريق رشيد باشا، وحل بطبيعة الحال ضيفاً مكرماً على الامام المهدي، فعومل هذا الضيف بالاكرام والاحترام والتقدير، ولم يتناول مع محمد المهدي الطعام إلا مرتين اثنتين، ومرد ذلك الى أن موارد الجغبوب التي ينفق منها كانت من الاوقاف الاسلامية، والصدقات، والزكاة الشرعية، والهبات التي خصصها المتبرعون بها لتنفق على أوجه البر والاحسان ثم ما احتسب للمشاريع الاصلاحية والانشاء والتعمير، وللإنفاق على المشاريع، وعلى طلاب العلم، والضيوف، وعابري السبيل، والمعسرين ، وبطبيعة الحال أن دار الضيافة –وهي احد هذه المشاريع- هي التي تقوم باكرام ضيف الجغبوب الكبير، وكان المهدي السنوسي يتحاشى أن يصل إليه شيء من ذلك، وهكذا لايمكنه -على مايظهر- ان يتناول من الاطعمة التي تعد لرشيد باشا، وازاء هذه الحالة اقام مأدبتين من ماله الخاص لضيف الجغبوب المحترم وتناول معه الطعام، لقد كان المهدي السنوسي ينفق من موارد خاصة، مصدرها الزراعة، وتنمية الماشية، بزاويتي القصور ودفنة، ومن هذه الموارد كان مأكله وملبسه( ) لقد اتصف الامام المهدي السنوسي بصفات المؤمن ألا وهي (قوة في دين، وحزم في لين، وايمان في يقين، وقصد في غنى ، وتحمل في فاقة، واحسان في قدرة، وصبر في شدة، لايغلبه الغضب ولاتجمح به الحمية، ولاتفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولاتقصر به نيته، ينصر المظلوم، ويرحم الضعيف، لايبخل ولايبذر، ولا يسرف، ولايقتر، يغفر اذا ظلم ، ويعفو عن الجاهل، نفسه منه في عناء، والناس منه في رخاء)( ) فرحمة الله على المهدي، لقد اهتز العالم الاسلامي لخبر وفاة المهدي، وكتبت الصحف والمجلات الغربية والشرقية حول وفاة هذا الزعيم الاسلامي، وتولي قيادة الحركة السنوسية بعد وفاة المهدي ابن اخيه احمد الشريف، فقام بتوجيه رسالة الى شيوخ الزوايا نعى فيها عمه المهدي وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم
(تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، وهو العزيز الغفور. فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون. وبعد فإنه من عبدربه سبحانه احمد ابن السيد محمد الشريف بن السيد محمد السنوسي الخطابي الادريسي الحسني الى الأجل الأبر الصفي الأنور سيدي الشيخ .... (ويكتب اسم شيخ الزاوية المرسل إليه الكتاب) سلمه الله آمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته ومرضاته والموجب لهذا السؤال عن الاحوال لا زالت محفوفة بالتكريم، والاجلال. وإن سألتم عنا فإننا ولله الحمد تحت مجاري الأقدار ساكنون، وفي قبضة من يقول للشيء كن فيكون ولنفحات المولى جل وعلا متعرضون، وبما حكم به سبحانه وتعالى راضون، وعن جميع مالا يرضى الخالق بحوله وقوته معرضون، وبما وعدنا به الله ورسوله موقنون، ولاغتلاس المنون مترقبون، سائلين منه تعالى منح مابشر به الصابرون القائلون عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. اجرنا الله وآجركم في مصيبتنا ومصيبتكم بالاستاذ الذي طلما رشد الخلق والى طريق الحق يهدي، سيدنا محمد ابن المهدي ?، وأرضاه وجعل الجنة متقلبه مثواه، ونفعنا بأسراره وأسرار آبائه وجعلنا من المفلحين الذين هم حزب الله من أوليائه وأصفيائه فقد نقله من الدنيا الى الآخرة التي هي خير في منتصف نهار يوم الأحد الثالث والعشرين من صفر الخير من سنة عشرين وثلاثماية وألف، ضاعف الله له الخيرات وضاعف الضعوف ألوف ضعف وسقى بشابيب الرحمة تربته، واسكنه مع الذين أنعم الله عليهم جنته إنه جواد كريم بر رحيم، ومنا جزيل السلام الى جميع الاخوان والمحبين ومن عندنا سلم عليكم صنوناً السيد محمد عابد والسيد محمد ادريس، وكافة الانجال والاخوان والسلام)( ) تاريخ 7 ربيع الأول 1320هـ.
وهكذا انتقل السيد المهدي الى رحمة الله وهو لم يبلغ الستين من عمره، استطاع خلالها أن يتوسع في ميادين الدعوة، مقتفياً في ذلك منهج والده، ومات وهو في طريقه نحو ساحات الوغى، وألهب مشاعر اتباعه، ودفعهم نحو حب الجهاد، وورّث القيادة لجيل آخر استطاع أن يقارع فرنسا، وإيطاليا، وانجلترا بقيادة احمد الشريف.
واختم حياة الامام المهدي بهذه القصيدة الرائعة التي تدل على الطاقات الكامنة في شعبنا المسلم (الليبي) وقد جاءت هذه القصيدة تحمل في كل بيت منها صورة واضحة لسيرة الزعيم الثاني للحركة السنوسية، وبينت اصلاحاته العلمية، والدينية، والعملية، والنظامية وهكذا، فالاسلام دين ودولة ، وسيف ومصحف قال الشاعر الكبير رفيق المهدوي:
السيد (المهدي) اعظم مصلح
بعد الايمة قام بالاصلاح
اصلاحه الدين الصحيح منزه
عن جذبة المتصوف السباح
صان العقائد من خرافات ومن
بدع ومن متناقض الشراح
ماكان إلا بالشريعة عاملاً
بالعلم في نهجى تقي وسماح
متقيلا اخلاق والده الذي
بدأ الجهاد بهمة وكفاح
(ابن السنوسي) الذي آثاره
تغني عن الاطراء والامداح
كالشمس لا تحتاج برهاناً ولا
يحتاج مبصرها الى استيضاح
والشمس ان جهل الكفيف ضياءها
عرف الحرارة في الشعاع الضاحي
والمسك يعرف دون رؤيته اذا
سطع الشذا من عرفه الفواح
والفرع ينزع للاصول نجابة
إن الوشيج يجود بالارماح
والنوع يبقى بعد طول تقلب
في حبه فتجيء بالادواح
آل الرسول وان تطاول عهدهم
مازال سر العرق في الاقحاح
كانت طريقته القيام بسنة
نبوية لألاءة الاوضاح
ليست لدروشة المريد وجذبه
بالدف او بالرقص او بصياح
كانت معالمه كسيرة جده
احياء دين وانتشار صلاح
اعمال مجتهد بخالص نية
للخير ، منتصر بغير سلاح
لوكان عن شيء لغير الله في
اعماله ماكللت بنجاح
اذ لايدوم سوى الذي هو نافع
للناس مرتفع عن الارباح
ومن الكرامة للولي نجاحه
في النصح بالاقناع والافصاح
والمرء لايعجبك منه ماسعى
بل مانوى في السعي من اصلاح
فإذا استوى عمل وحسن عقيدة
كان النجاح حليف كل طماح
إن العقيدة لايصح يقينها
إلا بفعل ظاهر وصراح
فاذا أحب الله باطن عبده
ظهرت عليه مواهب الفتاح
واذا صفت لله نية مصلح
مال العباد إليه بالارواح
هذي صفات السيد (المهدي) ولا
والله ما بالغت في الايضاح
فله من الخدمات للاسلام ما
يعلو على متناول الشراح
يكفيه نشر الدين في الآلاف من
اقصى حدود (الشاد) حتى (الواح)
نصر لدين الله بين مجاهل
صعبت على الرواد والسياح
فازوا من الفتح المبين بعزة
الاسلام بعد عبادة الاشباح
وكفاه نشراً للعلوم بناؤه
لمعاقل مثل الحصون فساح
تلك الزوايا القائمات كأنها
للمدلج الساري ضياء صباح
كانت مناراً للعلوم وملجئاً
للمحتمين ومورد الممتاح
لتلاوة القرآن في عرصاتها
كدوي ثول النحل في الاجباح
ولدارس التوحيد في ارجائها
هدى ينير انارة المصباح
ولنهضة العمران كان بذاته
يلقى دروس الحرث للفلاح
ويدرب الفرسان معتمداً على
فن باحدث عدة وسلاح
ويوحد الاهداف بين قبائل
كانت فلولا عداوة وتلاحي
هذي كرامات الامام السيد
المهدي للايمان والاصلاح
للدين والدنيا وللاولى وللاخرى
وللابدان والارواح
لا كالكرامات التي يروونها
كعجائب الفقراء غير صحاح
او كالتصوف عند قوم اظهروا
بلها بلبس الصوف والامساح
فكرامة الاصلاح بالخير الذي
للناس فوق كرامة الصلاح
ماذا اقول ولا اريد زيادة
عن مدح من سبقو من المداح
سبقوا وما بلغوا سمو شواردى
الا مثابة ريشة بجناحي
في مدح من فاق الملوك مكانة
بجلال وصف سميدع جحجاح
كانت تهاديه الملوك فيعتلي
متعففاً برزانة ورجاح
ورعاً وزهداً في حطام عاجل
وتحفظاً من جائز ومباح
بلغ الكمال المستطاع لمنتهى
افق لقرب الانبياء متاح
لا ادعي اني احاول وصفه
باطالة الاطناب والالحاح
لكنني اخصلت مدحي موقناً
بالحق في جد بغير مزاح
واشدت بالذكر الذي لايمترى
في صدقه متبجح او لاحي
لا ابتغي مالاً ولا جاهاً ولا
زلفى تقربني الى مناح
حسبي قد استغنيت بالايمان عن
كل العباد بفالق الاصباح
واردت عند الله في ذاك الجزا
وبحسن ظني في الرسول نجاحي
وبالانتساب الى النبي وآله
ارجو مفازي في غد بفلاح
ومن التفاؤل ان نسبة (مهدوي)
جاءت من (المهدي) عن الشراح
اني اقر بأنني اسرفت في
دنيا المعاصي راكباً لجماحي
مالي امام الله غير سريرة
بيضاء يوم المحشر الفضاح
ولقوله لاتقنطوا من رحمتي
القى الاله بخاطر مرتاح
مالي سوى صدق اليقين مؤملاً
حسن الختام على هدى وصلاح( )
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق