401
تاريخ سيناء القديم والحديث وجغرافيتها
الترك العثمانيون والعرب منذ سنة 922هـ 1517م إلى اليوم
لما زحف جنكزخان بجيوشه من الشرق وغزا تركستان في أوائل القرن الثالث عشر كما قدمنا جلت من وجهه قبيلة قابي خان بقيادة زعيمها سليمان شاه بن ألب أرسلان سنة 621هـ 1224 م وسارت غربا من شرق بحر الخزر تطلب مقاما لها ومراعي لمواشيها حتى أتت الفرات . وفيما هم يعبرون النهر عند قلعة جعبر غرق زعيمهم سليمان شاه فدفنوه عند القلعة . قالوا وتشاءم بعضهم من غرق زعيمهم فعادوا إلى بلادهم وبقي منهم نحو 400 خيمة برئاسة أرطغرل بن سليمان شاه فنزلوا في نواحي مدينة " أخلاط " غربي بحيرة " وإن " وأقاموا هناك مدة ثم ارتحلوا غربا يخترقون آسيا الصغرى واتفق أن كان ارتحالهم في العهد الذي زحف فيه هولاكو التتري من بغداد لفتح آسيا الصغرى من الأتراك السلجوقيين كما مر . فلما اقترب الأتراك العثمانيون من قونية شاهدوا من بعد غبارا متصاعدا وحربا قائمة فأقروا على الدخول في الحرب انتصارا لأضعف الفئتين وانتصروا لها فعلا وهم لا يدرون لمن ينتصرون . ثم علموا أنهم انتصروا للسلجوقيين وقهروا التتر فشكروا الله على ذلك وسر علاء الدين صاحب قونية من فعلهم فأقطعهم بلاد فريجيا على حدود بلاده مما يلي مقاطعة بورصة التي كانت إذ ذاك بيد الروم . وكانت مدينة سكود أهم مدن فريجيا فاتخذها أرطغرل مركزا له فولد له فيها ولد سنة 656هـ 1258 م شماه عثمان وهو جد سلاطين آل عثمان ومؤسس الدولة العثمانية .
" 1- عثمان الأول " وفي سنة 680هـ 1281 م توفي أرطغرل فخلفه ابنه عثمان فأغار على أعداء السلاجقة في فرة جه حصار وبلاد أخرى واستولى عليها فسر منه السلطان علاء الدين وأعلنه أميرا وأهدى إليه الطبل والحربة علامة الإمارة ولقبه بالغازي وذلك سنة 699هـ 1299م
وتوفي علاء الدين في تلك السنة بلا عقب فاستقل الولاة السلجوقيون كل منهم في ولايته وأعلن عثمان أيضا استقلاله في ولايته ونقل كرسيه إلى مدينة يني شهر وذلك في 27 يناير سنة 1300م وهو تاريخ تأسيس الدولة العثمانية . ص 656
وكانت بورصة إذ ذاك لا تزال بيد الروم فزحف عليها وحصرها وتوفي سنة 726هـ 1326م قبل أن يدخلها جيشه .
" 2- أورخان " فخلفه ابنه أورخان ففتح بورصة ونقل إليها كرسي ملكه . وألف جيشا من 6000 أسير نصراني اعتنقوا الإسلام وسموا " الانكشارية " . وعبر بهم الدردنيل سنة 1356م وفتح مدينة غليبولي وهي أول مدينة استولى عليها العثمانيون في أوربا .
" 3- مراد الأول " وقام بعده ابنه مراد الأول سنة 761هـ 1360م فاستولى على أكثر الإمارات السلجوقية في آسيا الصغرى ثم اجتاز الدردنيل وافتتح مدينة ادرنة سنة 1361م وجعلها كرسي ملكه .
" 4- بايزيد الأول " وخلفه ابنه بايزيد الأول سنة 792هـ 1389م . فأدخل سائر بلاد السلاجقة في آسيا الصغرى في سلطته ودوخ البلقان كلها وبلاد اليونان وحاصر القسطنطينية عشر سنوات وكان مصمما على أخذها .
" تيمورلنك " وفي هذه الإثنا ظهر في بلاد التتر الجبار العظيم تيمورلنك ولم يكن من الأسرة المالكة بل كان متزوجا بأميرة من أسرة جنكزخان فزحف على بغداد وافتتحها بايزيد رفع الحصار عن القسطنطينية وسار بجيوشه فالتقى تيمور لنك بالقرب من مدينة أنقرة سنة 805هـ 1402م وجرت هناك واقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من الفريقين وكانت الغلبة لتيمورلنك ووقع السلطان بايزيد أسيرا في يده . قيل فسجنه في قفص من حديد فمات قهرا سنة 1403 م . وكان تيمور لنك قد عزم على فتح القسطنطينية ولكنه لما لم يجد السفن لعبور البوغاز عدل عن عزمه وزحف على دمشق الشام فخر بها تخريبا عظيما ويقال أنه قتل عددا كبيرا من أهلها انتقاما للحسين لأنه كان شيعيا . ثم عاد إلى بغداد فمات فيها حفيده محمد فاغتم لموته كثيرا وعاد إلى بلاده .
" 5- محمد الأول " وخلف بايزيد ابنه محمد الأول سنة 816هـ 1421م فوالى الفتوحات ص657
ووسع فرقة الانكشارية حتى زادت على مئة ألف مقاتل وأتم تدويخ اليونان .
" 7- محمد الثاني " وملك بعده ابنه محمد الثاني سنة 855هـ 1541م ففتح القسطنطينية سنة 857هـ 1453م على عهد امبراطورها فسطنطين الثاني عشر ونقل إليها عاصمة السلطنة ولم تزل إلى اليوم .
" 8- بايزيد الثاني " وخلفه ابنه بايزيد الثاني سنة 886هـ 1481م فسار إلى مصر لنزعها من يد المماليك الجراكسة فلم يفلح . وكانت سلطة الانكشارية قد قويت في السلطنة فلما كانت سنة 918هـ 1512م اضطروه أن يتنازل لابنه سليم
" 9- سليم الأول " وفي سنة 922هـ 1516م زحف السلطان سليم بجيش عظيم على الشام ثم على مصر فافتتحهما كما مر . وكانت الحجاز تابعة لمصر فاستولى عليها . ثم نظم مصر وولى عليها الولاة وعاد إلى الآستانة .
وكان في مصر عند افتتاحها المتوكل على الله الخليفة ال 55 من الخلفاء العباسيين فصحبه إلى الآستانه ومات هناك . وبذلك انتهى أمر الخلافة العربية .
" 10- سليمان الأول " وخلف السلطان سليم ابنه سليمان الأول سنة 926هـ 1520م فسن لبلاده القوانين الإدارية والعسكرية فلقب بالقانوني . وكانت العراق في ذلك العهد بيد الفرس افتتحوها من التتر سنة 1502م فلم يسع الترك بعد أن ملكوا سوريا ومصر والحجاز أن تكون العراق شوكة في جنبهم فسير السلطان سليمان جيشا ففتح العراق سنة 1535م
ثم أرسل عمارته إلى بلاد المغرب فطرد الأسبان منها واستولى على تونس والجزائر وطرابلس الغرب فأصبح تحت سلطة ترك الآستانة أو تحت سيادتهم جميع الممالك العربية وفيها بلاد الشام والعراق التي تعد سياج الحرمين والحرمان الشريفان . وبيت المقدس والنجف وكربلاء وسامرا وغيرها من الأماكن المقدسة . وقد بلغت الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان مبلغها من الصولة والاتساع فامتدت من بودابست على نهر الطونة إلى أسوان شمالا وجنوبا ومن نهر دجلة إلى حدود مراكش شرقا وغربا فشملت رومانيا والصرب والبلقان والبوسنة والهرسك ص 658
والجبل الأسود وألبانيا واليونان في أوربا , وقبرص ورودس وكريت في البحر المتوسط وآسيا الصغرى والشام والعراق والحجاز واليمن في آسيا . ومصر والنوبة وبني غازي وطرابلس العرب وتوني والجزائر في أفريقيا وكلها كما ترى بلاد أجنبية عن الترك جنسا أو جنسا ودينا . ومعلوم أن الأمة المستعمرة التي تحكم أمما من غير جنسها أو من غير دينها لا بد لتعزيز حكمها أن تتوافر فيها صفات وشرائط خاصة أهمها :
1- أن تكون أسمى إدراكا وأوسع علما وأرقى حضارة وأقوى عدة وأتم نظاما من الأمم التي تحكمها
2- أن يكون أساس حكمها العدل . وأن تحكم كل قوم بما يناسب حالهم وزمانهم من الشرائع والقوانين
2- أن تعطي الأمم المحكومة من حق الحكم على قدر ما عند تلك الأمم من الاستعداد الطبيعي والاكتسابي لذلك 4- أن تكون وطأة حكمها خفيفة لينة حتى أن الأمم المحكومة لا تكاد تشعر أنها محكومة من غير أبنائها . 5- ألا تقدم على فتح بلاد جديدة حتى تكون قد نظمت البلاد التي في يدها ووطدت فيها أسباب الأمن والراحة والرقي .
وهذه الشرائط وهذه الصفات لم تتوافر في خلفاء سليمان القانوني على الآستانة وقد دل التاريخ ان العربي على بداوته وأميته أصلح جدا للإستعمار من ترك الآستانة :
انظر إلى العراق الذي كان في عهد حمورابي قديما والرشيد حديثا جنة الله في أرضه كيف أصبح الآن وأكثر أراضيه قفار . وقد كانت جبايته في عهد المأمون نيفا وعشرين مليون دينار والآن لا يزيد عن مئتي ألف جنيه
وهذه سوريا التي كانت في عهد الأمويين تسع 12 مليونا من السكان وجبايتها 000, 730, 1 دينار لا يكاد عدد سكانها يبلغ الآن مليونين ونصف مليون من النفوس وجبايتها لا تتجاوز 750 ألف جنيه . وقد أقفرت ديارها وعفت آثارها وتشتت أهلها في أقاصي المعمور يقاسون من ذل الغربة وآلام البعد ما يفتت الأكباد . وماذا بمصر ؟ نزلها الفراعنة قديما والفاطميون حديثا فتركوا في واديها من الآثار ما لا يزال قائما إلى اليوم ناطقا بفضل العرب وشاهدا بمقدرتهم الطبيعية واستعدادهم الفطري للوصول إلى أعلى درجات التمدن والارتقاء . ولقد كانت جباية مصر في عهد ص 659
عمرو بن العاص العربي البدوي 20 مليون دينار فأمست في آخر حكم ولاة الآستانة على مصر قبل أن تولاها محمد على باشا حوالي 65 ألف جنيه .
وقد بدأت الدولة العثمانية في الانحطاط منذ عهد السلطان سليمان القانوني وانتقض عليها جميع الشعوب التي خضعت لسلطانها ففازت الشعوب الأوربية كلها بالاستقلال التام وفازت مصر باستقلالها الإداري عن يد الأسرة المحمدية العلوية كما قدمنا . ولم يبق للدولة إلا جزء صغير في أوربا وآسيا الصغرى وسوريا والعراق وبعض جزيرة العرب . وكان الانكشارية الذين بسواعدهم بنوا مجد الدولة هم السبب الأعظم في هدمه .
ولقد بلغ الظلم والخراب حدهما في عهد السلطان ال 34 عبد الحميد السابق فألف الاتحاديون جمعية سرية استمالوا إليها نخبة شبان الجيش فدكوا عرش عبد الحميد وبنوا على انقاضه حكومتهم الدستورية وكان ذلك سنة 1908 . وقد حبذت الأمة كلها عملهم وصرتهم على اختلاف الأجناس والأديان . ولكنهم ما لبثوا أن استأثروا بالسلطة وأرادوا أن يكون لهم الأمر والسيادة وللعرب , وسائر الأمم العثمانية . الخضوع والطاعة . وقد عملوا على تعميم اللغة التركية وطمس اللغة العربية حتى في المحاكم . فقام عقلاء الترك والعرب وبينوا لهم خطأ هذه الخطة وطالبوا بالإصلاح على مبدإ اللامركزية وقالوا إنه بهذا المبدإ وبه وحده يحفظ كيان الدولة ونظامها . فما صغوا لهذا القول ولم يكن لطلاب الإصلاح أمة مستجمعة القوى متحدة المقاصد تشد أزرهم ففشلوا .
والآن فإن الاتحاديين على رغم عقلاء الترك والعرب من رعايا الدولة والنصحاء المخلصين من غير رعاياها قد زجوا بأنفسهم وبالدولة في هذه الحرب الجهنمية في جانب الألمان لغير ما سبب . فأضاعوا إلى الآن عشرات بل مئات الألوف من نخبة شبان البلاد وكهولها وعطلوا المتاجر وأوقفوا الصنائع وجلبوا على أنفسهم وعلى أمتهم من الويلات والأحزان ما لا يعبر عنه بقلم أو لسان . وماذا جنوا .
أما الألمان فإنهم جنوا نفعا كبيرا ظاهرا لأمتهم ولبلادهم فقد اشغلوا بجيوش الترك والعرب قسما كبيرا من جيوش أعدائهم . وأما الاتحاديون فإنه لم يكن لديهم المال للإنفاق على الحرب فاستمدوه من الألمان فوضع الألمان أيديهم على مرافق ص 660
البلاد الحيوية ومراكزها الرئيسية تأمينا على أموالهم بل وضعوا أيديهم على الجيش زهرة شبان البلاد ليديروه بما يوافق مصلحتهم فأصبحت البلاد العثمانية برمتها . من ملكية وعسكرية . عربية وتركية . مسلمة ومسيحية مستعمرة ألمانية . والحلفاء الآن باذلون الجهد لانتزاعها من يد الألمان . وهناك أدلة كثيرة على أنه لا بد من فوز الحلفاء عاجلا أو آجلا . وفي الحالين فإن الاتحاديين قد أضاعوا ملكهم بسوء سياستهم " أعطيت ملكا ولم تحسن سياسته وكل من لايسوس الملك يخلعه
وأما جزيرة العرب فالطبيعة ورجالها تحميها . وقد ِأعلن الحلفاء استقلالها تحت يد أمرائها . وأصدر الجنرال السرجون مكسويل القائد العام البريطاني بمصر منشورا وجهه إلى " العرب الكرام " بتاريخ 31 ديسمبر سنة 1914 جاء فيه ما نصه : " إن جلالة الملك جورج الخامس ملك الانكليز قد أعلن أنه لا يتخذ اجراءات حربية برية أو بحرية في بلاد العرب أو في موانيها ما لم تمس الحاجة إلى ذلك قصد حماية مصالح العرب من اعتداء الترك وغيرهم أو انجاد من ينهض من العرب للخلاص من ربقة الترك "
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق