429
تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها
خلاصة تاريخ مصر
وما كان بينها وبين سوريا والعراق وجزيرة العرب
من الوقائع الحربية والصلات التجارية وغيرها عن طريق سيناء
منذ أول عهد التاريخ إلى اليوم
" دولة اليونان البطالسة في مصر . وأحبار اليهود في فلسطين . والسلوقيون في سوريا والعراق "
وفي هذا العهد ظهر اسكندر الكبير في مكدونية واستولى على اليونان وكان قد حصل بين اليونان والفرس مواقع شهيرة أخصها موقعة مراثون وموقعة ترموبولي فحمل الاسكندر على الفرس في عهد ملكهم دارا فقهرهم في مضيق إسس شمالي خليج اسكندرونه سنة 333 ق. م ثم زحف عل سوريا ففتح صيداء صلحا لأن أهلها كانو مغاظين من الفرس لما فعلوه بهم عند فتح مدينتهم . ثم فتح صور عنوة بعد حصار سبعة أشهر ثم غزة بعد حصار شهرين . وقد أظهر أهل صور وغزة من البسالة والجلد في الدفاع عن مدينتيهما ما خلد الفخر مدى الدهر .
" واقعة بليوسيوم الرابعة " ولما فرغ الاسكندر من فتح فينيقية وملك البحر زحف على مصر بطريق البر ووافته عمارته بحرا حتى انتهى إلى بليوسيوم بعد مسيرة سبعة أيام قطع فيها 170 ميلا في صحراء رملية قاحلة . وكان الفرس قد أخذوا معظم جيوشهم من مصر نجدة لدارا في واقعة إسس ولم تكن الحاميات تقوى على المقاومة وكان المصريون يكرهون الفرس لأنهم ظلموهم وأهانوا دينهم فلم يخفوا فرحهم بوصول الاسكندر .
وكانت العمارة المصرية في بليوسيوم قد قاومت عمارة الاسكندر فلم تثبت أمامها وفتحت المدينة أبوابها للأسكندر بلا قتال فترك فيها حامية وتقد بشاطئ النيل البليوسي وكان قد أمر عمارته فوافته إلى هليوبولس فعبر النيل هناك وتقدم إلى ممفيس وكان عليها وال من قبل دارا فسلمها للإسكندر بلا قتال وذلك سنة 332 ق. م .
وزار الاسكندر هيكل الشمس في واحة سيوة وفي طريقه أمر ببناء مدينة الاسكندرية فكانت من أعظم مواني البحر المتوسط إلى اليوم . وسار من مصر إلى العراق فافتتحها من الفرس سنة 331 ق. م كما مر . ثم فتح الهند وعاد إلى بابل فمات ص 700
فيها سنة 323ق. م ولم يترك الاسكندر ابنا شرعيا يرث الملك بعده بل ترك امرأته ركسانة حبلى فقسمت ممالكه بين قواده فكانت مصر من نصيب البطالسة .
" واقعة بليوسيوم الخامسة " وكان القواد قد اتفقوا أن يجعلوا القائد بردكاس وكيل المملكة غلى أن تلد ركسانة فولدت ابنا وسمته الاسكندر على اسم أبيه . ولكن بردكاس ما لبث أن طمع بالملك كله لنفسه وسار لفتح مصر وأصحب معه ابن الاسكندر ليكون له حجة على إصدار الأوامر إلى بلاد الاسكندر .
وكان أول البطالسة على مصر بطليموس صوتر " سنة 322: 284 ق. م " فالتقاه في بليوسيوم ةتحصن في قلعة صغيرة قرب المدينة فحصره برطاس فيها ولكن بطليموس خرج من القلعة ورده إلى معسكره وخنادقه .
وكان بردكاس فظا غطريسا فقام عليه بعض خاصته وقتله وانضم جيشه إلى بطليموس فتقوى به وكان ذلك سنة 321 ق. م . وبعد قتل بردكاس وقعت مكدونية واليونان في يد القائد كسندر فقتل ركسانا وابنها ليخلو له الجو .
ورأى بطليموس صوتر أن ضم فلسطين وفينيقية وجزيرة قبرس إلى مصر ضربة لازب وقاية لها من مهاجمة الأعداء . وكان على سوريا إذ ذاك القائد لاوميدون فجهز عليه جيشا بريا عقد لواءه لقائده نيكاتور وسار هو في البحر إلى شطوط فينيقية فانتصر نيكانور على لاوميدون وأخذه أسيرا . وافتتح بطليموس فينيقية ثم تقدم إلى فلسطين لإخضاع اليهود .
" أحبار اليهود " وقد تقدم أن نبوخذنصر ملك أشور سبى اليهود إلى بابل سنة 587 ق. م فلما فتح كورش الفارسي بابل عطف على اليهود . ربما لأنهم ساعدوه على فتح بابل . فأطلقهم من السبي وأذن لهم في الرجوع إلى بلادهم سنة 536 ق. م فرجع منهم 000و42 نسمة وسكنوا أورشليم وأعادوا بناء الهيكل فأتموه سنة 516 ق. م ثم جاء عزرا من بابل ومعه 1777 نفسا وفيهم الأسرة المالكة . وفي سنة 445 ق. م جاء إلى أورشليم " نحميا " وكان مكرما في دار ارتازركسيس ملك الفرس ولكنه فضل خدمة قومه وبلاده فعينه الملك واليا على ص 701
أورشليم وكان في الوقت نفسه الحبر الأعظم لليهود . ومن ذلك الحين أصبح الحبر الأعظم رئيس الشعب الديني والسياسي تحت سيادة الفرس . وبقي اليهود خاضعين للفرس إلى أن طردهم الاسكندر من سوريا سنة 333 ق. م كما مر فدانوا له . وبعد موته وقعت سوريا واليهودية في يد القائد لاوميدون فحلفوا له يمين الطاعة فلما أتى بطليموس قاوموه برا بيمينهم إلى لاوميدون فحصر بطليموس أورشليم طويلا . ثم على أن اليهود لا يأتون عملا يوم السبت فهاجمهم في يوم سبت وقعدوا عن الدفاع . فافتتح المدينة وعامل أهلها بالشدة وأسر منهم نحو مئة ألف أسير وأرسلهم إلى مصر . ثم تذكر بسالتهم وحفظهم العهد لحكامهم فرفق بهم وجعل عليهم في بلادهم واليا منهم .
ودام حكم البطالسة على اليهود نحو مئة سنة فلم يثقل نيرهم عليهم لأن البطالسة سمحوا لهم أن يحكموا أنفسهم ويختاروا أحبارهم وكان أحبارهم ينوبون عن الولاة على جزية يدفعونها لمصر . واشتهر من اليهود في عهد بطليموس الأول الحبر سمعان نحو سنة 300 ق. م وكان مستقيم السيرة فلقب بالعادل .
" واقعة غزة الأولى سنة 312 ق. م " هذا وكان على آسيا الصغرى من قواد الاسكندر القائد انتيغونس فطمع بالاستيلاء على أملاك الاسكندر كلها والخلافة له . فتألب عليه كسندر ملك مقدونية وبطليموس ملك مصر ولسيخوس ملك تراقيا وانتشبت الحرب بينهم في البر والبحر سنة 315 ق. م فانكسرت جنوده في واقعة بحرية .
وكان من رأي بطليموس أن قبرس هي مفتاح فينيقية كما أن فينيقية مفتاح مصر . فاستولى على قبرس وبقيت خاضعة لمصر في عهد البطالسة . إلا في فترات قليلة , حتى استولى عليها الرومان سنة 57 ق.م . وفي سنة 314 ق. م جدد انتيغونس قواه وزحف بجيش عظيم لامتلاك سوريا ومصر . فلما درى بطليموس به أخذ من فينيقية كل ما وجد من السفن وقوى حصونها الجنوبية بزيادة حامياتها فلما وصل انتيغونس رأى جميع مراكبها قد أخذت إلى مصر ولم يكن في وسعه مهاجمة مصر بل لم يكن في وسعه فتح مدن فينيقية الجنوبية بلا عمارة بحرية فشرع في بناء السفن في جبيل وطرابلس مستخدما ألوفا من العمال ص 702
في قطع الأشجار من جبل لبنان وجد في العمل حتى بنى اسطولا كاملا في سنة واحدة . وسار إلى فينيقية الجنوبية ففتح صيداء وصور وغزة بعد عناء شديد ثم شرع في تجهيز جيشه للزحف على مصر . وفيما هو كذلك إذ أتاه الخبر أن كسندر ملك مكدونية قد استحوذ على أمكنة عديدة من آسيا الصغرى فأسرع بفرقة من جيشه لمقاتلة كسندر وترك سائر الجيش مع ابنه ديمتريوس وأمره بمهاجمة مصر وكان مع ديمتريوس عمارة بحرية فيها 243 مركبا حربيا وجيش بري فيه 11000 من المشاة و 2300 من الفرسان و 43 من الأفيال ولفيف من البرابرة المسلحين بالأسلحة الخفيفة .
فخرج بطليموس من الاسكندرية للقائه حتى أتى غزة ومعه من الجيوش : 18000 من المشاة و 4000 من الفرسان وكلهم من اليونان النظاميين والمسترزقة ومعهم لفيف من المصريين بعضهم مسلح للقتال وبعضهم للإهتمام بالمؤن والذخائر . فالتقى الجيشان في ضواحي غزة فاتقى بطليموس شر الأفيال باستخدام أطباق الحديد وانجلى القتال عن انهزام ديمتريوس بعد أن ترك في حومة الوغى 5000 من القتلى و 8000 من الأسرى وغنم بطليموس أفياله وخيمة وامتعته واستولى على اليهودية وفينيقية والبقاع . وأرسل جيشا مع أحد قواده لمطاردة ديمتريوس فأدركه في جوار طرابلس ووقع القتال فكان النصر لديمتريوس وقد وقع في يده 6000 أسير من جيش بطليموس .
" واقعة بليوسيوم السادسة سنة 305 ق. م " وبلغ انتيغونس خبر ابنه فأسرع إليه من فريجيا بجيش كبير . وكان بطليموس رجلا عاقلا حذرا فلم يكن يقدم على موقعة فاصلة خسارتها تفقده ملكه . لذلك لم يقف وجه انتيغونس في سوريا فهدم حصون عكا ويافا والسامرة وغزة ورجع بجيوشه إلى مصر تاركا صحراء سيناء بينه وبين انتيغونس وكان ذلك سنة 311 ق. م
ولكن انتيغونس بقي مصمما على غزو مصر وكان قد نوى غزوها بطريق البتراء فوقف النبط في وجهه كما مر فلم يبق أمامه إلا طريق الفرما . ولما كان غزو مصر بهذه الطريق يقضى بامتلاك قبرس وكانت قبرس في يد بطليموس كان أول ما فعله ص 703
أنه جهز ابنه ديمتريوس بجيش فأخذ قبرس عنو بعد واقعة عنيفة سنة 306 ق. م وفي السنة التالية جهز انتيغونس في البقاع جيشا يزيد عن 000و80 من المشاة و 8000 من الفرسان و 83 من الأفيال . وعاد ابنه ديمتريوس من قبرس بأسطول فيه 150 سفينة حربية و 100 سفينة للنقل مشحونة بالمؤو ومعدات الحرب .
ولما أتم استعداده سار بجيشه في صحراء بليوسيوم وسار ابنه ديمتريوس محذيا له في البحر . ولكن لم يسر ديمتريوس إلا قليلا حتى هبت الرياح الشمالية التي تكثر في تلك الجهة فألح البحارة عليه بالانتظار ثمانية أيام ريثما تسكن هذه الرياح فأبى صلفا وتكبرا فأغرقت الريح بعض المراكب وقذفت بالباقي إلى ميناء بليوسيوم فوقعت غنيمة باردة في يد بطليموس .
وكان بطليموس قد حصن جميع الأمكنة في طريق انتيغونس فصده في كل مكان وفر جماعات من جيش انتيغونس وانضموا إلى جيش بطليموس . فلما رأى انتيغونس ذلك ورأى النكبة التي أصابت مراكبه في البحر اضطر أن يعمل بمشورة قواده وعاد بجيشه إلى سورية وعاد بطليموس إلى الاسكندرية . ثم غاب انتيغوس وابنه عن سوريا فحمل عليها بطليموس واسترجع فينيقية لحد عكا واليهودية والبقاع .
وعاد قواد الاسكندر فتألبوا على انتيغونس وحشد كل منهم جيشا مؤلفا من نحو 80 ألف مقاتل وأوعقوا به في ابسوس من أعمال فريجية فقتلوه وكان ذلك سنة 301 ق. م واما ابنه ديمتريوس فإنه فر من واقعة ابسوس بجيش صغير من المشاة والفرسان وبقي شريدا والأقدار ترفعه تارة وتحطه أخرى حتى وقع أسيرا في يد سلوقوس سن 286 ق. م ومات سنة 283 ق. م .
واقتسم القواد مملكة الاسكندر من جديد فكان نصيب بطليموس مصر وجنوب سوريا . وجزيرة قبرس . وسلوقوس بابل وشمال سوريا وجانبا من آسيا الصغرى ولسيمخوس ما بقي من آسيا الصغرى وتراقية وأصبحت هذه البلاد كلها ممالك يونانية ولكن لم يكن في مملكة منها من اليونان بقدر ما كان في مصر السفلى ولا سيما مدينة الاسكندرية . وكانت مصر إذ ص 704
ذاك محكومة بقوانين مصرية وقضاة مصريين ومع ذلك فقد كانت الاسكندرية خاضعة للقانون المكدوني ولم يكن يسكن الاسكندرية مصري إلا ويشعر أنه من شعب مغلوب على أمره لأنه لم يكن يتمتع بالحقوق المدنية التي كان يتمتع بها اليونان واليهود من سكان تلك المدينة مع أنه لم يكن يدخل تلك المدينة يوناني أو يهودي إلا كانت تعطي له تلك الحقوق بحال دخوله . وبقيت هذه الحال لا سيما في ما يتعلق باليونان إلى أن استولى العرب على الاسكندرية في أيام عمرو بن العاص .
" الدولة السلوقية في سوريا " أما سلوقوس مؤسس الدولة السلوقية في سوريا فهن ابن رجل مكدوني اسمه انطيوخوس رافق الاسكندر في غزواته وبعد موت الاسكندر عضد بردكاس إلى أن طمع بمصر فخرخ عليه . وبعد قتل بردكاس اقتسم القواد الأملاك فكان نصيب سلوقوس بابل والقسم الشرقي من مملكة الاسكندر . ولكن انتيغونس ضايقه ففر من بابل ولجأ إلى مصر فرافق بطليموس في حملته على فلسطين وحضر معه واقعة غزة الأولى سنة 312 ق. م المتقدم ذكرها .
وبعد الواقعة أخذ شرذمة من العساكر وأسرع إلى بابل فجرد أنتيغونس عليه جيشا فقهر جيش انتيغونس واستقل بالملك وأسس مملكة عظيمة عرفت بالدولة السلوقية وكان بدء تاريخها أول أكتوبر سنة 312 ق. م . ثم بعد أن تغلب قواد الاسكندر على انتيغونس في ابسوس سنة 301 ق. م ألحق سلوقوس بأملاكه شمال سوريا . وكان اليونان في هذا القسم من سوريا أكثر عددا مما هم في بابل فبنى عاصمة جديدة على نهر العاصي سماها انطاكية على اسم أبيه ونقل إليها عاصمته نحو سنة 300 ق.م . فقدمت بابل لهذه المدينة الجديدة نفس الطاعة التي قدمتها ممفيس للاسكندرية في مصر في عهد البطالسة . وأصبحت أشور وبابل ولايتين تابعتين لانطاكية . ولقب أسلاف سلوقوس أنفسهم ملوك سوريا لا ملوك بابل . وبنى سلوقوس وأسلافه مدنا كثيرة في سوريا منها سلوقية عندمصب العاصي محل السويدية الآن وهي فرضة انطاكية على 12 ميلا منها . وبنوا اللاذقية وغيرها وأدخلوا تمدن اليونان إلى كل مدن سوريا ص 705
ومنذ أيام سلوقوس انقسمت سوريا قسمين : الشمالي للسلوقيين في أنطاكية والجنوبي للبطالسة في مصر . ولكن السلوقيين ما برحوا يدعون أن جنوب سوريا أيضا داخل في نصيبهم فحصل بينهم وبين البطالسة لأجلها حروب طال أمدها وجرت على سوريا عموما وسوريا الجنوبية خصوصا أعظم الويلات وأمر الشدائد . وكان الصوريون إلى عهد بطليموس الثاني الملقب فيلادلفوس " سنة 284: 246 ق. م " قد احتكروا تجارة البحر الأحمر كما احتكروا تجارة البحر المتوسط فكانوا ينقلون السلع بالبحر الأحمر إلى أيلة فتنقلها القوافل إلى صور . فأراد بطليموس أن يحول تجارة البحر إلى الاسكندرية فأنشأ كثيرا من السفن في البحر المتوسط والبحر الأحمر وبنى مدينة على شاطئ البحر الأحمر سماها بيرنيس باسم أمه وكانت السلع تأتيها بالمراكب من الهند والعربية وفارس والحبشة وتنقلها القوافل إلى النيل عند قنا ثم تحمل بالمراكب إلى الاسكندرية فتشحن فيها إلى الغرب وتستأتي منه البضائع إليها . فكان هذا داعيا للتحاسد بين انطيوخوس صاحب سوريا وبطليموس صاحب مصر .
" عود إلى أحبار اليهود " وكتب بطليموس الثاني هذا إلى اليعاذر رئيس أحبار اليهود وأخي سمعان المار ذكره أن يرسل إليه رجالا خبيرين بشريعة اليهود وأهلا لترجمة التوراة إلى اليونانية وأطلق الحرية لمئة وعشرين ألفا من اليهود المقيمين في مصر ليعودوا إلى أوطانهم فبعث إليه اليعازر باثنين وسبعين رجلا من علماء اليهود ستة من كل سبط من أسباطهم الاثنى عشر فرحب بهم بطليموس وأكرم مثواهم وأنزلهم في جزيرة فاروس تجاه الاسكندرية فترجموا له التوراة المعروفة الآن بالترجمة السبعينية فأجزل جوائزه لهم وأعادهم بهدايا ثمينة إلى رئيس الأحبار .
وفي عهد بطليموس الثالث الملقب يورجيتس " 247: 222 ق. م " كان الحبر الأعظم على اليهود اونياس الثاني فأبى أن يؤدي له الجزية فتهدد اليهود فشخص يوسف بن أخت أونياس إلى مصر ليصرف غضب الملك . وكان يوسف رجلا كيسا ذكي الفؤاد خفيف الروح لطيف المعشر فأحبه الملك وأعجب به حتى ص 706
أنه دعاه لينزل في قصره وكان يركبه معه في عربته ويدعوه إلى مائدته . وانفق أنه عرض خراج البقاع وفينيقية والسامرة بالمزاد فقدم الملتزمون 8000 وزنة من الفضة أي مليون و 200 ألف جنية فقدم يوسف ضعفي ذلك فقال الملك وم كفيلك قال مازحا " لأنت كفيلي أيها الملك وجلالة الملكة " فسر الملك منه ومنحه ما طلب وبقي في هذه الوظيفة نائلا رضى الملك مدة 22 سنة وهذا يوسف ثان في مصر .
" واقعة رفح الثانية سنة 217 ق. م " وفي عهد بطليموس الرابع الملقب فيلوبتر " سنة 222: 205ق. م " كان على سوريا أنطيوخوس الثالث الملقب بالكبير ففتح صور وعكا وزحف على مصر قصد افتتاحها فأتى بليوسيوم سنة 217 ق. م . فهب بطليموس الرابع وحشد جيوشه فكن مجموعها 73000 مقاتل من المصريين واليونان والمكدونيين وأهل تراقية والغليين و 73 فيلا . وسار قاصدا بليوسيوم ولكن قبل وصوله إليها كان انطيوخوس قد عاد بجيشه إلى سلوقية لقضاء فصل الشتاء فيها .
وسعى بعضهم إذ ذاك بالصلح بين الملكين فكان بطليموس يدعي أنه عند قسمة المملكة بعد قتل أنتيغونس وقعت فينيقية واليهودية والبقاع في نصيب بطليموس الأول . وزعم أنطيوخوس أنها وقعت في نصيب سلوقوس وهو وارثه وخليفته فهي إذا له . ولما لم يسلم فيلوبتر بذلك عاد انطيوخوس في الربيع فزحف على مصر ومعه من الجيوش 72000 من المشاة و 6000 من الفرسان و 102 من الأفيال . فزحف فيلوبتر بجيوشه إلى الحدود لصده عن الدخول لأرض مصر فالتقاه انطيوخوس قرب مدينة رفح " على نحو 100 ميل من بليوسيوم " وكان فيلوبتر متزوجا شقيقته أرسينوي فرافقته إلى الحدود وركبت فرسها وجالت معه بين الصفوف تحرض الجند على القتال والاستبسال في الدفاع عن نسائهم وأولادهم وحل الجيشان الواحد على مقربة من الآخر فدخل ثيودوت أحد قواد انطيوخوس ذات ليلة معسكر الجيش المصري متسترا في الظلام يصحبه نفران من أتباعه فظنه الجنود مصريا وسار حتى انتهى إلى خباء بطليموس قاصدا قتله ودك ركن الحرب بضربة واحدة ولم يكن بطليموس في خبائه فقتل طبيبه وهو يظنه الملك وجرح اثنين ص 707
من حاشيته فقلق الجيش ونجا ثيودوت تحت جنح الظلام وعاد إلى معسكره .
وفي الغد صف الملكان جيشيهما للقتال ووقف كل منهما أمام صفوفه تشجيعا لهم ونزلت امرأة بطليموس مع بعلها إلى ساحة القتال لتثير الحمية في رؤوس المصريين وفي بدء القتال ظهر أن المصريين كانوا في خطر الانكسار لأنه لما اقترب الجيشان وشمت الأفيال الأثيوبية رائحة الأفيال الهندية ارتعدت وانكمشت عن منازلة أفيال أضخم منها جدا . ثم عند التحام الجيشين انكسر الجناح الأيسر لكل منهما ولكن قبل أن ينتهي النهار انهزم انطيوخوس انهزاما تاما فرجع إلى غزة ومنها إلى انطاكيا تاركا في ساحة القتال عشرة آلاف قتيل وأربعة آلاف أسير . واسترجع بطليموس فينيقية واليهودية والبقاع وعاد إلى مصر .
" واقعة بليوسيوم السابعة نحو سنة 270 ق. م " وفي عهد بطليموس السادس الملقب فيلومتر " سنة 181: 146ق. م " كان على سوريا خاله أنطيوخوس الرابع الملقب ابيفانس وكان فيلومتر قد تولى الملك بعد وفاة أبيه سنة 181 ق. م وهو ابن ست سنين فاستلمت أمه أخت أنطيوخوس الرابع زمام الملك فكانت ذكية حسنة السياسة لكنها لم تعش طويلا فماتت سنة 173 ق. م . فتولى اثنان من الأخصاء " ليناي " أحد أشراف البلاد و " أولاي " أحد الخصيان زمام الملك بالوكالة . وكانا عاجزين ضعيفي الرأي وهما يجهلان عجزهما ويدعيان المقدرة على إدارة الملك فبدلا من تحصين الحدود وتقوية البلاد من الداخل أرادا أن يتشبها بطلاب المجد في مباشرة الحروب . وكان انطيوخوس الثالث قد انتزع اليهودية والبقاع من مصر ثم أعطاهما مهرا لابنته كليوبترا عند تزويجها بطليموس السادس ولم يسلمهما عند الزواج فأرسل ليناي وأولاي انذارا إلى انطيوخوس الرابع ملك سوريا ليخلي اليهودية والبقاع مهر كليوبترا فأبى بحجة أن شرط هبة البلادين مهرا لم يكن إلا تلجئة فهو فاسد باطل لا يعمل به فأعلنا الحرب عليه . فحشد جيوشه وسار إلى مصر فالتقاه فيلومتر بجيشه عند بليوسيوم فقهره انطيوخوس وأخذه أسيرا ثم تقدم إلى ممفيس فدخلها بدون مقاومة . وكان يوجيتس أخو فيلومتر مع شقيقته كليوبترا في الاسكندرية فأعلن نفسه ملكا على مصر ص 708
فزحف انطيوخوس بجيشه إلى الاسكندرية وحصرها ولكنه عجز عن فتحها فجعل فيلومتر ملكا في ممفيس وعاد إلى سوريا ولكنه أبقى بليوسيوم تحت سلطته وجعل فيها حامية قوية ليتمكن من الدخول إلى مصر أي وقت شاء . وقد أمل أن يتنازع الشقيقان ملك مصر فتشتعل بينهما حرب أهلية وتضطرب مصر فتمسي فريسة له .فعلم الشقيقان مراد انطيوخوس فعقدا صلحا على أن يملكا معا وفي الوقت نفسه اتخذ فيلومتر أخته كليوبترا زوجة له , وهذا الزواج الذي تقشعر منه أبداننا اليوم لم يكن ممنوعا بشرائع البلاد وعاداتها . وكانت كليوبترا السبب في منع الشقاق بين الشقيقين . وفي السنة التالية للصلح قدم انطيوخوس الرابع إلى مصر وطلب أن يعطى جزيرة قبرس ومدينة بليوسيم ثمنا لسكوته . ثم تقدم إلى ممفيس ففتحت له أبوابها ثم زحف على الاسكندرية .
" دولة الرومان " وكان الرومان في هذا العهد قد أسسوا جمهورية قوية في رومية وتغلبوا على فيلبس ملك مكدونية سنة 205 ق. م وقهروا هنيبال بطل قرطاجة العظيم في موقعة فاصلة قرب مدينة زاما سنة 202 ق. م وأصبحت المملكة الرومانية سيدة الممالك وجميع الدول ترهب جانبها وكان يورجيتس الثاني قد استجار بهامن انطيوخوس الرابع . فلما كان هذه على أربعة أميال من الاسكندرية التقاه سفراء رومية وأمروه بترك البلاد ولما لم يجب تقدم إليه بوبيلوس أحد السفراء ورسم بعصاه دائرة على الرمل حول مجلسه وقال له " إذا تخطيت هذه الدائرة قبل أن تعد بالخروج من مصر فيعد ذلك منك إعلانا للحرب على رومية " فلم يسع انطيوخوس إذ ذاك إلا الخروج من مصر وكان ذلك سنة 169 ق. م
" دولة المكابيين اليهود " هذا وفي مدة الحرب بين بطليموس السادس وانطيوخوس الرابع انقسم اليهود بينهما حزبين .فلما عاد انطيوخوس من مصر أول مرة سنة 170 ق. م دخل أورشليم ساخطا فأخذ يقتل في الذين كانوا على غير حزبه ونهب الهيكل وسمى على اليهود يونانيا يدعى فيلبس فأذلهم .
وكان أونياس رئيس الكهنة في رأس حزب مصر فجمع جمهورا كبيرا من رجال ص 709
حزبه وأتى بهم إلى مصر فأحسن فيلومتر استقبالهم وأكرم مثواهم وأقطعهم أرضا في أون في مقاطعة هليوبولس على نحو 20 ميلا من ممفيس الأرض التي سكنها أجدادهم لما دخلوا مصر مع يعقوب قبل هذا العهد بمئات السنين وأذن لهم أن يبنوا هيكلا ويرسموا كهنتهم ويقيموا شعائر ديانتهم فبنى أونياس هناك هيكلا على مثال هيكل أورشليم . فكان بناء هذه الهيكل وإقامة الشعائر الدينية فيه علة دائمة للخصام بين اليهود اليونان واليهود العبرانيين ز
ثم لما عاد انطيوخوس من مصر المرة الثانية سن 168ق. م عزم على النقمة الشديدة من اليهود فأرسل لإتمام عزمه قائدا يسمى أبولونيوس وجهزة بجيش كبير فأتى أورشليم وانتظر حلول السبت فدخل المدينة وسرح جنوده فقتلوا الرجال واستعبدوا النساء والأولاد وأحرقوا المنازل وهدموا الأسوار ثم احتلوا البرج على جبل صهيون وحصنوه ليتمكنوا من التسلط التام على المدينة . وبقي هذا الحصن في يد جنود ملك سوريا إلى أن طردهم منه سمعان المكابي سنة 143 ق. م ثم سعى انطيوخوس في إلغاء دين اليهود وإكراههم على دين اليونان فأرسل إلى أورشليم لهذا الغرض رجلا شديد التعصب يدعى أثينيوس فأقام في الهيكل تمثالا لزفس وتمثالا لأنطيوخوس وقدم لهما ذبائح من الخنازير وأكره الناس على المشاركة فيها . وبلغ الظلم حدا لا يتحمله الطبع البشري فكان ذلك السبب في قيام دولة المكابيين المشهورة بين اليهود . وذلك أنه لما عظم الاضطهاد على اليهود في أورشليم فر منها من استطاع الفرار وكان بين هؤلاء كاهن اسمه متاثيا فر إلى مدينة مودين في نواحي بلاد فلسطين هو وعائلته وكان خمسة بنين فاتى رسول الملك إلى مودين وبنى بذبحا وأمر السكان أن يذبحوا للأوثان وقال من لم يمتثل الأمر يقتل فأراد أحدهم أن يعمل بأمر الملك فقام عليه متاثيا وقتله وقتل رسول الملك وهدم المذبح ونادى بالدفاع عن شريعة موسى . ثم التجأ إلى بعض كهوف الجبال فنصره بنوه وجماعة من أهل الحمية الدينية فأعلن الجهاد على اليونان .
وكان متاثيا طاعنا في السن فمات سنة 166 ق.م وخلفه ابنه يهوذا وكان رجلا شهما حسن التدبير يلتهب غيرة على وطنه ودينه وجنسه فاستمر بالجهاد الذي أعلنه ص 710
أبوه على اليونان وأصلاهم هو وأخوته من بعده حربا دامت سنين أظهروا فيها من البأس وصدق العزيمة في النزال ما أدهش الأعداء . وكان من خطة يهوذا أن يبيت الأعداء ويهاجمهم على غير انتظار ثم يستبسل في القتال وقد انتصر على جيوش انطيوخوس في عدة وقائع واسترجع اورشليم عنوة 165ق. م . ثم تكاثرت عليه جيوش اليونان فاضطر إلى الفرار منها وطاردوه إلى نواحي أشدود وكانوا نحو 20 ألفا ولم يكن معه سوى 800 رجل فثبت هو ورجاله وحاربوا حرب الأبطال مدة ولما تكاثرت عليه الجيوش نادى رجاله قائلا " لقد دنا أجلنا فلنمت موت الأبطال " ثم حملوا على ميمنة العدو فكسروها غير أن الميسرة دارت عليهم من خلفهم وأحاطت بهم لقلة عددهم فقتل يهوذا ومعظم رجاله وكان يلقب مكابيوس فعرف قومه بالمكابيين . وخلفه أخوه يوناثان . ثم أخوه سمعان وما زال هذا يجاهد في سبيل الاستقلال . حتى ناله وعاد إلى أورشليم سنة 143 ق. م وطرد اليونان منها . وقد ساعده على الاستقلال محالفته للرومان وانقسام أفراد الأسرة السلوقية بعضهم على بعض وقيام دولة الفرثيين في شرق دجلة وطموحها لامتلاك سوريا وانتزاعها من يد السلوقيين . وقتل سمعان غدرا سنة 135 ق. م وخلفه ابنه هركانوس فملك إلى سنة 106 ق. م . وخلف هذا ابنه ارسبوبولس فكان أول من لبس التاج وسمى نفسه ملكا ولكنه كان يسمى أيضا رئيس الأحبار . وخلفه أخوه اسكندر ينيوس سنة 105 ق. م . فملك إلى سنة 78 ق. م . وكان له ابنان هركانس الثاني وارستوبولس فصار الأول وهو البكر رئيس الكهنة والثاني قائد الجيوش . وكان اليهود في آخر ملك هركانوس الأول قد انقسموا حزبين دينيين سياسيين :
" الصدوقيين ِ" ويقولون أنه ليس قيامة ولا ملاك ولا روح
" والفريسيين " ويقولون بكل ذلك " أعمال 23: 8 "
وكان هذا الخلاف علة الشقاق الدائم والخراب . وقد استولى الرومان على سوريا وانتزعوها من يد السلوقيين سنة 64 ق.م ثم استولوا على اليهودية عنوة على يد بمبيوس الكبير سنة 63 ق. م فولى بمبيوس هركانوس الثاني واليا على اليهودية تحت ص 711
سلطة رومية وأخذ أخاه ارستوبولس أسيرا إلى رومية . ومن ذلك العهد صار الرومان يولون الولاة من قبلهم على اليهودية إلى انقضاء ملكهم .
وكان هدم استقلال المكابيين ضربة قاضية على يهود مصر كما كان على يهود سوريا فإن يهود مصر لما كان إخوانهم أسياد اليهودية كانت رؤوسهم مرفوعة وكان مقامهم فيها كمقام اليونان . فلما سقطت أورشليم وزال ملكهم نكست رؤوسهم وانحطوا في عيون أنفسهم كما انحطوا في عيون الآخرين ونزلوا عن مقامهم إلى مصاف عامة المصريين .
" واقعة بليوسيوم الثامنة سنة 55 ق. م " هذا وكان على مصر في هذا العهد بطليموس الملقب أوليتس وكان ضعيفا فكرهه قومه . وفي سنة 57 ق. م ضم الرومان قبرس إلى أملاكهم فلم يحتج عليهم فزاد قومه كرها له وقاموا عليه بالسلاح ففر إلى رومية وطلب من مجلس الشيوخ أن يساعدوه بجيش لاسترجاع ملكه . فلم يفلح لأن رئيس الكهنة أعلن أنه ثابت في كتبهم " إن رومية يجب أن تكون صديقة ملك مصر ولكن لا يجب أن تمده بجيش " إلا أن أوليتس تمكن من مصادقة " بمبيوس الكبير " فأخذ منه كتاب توصية إلى غابينوس الوالي الروماني على سوريا وأتى سوريا فنقد غابينوس 15000جنيه على أن يمكنه من استرجاع عرش مصر فجهزه غابينوس بجيش وأرسل معه مرقس أنطونيوس أميرا على الفرسان وأمده هركانوس والي اليهودية بجيش وأرسل معه مرقس أنطونيوس أميرا على الفرسان وأمده هركانوس والي اليهودية بجيش من اليهود بقيادة انتيباتر الأدومي . وسار غابينوس بالجيشين سنة 55 ق. م حتى أتى بليوسيوم وكان مرقس أنطونيوس مع فرسانه في المقدمة فكسر الجيش المصري ودخل المدينة فأراد أوليتس أن يعمل السيف بأهلها فمنعه مرقس أنطونيوس . ثم أقبل غابينوس نفسه بجيش وزحف على مصر ففتحها بلا عناء وقتل بيرنيس المالكة في مصر وزوجها أرفلاوس وولى أوليتس عرش مصر كما كان وعاد إلى سوريا .
" واقعة بليوسيوم التاسعة سنة 48 ق. م " ومات أولبتس سنة 51 ق. م عن ابنين وبنتين وهما كليوبترا وأرسينوي وبطليموس الأكبر وبطليموس الأصغر وكتب في وصيته أن تتزوج بنته الكبرى كليوبترا بابنه الأكبر بطليموس ويتوليا عرش مصر معا وأرسل نسخة من وصيته إلى مجلس رومية واستحلفه بمعبوداته أن ينفذ ص 712
الوصية ويتولى الوصاية على ابنه إلى أن يبلغ سن الرشد . فأنفذ مجلس الرومان الوصية وعين بمبيوس وصيا لبطليموس الأكبر ولكنه كان في الواقع واليا على مصر . وكانت كليوبترا أكبر من أخيها زوجها وداهية عاتية أحبت الاستقلال في الملك فحاولت طرده وانتشبت الحرب بينهما فانهزمت كليوبترا ولحقت بسوريا وهناك جمعت العساكر وعادت إلى مصر فغلبته وقتلته وانفردت بالملك .
وفي هذه الأثناء تنازع بمبيوس الكبير وبوليوس قيصر السلطة في رومية فأرسلت كليوبترا ستين مركبا حربيا لمساعدة بمبيوس الكبير ولكن يوليوس قيصر فاز عليه في موقعة فرساليا " في مقاطعة تساليا من أعمال اليونان " سنة 48 ق. م فانتهز الخصي بوثينس المتولي العناية ببطليموس الأصغر الفرصة وأعلن سيده ملكا على مصر وعزل كليوبترا . ففرت إلى سوريا وهناك جندت جيشا وزحفت به على بليوسيوم فقابلتها الجيوش المصرية ووقف الجيشان هناك الواحد تجاه الآخر بينهما بضع غلوات .
وكان بمبيوس الكبير عند انكساره في موقعة تساليا قد ركب سفينة وفر من وجه قيصر قاصدا مصر فأتى بليوسيوم لاجئا إلى أولاد أوليتس لأنه كان أحسن إلى أبيهم كما مر . ولكن يقال أن عرفان الجميل فضيلة قلما توجد في القصور .
وكان الاسكندريون في هذه الحرب الأهلية بين بمبيوس الكبير وقيصر يودون أن يكونوا على الحياد فلما جاء بمبيوس الكبير بهذه الحال اضطروا أن يختاروا حزبا فاختاروا حزب الأقوى . وكان أصحاب الكلمة في مجلس بطليموس الصغير : بوثينوس الخصي وأشيلاس القائد المصري وثيودونس معلم بطليموس الأصغر فقر رأيهم على قتل بمبيوس الكبير . قال ثيودوتس " إننا بقتل بمبيوس تحمل يوليوس قيصر منة ولا نخشى شرا " ثم قال باسما : " إن الموتى لا يعضون " فأصدروا أمرا إلى أشيلاس القائد المصري ولوسيوس سبتيميوس قائد العساكر الرومانية في الجيش المصري فذهبا إلى شاطئ البحر ورحبا ببمبيوس واستقبلاه مقابلة الصديق للصديق فأنزلاه من سفينته إلى قاربهما وأتيا به إلى البر فقتلاه ثم قطعا رأسه وأحضراه إلى الملك وطرحا جثته في البحر . قيل فانتشلها عسكري روماني وأحرقها ودفن رمادها على الشاطئ ص 713
ثم نصب عليها حجرا وكتب عليه بفحمة " بمبيوس الكبير " سنة 48 ق . م وقد ذلك بقليل وصل قيصر غلى الاسكندرية مطارد بمبيوس فوفد عليه أصحاب الملك وقدموا له رأس بمبيوس فاقشعر بدنه من رؤيته وحزن عليه كثيرا وأمر بدفنه مكرما . وقد أراحه بطليموس الأصغر ورجال مجلسه من جريمة قتل حميه . ولم يكن مع قيصر عند وصوله الاسكندرية إلا 3200 من المشاة و800 فارس وقد ظن أنه بعد انتصاره الباهر على بمبيوس في فرساليا لم يبق له حاجة إلى قوة أكبر وإن لوسيوس سبتيميوس ومن معه من العساكر الرومانية في مصر ينضمون إليه . ومع ذلك فقد أرسل إلى الكتائب التي تركها في آسيا أن توافيه إلى مصر . ولما كان قد أصبح بعد انتصاره على خصمه القنصل الوحيد لرومية ادعى الحق بفض الخلاف بين كليوبترا ملكة مصر وأخيها فأمرهما بصرف جيوشهما من بليوسيم . وكان بطليموس الأصغر قد رجع إلى الاسكندرية فمال إلى إطاعة الأمر ولكن وصية بوثينس لم يرق له ذلك فأرسل سرا غلى أشيلاس قائد الجيوش المصرية في بليوسيوم أن يحضر بجيشه إلى الاسكندرية ليتمكن من إصدار الأمر إلى قيصربدلا من استماع أوامره وأرسل بطليموس الأصغر بأمر قيصر اثنين من أخصائه إلى أشيلاس ليبقى في بليوسيوم وكان أشيلاس من رأي بوثينس فقتل رسولي بطليموس وزحف على الاسكندرية ومعه من الجيوش 20000 من المشاة و 2000 من الفرسان . وكانت كليوبترا لا تزال مع جيشها وراء بليوسيوم ولما كانت بارعة جدا في الجمال رأت . وكان رأيها في محله أنها تؤثر على قيصر بجمالها أكثر مما تؤثر عليه بكتبها للحكم لها على أخيها فأتت متخفية بقارب صغير ومعها رفيق من أخصائها من أهالي جزيرة سيسيليا وقد رات أنه يستحيل عليها أن تدخل القصر مكشوفة فلفت نفسها في سجادة وأمرت رفيقها فحملها على ظهره كأنها طرد بضاعة وأتى بها إلى قيصر ففتنته بجمالها ونالت منه ما تمنت . ثم وصل أشيلاس بجيشه إلى الاسكندرية فاعتصم قيصر في القصر الملكي الحصين قرب المرفأ ومعه من الرهائن ابنا أوليتس وأختهما ارسينوي ويوثينوس الخصي ص 714
فحصره أشيلاس في القصر وواقعه في عدة وقائع كان النصر فيها يتراوح بين الفريقين ثم فرت ارسينوي من القصر ولجأت إلى جيش أشيلاس وأرسل يوثينس إلى أشيلاس يعلمه أن قيصر يعوزه الزاد ويحثه على استمرار الحصار فعلم قيصر بذلك فقتله . ووقع خلاف بين ارسينوي وأشيلاس فأمرت بقتله وولت خصيها جانيميدس قائدا عاما على الجيوش مكانه واستبدت بملك مصر فشددت الحصار على قيصر وهاجمته برا وبحرا وقيصر يرد هجماتها حتى كل الفريقان من القتال وعقدا هدنة . ومل الاسكندريون تحكم ارسينوي وأشيلاس فأمرت بقتله وولت خصيها جانيميدس قائدا عاما على الجيوش مكانه واستبدت بملك مصر فشددت الحصار على قيصر وهاجمته برا وبحرا وقيصر يرد هجماتها حتى كل الفريقان من القتال وعقدا هدنة . ومل الاسكندريون تحكم ارسينوى وخصيها قائد جيشها وطلبوا من القيصر ملكهم بطليموس الأكبر فأرسله إليهم ظنا منه أنه يريحه شر أرسينوى وينهي هذه الحرب التي لم تكن تخطر له على بال . ولكن بطليموس خيب أمل قيصر فشدد عليه الحصار ووضع بعض المراكب في فم النيل الكنوبي لمنع وصول الزاد إليه من سوريا فأرسل قيصر عمارته من الاسكندرية لتشتيت هذه المراكب فرجعت خائبة خاسرة .
" واقعة بليوسيوم العاشرة " وفي هذا الوقت قدم متريدات ملك برغامس بجيش من سوريا وسيليسيا لنجدة قيصر ونزل تجاه بليوسيوم وحمل على أسوارها وافتتحها عنوة يوم وصوله ثم زحف نحو ممفيس حتى أتى هليوبولس فحاول أن يعبر النيل هناك فتصدى له اليهود القاطنون تلك الجهة وحملوا السلاح في وجهه ولكن متريدات أتاهم بكتب من أبناء جنسهم في أورشليم فلما اطلعوا عليها انقلبوا إلى معونته . وكان الوالي على اليهودية إذ ذاك من قبل الرومان هركانوس الثاني فأرسل انتيباتر الأدومي المار ذكره بجيش مؤلف من 3000 من السوريين اليهود والعرب لنجدة قيصر فوصل في وقت الحاجة إليه .
وكان بطليموس قد علم بقدوم متريدات فأرسل قوة إلى الاسكندرية لمنعه من عبور النيل ثم لحقها بجميع جيشه وبذلك ارتفع الحصار عن الاسكندرية فسار قيصر لمعونة متريدات وتمكن من الانضمام إليه قبل انتشاب القتال مع جيش بطليموس فواقع بطليموس في عدة وقائع عند رأس الدلتا فغلبه فامتنع بطليموس في معسكر حصين وراء ترعة عميقة فحمل قيصر عليه وكسر جنوده ففروا بلا نظام إلى مراكب لهم في ص 715
النيل وغرق مركب بطليموس من كثرة اللاجئين إليه وكان هو بين الغرقى ووقعت ارسينوى أسيرة في يد قيصر . وبعد هذا النصر أسرع قيصر بفرسانه إلى الاسكندرية فدخلها بلا معارض وأصبح الآمر الناهي فأمر بتنفيذ وصية بطليموس أوليتس كما هي . ولما كان الابن الأكبر من ابني أوليتس قد مات عين بطليموس الأصغر وسنه إذ ذاك 11 سنة شريكا لكليوبترا في الملك وعاد إلى رومية آخذا الأميرة أرسينوى أسيرة معه . وترك في مصر حامية من العساكر الرومانية تنفق عليها كليوبترا وتكون اسميا تحت أوامرها ولكنها فعلا تحفظ مصر تحت طاعة رومية . وكانت كليوبترا قد ولدت لقيصر ابنا وسمته قيصر الصغير فلما بلغ من العمر أربع سنين ذهبت به إلى رومية فأحسن قيصر استقبالها واسكنها قصرا له على نخر التيبر . وفي 15 مارس سنة 44 ق. م قتل قيصر في الندوة غيلة بمؤامرة أخص منشئيها كاسيوس وبروتس الذي غمره قيصر بنعمه ووقعت رومية بيد ثلاثة من قوادها وهم اوغسطوس قيصر ومرقس انطونيوس ولبدس فسميت حكومتهم بالحكومة الثلاثية . فطلبت كليوبترا من مجلس الأعيان الاعتراف بجعل ابنها من قيصر شريكا لها في ملك مصر بدلا من أخيها ولكن رجال السلطة إذا ذاك لم يسعفوها على ذلك فعادت إلى مصر وهي تنزي إنفاذ عزمها بالقوة عند سنوح الفرصة . ولما كان بطليموس أخوها زوجها الثاني دون البلوغ لم يكن يهمها بقاؤه فلما دخل في سن الخامسة عشرة وصار يمكنه أن يطلب المساواة بها أمرت بعض عبيدها فقتلوه فحكمت وحدها وسمت ابنها شريكا لها في العرش وأرسلت من مصر جيشا مؤلفا من أربع كتائب رومانية إلى سوريا لينصروا مرقس انطونيوس على قاتلي قيصر فلما وصلت هذه الكتائب . إلى سوريا حارها كاسيوس وضمها إلى القوة التي جمعها لمحاربة مرقس أنطونيوس ولكن مرقس انطونيوس تغلب على جميع خصومه وأرسل أمرا إلى كليوبترا لتوافيه إلى طرسوس فوافته إليها في زورق مجاذيفه من فضة وقلوعه من حرير مدبج ومفروش بأنفس الرياش وارتدت أفخر ثيابها وأحاطت نفسها بجواريها فأدهشته بغناها كما فتنته بجمالها وقد أرسل بطلبها وهو لها السيد الآمر فأصبح العبد الطائع . وكان أول ما طلبت ص 716
منه أن يقتل أختها ارسينوى ليخلو لها الجو في مصر فقتلها في هيكل ديانا في أفسس ثم سألته أن يأتي معها إلى الاسكندرية فحضر وأولدها بنتا ثم توأمين صبيا وبنتا . ثم بلغه أن خصمه أوغسطوس قيصر طرد امرأته وأخاه من رومية فأسرع إلى رومية وقبل وصوله كانت امرأته قد ماتت فتزوج بأخت أوغسطوس تقوية لحزبه . ومع ذلك فإن الوحشة قد ازدادت بين انطونيوس واوغسطوس حتى أدت إلى حرب بينهما في اكسيوم سنة 31 ق. م كان أوغسطوس الفائز فيها . ففر انطونيوس إلى الاسكندرية وعاش الرخاء والترف التي اعتادها من قبل .
" واقعة بليوسيوم الحادية عشرة " فتبعه اوغسطوس مطاردا له حتى أتى بليوسيوم وحارب جيش مصر بالبر والبحر فسلمت له بليوسيوم وزحف على الاسكندرية فخرج انطونيوس لمصادمته برا وبحرا ولكن قواد انطونيوس خانوه وفتحوا الطريق لاوغسطوس فدخل المدينة وعند ذكل استل انطونيوس سيفه وجعل رأسه على صدره ثم انثنى عليه فاخترق قلبه وخر قتيلا .
أما كليوبترا فقد أمر أوغسطوس فقبض عليها حية وكان يحب ان يأخذها أسيرة إلى رومية ليتباهى بها ولكنها لما علمت بانتحار حبيبها انطونيوس شربت سما وماتت . والمشهور أنها أفلتت على صدرها حية أتي بها إليها في سلة ثمار فلسعتها فماتت وهي في ال 39 من عمرها وقد ملكت 22 سنة ودفنت في قبرها باحتفال ملكي . وبها انتهت دولة البطالسة وبدأت دولة الرومان على مصر وذلك سنة 30 ق.م
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق